كما في حديث عثمان بن عفَّان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِى صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ : بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ـ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ـ فَيَضُرُّهُ شَىْءٌ» ، وجاء عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِى لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» أي من كلِّ آفةٍ وسوءٍ وشرٍّ ، وجاء في حديث عبد الله بن خُبَيْب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: خَرَجْنَا فِى لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى لَنَا - قَالَ - فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. قَالَ « قُلْ ». قُلْتُ مَا أَقُولُ قَالَ « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِى وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ» ، وجاء عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كما في حديث عبد الله بن عمر أنّه كان لا يدع هـؤلاء الدّعوات حين يصبح وحين يمسي: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِى دِينِى وَدُنْيَاىَ وَأَهْلِى وَمَالِى ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِى، وَآمِنْ رَوْعَاتِى ، اللَّهُمَّ احْفَظْنِى مِنْ بَيْنِ يَدَىَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» ؛ وفي هـذه الدّعوة تحصينٌ تامّ وحِفْظٌ كامل للعبد من جميع جهاته .
وفي مجال الطبِّ العِلاجيِّ جاء عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إرْشادات عظيمة وتوجيهات كريمة وأَشْفِيَة متنوّعة جاءت مبيَّنةً في سنّته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يطول المقامُ بذكرها أو الإشارة إليها، وينظر في هذا بسط هذا الموضوع الواسع في كتاب زاد المعاد لابن القيم.
الوَقْفَة الرَّابِعَة:
أنَّ الواجب على كلِّ مسلم أنْ لا ينساق مع إشاعات كاذبة ؛ لأنّ بعض النّاس في مثل هـذا المقام ربّما يروِّج أمورًا أو يذكُر أشياءَ لا صِحَّةَ لهَا ولا حقيقة فيرُوج بين النّاس رعبٌ وخوفٌ وهَلَعٌ لا أساسَ له ولا مسوِّغ لوجوده . فلا ينبغي لمسلمٍ أن يَنِسَاقَ مع شائعاتٍ ونحو ذلك فيُخلّ انسياقُه وراءَها بتمام إيمانه وكمال يقينه وحُسْن توكِّله على ربِّه جل وعلا .
الوَقْفَة الخَامِسَة:
أنَّ المصائب التي تُصيب المسلمَ سواءً في صحّته أو في أهله وولده أو في ماله وتجارته أو نحو ذلك إن تلقَّاها بالصَّبْر والاحتساب فإنها تكون له رِفْعَة عند الله جلّ وعلا ، قال الله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) [البقرة:155-157] ، فالله تبارك و تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه و تضرعه و دعاءه و صبره و رضاه بما قضاه عليه، فهو سبحانه وتعالى يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب و غيرها و يعلم خائنة أعينهم و ما تخفي صدورهم فيثيب كل عبد على قصده و نيته، ولهـذا من أُصيب بشيء من المرض أو أُصيب بشيء من الجوائح أو نقص المال أو نحو ذلك فعليه أن يحتسب ذلك عند الله وأن يتلقّى ذلك بالصّبر والرِّضا ليفوز بثواب الصّابرين ، ومن عوفي فليحمد الله ليفوز بثواب الشاكرين.
الوَقْفَة السَادسة:
أنَّ أعظم المصائب المصيبة في الدين فهي أعظم مصائب الدنيا و الآخرة، وهي نهاية الخسران الذي لا ربح معه والحرمان الذي لا طمع معه، فإذا ذكر المسلم ذلك عند مصابه في صحته أو ماله حمد الله على سلامة دينه، روى البيهقي في شعب الإيمان عن شريح القاضي رحمه الله أنه قال : « إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي , وأحمده إذ رزقني الصبر عليها , وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب , وأحمده إذ لم يجعلها في ديني». وأسأل الله أن يتولانا أجمعين بحفظه، وأن يمنَّ علينا بالعفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا ومالنا إنه سميع قريب مجيب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا
واخر دعونا الحمد لله رب العالمين
الجمعة 27جمادي الأولى 1441هجربة
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
اما بعد
فهذا توضيح للاسمين
الكريمين من أسماء الله الحسنى
وهما الشاكر والشكور
الشّكور، الشّاكر
قال الله تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 30]، وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34]، وقال تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى: 23]، وقال تعالى: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: 17].وورد "الشّاكر" في موضعين:قال تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]، وقال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147].وجميع هذه المواضع الستّة التي ورد فيها هذان الاسمان مواضع امتنان من الله عزَّ وجلَّ بإثابة المطيعين، وتوفية الأجور، والزيادة من الفضل، والمضاعفة للثواب، وهذا مما يبين لنا معنى هذين الاسمين، وأن الشكور الشاكر: هو الذي لا يضيع عنده عمل عامل، بل يضاعف الأجر بلا حسبان، الذي يقبل اليسير من العمل، ويثيب عليه الثواب الكثير والعطاء الجزيل، والنوال الواسع، الذي يضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب، ويشكر الشاكرين، ويذكر الذاكرين، ومن تقرّب إليه شبرا تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرَّب إليه ذراعاً تقرَّب إليه باعاً، ومن جاءه بالحسنة زاد له فيها حُسنا، وآتاه من لدنه أجراً عظيما.قال ابن القيِّم رحمه الله في بسط القول في معنى هذا الاسم وذكر معانيه العظيمة ودلائله الجليلة: "وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر، فهو أولى بصفة الشكر من كلّ شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكر بفعله، فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردَّه عليه أضعافاً مضاعفة، وهو الذي وفَّقه للترك والبذل، وشكره على هذا وذاك، ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم، ولما احتمل يوسف الصديق عليه السلام ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقتها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرا خضرا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه، ولما بذل رسلُهُ أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبُّوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سمواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة ذكرى الدّار.ومن شُكره سبحانه: أنه يجازي عدوَّه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان، وهو من أبغض خلقه إليه.ومن شُكره: أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلبا قد جهده العطش حتى أكل الثرى، وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين.فهو سبحانه يَشكر العبد على إحسانه لنفسه، والمخلوق إنما [يشكر] من أحسن إليه، وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه، وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لإحسان العبد إليها، فهو المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر، فمن أحق باسم "الشّكور" منه سبحانه؟!.وتأمَّل قوله سبحانه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]؛ كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى ت***ب عباده بغير جرم، كما يأبى إضاعة سعيهم باطلاً، فالشكور لا يضيع أجر محسن، ولا يعذب غير مسيء.ومن شكره سبحانه: أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع عليه هذا القدر.ومن شكره سبحانه: أن العبد من عباده يقوم له مقاما يرضيه بين الناس فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه، ونوه بذكره بين عباده، وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه، فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته إلا هالك، فإنه سبحانه غفور شكور، يغفر الكثير من الزلل، ويشكر القليل من العمل.ولما كان سبحانه هو الشّكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطّلها واتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتّصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتّصف بأضدادها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليه الصلاة والسلام