#إنّي_اقترفتُكِ
[[ الفصل الثالث ]]
_ مُبارزة _
----------------------------------------------------------
"بين الغيرة والشك، شعرة بالكاد تُرى .. وبين الصبر والكُره خيطٌ إن تجاوزته تحول حبيبك إلى ألّد الأعداء .. والمُغالاة في إيلام مَنْ تضمنه إلى جوارك .. تُعزز من فُرص ضياعه".
أصبح الأمرُ أكثر وضوحًا الآن بعدما كان مُبهمًا ويستعصي عليه فهمه، بات واضحًا من ملامح هذا الليث الجائع بأن ماهو قادم أكثر مهابة وصعوبة، ظنهُ على أهبة استعداده للانقضاض عليه فهو يراهُ يسير في الغرفة روحة وجيئة وأضحت ملامحهُ أكثر غموضًا عن ذي قبل .. تن*د " عبد الرحمن" باختناق ثم أردف بنبرة متلعثمة:
_ " بعد إذنك يا باشا، ممكن أعرف أنا تُهمتي أيه؟!".
توقف إياس فجأة عن المشي بالغرفة، نحا ببصره إلى الآخر في نظرات مُبهمة عليه وقد داهم ثغرهُ ابتسامة صامتة ثم انتقل إلى درج مكتبه وأخرج علبة سجائرهُ ثم التقط واحدة منهم، رفع السيجارة إلى فمه ثم ضغط عليها بشفتيه ومن ثم أشعلها بقداحتهُ الفضية وبنبرة هادئة على غير سجيته قال:
_ " سؤال جميل، بس اللي مش جميل إنك ما تكونش عارف إجابته؟!".
أنهى كلامه ثم أخذ نفسًا عميقًا من السيجارة إلى داخله وبعدها نفث الدُخان في الهواء أمامه حتى شكل غيمة بيضاء حجبت رؤية الآخر لعينين الصقريتين وهنا تابع عبد الرحمن الذي وقف خلف القضبان الحديدية الموجودة بغرفة المكتب حيث يتم وضع المتهمين بها لحين حضور موكليهم .. فقد اختار إياس هذه الغرفة خصيصًا لأن هذه القُضبان تسمح له بالتفاوض مع المُتهم وديًا:
_ " مش فاهم يا اياس بيه؟!".
أومأ اياس برأسه في خفة، كان مُستندًا بجسده إلى حافة المكتب يراقب ذاك بملامح قاسية فيما يتصبب العرق من جبين الآخر الذي فهم ما يقصده رغم تفوههُ بالع** .. استقام في وقفته من جديد بعدما ضغط بأصابعه على فوهة السيجارة داخل المنفضة ثم سـار وئيد الخطى إليه وما أن وقف أمامه مُباشرة حتى صاح بنبرة هادرة:
_ " مراتي وبنتي .. مراتي مش هتشيل اسم غير اسمي فياريت تخرجها من حساباتك .. آسيا منطقة ألغام اللي بيحاول يقرب منها بيموت .. بس إنت أكيد ما كُنتش تقصد تضايقني، مش كدا؟!".
قطب عبد الرحمن ما بين عينيه بعدم فهم، طرق برأسه لثوانٍ ثم نظر إليه ثانية وبنبرة متسائلة قال:
_ " مراتك؟ .. بس آسيا طليقتك مش مراتك؟! .. وبعد عدتها ما تخلص هنكتب كتابنا !!".
أطلق إياس ضحكة سمجة تحمل في طياتها الكثير، أقترب من القُضبان أكثر ثم نظر داخل بؤبؤ عيني الآخر بنظرة قوية .. توتر على أثرها ذاك المسجون وبنبرة خافتة تعبق بحرارة عميقة قال:
_ " شوفت إزاي إنك بتثبت على نفسك الجريمة؟ بتسأل وترد على نفسك، أنا هقولك بقى تُهمتك أيه، يا سيدي ببساطة تُهمتك إنك بتواعد واحدة في شهور عدتها وقدام طليقها واللي في أي وقت ممكن يُردها .. ثم إنك ما فكرتش إنّي ممكن أكون رديتها لع**تي !!".
شرد عبد الرحمن بذهنه قليلًا يُفكر فيما قالهُ الآخر، لم يتسنى له فرصة الرد على ما نطق به إياس الذي استأنف بنبرة تحذيرية قائلًا:
_ " هتمشي دلوقتي وما تفكرش تقرب من أي حاجة تخصني".
وما أن أنهى كلامه حتى سمع صوت طرقات خفيفة على باب المكتب، وقبل أن يهمّ بإصدار إذن الدخول للعسكري الواقف أمام باب المكتب .. وجد البابَ يُفتح بقوة ثم أطلت هي من خلفه بملامحٍ مُتجهمة .. لم يتفاجأ من حضورها بقدر رؤيته لها بهذا الثوب الذي أخبرها أن ترتدي غيره ولم تفعل.
_ " كُنت عارفة على فكرة، إنك إنت اللي عملت كدا".
جدحها بنظرة ثاقبة اخترقت عينيها ولم ينبس ببنت شفةٍ أو يُعلق على ما تقول … نحا ببصره إلى الآخر ثم أولج المفتاح في القفل وفتح الباب له وبنبرة ثابتة قال:
_ " على اتفاقنا بقى، ماشي؟!".
أومأ عبد الرحمن برأسه في **ت بينما زوت آسيا ما بين عينيها وهي تجول ببصره بينهما بعينين مُتربصتين ثم تابعت بحدة:
_ " اتفاق أيه؟!".
لم ينظُر لها حتى، رفع كفيه إلى ياقة قميص الآخر وأخذ يُرتبها له بطريقة باردة للغاية وهو يقول ناظرًا في عين الواقف أمامه نظرات ذات مغزى:
_ " هو عارف .. صح يا عبد الرحمن!!".
_ " صح، أمشي يا اياس بيه؟!".
أشار له إياس بسبابته أن يُغادر فأسرع خطاهُ إلى خارج المكتب وسط دهشتها وعينيها المتسعتين به .. استفاقت من حيرتها على صوت إياس وهو يصيح فيها بحدة:
_ " آسيا؟!".
كتمت غيظها منه داخلها وهي تنظر إليه بنفاذ صبر وبنبرة حانقة هتفت:
_ " آسيا وزفت، نعمممم؟!".
ألقى عليها نظرة سوداوية وهو يتفحصها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها .. فهمت إلى ماذا ينظُر؟ .. انتقلت هي الأخرى على ثيابها تنظُر إليهم بصدمة .. فقد أخبرها بضرورة تغيير هذا الثوب ولكنها لم تفعل .. نحت ببصرها إليه وهي تنظُر إلى ملامحه الحادة كحملٍ وديعٍ لا يشوب براءته شوبة وبنبرة مُتلعثمة قالت:
_ " نسيت ".
انتقل سيرًا إليها وبنبرة نارية قال:
_ " خرجتي من الڤيلة بالمنظر دا؟!".
أومأت برأسها في توجس وهي تتحاشى النظر إلى عينيه بينما استطرد قائلًا بنبرة رخيمة:
_ " وجيتي لحد القسم بالفستان دا؟! ".
هزّت رأسها مُجددًا وقد ن**ت ذقنها أرضًا والخوف يحرق قدميها الضعيفتين، تمنت لو يجتاحها إغماءة طويلة تنتشلها من طوفانه ولكنها ليست من هؤلاء اللواتي يتعرضن لحالات إغماء طوال الوقتٍ وبسبب ودون سبب .. فهي لم يسبق وأن وقعت مُغشيًا عليه قط .. دائمًا ما تقف أمامه كـ ريمة (أُنثى الظبي) صغيرة يحوم الذئب ٌ حولها ظافرًا بغذاء يومه.
باغتها مُكررًا سؤاله والمعروف إجابته ولكن بصيغة مختلفة:
_ " أه، يعني العساكر والضباط والسواق حتى العسكري عبمجيد شافك كدا؟!".
ارتفعت نبرة صوته في الجزء الثاني من حديثه، فوجد باب الغرفة يُفتح ويقف العسكري مؤديًا التحية أمامه وبنبرة رسمية قال:
_ " أوامرك يا اياس باشا؟!".
حدقت آسيا في دهشة إليه .. نظرت إلى إياس من طرف عينيها .. آلمتها معدتها وهي تحبس قهقهاتها داخلها .. حيث وجدتهُ ينظُر إلى العسكري بحدة صائحًا:
_ " إنت بتتصنت عليا يا عبمجيد؟!".
العسكري عبد المجيد نافيًا باعتراض:
_ " أبدًا يا باشا، معاليك اللي ناديت عليا".
تجهمت معالم وجهه حنقًا ثم تابع موجهًا له تحذيرًا صارمًا:
_ " أقفل الباب يا عبمجيد وراك وما تدخلش حد".
امتثل العسكري للأوامر الصادرة عن رئيسه، أغلق الباب خلفه على الفور بينما تابعت هي بنبرة رقيقة:
_ " عسل أوي عبد المجيد دا".
أضحت ملامحه أكثر حدة عن ذي قبل، صاح عاليًا يُنادي عليه من جديد وما أن فتح باب الغرفة حتى تابع اياس بنبرة صارمة:
_ " عبد المجيد، مخصوم منك يوم".
فغرت فِيها في دهشة، وما أن غادر العسكري حتى التفتت له تقول بنبرة ناقمة:
_ " إنت ظالم".
اتجه إياس ناحية العَلاقة الموضوعة بجوار كرسي مكتبه ثم التقط المعطف الخاص به ورماها به قائلًا بنبرة باردة:
_ " البسي البالطو دا".
انصاعت لكلامه، ارتدت المعطف متوجسة وسط نظراته المصوبة إليها وما أن إنتهت حتى قبض على ذراعها بشراسة وقادها ناحية القضبان الحديدية ومن ثم أدخلها وأوصد غلق القفل عليها قائلًا ببرود:
_ " خليكِ هنا شوية".
آسيا بصدمة:
_ " إنت بتهزر يا اياس صح؟! .. اياس أفتح عايزة أرجع البيت علشان رتيل؟!".
ندّت عنه ابتسامة مُكابرة وهو يتجه إلى كرسي مكتبه يجلس عليه بثبات .. رفع قدميه إلى سطح المكتب ثم عاد بظهر الكرسي للخلف قائلًا بنبرة جامدة:
_ " إنتِ ليه بتعاندي قصادي؟!"
**ت قليلًا في انتظار الجواب وهو يرمقها بنظرات ثاقبة، لم يأته جوابًا منها فاسترسل يقول بتنهيدة قوية:
_ " عايزة تخلصي مني يا آسيا؟!" .
تضاعف غيظها منه، نظرت إلى ملامحه القاسية ثم صاحت به في حنق:
_ " وأنا جوابي هيفرق في ايه؟ أنا لا عارفة أكون في حياتك ولا عارفة أخرج منها .. قولي إنت "أخلص منك إزاي؟!".
تفرس وجهها لبُرهة، تلألأت الدموع في عينيها اللاتي تراقبانه بيأس شديد .. نهض من مكانه إليها وما أن وقف أمامها مُباشرة حتى تجاوز ذراعه القضبان ثم حاوط خصرها بقوة وبالكف الآخر التقط سلاحه من جيب بنطاله ثم وضعه بين كفها قائلًا بابتسامة متواطئة:
_ " بقدم لك الفرصة، يلا أخلصي مني".
أضحت مُقلتاها أكثر اتساعًا وهي تنظر إلى السلاح القابع بين راحتها، أغمضت عينيها بفزع وأنامل مُرتعشة وقالت بنبرة مُتحشرجة وقد بدا عليها الاحباط من تصرفه:
_ " أنا عايزة أخلص من ظُلمك لنفسك، من الهموم والحزن اللي تقل كتافك، أنا عايزاك بخير، بس إنت خطر على نفسك".
أسرعت بوضع كفها على ذراعه المُلتف حول خصرها ثم أمسكت السلاح ووضعته بين راحته وأطبقت أصابعه عليه وبنبرة مكلومة قالت:
_ " عايزة أمشي، اذا سمحت".
_ " احترمي اللي كان بينا لحد ما شهور عدتك تخلص يا آسيا، علشان لو زعلت منك هرجعك غصب ودا مش أسلوبي، استحمليني شهرين بس".
اِفتر ثغرها عن ابتسامة ساخرة انفلتت من جانب فمها، انسابت دمعة ساخنة من إحدى عينيها وهي تقول بنبرة هادئة:
_ " ماحدش هيستحملك قدي، بس ما تجيش عليا أكتر من كدا، علشان أنا خسرت كرامتي وأنا بحاول أ**بك، لا **بتك ولا كرامتي رجعت ليّ. كُنت فاكرة إن الحُب بيقوي لكنه بيذل".
أنهت كلامها والإحباط قد التهم قسمات وجهها، بدت قسماته أشد حدة ع** ما يضمر بداخله من حديثها وبنبرة منفعلة صاح:
_ " عايزة أيه يا آسيا؟ عايزاني أقولك إنّي بحبك؟ أنا مُلحد بالحُب .. خسرت نفسي وشخصيتي الحقيقية .. خسرت قرب أختي مني وفرحة أمي بوجودي جنبها بسبب الحُب .. لا يُلدغ المؤمن من جُحر، مرتين".
_ بس أنا مراتك مش واحدة خايف توجعك وتسيبك وتمشي؟، أنا اللي باقية لك .. أفهم".
صرخت به وقد انخرطت في بكائها، بينما تابع وهو ينظُر إلى داخل عينيها بحدة:
_ " ما إنتِ مشيتي يا آسيا؟ وبعد شهر من طلاقنا بتقابلي واحد علشان تخططوا لعش الزوجية !!".
ض*بت آسيا على القضبان بقوة وهي تصرخ به:
_ " وانت اللي ملاك بريء؟ أفتح ليّ الزفت دا؟ مشيني من هنا حالًا يا اياس حالًا .. مش قادرة استحمل الظُلم دا كُله .. كفاية لحد هنا".
أسرع بفتح الباب على مصراعيه، ثم قبض على ذراعها بشراسة وعصبية ارعبتها .. قام بجذبها خلفه حتى مُنتصف الغرفة وبنبرة نارية قال:
_ " أسمعي كلامي كويس، أي كلب هلاقيه قاعد معاكِ هيكون مصيره السجن، ليكِ شهور عدة ولمّا تخلص أعملي اللي تحبيه، وما تختبريش صبري يا آسيا"
جابهتهُ بقوام واثق وهي تنظُر داخل عينيه مُباشرة وبنبرة واثقة قالت:
_ " إنت بتهرب من الحُب وبتعيشه، عامل ما بتغيرش والغيرة عامياك، بتحاول تقنعني إنّي كُنت مُجرد زوجة وما أتحبتش وإنت هتموت وتقول إنك بتحبني .. الحُب عُمره ما كان ضعف بس إنت اللي روحك ضعيفة .. يعني أنا واثقة إنك بتحبني لو بجد كُنت عايزة أذلك .. كان زماني مسلمة لك رتيل وبقولك خُد حجتك وأخرج من حياتي ومع تاني يوم هتخلص فيه شهور العدة .. أتجوز واحد يعوضني عن كُل المعاناة دي. صدقني لو حبي ليك ضعف ما كُنتش هتمسك بالحاجة اللي بتجمعني بيك .. بس خلي بالك يا سيادة المُقدم لتقوم في يوم ما تلاقيش آسيا .. علشان أنا مش سد خانة في حياتك وطاقتي خلصت".
بدا وكأنه يستمع إليها بلا مُبالاة .. رمقها بنظرة جامدة .. بينما تفهم هي جيدًا ما يُعانيه من خوفٍ على فقدانها الآن .. أسرعت بنزع أصابعه عن ذراعها فيما صاح بها بنبرة حازمة:
_ " هتركبي العربية اللي مستنياكِ قدام باب القسم، هتروحي تاخدي رتيل والعربية هتوصلكم للشقة".
زوت ما بين عينيها باستغراب ثم قالت:
_ " شقة؟ طيب والڤيلة؟!".
وضع اياس كفه خلف ظهرها ثم دفعها برفق يحثها على السير أمامه ما زالت ترتدي معطفه بينما استعجبت آسيا من أسلوبه المتحول معها حيث قال بهدوء جليدي:
_ " ماينفعش تقعدي في الڤيلة لوحدك، وخصوصًا إنها بعيدة عن مكان شغلي، الشقة قريبة وعلى قدكم".
آسيا ببرود وسخرية:
_ " دا على أساس إنك هتيجي تزورنا مثلًا؟!".
اياس وهو يسير خلفها رابط الجأش يرد عليها دون أن تتحرك شفتيه عن موضعهما:
_ " آسيااا؟".
رمقتهُ بطرف عينها في تمرد وهي تقول بنفاذ صبر:
_ " آسيا وزفت، نعممممم؟!"
_ "**ت لحد ما نخرج لباب القسم".
باغتها بهذه العبارة الجامدة، انصاعت لحديثه، يسيران معًا في الممر الطويل .. نظرت آسيا إلى العساكر والعاملين بالقسم في حيّرة، فما أن يرونه حتى يقفون أمامه باحترام وفيرٍ غير أنهم لا يرفعون بصرهم فيها .. فقد عُرف عنه شراسته تجاه ما يملكه كما أنه شديد الخصوصية ولا يجرؤ أحدًا على **ر هذه القاعدة.
استيقظت من شرودها في العاملين ولكنها لم تجده إلى جوارها، تلفتت حولها حتى وجدتهُ يقف أمام أحد المكاتب ينظُر داخلها .. تن*دت آسيا بأسى وهي تعي جيدًا إلى أين شرد عقله .. ففي يومٍ من السنوات الماضية كان هذا المكتب خاصًا بصديقه الحميم الذي استقال مُنذ عامين وبضع شهور تقريبًا تقريبًا لرغبته في الزواج من فتاة سورية وهذا ما لا ينُص عليه القانون المصري .. فالضُباط م***عون من الزواج بج*سيات أُخرى وإن حدثت في إحدى المرات تكون بوصايا مهمة جدًا .. لم يكُن صديقه من راغ*ي الالتحاق بكلية الشرطة ولكنه انصاع لرغبة والده وبعد فترة من الوقت استقال رغبةً في تأسيس حياة حُرة له ثم بعدها سافر إلى تُركيا للزواج بمن أحب .. لم يكُن الصديق الوفي له فحسب .. بل منبع أسراره أيضًا.
_ " صحيح أخباره أيه؟ مش إنتوا على تواصل بردو؟!".
التفت إليها بعدما أدرك شروده الطويل، سار حثيثًا ناحية باب القسم وبنبرة باردة وهو ينظر إلى ساعة يده قال:
_ " مش دايمًا".
----------------------------------------------------------
_" يزيد، يلا علشان هنطلع عند جدو، زمانه مستنينا علشان الغدا والعلاج".
قالتها "مريم" وهي تنادي على ابنها الجالس أمام شاشة التلفاز، لقد تأخرت على ذاك العجوز كثيرًا، يسكن السيد "هاشم" معهم في المنزل حيث الطابق الذي يعلوهم بعد أن قامت مريم بإخراجه من دور العجزة وهيأت له جوًا مناسبًا داخل منزلهم، فلم تستطع التفريط به كما فعل ابنه .. فمُنذ يوم الحادثة وهي تعتني به جيدًا وكأنه والدها وأصبح مُلزمًا منها وبدوره يعشقها كثيرًا وحفيده فهي لا تتوانى في الاعتناء به والاغداق عليه بالحنان.
أمسكت "مريم" صينية صغيرة بين كفيها فقد أعدت له طعامًا سريعًا .. فقد أصرت على مغادرة الحفل بعد أخذ الشرطة لذاك المدعو عبد الرحمن حتى تلحق وقت تناول دواءه .. هبّ يزيد من مكانه على الفور ثم سار إلى جوارها حتى الطابق العلوي وما أن وصلا حتى طرق يزيد على الباب عدة طرقات مُشاغبة بينما تابعت مريم بغضب خفيف:
_ " يزيد حبيبي، جدو مش واقف ورا الباب، أديه فرصة يفتح؟!".
يزيد بتفهم : "آسف يا مامي".
فُتح الباب في هذه اللحظة، أطل منهُ ذاك العجوز مشبوب الوجه الذي لا يتوقف عن البش في وجهيهما بحنان أُبوي بالغٍ وهنا أردف بنبرة هادئة:
_ " سندريلا وبطلها أخيرًا وصلوا !!".
مريم وهي تنظُر إلى وجهه آسفةً:
_ " آسفة جدًا جدًا يا بابا، إتأخرت عن ميعاد الغدا نص ساعة، ممكن تسامحني؟!".
هاشم وهو يبتسم بوقار بعدما أغلق الباب خلفهما:
_ " دا مين المجنون اللي يزعل من مريم ".
مريم وهي تتجه صوب الطاولة بفرحة ثم تضع الصينية عليها:
_ " ربنا يخليك لينا .. يلا أقعد بقى علشان زمانك جعان أوي".
جلس "هاشم" في مكانهِ على الفورثم جاوره يزيد وهنا أردف العجوز متوجهًا بحديثه إلى الصغير:
_ " الحفلة كانت عاملة أيه يا زيزو؟ أنبسطت؟!".
يزيد بفرحة عارمة:
_ " جدًا يا جدو وكمان عمو آصف لعب معايا ووعدني هيخرجني تاني بس أنا زعلان أوي علشان هيسافر أسبوع ومش هشوفه".
تهللت أسارير وجهها بشدة وهي ترى أن مخارج الحروف لدى صغيرة خرجت من بين شفتيه سليمة بلا تلكُأ أو اضطراب، فيبدو أن علاجه يكمن في شخص "آصف" .. لاحظت عيون العجوز المصوبة إليها .. أطرقت برأسها في احراج .. فالسيد هاشم يعلم بطلب آصف للزواج به .. تظنه يحزن لذلك ولكنه في الحقيقة يُريدها سعيدة فحسب عوضًا عما فعله ابنه العاق بها .. تن*د هاشم بهدوء ثم قال:
_ " إحنا لو أقنعنا مامي .. هيكون جنبك كُل يوم".
نظرت "مريم" إليه في دهشة وعينين متلألأتين، فكانت تظُنه الشخص الوحيد الذي يرفض هذه الزيجة؛ لذلك لم تكُن تريد ازعاجه .. يزيد بنبرة مهتمة:
_ " كُل الناس بتحبه بس مامي لأ".
كانت مريم تنتقل بين أحاديثهما في صدمة ألجمت ل**نها عن الرد، وفجأة أتاها صوت رسالة يصدح في الأرجاء، التقطت الهاتف بين كفها ثم قرأت فحوى الرسالة بعينين جاحظتين:
_ " هتوحشيني ".
وقبل أن تستفيق من صدمتها وجدت هاشم يقول بضحكة خفيفة ونبرة ذات مغزى:
_ " واضح إن وصلة الإقناع مستمرة ".
توردت وِجنتيها من حديثهِ، فأسرعت بالنهوض وهي تتجه صوب المطبخ قائلة بتوترٍ:
_ " نسيت الماية".
----------------------------------------------------------
( على الجانب الآخر) ..
_ " وإنت كمان ركز في سواقتك، أنا هلاقيها منك ولا من أبوك ولا أُختك اللي غاوية مرمطة مع واحد مُعقد".
قالتها أُلفت وهي تجلس بالكنبة الخلفية، هتفت في ابنها بنبرة حادة بينما نظر "آصف" إلى والده الجالس بجواره وبنبرة هادئة قال:
_ " يا ماما شُغل .. يعني أسيب الشباب في الموقع يبهدلوا الدنيا ".
_ " وإنت كمان،ما جيتش قعدت جنبي ليه؟ هو أنا بعض".
صرخت في زوجها والغضب يعتري قسمات وجهها فيما غمغم السيد ثابت ببعض الكلمات المُبهمة في خفوت لم يسمعه سوى ابنه:
_ " دا إنتِ بومة".
ص*ر عن " آصف " صوتًا مُزمجرًا عندما حاول كتم قهقهاتهُ، بينما أجابها ثابت بهدوء:
_ " مش عايز أضايقك بس يا فوفا علشان تقعدي براحتك".
أُلفت وهي تضع أصابعها أسفل ذقنها:
_ " فوفا؟!! .. مسم".
تنحنح " آصف " بخشونة .. قبل أن يميل ناحية والده قليلًا وبنبرة خافتة تابع:
_ " بما إننا اتطمنا على آسيا .. فأنا رايح على الموقع .. تحب تنفد بجلدك وتيجي معايا .. أشربك شاي على الكانون ونلعب دور شطرنج ولا هتروح مع فوفا البيت؟!".
ثابت بنفس مستوى صوت ابنه:
_ " شمس الموقع ولا جنة أُمك يا آصف .. أنا معاك ".
----------------------------------------------------------
_ " ألحقيني يا مريم ضغطي عليّ ، البنت لا حس ولا خبر، أخوكِ قتلها، مجنون ويعملها .. وتليفونه مقفول".
صاحت "زينب" بتلك الكلمات وهي تجلس الق*فصاء أرضًا، وضعت كفيها على رأسها وهي تتخيل ابنها عندما يغضب حتمًا سيُفتك بهذه العصفورة الضئيلة الحجم أمام ضخامته، بينما تابعت مريم بنبرة متوترة:
_ " طيب نعمل أيه؟! .. أكلم آصف؟ مش قدامي حل غير كدا؟".
زينب وهي تضع أصابعها أسفل ذقنها وبنبرة خبيثة تقول:
_ " يا عيني عليكِ ياختي، هتيجي على نفسك وتكلمي د*ك البراري بتاعك، عيني فيه وتقول إيخي .. زمان قلبك بيزقطط علشان هتكلميه .. وتولع أُمك وهي خايفة على البونية .. تيجي هي أيه فيه؟! دي ضعيفة وغلبانة .. مسخوطة كدهون وجسمها محتاج يتقوى .. يا خوفي لو نفخ فيها تطير .. يكونش ض*بها. أهون من إنه يقتلها بصراحة".
قضمت "مريم" أظافرها من فرط توترها، ظلت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا وفجأة رنّ الهاتف الخاص بالسيدة زينب التي أسرعت بالتقاطه وهي تجد أنه المتصل لترد بلهفة:
_ " وديت آسيا فين يا اياس؟ قتلتها؟ قتلت البنت وهي في زهور شبابها؟ قلبي وربي غضبانين عليك يا شيخ".
_ " آسيا بخير يا أُمي، خليت تا**ي ياخدهم على الشقة علشان يكونوا قريبين مني .. خلاص؟!".
قالها وهو يمسح وجهه بنفاذ صبرٍ فيما انشرح قلب الأُخرى وهي تقول بنبرة مرتاحة كثيرًا:
_ " ربنا يرضى عنك يا حبيبي، هفضل راضية عليك ليوم الدين".
اِفتر ثغرهُ عن ابتسامة خفيفة ثم قال بثبات:
_ " لو إتأخرت نامي إنتِ، ما تتصليش عشروميت مرة وتصحي الشارع كُله، أنا عندي 35 سنة .. وعندي بنت 3 سنين .. يعني كبرت يا زينب .. يعني الله يرضى عليكِ بلاش فضايح أكتر من كدا".
زينب وهي تعبث باستنكار:
_ " مش بكون قلقانة عليك يا حبيب أُمك، دا إنت ابني الوحيد ونور عيني و …".
اياس بتنهيدة قوية:
_ " وكُل خير يا حبيبتي .. كُل خير .. خُدي علاجك قبل ما تنامي .. سلام".
همّ أن يُغلق الهاتف ولكنه وجدها تهتف بنبرة حنون قائلة:
_ " ما قولتليش يا اياس، هتبات فين ها؟ عند آسيا مش كدا؟ طيب بقولك أيه يا ضنايا .. ما تردها وتقضوا ليلة حمرا؟ .. أجي أخد رتيل يا نور عين أُمك".
زفر اياس مطولًا وهو يكز على أسنانه غيظًا وصل إلى مسامعها صوت تناهيده الغاضبة فأسرعت بغلق الهاتف على الفور.
مسح وجهه بإرهاق جلى بوضوح في عينيه الحمراوتين، كان جالسًا في سيارته بجوار الرصيف المُقابل للبناية التي تتواجد بها "آسيا وابنته" .. عاد بظهره إلى الخلف ومازال بصره مُسلطًا نحو الشقة التي تمكث بها .. فوجد الإضاءة بها مُفعلة وقد أدرك أنهما مازالتا مستيقظتين .. كان ليلًا مُعتدل البرودة وقد لفح الهواء أهدابه الكثيفة ليأخذه في سِنة لم تتجاوز الدقيقتين وفجأة هبّ منها يلهث بشدة وجملتها تقتحم عقله اليقظ:
_ " خلي بالك يا سيادة المُقدم لتقوم في يوم ما تلاقيش آسيا".
تن*د تنهيدًا ممدودًا بعُمقٍ ثم عاود تسليط بصره إلى الشقة من جديد، نحا ببصره إلى الدُمية الدُبية وعلبة الشيكولاتة ثم التقطها وقرر الصعود إليهم .. فقد اشتاق لقضاء يومه مع صغيرته .. هكذا أقنع نفسه .. ولكنها ليست الحقيقة كاملة .. فقد خشي تهديدها .. يُريد الاستيقاظ وهي أمامه ليتأكد من أنها لن تفعل.
اتجه صوب البناية ثم صعدها حتى الطابق المقصود، دقّ الجرس عدة مرات في انتظار الاستجابة .. كانت "آسيا" واقفة في المطبخ تُنجز طعام العشاء لها ولابنتها التي جلست أمام التلفاز تشاهد أحد برامج الكرتون .. لفت انتباهه رنين الجرس، همّت رتيل أن تتجه صوب الباب ولكن أوصتها والدتها بالتزام مكانها .. أسرعت آسيا صوب الباب ثم نظرت من العين السحرية القابعة بمُنتصف الباب.
حدقت في الصورة المعكوسة في عدسة عينيها بصدمة، عادت للوراء وص*رها يعلو ويهبط من شدة التوتر .. زقزقت عصافير قلبها برؤيته .. أخذت تتنشق الهواء داخلها في توتر بالغ .. هرعت إلى ابنتها ثم قالت بنبرة مُتلعثمة:
_ " رتيل .. رتيل .. حلو الدريس دا ولا أغيره؟ شعري متسرح؟! ".
رقمتها ابنتها بعدم فهم ولكنها أجابتها ببساطة:
_ " حلو يا مامي".
هرولت " آسيا " صوب المرآة المجاورة للباب ثم رتبت شعرها وملابسها ولكنها استغربت من توقفه عن الرنين فأسرعت بفتح الباب وهي تفتعل الدهشة:
_ " اياس ؟!".
كان ناظرًا بتوجس صوب الأرض، نحا ببصره إليها ثم قال مُتسائلّا:
_ " أيه دا؟!".
نظرت " آسيا " حيث أشار .. كان هناك سائلًا من اللون الأحمر يشبه الدماء كثيرًا .. زوت ما بين عينيها باستغراب ثم قالت:
_ " مش عارفة؟ ممكن تكون بوية واتدلقت من حد هنا؟!".
قام إياس بتجاوز السائل إلى داخل الشقة، ناولها ما في يده ثم قال بنبرة ثابتة غير مرتاحة:
_ " ادخلي هاتي حاجة نمسحه بيها".
أومأت "آسيا" برأسها في تفهم، قامت بوضع الأشياء التي أحضرها على الأريكة فالتهت بها ابنتها بينما قامت هي بجلب دلوًا وممسحة قُطنية تُمسك بعصاة طويلة .. اقتربت آسيا من السائل فيما أسرع هو بالضغط على ذراعها ألا تقترب منه وبنبرة صارمة قال:
_ " إبعدي إنتِ، دي مش بوية، دا دم فعلًا".
نظرت إليه في دهشة تارة وأخرى إلى السائل بالأرض، بينما التقط منها عصى الممسحة ومضى يغمسها بالماء عدة مرات حتى زال الدم عن الأرض .. رمقتهُ بنظرة حائرة وهي تقول في نفسها يتعجب:
_ " يا ترى هو سُخن؟! .. دا بيمسح بدالي؟ أعرضه على دكتور؟".
_ " آسيااااا".
انتبهت "آسيا" لصوته العالٍ، نظر إلى الدلو فأسرعت بحمله على الفور .. ظل يجوب المكان ببصره في ترقُب .. فبصيرته البوليسية تُخبره بأن هناك من يستعجل أجله؟! فقرر أن يحوم حول بيته. قام بغلق الباب على مضض .. هرعت "رتيل " إليه بينما دنى هو منها وقبلها قُبلة طويلة.
_ " إنت كويس؟!".
قالتها "آسيا" وهي تنظُر إليه من طرف عينيها، رمقها بنظرة باردة ثم قال وهو يُلقي بجسده على الأريكة:
_ " الحمد لله، في مشكلة؟!".
اِفتر ثغرها عن ابتسامة ماكرة، اتجهت صوب المطبخ دون أن ثُجيبه ثم تابعت بنبرة عالية قليلًا تُخاطب ابنتها:
_ " ريتا، شيلي الانتيكات من على السفرة علشان نحط العشا".
اتجه إياس ببصره صوب الباب وعلامات الضيق مُه***ة على قسمات وجهه .. قامت الصغيرة بمساعدة والدتها في ترتيب سفرة الطعام .. وضعت آسيا على الطاولة كُل ما لذّ وطاب احتفالًا بوجودهِ في حين أنه ما أن جلس على الطاولة حتى تابع بنبرة عابثة أزعجتها:
_ " كان نفسي أقولك تسلم إيدك، بس الأكل كُله جاهز للآسف".
زمت آسيا شفتيها بضيقٍ من أسلوبه الفظّ معها، رمقتهُ بنظرة طفولية غاضبة ثم تابعت بنبرة ساخطة على ما قاله وهي تشير إلى أحد الأطباق:
_ " على فكرة بقى، الأسباكتي دي أنا اللي عملاها لوحدي".
إياس بابتسامة سمجة:
_ " هو إنتِ بتعرفي تعملي غيرها من الأساس؟!".
في هذه اللحظة، مدّت رتيل يدها بعبوة الشطة ناحية الطبق الكبير وهظّت بتفريغ القليل منها على الطبق بينما أسرعت آسيا بتحذيرها ألا تفعل وهي تقول بغضب خفيف:
_ " لا يا رتيل شطة لأ .. بابي مش بيحبها".
رمقها بنظرة مختلفة هذه المرة، تعرفه بوضوح وماذا يُحب وماذا يبغض!! .. استمر الحديث بينهم لوقت طويل .. رغم أنه كتوم الشخصية ولا يتحدث إلا بما يجب .. ولكنه ينطلق في الحديث معهما دون كلل أو ملل .. عاونها في رفع الأطباق عن المائدة .. بينما قامت هي بتحضير أكواب من عصير المانجو .. تسطحت بجسدها على الأريكة التي تبعُد عنهم قليلًا بينما اندمج هو بمشاهدة أفلام الكرتون مع صغيرته والتي فرحت بوجوده كثيرًا حتى أنها جلست على ساقيه وألقت برأسها على كتفه .. كانت آسيا تنظُر إليه ككل مرةٍ .. لم تتغير نظرتها له قط مهما تغيرت معاملته معها .. فلا يجب أن يلومها أحدًا حتى يُغامر بلحظة ويحل محلها .. لقد قضيت معه أربعة أعوام كاملة .. لم يُقل أنه أحبها ص**حة .. ولكنه قالها بأفعاله .. أيَّ كرامة هذه؟! أيُعقل ألا تُحبه وهي تعلم بأن حُبها موجود داخله حتى وأن أبى الاعتراف بذلك، لا يُمكنها سحب نفسها من داخله والمُضي بعيدًا عنهُ وإلا فبماذا اختلفت عن السابقة؟! .. يُعاند أيامه بقوة واهية .. بينما هي دُعامة هذا الهش حتى لا يسقُط.
_ " بابي، أحكي لي حدوتة".
قالتها "رتيل" بنبرة ناعسة، بينما كان هو شاردًا فيما حدث قبل قليل .. نظر إلى صغيرته ثم تابع بابتسامة هادئة:
_ " اللي تؤمر بيه ريتا".
لبى طلب صغيرته مسايرًا براءتها عندما أرادته أن يقُصُ عليها أقصوصة اعتادتها دومًا من والدتها .. تُخبرها بخيال خصب أنه هناك أميرة تُدعى " آسيا" أحبت صقرًا عندما جاع تغذى على قلبها التهامًا .. كانت تدعوا لها بقدرٍ لا يشبه قدرها. تناشد ربها أن يرزقها الحُب الصادق بلا وحشة تشبه فراق روحها إليه.
_ " أحكي ليّ عن الأميرة آسيا والأمير اللي سابها للوحوش في نص الغابة".
قطب إياس ما بين عينيه باستغراب، ابتسم في خفة يشوبها تشوش لينظر داخل عيني ابنته مُباشرة قائلًا بحُب:
_ " الأميرة آسيا؟ .. وحوش؟!.
هزّت رتيل رأسها ببراءة ثم قالت بنبرة حماسية تروي لوالدها الجزء الآخر من القصة بفخر وسعادة:
_ " أيوه .. مامي قالت كدا .. لمّا الأميرة بكت في ظلام الغابة والبرد القارس حاصرها .. صرخت وقتها على الأمير علشان يحميها .. بس هو قالها إنتِ ذنب .. لازم تخرجي من حياتي .. المُذنب بيحاول يبعد عن ذكريات أي ذنب اقترفه في حق نفسه".
تنحنح إياس في خشونة وقد نبش مقدمة رأسه وهو يرى الطلاقة اللامُتناهية في حديث ابنته .. يبدو أن هذه القصة تكررت على مسامعها حتى حفظتها عن ظهر قلب وبكُل هذه الطلاقة في القول .. رفع اياس كفه صوب ابنته ثم مسد على خصلاتها الناعمة بحنان بالغٍ وبنبرة هادئة قال:
_ " رتيل، يلا على سريرك وبابي هييجي وراكِ علشان يحكي لك قصة الأمير إياس المرة دي".
اِفتر ثغر رتيل عن ابتسامة عريضة وعلى الفور قبلت والدها قبل أن تنطلق صوب غرفتها .. تن*د هو بثبات ثم نحا ببصرهِ إلى تلك النائمة على الأريكة وتحتضن الوسادة بقوة .. مشى إياس إليها .. دقق النظر إلى جفنيها المغلقين والأهداب الكثيفة التي تغطيهما .. وجد كفهُ يتحرك نحو رأسها مُباشرة ودون وعي منه .. حيث جثى على إحدى ركبتيه أمامها .. دفن أنامله بين خصلات شعرها .. وابتسامة صغيرة انفلتت من بين شفتيه وبدت وكأنها ابتسامة غامضة .. فالابتسام منه لا يتكرر في العام سوى مرة واحدة .. لم يكتفِ بمداعبة شعرها فوجد أنامله تُلامس وجنتيها ناصعتي البياض ثم تسللت الأنامل أكثر في تفاصيل وجهها حتى تحسس شفتيها الصغيرتين .. وإحساس غريب يسيطر على قلبه .. دقات قلبه تتسارع بلا هوادة .. وكأنها تنشقت عطر ضعفه فبادرت بعصر قلبه بين راحتها حتى كادت نبضاته أن تسكت طيلة العمرٍ.
ضغط على عينيه بقوة ما أن تدارك بأن مخالب الضعف قد أوشكت على النيل منه .. أسرع بإبعاد كفه عنها .. بينما ظل تحت تأثير سحرها لقلبه قبل عينيه ليقول بنبرة خافتة:
_ " عارفة إنتِ ليه ذنب؟ علشان جيتي في وقت غلط .. علشان غلطت يوم ما عملت من الجواري ملكات .. وأهنت سمو الأميرة واعتبرتها جارية في بيتي .. هي صانت وغيرها خان .. هي حبت وغيرها هان عليه وجعي .. كُل ما أشوف حُبك بحس إني مُذنب في حقك .. كُنتِ فين قبل ما يموت إياس يا آسيا .. كُنتِ فين قبل ما أتغير على الدنيا وأقرر أنتقم لقلبي من ج*س حوا".
جمدت العَبرات في عينيه وهو يتأملها لفترة أطول، تن*د تنهيدًا ممدودًا بعُمقٍ ثم انتصب في مكانه شامخًا .. مال بجذعه العلوي قليلًا ثم وضع ذراعه أسفل رأسها والآخر أسفل ساقيها حتى حملها إليه .. سار صوب الدرج الداخلي بالمنزل .. وما أن همّ بصعوده حتى وجدها تحاوط رقبته بذراعيها وتتكيء على ص*ره بأريحية شديدة وكأنها تتمرغ في فراشها الوثير ذي الأغطية الدافئة.
اصطحبها اياس إلى غرفتها، قام بفتح الباب بطرف قدميه ثم دلف بها إلى الفراش .. وضعها فيه بحذرٍ شديدٍ حتى لا يُزعج نومها .. كانت لا تزال متشبثة برقبته بكلتا ذراعيها .. وضع رأسها على الوسادة ثم سحب ذراعه من أسفلها بخفة ولكنها لم تُحرر رقبته بعد .. أضحى أكثر قُربًا منها .. وباتت ملامحها له أكثر بروزًا .. فقد اشتاقت نفسه لها .. ابتلع غِصة مريرة في حلقه ولكنه لم يقاوم قُربها منه إلى هذه الدرجة طويلًا .. فمدّ عُنقه حتى جبينها الناعم ثم لثمه بقُبلة طويلة للغاية لم يكُن يريدها أن تنتهي .
رفع كفيه إلى كفيها الملتفين حول عنقه وبحركة خفيفة، قام بابعادهما عنه .. دثرها في الفراش جيدًا ثم غادر الغرفة على الفور.
انتقل إلى غرفة ابنته على الفور، فهو مدينٌ لها بقصة "الأمير إياس" .. وجدها جالسةً في الفراش تنتظر قدومه .. وما أن دخل الغرفة حتى تهللت أسارير وجهها وهي ترتمي إلى أحضانه قائلة:
_ " يلا نحكي الحدوتة".
دثرها اياس في الفراش جيدًا بينما توسدت هي ذراعه .. تنحنح بخشونة قبل أن يقول بنبرة ثابتة:
_ " كان يا مكان في سالف العصر والزمان، كان في أمير اسمه إياس، كان بيضحك دايمًا وعُمره ما فكر يأذي حد، ناس كتير قالوا له أمشي في طرق وحشة علشان تكون قوي وتبقى ملك الغابة، بس هو رفض يتخلى عن انسانيته، قابل بنت وحبها وكان قلبه الحاجة الوحيدة اللي مِلكه .. لأنه وقتها ماكنش غني .. يادوب عنده بيت على قده هو وأسرته .. وكان ظابط حكيم .. ما بيجيش على حقوق حد .. وفجأة صحي على تغفيلة كبيرة أوي .. والحاجة الوحيدة اللي كان بيملكها الفقير دي بقيت هشة ومطعونة مية طعنة .. وأكتشف إن الملاك اللي طعن قلبه .. لا ملاك ولا حاجة دي الساحرة الشريرة .. ومن وقتها وهو قسي على الدنيا كُله .. ومنع قلبه إنه يقوم بدوره أو ياخد فرصة جديدة .. ركنه على الرف يعني .. أصله ماكانش عايز يثق في قلبه ويتطعن تاني .. لأنه كان ناقص له طعنة واحدة ويموت. دخلت في حياته بنوتة جميلة وجابت له معاها لؤلؤة عظيمة .. حبهم أوي .. بس نسي كُل كلمات العشق اللي بتتقال .. لا عايزها تغيب عن عينه .. وغصب عنه مش عارف ينطق .. بس هو بيكذب على نفسه قبل ما يكذب عليها. عايزها تخرج من حياته بس لو خرجت هتكون دي الطعنة الأخيرة".
زمت رتيل شفتيها بحُزنٍ وتأثُر وبنبرة طفولية فذّة قالت:
_ " زيّك إنت ومامي؟ إنت ليه مش بتحبها وتعيش معانا؟".
يتبع
#إنّي_اقترفتُكِ
#علياء_شعبان