الفصل الرابع (4) الجزء الأول (1)

4988 Words
#إنّي_اقترفتُكِ [[ الفصل الرابع]] _ عشقٌ مسمومٌ _ ---------------------------------------------------------- عَمَّ السكون الأجواء المُحيطة به، قرر الاعتكاف داخل جُحره المُعتاد هربًا من نفسهِ ووساوسه إليها .. كانت هذه الشقة هي ملاذه الوحيد عندما يضيق ص*ره ويفيض بالهموم؛ فيلجأ إليها مُختليًا بضعفه غير مُصرحٍ به. اعتاد إياس على المكوث داخل منزلهِ عاريًا تمامًا من الثياب التي تُغطي جذعه العُلوي، فلا يطيق بقاءها على جسده إلا مضطرًا في أوقات عمله، دلف إلى الشقة مُنذ زمن بعدما قرر ترك زوجته وابنته في بيت العائلة لكي يفرغ ما بعقله قليلًا، فعلاقتهُ بزوجته أضحت متزعزعةً، بلى فهي كذلك منذ الوهلة الأولى .. لم يحسها أبدًا في السنوات الماضية بينهما ولكن ناقوس الخطر دق قويًا بعقله مُعلنًا عن نبضات تأخُذُ في الارتفاع وشعور بات داخله قويًا .. لقد أحبها بالفعل .. خشي على نفسه الضعف ثانية .. الان**ار ثانية .. والخذلان المُرتقب في المرة القادمة .. خشي على ندوب قلبه أن تتسع عما هي عليه .. أن يكون ذلك الطفل الذي قدم دُميته المُحطمة نصفين إلى والدته ظنًا منه أن تُرممها، فألقتها بمشاعر باردة داخل سلة المهملات. فهو إياس العزاوي الذي لا يخضع لأية أحداث احتمالية إما مؤكدة تقوده إلى النصر أو لا وإن كان الحديث عن امرأة .. فلا يجوز له خوض هذه المعركة الفاشلة أحد أقطابها. نزع عنهُ ثيابه ثم توجه إلى الثلاجة يتفحص ما بداخلها من طعام بحركة بطيئة لا حيوية بها، التقط ثمرة من التفاح ثم أغلقها ثانية واتجه صوب التلفاز مُقررًا الهروب من أفكاره ومشاعره الهائجة إليها بمتابعة أحد البرامج الرياضية، هوى بجسده الثقيل على الأريكة ثم التقط الريموت كنترول وبدأ في قصد القناة التي يريدها .. لحظات ورنّ جرس الشقة عدة مرات متوالية .. زفر اياس زفرة طويلة ثم تابع بنبرة ملول: _" لمّا نشوف أخرتها". مشى إياس صوب الباب بخُطوات وئيدة، يتناول الفاكهة بيدهِ في برود شديد غير مُباليٍ كثيرًا بالطارق .. قام بفتح الباب ليتوقف فمه عن المضوغ لثواني وتشتد حدة عينيه بصورة واضحة وبنبرة مُنفعلة قليلًا صاح: _" ماعندناش زبالة". همّ أن يُغلق الباب في وجهها لتعترض ما يفعله بذراعها، أسرعت " آيات " بوضع كفها على ذراعه وهي تنظر صوب عينيه الحادتين وبنبرة مُتلعثمة قالت: _" إياس؟ علشان خاطري خلينا نتكلم !! .. إنت لازم تسمعني وتصدق إنّي كُنت مغصوبة على الجوازة دي". اِفتر ثغرهُ عن ابتسامة ساخرة لم يصدُر لها صوتًا، حك م***ة رأسه بأنامله وكأنه يعلم جيدًا ما ستتفوه به .. حفظ اسطوانتها المشروخة عن ظهر قلبٍ .. عادت إليه مذلولة تبتغي قلبه الذي دُفن وتحلل في مكمنهِ .. عادت إلى حياته الشخصية تخترقها ثانية .. ردعها مرارًا عن الاقتراب منه وأن تخشى على نفسها البُركان الذي يموج بين شرايينه .. لقد أجبره على الخمود مرات عدة ولكنه لا يعلم إلى متى تستمر مغنطة مشاعره الثائرة وتخديرها. تنحنح بخشونة ثم تابع بنبرة هادئة، بغية تحقيق ثباته الإنفعالي ليس أكثر، ربما يكون هدوء ما قبل العاصفة: _" مافيش كلام نقوله يا بنت المُرشد، وللمرة التانية بقولك ابعدي عن طريقي علشان في التالتة هتدوقي العذاب ألوان، هخليكِ تحلمي بيّا .. تحلمي إن الكابوس ينتهي". آيات وهي تخترق الممر بين جسده والباب ثم تدخل إلى الشقة وبنبرة هادئة تقول: _" بس أنا مش ناوية أخسرك؟ أنا غلطت وأتجوزت واحد مش بحبه وإنت كمان. ليه ما نصلحش غلطنا، ليه ما نكونش لبعض وننسى اللي فات !! .. ليه حابس نفسك مع واحدة مش من مقامك؟!". صعد الدم إلى رأسه في الحال وتأججت نيران الغضب داخله، فأسرع بالانقضاض عليها كليثٍ جريحٍ ثم وضع فكيها بين قبضته ومضى يضغط عليهما بقوة ضارية وهو يدفعها بأن تتقهقر للخلف حتى اصطدمت بالحائط وبنبرة هوجاء صاح محتدًا بالغضب: _" أوعي تفكري تجيبي سيرتها على ل**نك؟ .. إنتِ عايزة تساوي نفسك بيها؟! إنتِ إتجننتي يا روح أمك !!". جحظت عيناها وهي تنظُر إليه بذعر وصدمة، فلم يكُن هكذا في السابق. لم ترهُ سوى ذلك العاشق المفتون بها .. كيف تحول إلى قاسٍ وعنيفٍ في أسلوبه إلى هذه الدرجة .. تلعثمت آيات قبل أن تنطق بنبرة مُتحشرجة: _" إنت اتغيرت؟! مش إياس اللي أعرفه؟ .. إنت نسيت كُنت بتعمل أيه علشان بابا يرضى على جوازنا؟!". أشتدت قوة قبضته على فكيها ما أن أنهت كلامها، أبعد وجهها عن الحائط قليلًا ثم عاد يض*به بالحائط ثانية بحركة خفيفة وبنبرة حادة قال: _" كُنت بنحت في الصخر علشان تكوني ليّا بالحلال، بس كُنتِ شر وربنا صرفه عني …" **ت لوهلة ثم استرسل بنبرة هادئة: _" عارفة الفرق بين مراتي وإنتِ أيه؟ .. هي بنت أصول بس إنتِ بنت طاهر الكلب اللي بيشتري بالفلوس أيّ حاجة وبيبيع بالفلوس أيّ حاجة .. حَب يتاجر في شرفه فباعك لواحد فلوسه كتير .. وإنتِ مش بريئة يا محترمة .. اللي تقلع دبلة خطيبها وهي عارفة إنه طافح الدم علشان يهيأ لها عيشة نضيفة وتقرر ترميه ورا ضهرها ويكتشف وهو في شغله إن خطيبته اتخطبت، تبقى … !!!". تحكم فيما ينطق به بعد تفكير دام لثوانٍ، ثم حرر قبضته عن وجهها وبنبرة عالية صرخ بها: _" غوري برا ومش عايز أشوف وشك تاني، علشان يومي بيتقفل". أخذ ص*رها يعلو ويهبط من شدة الخوف، تفرست معالم وجهه الصامدة لوهلة .. كان يرمقها بنظرة نافذة ارعبتها .. ولكنها تابعت بعد أن أغرورقت عيناها بالدموع: _" بس أنا بحبك، مش عايزة أخسرك يا اياس، كُنت فاكرة إنك هتفهم اللي حصل ليّ وإن بابا أجبرني على الجواز منه". ضغط اياس على عينيه بنفاذ صبر حتى اتخذت شكلًا مُستقيمًا، لم يتفوه بكلمة بينما قبض على ذراعها بشراسة وقادها صوب الباب لتهتف هي ببكاء شديد: _" بقولك أنا بحبك، افهم بقى". توقف عن الحركة فجأة، بينما ظنت هي بأن قلبه رق لها ليُفحمها قائلًا بنبرة ثابتة: _" وأنا لا بكرهك ولا بحبك .. لأنك مش شاغلة مساحة من تفكيري .. شايفك رخيصة .. تقبلي ترجعي حياتي بالمنظور دا؟!". زوت آيات ما بين عينيها باستغراب، هزّت رأسها في خفة تنفي إدراكها لما قالهُ وبنبرة متلعثمة قالت: _" مش فاهمة؟!". نفض اياس كفيه ببرود صقيعي، زم شفتيه بلا مُبالاة وهو يُصرح عن أيّ فرصة تجعلها ذليلة له لعلها تغادر حياته بلا رجعة: _" يعني …، شايفك دلوقتي للمُتعة بس .. تغيري ليّ مودي كُل ما أحب .. أيه رأيك؟!". كان هناك نُقطة أخيرة ينبعث منها النور حول شخصية هذه الخائنة .. فقد ظن بأنها ستُقابل عرضه بالنفور والكره ثم تنتفض وتثور لكرامتها وتخرج من حياته أبدًا .. طرقت برأسها قليلًا ثم تجاوزت جسده من جديد مرورًا إلى الداخل وبنبرة هادئة قالت: _" موافقة، المهم تكون جنبي". لا يزال مواليًا ظهره لها، اتسعت عيناهُ بقوة مما يسمعه .. أهذه من كان راغبًا في تأمينها على اسمه وعرضه؟! .. طار عقلهُ في هذه اللحظة، لم يكن يريد موافقتها جوابًا على عرضه .. واليوم تزداد صدمته بها أضعافا ليتيقن تمامًا بأنها نزعت دبلته عنها بمحض إرادتها غير صاغرةٍ لرغبات والدها كما تُصرح دومًا. _" يبقى تعالي". التقط شعرها بين كفه بينما أص*رت هي تأوه خفيف، سار بها صوب حجرة النوم مارًا بعدها بالخزانة ثم فتحها وأخرج منها منامة حريرية قصيرة للغاية ثم رماها بها وهو يحدجها بنظرة ازدراء أخيرة قبل أن يتركها ويتجه صوب الباب: _" البسي القميص دا وأعملي بأكل عيشك يا بنت اللوا". نظرت للمنامة بتعجب ودهشة فيما أضاف قبل أن يترجل خارج الغرفة: _" قميص آسيا جابته بس معجبنيش، رفضت أنها تلبسه علشان مش مقامها فعلًا وقولت لها أرميه في الزبالة، وأهو بقى من نصيبك". أغلق الباب فور قصفه لها بتلك الكلمات المُميتة، صرت على أسنانها بملامحٍ مُتجهمة وهي تنظر للمنامة بازدراء وأنفة وبنبرة نارية رددت: _" بكرا ترجع خاتم في صباعي زيّ الأول، لأن أنا الأصل مش هي". زفر باختناق وهو ينظُر إلى الباب المُغلق بحدة، مسح على وجهه بنفاذ صبرٍ من جرأة هذه البلهاء التي ظنت منه المُستحيل .. اتجه صوب الأريكة مُجددًا ورأسه يشيط من التفكير بها .. جلس عليها ثم وضع رأسه الذي داهمه ألمًا شديدًا بين كفيه .. وما هي إلا ثوانٍ حتى التقط هاتفه بتروِّ ثم نظر إلى شاشتهِ بتفكير عميق .. التقط سيجارته ثم أشعلها وهو يجوب بعينيه جهات الاتصال الموجودة بهاتفه بحثًا عن مُبتغاه. داهم ثغرهُ ابتسامة ساخرة وهو يقرأ الاسم الذي يقصده وبسرعة نفث دخان سيجارته مُطلقًا معه زفيرًا قويًا ليضغط على زرار الاتصال. _" يا مدام آسيا، رايحة فين يا مدام؟!". قالها حارس ال*قار وهو يهرع إلى آسيا التي كادت أن تصعد الدرج للأعلى، التفتت آسيا له ثم بادرتهُ بابتسامة رقيقة وهي تقول بنبرة هادئة: _" رايحة فين إزاي يا عم مب**ك؟ طالعة شقتي؟!". الرجل بتلعثم وهو يوميء برأسه إيجابًا: _" أنا عارفة يا هانم إنها شجتك بس البيه مش موچود". أومأت برأسها إيجابًا وبنبرة متحيّرة ممن أسئلته غير المنطقية كُليًا: _" أه، ما أنا عارفة إنه مش هنا .. خير إنت تعبان ولا حاجة؟!". الرجلٌ بابتسامة متوترة: " لمؤاخذة يا ستنا .. طيب أي خدمات؟!". آسيا وهي تستأنف صعود الدرج مُجيبةً بنفي: _" كتر خيرك ". صعدت آسيا الدرج بحيوية قاتلة، نصحتها السيدة زينب ألا تستسلم لرغبة زوجها في الابتعاد عنها ليلة واحدة كيلا يعتاد الغياب؛ فعليها أن تجعله يعتاد وجودها رغمًا عنه مُضيفًا بأن البُعد لن يخلق في هذه العلاقة سوى الجفاء. فقررت آسيا أن تُرتب ليلة خاصة بهما كي يضعا النقاط على الحروف بصدد علاقتهما. فقد أعطت آسيا وعدًا للأُخرى بأن تُحيي فيه مشاعره التي لفظت أنفاسها الأخيرة منذ أربعة أعوام. اقتربت " آسيا " من باب الشقة، أولجت المفتاح في مكانهِ، أبى الباب أن يُفتح .. زمت آسيا شفتيها باستغراب وحيرة .. وبنبرة هادئة قالت: _" في أيه بس، مالك معصلج ليه؟!". مضت تركل الباب بقدمها مُقتنعةً بأن ما يحدث نتيجة وصد الباب مُنذ فترة طويلة .. نهض اياس من مكانه .. هل بهذه السرعة حضر صاحب الشأن؟! .. قام بفتح الباب ببرود وخفة بينما على الجانب الآخر كانت آسيا تُحاول مليًا كي تفتحه. فغرت فمها بذهول وهي تجده أمامها بوجهه ال**بس وملامحه التي لا تنفك عُقدتها إلا في حالات مُعينة، ربما رؤيته لها كانت إحدى هذه الحالات .. رمقها بنظرة ثاقبة تبدو غير مُرحبة بها بالمرة بينما تهللت أسارير وجهها وهي تقول بفرحة: _" إنت هنا؟ جيت أمتى !! .. كُنت فكراك في الوحدة". تنحنح إياس بخشونة وهو يحُك أرنبة أنفه بثبات جاهد في إظهاره: _" أنا هنا من ساعتين، إنتِ أيه جابك؟!". آسيا بنبرة رقيقة وهي تنظُر داخل عينيه مُباشرة: _" علشان وحشتني!! فقررت أجهز سهرة خاصة بينا وكُنت هتصل بيك تيجي". اياس بتساؤل مُهتم: "وفين رتيل؟!". تن*دت آسيا برقة ثم استأنفت مُجيبة على سؤاله بعدما اقتربت منه أكثر وألقت بذراعيها حول عُنقة تقول ولمحة حزينة داهمت مقلتي عينيها: _" مع ماما زينب، اياس … هو أنا ليه مش بوحشك؟". بترت عباراتها وظنت أنها وجدت الإجابة على سؤالها عندما وجدت فتاة تترجل من غرفة النوم وترتدي منامة بيضاء اللون. أسندت الفتاة رأسها على حافة الباب وبنبرة خبيثة تابعت آيات: _" أيه دا؟ إنت عندك ضيوف؟". التفت إياس ببصره سريعًا إلى تلك الواقفة بعيدًا وترتدي منامة أكثر عُريًا .. حدق فيها بنظرة نارية .. فلم يص*ر لها أية أوامر بالخروج من الغرفة .. أسرعت آسيا بالابتعاد عنه ومازالت عيناها اللاتي أغرورقتا بالدموع مُسلطة بها وبنبرة مصدومة التفتت له ثم صاحت بنبرة مُتحشرجة: _" مش دي البنت اللي صورها كانت في دولابك؟ إنتِ صح؟ طيب ليه يا اياس؟ لمّا إنت لسه بتحبها ما قولتليش ننفصل ليه؟ لييييه خنتني !!". أجهشت آسيا في البكاء وهي تنظر إلى ملابس الأُخرى باشمئزاز واحتقار .. جابت ببصرها بينهما في صدمة كبيرة ومن ثم ثبتت عينيها داخل بؤبؤيه مُباشرة وبنبرة بغيضة صرخت: _" تعرف إنّي ق*فت منك وفوقيها كرهتك؟ ربنا لا يسامحك على وجع قلبي". _ " آسيااااااا ". صاح بها ثائرًا من ثرثرتها التي لا داعي لها .. بينما رمقتهُ بعينين مخذولتين ومن ثم أولته ظهرها .. ألتهم المسافة بينهما ثم جذبها بقوة من مع**ها وبنبرة حادة صاح: _" إنتِ فاهمة غلط، أرجعي البيت وشوية وهاجي علشان نتكلم". كانت تتجنب النظر داخل عينيه، تكتفي بنحيبها المتواصل والعالٍ للغاية وهي تنظر أرضًا بجسد واهٍ، لم يأته ردًا منها لا بالقبول ولا حتى الرفض .. ليكرر حديثه على مسامعها بنبرة تأكيدية: _" أرجع البيت ألاقيكِ مستنياني، سامعة؟!". أطرقت برأسها في ان**ار وآثرت التمسُك بموقفها منه وألا ترد على أوامره، حاولت التملص من قبضته بضعف ظهر في أنينها .. لم يكُن قادرًا على إظهار القسوة فيه أكثر من ذلك .. ألتقط رأسها ثم جذبها إليه برفق ليضمها إلى ص*ره طابعًا قُبلة قوية على جبينها ونظراته الحادة تلتهم الأُخرى وتقطعها إربًا إربًا .. هكذا ما أيقنته تلك الحرباء .. أن غضبه آت، وبعدها لن تتمكن من التلوّن .. سيجعلها تفقد خاصية التقلُب اللوني وبعدها لن تصلُح لشيء. _" أبعد إيدك دي عني، أنا مش محتاجة شفقة معاليك عليا". أستفاقت الأُخرى من شرودها بجسد مُنتفض بينما جابهتهُ آسيا بقوة ضارية حتى حررت رأسها منه .. إندفعت صوب الباب بلا هوادة وقبل أن تتجاوز عتبته، استدارت بوجهها له ثم تن*دت بعُمق كي تُحافظ على رباطة جأشها وبنبرة مبحوحة قالت بنظرة هزّت كيانه الصلب: _" يارتني ما حبيتك، إنت **رتني وأنا ماكنش في نيتي غير إنّي أبنيك". تجاوزت عتبة الباب إلى خارجه ومن ثم صفقته بقوة خلفها، داعب الهواء الناتج عن قوة الغلق أهدابه، نظر إلى الفراغ من بعدها بوجه مُتجهم .. لا يمكن لأيًّا كان أن يعلم خبيئة نفسه سواه، كالصندوق المُغلق والمرسوم عليه علامة خطر .. فينفر منه الناس ويهربون بينما الشجاع منهم .. يقرر خوض المغامرة؛ فيأخذه الفضول لاكتشاف ما بداخله حيث يمتليء بقطع الشيكولاتة بكافة النكهات والخطر المُحدق الوحيد أن الإفراط في تناول الشيكولاتة بالصندوق تسبب السمنة، وهكذا فازت آسيا بقلب كالشيكولاتة داخل ذلك الصندوق الأ**د. ابتلع اياس غِصة في حلقه ما أن ذهبت وقد أعترف داخل خبيئة نفسه أن الفراغ الذي ولّدته حينما نطقت عما تشعر به تجاهه من خذلان ثم رحلت، جعله هشًا وأنقص من رجولته .. لشدّ ما يؤلمه أن يكون وجعًا في قلب أحدهم .. ففاقد الشيء يُعطيه ببذخ .. لأنه أكثر من في الكون إدراكًا بمرارة الفقد .. كما أن الخذلان في عينها بالتحديد، يأكل روحه ويفنيها .. لكم أحبها وسيظل .. ذنبها الأوحد أنها لعالم حواء تنتمي وهذا أكثر ما يُروعهُ. _ " إياس؟ إنت هتفضل باصص على الباب كتير؟!". كور قبضة يدهُ عندما أخترق صوتها أذنيه، نحا ببصره إليها وعيناهُ تفيضان بغضب كاسحٍ .. جحظت عيناها على الفور وهي تجدهُ يقترب منها وبصوتٍ جهوري وبعدما قبض بقوة على شعرها قال: _" أنا سمحت لك تخرجي من الأوضة؟!!!!". _ " آآآآه، شعري .. إنت بتعمل أيه؟ آآآه ". جذبها من شعرها بقوة كي تسير خلفه ولكنها أبت أن تفعل فقام بصفعها على وجهها بعُنف نتج عنه تزعزع قامتها وسقوطها على الأرض .. أسرع بالضغط على شعرها ثانية وجذبها منه حتى زحفت على الأرض، تصرخ بهستيرية فيما تابع هو بصوتٍ أجشٍ: _" دموع مراتي يعني الجحيم بالنسبة لك، ضوفر مراتي بجسمك الرخيص كُله، المرة الجاية دمعة واحدة منها برصاصة ". قادها عنوة حتى باب الشقة بينما تئن هي في صدمة من جبروته عليها وهو الذي أحبها يومًا وخاف على نفسه غيابها، وفي هذه اللحظة، قطع نحيبها صوت طرقات عنيفة على باب الشقة، فكان مُتأكدًا هذه المرة من هوية الطارق، فقد استدعاهُ إياس بنفسه .. حرر شعرها من بين قبضته فأسرعت هي بالنهوض حتى وقفت برهبة بجوار الباب وهي تقول بتوجس بعد أن سمعت صوت الطارق: _" بابا؟!". أومأ إياس برأسه في خُبث وقد اَفتر ثغرهُ عن ابتسامة عدوانية، دبّ الرُعبُ في أوصالها وهي تترجاه ألا يفتح بينما كان كفه الآخر يستجيب للطرق .. فتح الباب ببرود واضح ثم نظر في عيني الآخر قائلًا وهو يتحرك من أمام الباب: _" طاهر بيه بنفسه جاي لحد باب بيتي؟! .. بس يلا معلش ما إنت مُجبر .. البضاعة بتاعتك موجودة ورا الباب أهي". أشار بسبابته إليها ثم اتجه صوب الأريكة حتى جلس عليها بأريحية شديدة وكذلك رفع ساقيه على الطاولة كي يصوبها بوجهيهما وبنبرة باردة وهو يلتقط ريموت التلفاز: _" إتفضل يا طاهر بيه أدخل أنت مش محتاج عزومة، دا بيتك". سار "طاهر" للأمام خُطوتين حتى تمكن من رؤية ابنته وبنبرة مصدومة صاح: _" أيه دا؟! وبتعملي أيه هنا؟!". إياس مُتدخلًا وهو يتصنع اندماجه مع أحد البرامج: _" كانت مُصرة تقضي معايا ليلة، بس إنت عارفني من زمان، ما بحبش أي حاجة استعملها غيري والأهم ولائي لمراتي، تُعتبر تاج صنف حوا كُله". أرتعشت شفتيها وهي تقاوم نظرات والدها القوية بها، أخذت تُلملم نفسها وتُخبيء ما ظهر منها بذراعيها ثم تابعت بنبرة مُرتجفة: _" بابا .. أوعى تصدقه .. الكلام دا ماحصلش؟!". نحا إياس ببصره إليها وبضحكة عالية ما أن إنتهى منها: _" أيه؟ هو أنا أجبرتك تلبسي القميص؟ زيّ ما طاهر بيه أجبرك تقلعي دبلتي وتتجوزي؟". تنشق اياس الهواء داخله بقوة لأنه لا يتوانى عن إذلالها ووالدها إن سنحت له الفرصة كما فعلا به، حينما نزف قلبه جراء أستخفافهما بجُهده وطاقته المُهدرة بغية توفير حياة مادية تليق بها .. اصطحب طاهر ابنته ولم يجرؤ على تهديد اياس ككل مرة .. فابنته المُخطئة وكذلك لمس القوة في كُل حركة يفعلها الآخر .. وفور ذهابهما .. انطلق اياس إلى زوجته كي يشرح لها كُل الحقيقة لإزالة اللبس وضمه لها لشدة ألمه عند سقوط دموعها ولكنها قد ذهبت إلى منزل والديها كما أن والدتها أجبرته على أن يُطلقها وعندما امتنع وطلب منها أن تذهب معه .. أصرت على إنهاء ما بينهما .. ففعل ما أرادت حتى يُحافظ على كبرياءه دون مساس به. _ " أبوس إيدك يا باشا أنا مليش ذنب، أنا عبد المأمور". أفاق من شروده بذكريات هذه اللحظة التي حدثت قبل شهر مضى وكانت الفيصل الأوحد الذي تفاقم فيه كرهه لهذه الخائنة ووالدها كما أنه السبب الرئيس في الطلاق .. كان إياس واضعًا قدمه على رأس الرجل التي تلطخت بالدماء الموجودة بالأرض. التفت بوجهه إلى زوجتهِ الواقفة على بُعد مسافة منهما والدموع تسقط من عينيها .. يعلم أن سبب خوفها هو ابنتهما .. جثا إياس على إحدى ركبتيه، أضحت ملامحه أكثر حدةً ثم مال على أُذن الرجل هامسًا بصوت أشبه بفحيح الأفعى: _" دموع آسيا، الجحيم بالنسبة لك". توقف الرجلُ عن التنفُس بغير إنتظام وقد أصغى لما قاله بعدم فهم فيما استأنف الآخر قائلًا بنفس الهمس: _" بلغ آيات هانم بنت اللوا طاهر باشا الرسالة دي يا عبد المأمور وقولها اللقاء قريب .. بس ما قولتليش إنت اسمك أيه؟" أبعد قدمه بثبات فيما أعتدل الرجلُ جالسًا وهو يردد بنبرة مُتلعثمة: _" حامد يا بيه". أجبره إياس بالقوة على إملاء اسمه كاملًا، وقام باتصال سريعٍ أجرى من خلاله بعض التحريات عن هوية صاحب الاسم وما أن أغلق الهاتف حتى تابع قائلًا بنبرة ذات مغزى: _ " حامد عيّاد عبد العليم، ملفك بالحكومة نضيف .. ساكن بضواحي الجيزة وعندك بنت وولدين ..بس حلو اسم بنتك .. سلمى .. مش كدا بردو؟". نهض الرجل من مكانهِ بفزع، اقترب من كف اياس مُحاولًا تقبيله والتودد إليه كي يفصح عنه وألا تطول عائلته يد السوء وبنبرة ترجٍ قال: _" أبوس إيدك يا بيه ما تأذيهم، هي اللي قالت ليّ أخلص على الهانم وهتدي ليّ فلوس عملية بنتي". رجع اياس بجسده للوراء قليلًا وبنبرة صارمة صاح: _" هتعمل عملية لبنتك بالحرام؟ ومن فلوس قتل بنت قدها؟!". آسيا متدخلةً بنبرة ثابتة: _" الست دي أذى في شكل بني آدمه، بتصطاد ظروف الناس وتساومهم عليها". رمقها اياس بنظرة ثاقبة وهو يُدرك تمامًا ما تُحاول ايصاله له بينما تابع وهو يتوجه بحديثه للرجل: _" بلغ الرسالة، ومتحاولش تلعب بديلك وإلا إنت فاهم هتأذي مين لو زعلتني". هزّ الرجلُ رأسه بخوف ثم أشار له إياس أن يُغادر في **ت فانصاع مُهرولًا صوب الدرج وما أن أغلق اياس الباب حتى وجدها تتحرك من أمامه صوب غرفة ابنته في عصبية واضحة ليقول بنبرة جامدة: _" إنتِ رايحة فين؟!". نحت ببصرها إليه في وجوم وبنبرة غاضبة قليلًا رددت: _" هاخد بنتي وأسافر لأهلي وهرجع القاهرة في وقت الشغل بس، لأنّي مش مستغنية عنها، وعلى فكرة مش مستنية منك تفسير لكُل اللي سمعته لأن واضح نوايا حبيبة القلب، إنت وهي لايقين على بعض أوي … قلوبكم حجر". غمغم ببعض الكلمات الغاضبة وهو يكور قبضة يده مُحاولًا كظم غيظه منها داخله بينما راقبتهُ نظراتها الساخطة حتى دلفت إلى غرفة ابنتها .. توقف لوهلة عن التفكير ثم بعدها اندفع بغضب إلى الغرفة أيضًا وما أن فتح الباب حتى وجدها تضم ابنتها النائمة إلى ص*رها وتبكي بدون صوت .. زفر اياس بضيق ثم قال بهدوء: _" آسيا الموضوع إنتهى مش عايز عياط". آسيا بانفعال وهي تحدق فيه بقوة: _" إنت كمان هتمنعني أطلع الكبت اللي جوايا؟ مش كفاية مانعني من كُل حاجة وعايزني أقول سمعًا وطاعة!! ممكن أفهم المريضة دي عايزة أيه مني ومن بنتي؟ عايزة تاخد روحنا زيّ ما أخدت روحك وقست قلبك علينا؟". إياس وهو يمسح مُقدمة رأسه بغضب مكبوح: _" آسيا!! .. مفيش أي حاجة تربطني بيها .. وأنا عُمري ما كُنت قاسي عليكم .. ومفيش داعي للجنان اللي بتقوليه .. وقومي البسي علشان هنروح البيت الكبير". _" أروح بيت العيلة ليه؟ هو إنت مش خلصت مني وأستريحت؟ خلصت من ذنبك يعني .. وبعدين مش من حقي أدخله لأنّي مش هكون غير طليقتك". تأججت نيران الغضب داخله وهو يستمع إلى حديثها العارٍ كُليًا من الصحة .. اندفع إليها بعصبية هوجاء ثم قبض على ذراعها بشراسة وبنبرة حازمة مُحاولًا خفض نبرة صوته كي لا تستيقظ صغيرته: _" فاضل على جنوني شعرة فحاولي تتلافي عصبيتي، قومي ألبسي علشان نمشي لأن جالي استدعاء للقسم حالًا ولازم أوصلكم قبل ما أروح". أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقد أغمضت عينيها تتغلب على ألمها الناتج عن تمكُن قبضته من ذراعها .. تدارك هو لوجعها فأسرع بتركها ثم هدأ قليلًا قبل أن يسترسل بنبرة هادئة: _" مفيش أي حاجة تجمعني بيها، أنا مش فارق معايا غير بنتي وأكيد أُم بنتي". آسيا وهي تنظُر إليه من طرف عينيها باستنكار: _" ويا ترى لسه بتحبها بعد اللي سمعته؟". إياس وهو يضغط على عينيه بنفاذ صبرٍ وبنبرة صارمة ردد: _" اياس ما بيحبش حد بسهولة، هيحب خاينة؟، أنا كرامتي محدش يتعدى عليها". اِفتر ثغر آسيا عن ابتسامة ساخرة وبنبرة مبحوحة قالت: _" تقصد إنّي عديمة الكرامة؟!، علشان لسه بحب واحد خاين؟!". صعد الدم إلى رأسه من اتهاماتها المُتكررة في حقه، يشعر بالضيق من نفسه فهو لا يملُك مهارة التبرير كي يُصدقه من يقف أمامه ولا طاقة له للصراخ في وجهها كي تُصدق أنه لم يخنها في حياته ولا يستطيع أن يمس غيرها فلا يروقه سوى رائحتها المُحرمة عليه مُنذ طلاقهما. زفر مطولًا ثم ردد بنبرة حادة غير قابلة للتفويض: _" قومي ألبسي يا آسيا مش عايز كلام فاضي، أتفضلي". ---------------------------------------------------------- _ " اووووف، زن زن زن على الصبح". ضغطت مريم بالوسادة على أذنها أثناء نومها وراحت تتقلب في الفراش بتأفف من صوت رنين هاتفها المُلح، ومع إلحاح المُتصل بالٱجابة .. أبعدت الوسادة عن رأسها بإنفعال شديد ثم زفرت بقوة وهي تمدّ ذراعها ناحية الكومودينو المجاور للفراش وما أن التقطت الهاتف ورأت هوية المُتصل حتى ضغطت زر الإجابة وهي تهتف بحدة: _" في حد يتصل بحد الساعة 9 الصبح يا باشمهندس، مش معقول كدا حقيقي مش عارفة أنام ". جحظت عيناه في دهشة من القُنبلة التي إنفجرت على رأسه وهنا أردف بنبرة متعجلة في استجابتها: _" حيلك حيلك يا مدام مريم، أصل أنا بصراحة جعان". مريم بصدمة: " جعان؟ بتتصل بيا على الصبح علشان تقولي جعان .. أقفل يا آصف أقفل". انطلقت منه ضحكة عالية ومن ثم تن*د بخشونة قائلًا بنبرة هادئة: _" أنا غلطان يا مريومة إنّي بشتكي لك همي ثم إنّي بصراحة مشتااااق وكُلي لوعة .. إنتِ مش مُشتاقة؟!!!". توردت وجنتاها باحمرار فطريٍ وقد اِفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وهي تستمع إلى غزله غير المُباشر بها، تن*د بخفة عندما علمت من **ته برغبته في إجابتها لتقول بنبرة متوازنة: _" بقولك أيه يا آصف، أقفل وشوف شغلك وكفاية دلع". آصف مُستأنفًا غزله بها: _" وحشاني يا مريم، إنتِ ما بتحسيش؟!". مريم في صدمة رددت: " نعم؟! ". نبش آصف مُقدمة رأسه في احراج ثم جَمل كلامهُ ثانية وهو يقول بثبات: _" بقولك أيه يا مريم ، أنا عايز أشوفك دلوقتي ونفطر مع بعض فول وفلافل .. وبقولك أيه يا مريم من الآخر .. بصي من الشباك". زوت مريم ما بين عينيها باستغراب، تدلت عن فراشها ثم توجهت إلي النافذة تنظُر منها .. جحظت عيناها بسعادة وصدمة كبيرتين وهي تجدهُ يقف أمام بوابة البيت يشير إلى الكيس البلاستيكي القابع بين أنامله وابتسامة عريضة تعلو شفتيه لتقول بصدمة: _" إنت مش طبيعي وغريب الأطوار". آصف وهو ينظر إليها بسعادة غامرة: _" هو اللي يشوفك يبقى عاقل؟! .. يخربيت جمال أُمك". مريم باستنكار من جُملته: _" في باشمهندس يقول "يخربيت جمال أُمك" خليت أيه لسو**ين التكاتك بقى؟!". آصف قائلًا بمراوغة: _" خليت لهم ال*قل، أنا هصبر عليكِ لحد أمتى؟ أنزلي افتحي الباب دا خلينا ناكل فول وطعمية مع بعض ونتكلم في الموضوع بشكل ودي .. يمكن تحبيني ونتجوز إن شاء الله". مريم بضحكة خفيفة: " مجنون، خليك عاقل علشان ماما نومها خفيف وأنا نازلة حالًا". أغلقت مريم الهاتف معه، أظهرت رزانتها اللا مُتناهية أمامه ولكنها في الحقيقة أجن مما يكون حتى أنها تُخفي شعورها تجاهه حتى لا تتكرر مأساتها وتُضحي طُعمًا سهلًا له؛ فعليه أن يُعاني كي يُدرك كم هي غالية المنال ويحترم مكانتها في علاقتهما. رتبت من هيأتها أمام المرآة ثم توجهت إلى باب الشقة تفتحه بتوجسٍ كيلا تستيقظ والدتها وتعلم بأمر وجوده. هرولت صوب بوابة المنزل الداخليه ثم فتحتها .. نزلت درجات قليلة من الدرج القابع أمام البوابة ثم أضحت في الحديقة وما أن وصلت إلى البوابة الخارجية وفتحتها حتى وجدتهُ يحدق فيها بانبهار شديد وبنبرة مشدوهة قال: _" اوعى الفحت لتقع تحت". أطلقت مريم قهقهة رقيقة ومن ثم رددت والضحكة لم تُفارق ثغرها بعد: _" واضح إن ولائك للمهنة عظيم؟ لدرجة إنك بتعا** على حسب تخصصك .. أدخل". رتب آصف ياقة قميصه بغرور مُضحك ثم لوح لها بالكيس القابع بين أنامله قائلًا وهو يتجاوزها مرورًا إلى الداخل: _" جبت لنا فول وطعمية ومخلل .. علشان واقف على رجلي من الفجرية .. عايز أتغذى". اتجه إلى الطاولة القابعة بمُنتصف الحديقة ثم جلس على أحد الكراسي ووضع الطعام أمامه قائلًا بنبرة سلمية بحتة: _" يلا .. أدخلي هاتي العيش بقى ولا مش عاجبك أكل الفقرا بتاعنا، وهتبيعيني اللي ورايا واللي قدامي". أطرقت برأسها في خجل وهو يُنسبها إليه في كُل جملة يتفوه بها، تنحنحت برقة ثم قالت وهي تنظُر إليه بالكاد ولكنها رغبت في رؤية تعابير وجهه مما ستقوله: _" آصف، أنا بخاف من كلمة جواز، أنا فعلًا مش عايزة أتجوز وإنت بتضيع وقت معايا". كان الكيس يحتوي بداخله على حزمة من الجرجير، قام آصف بنزعها من داخل الكيس ثم التقط ورقتين ووضعهما بحركة سريعة في فمه ثم قال بنبرة باردة: _" أيه بالتحديد اللي مش عاجبك في الجواز؟!". _ " طريقة أكلك العظيمة دي". أطلق آصف قهقهة عالية وراح يمضغ ما بفمه حتى إنتهى منه وبنبرة ثابتة قال: _" الشغل بتاعي عايز أسد بياكل الصخر وبعدين يا مريومة أنا جعان فمتدقيش بقى .. المهم بقى هاتي عيش وتعالي جاوبي على سؤالي وأهو بالمرة تفكري في إجابة منطقية تقوليها ليّ". زمت شفتيها بغيظ ثم اتجهت إلى الداخل منصاعة لجلب طلبه، توجهت على الفور إلى المطبخ .. بينما كانت السيدة زينب تجلس داخل غرفتها تقرأ وردها اليومي وما أن انتهت منه حتى توجهت إلى الستار بالغرفة تُنحيها جانبًا كي تتسلل الشمسُ إلى الغرفة .. التاع قلبها هلعًا وهي تجد شخصًا يواليها ظهره وهو يجلس إلى الطاولة بالحديقة .. هرولت إلى غرفة ابنتها المُغلقة ثم فتحتها بسهولة لأنها تملُك نسخة أُخرى معها .. توجهت إلى خزانته ثم فتحتها وراحت تلتقط سلاحه الاحتياطي منها وعلى الفور أسرعت إلى الحديقة تمشي بتوجسٍ وريبةً. _" أرفع إيدك لفوق يا حرامي يا ابن الحرامية". فتح آصف عينيه على وسعهما وهو يرفع ذراعيه عاليًا بينما قرّبت زينب فوهة السلاح من م***ة رأسه ثم تابعت بنبرة غاضبة للغاية: _" وكمان فارش ليّ وبتفطر، ويكأنك قاعد في طهور ابن أُختك؟!! .. دا إنت وقعتك سودا .. داخل بيت المُقدم اياس باشا العزاوي دون أي خوف وفزع". آصف باستنكار: " فزع؟! ". _ " ماااااااااماااااا .. أوعي أوعي". صرخت مريم بتلك الكلمات، بينما أنطلقت رصاصة من فوهة السلاح بعدما وجهتها زينب للسماء بينما صاح آصف بنبرة مرتعدة وقد تصبب العرق من جبينه: _" أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله". هرعت مريم إليه ثم وضعت كفيها على ذراعيه وأنزلتهما برفق وبنبرة قلقة رددت وهي تربت على ذراعيه في خفة: _" آصف، إنت كويس؟! .. رد عليا؟!". آصف وهو ينظُر داخل عينيها بتمعن وبنبرة متغزلا بها قال: _" بقيت كويس دلوقتي، بس ما عدتش نافع للجواز؟ قطعت الخلف؟!". ابتسمت مريم رغمًا عنها ثم تنفست الصعداء ما أن لمست الراحة في حديثه وبهدوء جلست أمامه .. بينما قطبت زينب ما بين عينيها وراحت تنظر إليه في دهشة بعدما استدارت لتواجهه ثم قالت: _" آصف؟؟؟! .. هو إنت يابني؟ وقفت ليّ قلبي، بتعمل أيه في البيت على الصبح كدا؟!". اِفتر ثغرهُ عن ابتسامة بلهاء ثم ردد بهدوء: _" إنتِ ضميرك مرتاح كدا ليه يا ماما زينب؟ .. إحتمال 60% لمّا أتجوز ما أخلفش عيال !! يعني إنتِ مش هيبقى عندك أحفاد من مريم تاني؟!". شهقت زينب باستنكار ثم إنضمت إليهم جالسةً وهي تقول بنبرة حانقة: _" ألف بعيد الشر عنك إنت وبنتي حبيبتي، بس إنت إتجوزتها أمتى يا ابن الأسواني؟ هو أنا كُنت وافقت؟ إنت جايب أيه معاك؟ الله طعمية". التقطت قطعة خُبزٍ صغيرة ثم غمستها بالطعام وهي تضعه في فمها قائلة بتلذذ: _" الله دا أنا نفسي فيهم أوي، واياس مانعني منهم علشان القاولون". تبادل كُلّ منهما نظرات مصدومة، ظلا يتبعانها بأعينهما في دهشة وأفواه مفتوحة فيما ربتت زينب على كف آصف وهي تقول بضحكة خبيثة: _" كُل طعمية دي بتدي بور، ولا هت**فنا يوم الفرح؟!". تهللت أسارير وجهه ما أن لمس موافقتها المبدئية عليه، نحا ببصره إلى مريم ذي الوجنتين الحمراوتين ثم غمز لها بطرف عينه قائلًا بنبرة مازحة: _" طيب هنجيب المأذون أمتى؟!". زينب وهي تضع حفنة من الجرجير في فمها كمن لم يأكل مُنذ سنة: _" لما اياس وآسيا يتصالحوا ". آصف وهو يتقدم معها في تناول طعامه: _" يلا يبقى مش هنتجوز، على البركة". " على الجانب الآخر " … اصطف سيارتهُ أمام باب البيت الخاص بعائلته بعدما قرر جلّب آسيا وابنته إليهم .. ض*ب مقود السيارة بعصبية هوجاء وهو يلتفت إليها بكُليته قائلًا: _" أنا على آخري يا آسيا؟! .. بقولك انزلي وحالًا وبدون حرف زيادة". عقدت ذراعيها أمام ص*رها ومازالت تلزم مقعدها بالسيارة والدموع تنهمر من عينيها .. لم تعد تتحمل تحكماته بها أكثر من ذلك .. يصرخ عليها مرات ومرات .. يقودها صوب الطريق الذي يريده هو وليس هي .. لا تفهم ما هو موقعها من الإعراب في حياته؟ أستبقى دائمًا في محل **ر؟ أما أنه سيأتي ذلك اليوم الذي يرفعها في مكانة عالية من قلبه. أومأت برأسها سلبًا دون أن تنظُر له ثم صرخت بغضب شديد: _" مش نازلة .. مش ناااازلة .. إنت ملكش حاجة عندي علشان تتحكم فيّا؟! أنا مش سد خانة في حياتك تفضي فيها الكبت اللي عندك ووجعك من الدنيا؟!!". إياس وهو يضغط على ذراعها بقوة: _" يا تدخلي البيت يا إما تمشي ولكن من غير رتيل؟ .. سامعة؟!". آسيا وهي تجهش في البكاء بألم ضارٍ: _" بس إنت وعدتني إن بنتي هتفضل في حُضني ومش هتحرمني منها؟! .." **تت لوهلة ثم استرسلت تقول بنبرة من**رة: _" إنت ليه بتكرهني؟!". لمعت مُقلتيه بشكل ملحوظ وانعقد ل**نه كُليًا، ظلت تنظُر داخل عينيه مُباشرة تنتظر رده عليها .. همّ أن يجيش بما يُثقل ص*ره .. ولكنه **ت مجددًا وراح ينظُر أمامه وبنبرة ثابتة قال: _" عُمري ما كرهتك .. إنتِ موهومة .. موهومة إنّي خُنتك .. موهومة إنّي بكرهك .. موهومة إنك ذنب ارتكبته .. إنتِ موهومة يا آسيا .. الوهم بيقتل أيّ مشاعر حلوة كانت قادرة توصلك من الشخص اللي قدامك بس إنتِ بالوهم قتلتيها .. دا آخر كلام عندي وجودك في بيتي وسط أمي وأختي وحضن بنتك ولا تتوهمي أكتر وتمشي من غيرها؟!". آسيا بعصبية كبيرة: _" إنت بتهددني؟!". في هذه اللحظة، ضغط اياس على عينيه بنفاذ صبرٍ، فتح باب السيارة المواجه له ثم ترجل منها واستدار حتى الباب المواجه لها وقام بفتحه على الفور وبنبرة صارمة صاح: _" انزلي ". #إنّي_اقترفتُكِ #علياء_شعبان
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD