سمعت هزان صوت أقدام تقترب منها و من والدها..رفعت رأسها لترى ياغيز يقف أمامهما و يقول" مساء الخير" أجابه أمين" مساء الخير ياغيز..اجلس.. هل مازالت نازلي في العمل؟" هز برأسه و سحب كرسيا و جلس قبالة هزان..تأمل هزان للحظات و ابتسم ثم قال" من الجيد أنك ذكرت نازلي يا عمي..كنت سأخاطب هزان على أساس انها هي..الشبه بينهما رهيب" ابتسم أمين و قال" لا تنسى أنهما توأم متطابق..لا يوجد اي اختلاف بينهما" قالت هزان" نعم..هذا ما كانت تخبرني به أمي دائما..لطالما كانت تحدثني عن أختي و عن الشبه الكبير بيننا" ثم التفتت إلى ياغيز و سألت" لماذا تسمح لها بالتأخر في العمل؟ هذا لا يجوز..يبدو أنها تتعب كثيرا" رد" نعم..معك حق..لكنها تحب عملها كثيرا و لا ترضى أن يتدخل أي أحد فيه..اسألي أباك..هو أكثر شخص يعرفها" قال أمين" نعم..هذا صحيح..نازلي مهووسة بعملها..دار الأزياء تأخذ كل وقتها..و هذا المسكين زوجها هو من يدفع الثمن..لكنني سأحاول أن أنبهها إلى أنها يجب ألا تبالغ في اعطاء وقتها كله للعمل..لنفسها و لزوجها عليها حق" صمت قليلا ثم سأل" و أنت يا ابنتي؟ هل درست في مجال معين؟ هل أنهيت دراستك أم لا؟" قطبت هزان جبينها و تجهم وجهها بشدة و ردت بصوت ضعيف" تحصلت على الباكالوريا و لم أستطع الدخول إلى الجامعة بسبب ظروفنا المادية القاسية..اضطررت إلى العمل هنا و هناك لكي أ**ب بعض المال" نظر إليها ياغيز و سأل" و طموحك؟ أليس هناك حلم معين تريدين تحقيقه؟ ألا توجد وظيفة محددة تريدين ممارستها؟" زمت هزان شفتيها و أجابت ببساطة" لا أدري..لم أتعود على الأحلام..حياتي كانت عبارة عن كوابيس لا تنتهي" وضعت الشوكة و السكين من يدها و تمتمت" عن اذنكما" و انسحبت إلى غرفتها..
نظر ياغيز إلى أمين و قال" أنا آسف..لم أكن أعلم أن سؤالي سيزعجها" ربت أمين على يده و رد" لا عليك..أنت لم تخطئ في شيء..الحياة هي التي كانت قاسية عليها جدا..و يبدو أنها على ع** نازلي..حساسة جدا و عاطفية..رغم محاولتها اخفاء ذلك" هم ياغيز بالكلام عندما رأى زوجته تعلق معطفها على المشبك و تتقدم نحوهما..ابتسم و قال" مرحبا جنم" ردت" مرحبا حياتي..مرحبا بابا" بقيت واقفة فسألها أبوها" ألن تأكلي؟" هزت رأسها بالنفي و قالت" لا..أكلت في دار الأزياء..أريد فقط أن أنام..أنا متعبة جدا" قال أمين" نازلي..ابنتي..أنت تتعبين نفسك كثيرا..هذا لا يجوز..يجب أن تمنحي وقتا للعمل و وقتا لك و لراحتك..و لزوجك أيضا..لست فتاة صغيرة لكي أنبهك إلى هذا..العمل ليس كل شيء في حياة الانسان ..هناك.." قاطعته قائلة" سأذهب إلى غرفتي قبل أن ينطلق الموشح المعتاد..تصبحان على خير" مرر ياغيز أصابعه خلال شعره و تن*د بعمق دون أن يقول شيئا..نظر إليه أمين و قال" بني..لا تقلق..سأتحدث معها مرة و اثنتين و ثلاثا..لن أسمح لها بأن تتمادى في اهمالها..قليل من الوقت و سيتغير كل شيء..يجب أن تصبر فقط" ابتسم ياغيز و رد" و هذا ما أفعله ذاتا" ثم سكب لنفسه كأسا من الكونياك الفرنسي الفاخر..احتساه دفعة واحدة و نهض و هو يقول" تصبح على خير" ابتسم أمين و أجابه" تصبح على خير بني" ..صعد ياغيز الدرج بخطى متثاقلة..كان يعلم ما سيحصل عندما يدخل الغرفة..ستؤنبه نازلي على ما قاله أبوها و ستعتبر بأنه هو من يشتكي منها طوال الوقت..انتشله صوت رقيق من تفكيره العميق..اقترب من غرفة هزان المجاورة لغرفته..كانت هزان تغني بصوت عذب و جميل..لم يتعود على سماع هذا في المنزل..لطالما كان المنزل هادئا و صامتا كصمت القبور..بلا حياة أو حركية..ما عدا بعض الحفلات التي تقيمها العائلة من وقت لآخر و التي تكون مناسبة جيدة بالنسبة لنازلي لاستعراض نجاحاتها في العمل او في الحياة..و تتقرب منه هو ايضا و تعطيه بعض الاهتمام حفاظا على صورتها الاجتماعية أمام أصدقاءها و صديقاتها..تسمر ياغيز أمام الباب مأخوذا بصوت هزان الذي كان مزيجا من الشجن و الطرب..كانت و من خلال كل كلمة تغنيها تعبر عن ألمها و تعبها من كل ما قاسته في السابق..انتبه لنفسه بعد لحظات فابتعد و دخل إلى غرفته..و ابتسم بسعادة عندما وجد نازلي نائمة..
في الصباح..استيقظت هزان على الساعة التاسعة ..كانت تكره الاستيقاظ باكرا..و تعودت أن تحدث لها العديد من المشاكل في العمل بسبب ذلك..نزلت إلى الأسفل فوجدت والدها جالسا مع ياغيز يتباحثان حول بعض المشاريع الجديدة التي ستتكفل شركة شامكران بتنفيذها..دخلت إلى المطبخ و طلبت من السيدة بتول أن تعد لها القهوة و بعض المرطبات و خرجت إلى الحديقة..جلست على احد المقاعد الموجودة هناك مستمتعة بأشعة الشمس الدافئة..أحضرت لها بتول ما طلبته فأخذت ترتشف قهوتها على مهل..في الداخل..قال أمين" ياغيز..بني..هذا المشروع سيكون على قدر كبير من الأهمية..و أنتظر منك تصميما مميزا للبناء المطلوب" هز ياغيز برأسه و رد" تمام ..سأكون عند حسن ظنك..لا تقلق" ربت أمين على كتفه و قال" لقد التقيت صباحا بنازلي و حدثتها عنك و قد وعدتني بأنها ستحاول جاهدة تغيير عاداتها السيئة و تخصيص وقت لك و لها" ابتسم ياغيز و قال" ان شاء الله..أتمنى ذلك" نظر أمين إلى هزان الجالسة في الحديقة و ابتسم ثم قال" ياغيز..بما أن لد*ك بعض الوقت المتاح هذا الصباح..فما رأيك أن تصطحب هزان في جولة..خذها إلى بعض المحلات التجارية لكي تشتري ما يلزمها..ما رأيك؟" أجاب" طبعا..بكل سرور" فتح أمين الباب البلوري المؤدي للحديقة و قال" هزان..ابنتي..صباح الخير" نظرت إليه و ردت" صباح النور يا أبي" قال الرجل" لقد طلبت من ياغيز أن يصطحبك في جولة حول المحلات التجارية المعروفة..اذهبي معه و اشتري كل ما ترغ*ين فيه" وقفت هزان بحماس و قالت" تمام..سأغير ثيابي و أذهب معه" و أخذت تصعد السلالم بسرعة و هي تصفر بسعادة..لبست قميصا أحمرا و سروال جينز و حذاءا رياضيا و ركبت بجانب ياغيز في السيارة..نظر إلى الإبتسامة المرتسمة على وجهها و قال" جميل أن أراك تبتسمين..أتمنى أن تكون أيامك القادمة كلها سعادة" التفتت إليه و ردت" أتمنى ذلك..شكرا لك سيد ياغيز " ابتسم و قال" تستطيعين مناداتي ياغيز فقط..أنا لست غريبا..أنا زوج أختك" تمتمت" حسنا ياغيز..اتفقنا" و راحت تنظر عبر النافذة لتلك الشوارع الفسيحة و البنايات العالية و المحلات المتعددة..أمام محل كبير للثياب أوقف ياغيز سيارته و قال" هذا أحد أشهر محلات الثياب في اسطنبول..نازلي لا ترضى سوى بالماركات العالمية الموجودة هنا..ثياب ذات جودة عالية و تصاميم مميزة..تفضلي لندخل" سألت" هل أنت آت معي؟" ابتسم و أجاب" نعم..سأرافقك ..لن أتركك لوحدك" قالت" شكرا لك" و فتحت الباب و نزلت..تجولت هزان في أروقة المحل و هي تحملق في الكم الهائل من الثياب الجميلة و الباهظة الثمن..جلس ياغيز في الجزء المخصص للانتظار يشرب قهوته في الوقت الذي راحت فيه هزان تختار ملابسها ..أخذت تقيس هذا الفستان أو ذاك..تجرب قميصا أو سروالا ثم تختار غيره..لم تقترب من الجهة التي كان يجلس فيها ياغيز..كانت تكتفي بالنظر إلى المرآة و تقرر بنفسها..إلى أن عجزت عن الإختيار بين فستانين أحدهما أحلى من الآخر..واحد أ**د بياقة عالية و ظهر عاري..و الثاني قصير يصل إلى منتصف فخذيها و كتفاه مكشوفتان و لونه أحمر..ارتدت الاسود و خرجت أمام ياغيز الذي كان ينظر إلى الخارج..اقتربت منه بخطى وئيدة و قالت" سيد ياغيز..أقصد ياغيز..لقد احترت بين فستانين..أحدهما هذا الذي أرتديه الآن" التفت إليها ياغيز فور سماع صوتها و بقي يتأملها للحظات دون أن ينطق بحرف واحد..كررت كلامها فانتبه لنفسه و قال" هذا جميل جدا..و الآخر؟" قالت" سأجربه و أريه لك" قال" تمام" تحركت مبتعدة عنه فتابعها بعيونه..انها تشبه زوجته بطريقة مرعبة و مخيفة..صار يخشى أن يخطئ بينهما خاصة بعد أن صارت تلبس مثلها..رن هاتفه فأجاب" افندم" قالت نازلي" عشقي..أين أنت؟" رد" أنا مع أختك هزان في محل أونزار للملابس..والدك طلب مني .." قاطعته" و لماذا تصطحبها أنت؟ ألا يوجد سائق ؟ أليس لد*ك عمل تقوم به؟" قال" نازلي..حياتي..والدك طلب مني ذلك..لا داعي لكل هذا الغضب..تعالي أنت أيضا اذا أردت" قالت" حسنا..سآتي" أنهى ياغيز المكالمة و التفت ليرى هزان تقف أمامه بفستانها الأحمر المثير الذي يلتصق بجسمها كاشفا تفاصيله..كانت فاتنة بطريقة ملفتة..سألت" اييي..أيهما أختار؟" صمت ياغيز قليلا و هو يتفحصها..ثم قال" كلاهما..اشتري كليهما..انهما رائعان" ابتسمت و قالت" تمام" و عادت إلى غرفة القياس..مرر ياغيز أصابعه خلال شعره بعصبية و واصل احتساء قهوته..