الفصل السابع

950 Words
مر أسبوع على سفر ياغيز و نازلي..كانت هزان طيلة ذلك الأسبوع تدرس باجتهاد و لا تغيب عن المحاظرات و كانت أيضا تقضي وقتا مع والدها ..يتحدثان..و يترافقان..و يتقربان من بعضهما أكثر..كان أمين يرى فيها الابنة الحنونة و المراعية و العطوفة..و كان لا يمل أبدا من رفقتها و من حكاياتها و نكتها المضحكة..صارت تؤنس وحدته و تملأ عليه القصر..اتصل أمين مرتين خلال ذلك الأسبوع بنازلي التي أكدت له بأنها تقضي أجمل الأوقات و أمتعها مع زوجها هناك في باريس..لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لياغيز..كان يشعر بوحدة غريبة حتى و هي معه..كانت تحاول أن تمنحه بعضا من اهتمامها ..يتجولان معا..يتناولان طعام العشاء او الغداء في هذا الفندق أو ذاك..تشتري له الهدايا و تسهر معه كل مرة في مكان مختلف..لكنها و بمجرد أن تلتقي شخصا خبيرا في الموضة ..او مصمما مشهورا..تنسى وجوده أصلا و لا تتذكر سوى أنها في باريس..بلاد الموضة و الأزياء..و عادا اليوم من سفرهما..على الساعة العاشرة صباحا..كانت هزان في الجامعة و أمين لوحده في المنزل..عانقت نازلي والدها بسعادة و أخذت تحدثه دون توقف عن عروض الأزياء التي حضرتها و عن الخبراء الذين التقت بهم..بينما وقف ياغيز بعيدا عنهما..استأذن أمين في الصعود إلى غرفته و التجأ إلى الصمت لكي لا يفسد جو لقاء الأب بابنته..استحم و غير ملابسه و نزل مجددا..ركب سيارته و انطلق بها نحو الشركة..راجع هناك بعض الأوراق الضرورية و اجتمع بالموظفين و ناقش معهم التصميمات الجديدة الخاصة بالمشروع..ثم خرج..وجد نفسه قريبا من جامعة هزان..فأوقف سيارته في مدخل الجامعة و طلب من السائق الإنصراف و بقي ينتظر خروجها..اتكأ ياغيز بجسمه على السيارة و اخذ ينظر من تحت نظارته الشمسية إلى الطلبة و أروقة الجامعة..لقد اشتاق لهذه الأجواء و للدراسة و الاجتهاد و المثابرة..إلى زمن كان فيه شعلة من الحماس و العواطف و المشاعر..اشتاق إلى نفسه التي ضيعها في مكان ما و لم يعد قادرا على العثور عليها..اشتاق إلى ياغيز العاشق و الشغوف و المتلهف و المشتاق..ياغيز الذي كان يحب بكل ما اوتي من قوة..بكل نبضة من نبضات قلبه و بكل جارحة من جوارحه..صار يخشى أن يفقد ذلك الشغف ..و ان يصيبه البرود و الخمول جراء زواجه بنازلي التي تعامله كشيء تملكه..تقترب منه متى ارادت..و تهمله متى شاءت..صار يخاف أن يصبح آلة للعمل و **ب المال فقط..و أن يتجرد من مشاعره التي تعود أن يكون لها نصيب كبير في حياته..استفاق من تفكيره العميق على صوت هزان القريب منه..التفت ناحية الصوت ليراها واقفة مع كوراي..استاذها..كانت نظرات كوراي لا تخفي اعجابه الشديد بها و محاولاته التقرب منها..اقترب ياغيز منهما و قال" مرحبا هزان..مرحبا كوراي" نظرت إليه هزان و ابتسمت و هي تقول" ياغيز..لقد عدتما أخيرا..كيف كانت رحلتكما؟" هز برأسه و اجاب" جيدة" تبادل هو و كوراي نظرات عميقة..و ذات معنى..كان يبدو عليهما أنهما يعرفان بعضهما جيدا..مد كوراي يده باتجاه ياغيز و صافحه و هو يقول" مرحبا ياغيز..كيف حالك؟ لم نلتقي منذ زمن..اشتقت إليك يا صديق الأيام الخوالي" شد ياغيز على يده و رد" انا بخير..و انت..أمازلت كما عهدتك؟" ابتسم كوراي و هو يحاول بلع ملاحظة ياغيز القاسية و رد" بخير..و مازلت كما تعودت علي..محبا للحياة و للجمال..هزان طالبة عندي..لقد استغربت رؤيتي لها في المرة الأولى..كنت أظن بأنها نازلي..لكنني عرفت فيما بعد أنها توأمها..سررت كثيرا بمعرفتها..انها فتاة مميزة و مجتهدة" التفت ياغيز إلى هزان و تأمل قميصها الوردي ذي الياقة العالية و سروالها الجينز الأبيض الملتصق بساقيها و شعرها الطويل المسدل على ظهرها و قال" هل انهيت محاظراتك؟" اجابت" نعم" فتح لها باب السيارة و قال" تمام..لنذهب..الى اللقاء كوراي" و ركبا معا و ابتعدا تحت انظار كوراي الذي شد بقوة على حقيبته و أخذ يشتم بعصبية..نظرت هزان إلى ياغيز الذي كان الانزعاج باديا عليه..سألت" ياغيز..ماذا حدث؟ لماذا انزعجت عندما رأيت كوراي؟ " ضغط ياغيز على المقود بيديه و اجاب" لأنني أعرفه جيدا..انه شخص مستهتر و لعوب و زير نساء..لا يضيع فرصة للتقرب من أية فتاة جميلة يراها..انه ليس شخصا موثوقا و لا محترما لكي يعطوه وظيفة المدرس في جامعة محترمة كهذه" رفعت هزان حاجبها استغرابا و قالت" غريب..مع أن فتيات الجامعة كلهن يلاحقنه و يتوددن اليه لكنه يصدهن جميعا و لم يحدث أن اشتكت منه احداهن بسبب قيامه بتصرف وقح معها..أانت متأكد بأنك تعرفه جيدا؟" ابتسم ياغيز بسخرية و قال" أنا من يعرفه جيدا..لقد كنا أصدقاء مقربين في السابق..درسنا معا في المرحلة الثانوية ثم في الجامعة و تواصلت صداقتنا لمدة سنة بعد زواجي انا و نازلي..أنا أؤكد لك بأنه شخص منحرف و غير متزن..حاولي أن تجعلي علاقتك به محدودة و لا تتعدى علاقة الطالبة بأستاذها..هذا أفضل" نظرت إليه هزان و قالت" شكرا لك على النصيحة لكنني كبيرة بما فيه الكفاية لكي أستطيع اختيار طبيعة العلاقة بيني و بين أي شخص..لا أريد توجيهات من أحد" اوقف ياغيز السيارة و التفت اليها و قال بعصبية" هزان..أنا أقول ذلك من منطلق خوفي و قلقي عليك و اهتمامي بك..حاولي أن تفهمي ما قلته و أن تفكري فيه جيدا" صمت قليلا ثم أضاف و هو يضع يده على يدها " أنا آسف..لم أقصد التدخل في حياتك..لو لم تكوني تعنين لي لما أعطيتك هذه النصيحة من الأساس..آسف" ابتسمت هزان و وضعت يدها الأخرى على يده و هي تقول" لا عليك..لم يحدث شيء..لكن صدقني بأن لدي خبرة في التعامل مع مختلف انواع البشر جراء الحياة السوداء التي كنت أعيشها قبل المجيء إلى هنا..بداية بزوج أمي الحقير و الذي كان طوال الوقت يحاول.." صمتت فجأة و أخذت تمرر أصابعها على عنقها كأنها تختنق..حملق فيها ياغيز و قال" هزان..اهدئي..تمام..لقد انتهى كل شيء..أنت الآن بأمان" رفعت هزان عيونا دامعة نحوه و همست بصوت مختنق" تخيل قذارة الموقف..أن يحاول زوج أم الإعتداء على ابنة زوجته..أن يفعل كل شيء لكي يحصل عليها ..رجل حقير و بلا شرف..لقد كانت حياتي عبارة عن جحيم.." و أخذت تبكي في صمت..وجد ياغيز نفسه لا إراديا يضع يديه حول كتفيها و يقربها منه و يحتضنها بقوة..تعلقت يدا هزان بسترة ياغيز و دفنت وجهها في ص*ره و واصلت بكاءها..أما هو فأخذ يداعب خصلات شعرها و يحاول أن يهدأها..كانت لها رائحة مميزة و لا تشبه غيرها..رائحة تسللت إلى أعماق ياغيز و لامست ثنايا روحه..ضعفها أسعده و احتياجها إليه أرضى غروره..أما هي فهدأت بين ذراعيه و شعرت بالأمان الذي كانت تبحث عنه..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD