غَـادرنَا الكُليَّـة نَحوَ المنزِل الصَّـغير الذّي اختَـاره لنا، هو لا يَبعدُ كَثيرا عن الكُليَّة ويتَمَيَّز باِنزِوائه عن الأنظَــار تَمَــامًـا كَـمَــا أردت والأهم من ذلك أنَّـنِي لن أضطَرَّ لمُوَاجهَة الصَّـعَـاليك الذّين يغلقون مَدَاخِل الحَيِّ الذّي كنتُ أقطن به في السَّـابق.
المنزلُ صَغيرٌ كَغيره من المَنَـازل المُجَـاورة له ويتَكَوَّن من غُرفَـة وَاحدة منحَ أكثَر من نِصفهَــا لأريكة رماديَّة كبيرة وكُرسيين يُحِـيطَـان بِطَــاولَة منخَفضة الطّول وأمَـامهمَـا تلفَـاز صَغِيرٌ وعلى الجَـانب الأيمَن مِدفَـأة اشتَعل بها الحَطب ليبعَثَ الدِّفء في المَكَـان اضَـافة الى الحَمَّـام والمَطبخ.
أوَّل مَـا قمتُ به فَورَ وَصولِي هو أخذ حَمَّـام سَـاخن للتَّخلّص من التّوتر والارهَـاق ولمَّـا انتهَيتُ كنت قد شعرت براحَـة كَبيرة، استَعرتُ قَميصًا رمَـاديًّـا من هيونِي واكتفيتُ بسروَال قَصير حَدَّ الفخذين فالمَكَـان دافئ لا يستَدعِـي ارتِدَاء الكَثير من المَلابس ومن ثمَّ استَلقيت على الأريكَة أحظى بالجزء الجَـانبيّ منهَـا. شعرِي المبلل ملفوف في منشفة قُطنيّة وبيدِي هَـاتفي الجَوَّال، خَطر ببالي أن أبحَث عن هَويَّة الأستَـاذ ويليامز الذِّي ما انفكّ يتَشَدَّق بمكـانته ويغتَرّ بذَاته. دَخل هيونجين وبيده كُوبَـان من القَهوَة وَضع أحدهما على الطَّـاولة بجَـانبي وسأل
“مَـاذا تفعلين عندك؟”
كنت منشغلة بتفحص هاتفي بلهفة لدرجة أنّي لم أرفع بصري ناحيته
“أبحث في سجلّات المدعو جونغكوك ويليامز ويبدو أنّ الانترنت تَزخَر ببيَـاناته، لم أكن أظنّه مَشهُـورا”
لم يُجب ولم يتسنّ لي أن أرى تعابير وجهه لكنّـه تقدّم من مكان مكوثي وأزاح المنشفة التي كانت تغلف شعري ثمّ جعل يفرك خصلاتي الندّية بين لفتي المنشفة برفق
“أنت حَتَّــى لم تُجففي شعرك، أتنوينَ المَـوت”
قال بنبرة معاتبة فيما تجاهلت توبيخه لأطلعه على المعلومات التي وجدتها والتّي بدت مبهرة بالنسبة لي
“العَـاهر افتتح عديدَ المَـعارض الخَاصّة به وفي دول مختلفة من العَـالم ويَبلغ دَخله السنويّ مليوني دولار”
لم يبد لي هيونجين متفاجئا بقدري اذ لم يحرك ساكنا واكتفى بالرّد بهدوء
“وما الغَريبُ في ذَلكَ؟ مَظهره يُـوحِي برقيِّـه على أيّ حَـال”
خمد الحماس الذي اجتاحني اذ لم أجد من يشاركني اياه وقلت
“مَعـكَ حقّ أنت نَشأت في عَـائلة ميسُـورة الحَـال أمَّـا بالنِّسبة لي فهذه أرقَـام مَهولة”
“سنحقق كلّما تحلمين به فقط ثقي بي”
مع مرور أول سويعات المساء بدأت الحركية في الخارج تشتدّ فقد كانت السهرات تحيي من أوائل الليل وتقتل مع الفجر، كنت مستعدة و هيونجين للقيام بأوّل مهمّة لنا والتّي ستكون الأهم حاليّا ارتديت قميصا أ**د فضفاضا كذا الحال مع السروال وغطيت شعري ثمّ أخفيت وجهي خلف قناع أ**د اللون وبالتّـالي بتّ بالكاد أميّز، بل أبدو على هيئة ذكر.
توجّهت رفقة هيونجين نحو ملهى ليليّ وَسط المَدينَة وقد اتَّفَـق مع صَـاحبه على الأرجح فالحراس أمام البوّابة لم يستوقفونــا واستَطَـعنا المرور بسلاسة الى الدَّاخل حيث اصطَدَمنَـا بعدّة أجساد تترنّح من فرط السّكر أو ترقص بجنون على إيقاع الموسيقى الصّاخبة. وَقَفنَـا وسط الازدِحَــام وأشار هيونجين الى احدى الطَّـاولات المركونة
“جَـا**ون ودايفيد، الو*دان اللَّذَان تَحرَّشَــا بكِ يَجلسَـان هُنَــاك”
طَحنتُ أضراسي بغيض ولكت كلمَـاتي بحقد بينَمَـا أراقبهمَـا يستمتعان بالمشروب والأجواء
“جَـا**ون ذلك الحقير أودّ سحقه كلّما تذكرت تطاوله علي”
كُـنت مُصممة على الانتقَــام منه خَـاصَّة لأنََـه من سمح لنفسه بتَجَـاوز
“أخبرنِي صَاحب الملهَـى أنّـه اعتَـاد تعاطِي المَاريخوانا وهو الآن ينتظر مزوّده كما بحثت في خلفيته وتبيّن أنّ والده رئيس بلديّة وناشط اجتماعي يسعَى للبروز في السيَـاسة هذا سيساعدنا في خطتنا”
هززت رأسي بإيمَـاءة وتَقدَّمت بخطوات واثقة لكنَّ يد هيونجين على كتفي استوقفتني
“متأكدة أنك تريدين فعل ذلك؟ أستطيع تنفيذ المهمّة بدلا منك”
أدرتُ رأسي بخفَّـة وتحَدَّثت بحَزم
“نفِّذ الخطّة بحذافيرها كما اتّفقنا ولا تقلق بشأن البقيّة”
تَقدَّمت من طاولتهما وبدون أن أثير الشبهات أشرت الى المدعوّ جا**ون أن يتبعنِي الى ممر قلّت فيه الحَركَة بعيدًا عن صخب الموسيقى ومددت اليه طَلبيَّته وحَدقتاي تشنقانه بحبال الحقد لكنَّه بالكَـاد تفطَّـن لي اذ كانت القبعة تحجب ملامحِـي.
غادرت بكل هدوء بعد أن حصلت على ثمن البضَـاعة والتقيت بهيونجين عند المَخرج
“هل كلُّ شيء على مَـا يرام”
سألتُ مُزيحَـة القنَـاع عن وَجهِي فغمَرتني النَّـسَـائم البَـاردة وتَوَغَّلت بينَ أنفَـاسي
“تَمَــامًـا كَـمَـا خَططنَـا”
ابتَسمت ساخرة من غباء ذلك الو*د وقلت
“الآن لا مَجَــال له للعَودَة”
وَضع هيونجين يده على كَتفِي ولمَّـا وَصلنا حيث رَكنَّــا الدَّرَّاجَـة تَوَلّى مَكَـان القيَـادة وسَـأل
“تريدين أن نجد ملهى آخر ونَستمتع الليلَة؟”
أخذت مكاني خلفه وتنفست بعمق
“أفَضِّـــل القيَـام بِجَـولة في المَدينة حَتَّى طُلوع الفَجر والاستمتاع بالحُريَّـة”
لمحت ابتِسَـامة خفيفة على وَجهه قبل أن يضع خوذته ويديرَ مُحَرِّكَ الدَّرَّاجَــة، كَــان يرَاوغ بين السيّارات وكنت فاردة ذراعيّ كطائر يستعدّ للتّحليق ما لبثت أن حرّرت شعري الذي كان حبيس القبّعة واستمتعت بالرّياح تتخلله وتنعشنِـي.
انتهَـى بنا المطَـاف جَـالسين علَـى ضِفَّـة النَّـهرِ، العُشب بارد نديٌّ والنّجوم تتَدَلّـى فوقَنَـا لامعة كثريّة تزين الثُّرَيَّـا، هيونجِـين يفتَرش حِجرِي ويلتَحف السَّـمَـاء الدَّاكنة لكنَّ عينيه كَـانتَـا معلَّقتين في خَـاصَّتِـي لا تغادرَان حدودَها.
نَتَشَـاركَ سيجَـارة وقارورة نَبيذ اِضَـافة الى السَّمَّــاعات، دَاعبت يداي خصلاته الشَّقراء فهمس لي
“هل تَذكرين لقَـاءنَـا الأوَّل قبل عشر سنَوات”
ابتَسَمتُ رافعَـة بَصَـرِي الى الأفُــق أستَعيدُ شَريطَ الذِّكرَيَـات كَـأنَّـهَــا تُعرَضُ أمَــامِــــــــي
“حينَ شَـاركتَني طَعامك في الفسحَة وحَـاولت منع الأطفال المزعجين من التنَمُّـر عليّ فاِنتهَـى بي الأمر أدافع عنكَ بدَل أن تفعَـل ذلك”
أشَــاح ببصره عنِّــي ممتَعضًـا من التَّــاريخ الذِّي لا يُشِيــدُ باِنتصَـاراته
“كَـانت تلك الطَّريقة الوَحيدَة لجَذب انتبَـاهك، كلانا كَـان منبوذًا وكَـان زملاؤنا يزعجونك طيلة الوقت...”
نَفَثَ نَفَسًــا مشَبَّـعًـا بالدُّخَــانِ تزَامنًـا مع طَرحِي لتنهيدَة
“لم أكن منبوذة كنت أفضِّـل الوِحدَة على النِّـفاق، أولئك الحَمقَـى لم يَستطِـيعوا مواجهَتي على حِدَى لذا دَائما ما كَـانوا يتَكَتَّلون لمُضَـايقتي”
أخذتُ السيجَـارة من بينِ أنَـامله وحَـاصرتها بينَ خَـاصَّـتِـي مُصغية اليه، بدَت عينَـاه تَـائهتين لكنَّهمَــا سُرعَــان مَــا تَجدَان طَريقهمَـا الى مَغارتَيَّ
“لطَـالمَـا كنت أرَاكِ مُمَيَّزة عن البَقيَّـة وأكثَر مَـا أعجَبني فيك هي جُرأتك وشَجَـاعتك”
لمَحتُ في كَلامه من قَبيلِ الحَسرَة لكنِّـــي سَـايرته وأجبتُ
“ظننتكَ فتَى مُدللا ومتكَبِّرا فقد كان شغلك الشَّـاغل هو الرَّسم لذَا حين بَـادرت بالحَديث معي حينهَـا أردت أن أطَّـلع على حَيَـاة الأغنيَـاء فاتَّضح لي أنَّـكَ لا تَقلُّ عنِّــي تعاسَـة”
فَرَّت من ثَغــرِي ضحكَة متَـألِّمَـة فرفعَ يده ودَاعَب وجنتِـي برفقٍ
“لكنَّكِ كنتِ نِصفِـي الثَّــاني، بفَضلكِ وجدتُ سبَبًا للعَيش”
مَسحت على يده الرَّقيقة بحنوٍّ وقلت في نَبرة شَجَن
“تَوقَّف أرجوك دَائمًـا مَـا أشعر أنّـِي عبء عليك، لقد استَمَرَّيت في تَلقِّي الضَّرب بسببي”
تــوَغَّل رأسه بينَ فخذَيَّ حينَ استَدَار يستَلقي على جَنبه الأيمَـن وحَـاوطــت ذِرَاعـــه خِصرِي
“لقد استَمَرَّ وَالدِي في تَعنيفِــي حَتَّـى قبل أن أتَقَرَّب منك، لكن احزِري التَّغيير لقد وَجدتُ من يُدَاوي كَدَمَـاتي وجُروحِي. في السَّـابق كنت أتَـألَّم في صمت ثمَّ انِّـــي تَعلمت كيف أدافع عن نَفسِي وعنكِ”
تَذَكَّــرت كيفَ كَــان يَـأتِي اليَّ بِظَهر مَجلود وكَدَمَــات زَرقَـاء على بطنه وكُنتُ أدَّخِر المَـال كي أستَطيع تَوفير ثمن الَمرَاهم والمُسَكِّـنَــات. وَالده كَـان متَشدِّدًا في تَربيته لا يَقبلُ بأيِّ تأخِـيرٍ أو تَقصِــيرٍ، أَرَادَ منه أن يَكُـونَ الأفضَــل في كُلِّ المَجالات وأن يَرفعَ اسمَ عَـائلته ويَكونَ فخر وَالده لكنَّ هيونجين يَكره الالتزَامات وكلَّ مَــا يفرَض عليه وبمَـا أنَّ لم يستَطع أن يَكُـون الأفضَــل فقد قَررَ أن يصبِحَ الأسوَأ
أعدتُ السيجَـارة الى صَـاحبهَــا بعد أن أخذت غَرَضي منهَـا فَراقبَ هيونجين حمرة شفَتِـي على حَوافّها وهَمَس بلحنٍ هَـائمٍ
“نحن نَتَشَـاركُ السيجَـارة نَفسهَـا، أيعنِي ذلك أننَـا نحظَى بقبلة بطَريقة غير مبَـاشرة”
اعتَـلى الصَّـمتُ فَــاهي لبُـــــرهَـة من الزَّمَـــــــن ثمَّ حَــــــاولتُ صَرفَ انتِبَــاهه عن المَـــوضوعِ وأبعدت عن متناوله قَــارورَة النَّـبيذِ
“هيوني لقد أثَّــر المَشروب على عَقلك، أنصحكَ بالتَّوقّف”
لَــم تَنجح مُحَـــاولتي اذ أبحَـــر خَـياله بعيدا و رَسَــــــى في مَوانئ الذّكـــريات
“لن أنسَـى أيَّــام الثَّـانويَّة أبدًا، كانت تِلكَ أفضل لحَظات حَـياتي”
قَطَّــبت حَــاجبيَّ ومَـــالت نَبرتِــي الى القَســوَة فَجأة
“يَجبُ أن تَنسَـاها لأنَّهَـا نتَـاج لطَيش مُراهقين”
كَــان الحنين يعشش في أوتار صوته والشّوق ينبض في كلمَـاته المتحسّرة ورغم محَـاولاتِــي البـــائـسَـة في جعلـه يتَجَــاوز ما مَضَــى ووَلَّــى الاَّ أنَّـه من الوَاضح أنّه لم يدرك للنسيان طريقا
“لستُ نَـادمًـا ايفَـا وأتمنَّـى لو أعُودُ للوَراء، يَستَحيل أنَّــك لا تُبَـادلينني نَفس الشَّعور”
لَــو تَمَـادى أكثَـر في انفَــاق مَـا بجعبته من ذكريات لا أعلمُ كيفَ سأتَصَرَّف حِيَــال الأمر
“يَجِــب علينَـا العَودة الى المنزل، أنت تَهذِي”
غَمَـست عَقب السيجَـارة أرضًـا وسَـاعدته في النُّهوض حيثُ استَقرَّت يده حَول عنقِـي وتَشبَّث جَسده المرتَخِـي بي ثمَّ قدت الدَّرَّاجَــة في طَريق العَودَة، عندَ وُصولنَـا كَـان السُّـكر قد أخذَ منه مَـأخذًا دَخل بخطوات متبَـاعدة وألقَـى بجَسده على الأريكَـة وقد أسدَل النُّعَــاس جَفنيه فأحضرت غطَـاء صوفيَّــا كان على حَـافَّة الأريكَة ودَثَّرته به ولمَّــا كنت بصدد المغَـادَرة تعَلَّقت بي يدَه وجَذ*بنِـي نَـاحيته في حَركَـة فُجئية. جَثَـوت على رُكبَتَيَّ حذوه ورَاقبت ملامحَ وجهه الحَزينَـة وفي صَدري انقبَـاض
“ضمِّـيني اليكِ، اشتَقتكِ”
لم يَكُـن وَاعيًـا بمَـا يَنطق به حيث استَمَرَّ في الغمغمة ثمَّ غَــاص في نَومٍ عَميق وظَللت أشرب حَتَّـى طلوع الفَجر أفكِّـر فيمَـا قاله وفيمَـا كنَّـا عليه في السَّـابق...
صَبَـاح الغَدِ ارتَدَيتُ قَمِـيصًـا أبيض وَاسِعًـا حَشرتُ حوَافَّه تحت حزامِ تنورة سوداء قصيرة تَراقَص طُولها على أعتَـاب فخذَيَّ، ربطت شعري الى الأعلَـى في شَـكل كعكَــة وتَركت بعض الخُصلات مجعدَة بعد ذلكَــ حزمت أقلامِـي ودَفتَرِي في حقيبة يد رياضيّة، أفاق هيونجين بعدِي، أخَذَ حَمَّـاما وتَجَهَّز للمغادرة لكن قبل ذَلكَ التَقَينَـا على طَاولة الافطَـار
“كَيفَ تَشعر الآن؟”
فَـاتحته بالحَديث فتَقَلَّصت ملامح وجهه بينَمَـا يَصبّ لنفسه فنجَـانا من القَهوة التِّـي أعددتها
“رأسِـي يَكَـاد ينفجر”
جُلت ببصري في الأرجَـاء أبحث عن رَدٍّ آخر قبل أن أهتفَ
“ليسَ من عَـادتك أن تَثمل بعدَ شرب زجاجة نبيذ وَاحدة”
دَلَّكَ جَبينه بخِفَّـة وأجَـاب مفسِّرًا
“كنتُ قد حَصلت على قدر من الجُعَـة قبل أن أشرب معك”
أخذت رَشفة من فنجَـانِي وسَـألت متجنِّبَـة النَّظَر في وَجهه
“اذَن لا تتَذَكّر أيًّـا ممَّـا حَدَث بالأمـس؟”
حَرَّك رأسه يمِينًـا وشمَـالا نَافيا
“عَدى أنَّنا خَدَعنا المُغَفَّـل جَـا**ون، لا أذكر شيئا”
تَنَفَّسـت الصُّعَدَاء حينهَـا وأحسست أنّنِي عدت للحياة من جديد، سيكون من المحرج أن نتَصرَّف باِعتِيَـاديَّة لو أنَّــه علمَ بمَـا أفصَح به أمسًـا. سَرى النَّشَـاط في جَسَدِي فجأة واستَقمتُ مسرعـة بنيَّة المغادرة وبيدي حقيبتِـي
“ألن تَـأتِي برفقتي الى الجَـامعة؟”
سألتُ عندَ المَدخَـل حَـالَــمَـا تَفَطَّنتُ أنِّــي خَلَّفته وَرائي
“سأهتمُّ بالعَمَـل اليوم لا تَقلقِـي سأذهَــب غَدًا فهو عطلة”
لم أعتَــرض على قراره لأنِّــي كنتُ أفضِّـل الذَّهاب لوحدِي، وجُوده سيعَطِّــل سَير العَمل بمَــا أنَّنا نتحَدَّث أكثَـر ممَّــا نعمَل
“كَمَـا تَشاء لكن لا تُهمل الدِّراسَـة على حسَـاب كَسب المَـال، سَأترك لك الدَّراجة”
أومَــأ بصمتٍ فيمَـا لوَّحتُ له قبل أن أغلقَ البَـاب، سرتُ في شَـوارع لندن لمدَّة تقارب النّصف سَـاعة قبل أن أصل الى جَـامعة أو**فورد، المَكَـان الذِّي لم أتَخيَّــل أبدًا أنِّــي قد ألِــجه لكن يبدُو أنَّ الحَظَّ ابتَسَــمَ لي مَرَّة.
في الوَاقع لقد حَرصت أن أعمَــل بجدٍّ في السَّـنَوات الأخِـيرَة كي أصلَ الى هُنَــا ولا أنكِر فضل هيونجين عليَّ فقد كَـان يَمدّنِــي بكلّ ما يَحصل عليه في الدُّروس الخُصوصيَّــة ويُشَـاركني المَعرفَــة.
التَحَقت بقسمِ النَّحت وبمَـا أنَّ اليَـوم عطلَـة فقد قلَّـت الحَركَـة وبالكَـاد أرى أشخَـاصا من دفعَـتنَـا، الوَرشَـة مفتوحَـة على مِصرَعيهَـا لكنني قررت القَـاء نَظرَة على المَعرض حيثُ تعرض صور ومُجَسَّمَـات لأشهَـر الأعمَـال الفنيَّة في العَـالم.
خَطَوتُ الى الدَّاخِــل وَجلة خَوفًـا من أن يتَواجد هنَـاك أحد وذلك راجع للرُّهَــاب الاجتمَـاعيّ الذِّي أعَـاني منه، ولكن لحسن حَظِّــي كَـان الفَضاء شاغرًا. تَقَدَّمتُ أتَفحَّــص المَكَــان واذَا به يَمتدُّ على مِسَـاحَة شَـاسعَة ويعرض العَديد من التُّحَف المَحليَّة والعَـالميَّة، جُلت في المَـكَـان وكنت أتوقّف بين الفينَـة والأخرى أقرأ المعلومات على لوحة الارشَـادات المُصَـاحبة للتمثَـال أو أركِّـز على التَّفَـاصيل الفتَّـانة التّـي أبدَع النَّحَّــات في نَقشِهَــا. كَــان المَكَـان سَـاحرًا وذو طَـابعٍ فنِيٍّ أصيل سمَح لي بالتنَقّل بين مُختلف حَقبات الفنِّ، مَررت بمُجسّم لمنحوتة القبلة وبعدها وجدت نفسي أتأمّــل صُورة جدَاريَّــة لمنحوتَة كَبيرَة كَـان من الوَاضح أنَّـها تعود الى الثَّقَـافة المَسيحيَّـة لكنَّ دقَّــة الفنَّــان في تَصوير المَلامح جَعلتني أرغب في أخذ صورَة، أخرجتُ هَـاتِفي الجَوَّال من الحَقيبَة وركَّزت على التِّمثَـال المتَألِّف من عنصرين بَـارزين امرَأة وملاكٌ ذو جَنَـاحين يحمل سَهما بيده
“تمثَــال نَشوة القدِّيـسَة للنَّحات الإيطالي جان لورينزو، النُّسخَـة الأصلية معروضَـة في كَنيسَة رومَـانية”
فَـاجَأنِي صَوتٌ رجُوليٌّ مَـألوف، بل أدركتُ صَـاحِـبه قَـبل أن تَحُــطَّ عَـينَــايَ عليه لكنِّــي أفلتتُّ هَــاتفِي اذ أربَكَــنِي حضوره المُفَـاجئ. سُرعَـــة بدِيهَـته مَكَّـنته من التِقَـاط الهَـاتف قبــل أن يَصل الى الأرض ويَتَهَشَّمَ، كَـانت حَرَكَــة سَريعَة ومُثِيرَة وهَذَا من شِيَمه. رفعَ جذعَه و واجهنِي بقَـامته الشَّاهِقَــة وهَالته الفخمَــة، يبدُو مختلفًـا عن سَـائر الأيَّــــــــام...
لم أرَ شخصا من قبل يَستَطيع الظهور بهذه الوَسَـامَة فقط باِرتدَاء سروال قمَـاشيّ أسوَد وقمِيص كلاسيكيّ أبيض، لكن مَـا هذا بحقِّ السَّمَـاء؟ انَّ مَـا تف*جه أزرار قمِيصه في ظَـاهره نَـافذة نَحو النَّعيم وفي بَـاطنه اقتيَــادٌ الَـى الجَحيم...أريده...أريده وبِشدَّة
أطَـلتُ التَّحدِيقَ به وأشُكُّــ أنَّـــه تَفَـطَّــن الى ذَلكَــــ لذَا رَفعتُ بَصري عنه رَغمَ أنَّ نتوء صَدره يدفعنِـي للجُنُــون، مَـا زَاد مَظهره جَـاذبية هي النَّظّـارات الطِّبيّة التِّــي يَرتَديهَــا والتنَـاقضُ البَديعُ في طَرفه النَّــاعِس.
يَبدُو الأمرُ وكَـأنَّنــا اتَّفقنا على الظُّهُــور بإطلالَـة مُشَـابِـهَـة وذَاكَــــ من مَحَــاسن الصُّدَف، التَقطت هَـاتفِـي من يده وسُرعَـان مَـا دسسته ي الحَقيبَة. هَـاتفِــي قَديم الطِّرَاز تتالت بعده عديد الصيحَـات وحَتَّــى أنَّـه في حَـالة يُرثَـى لها وأنـــا كغيري من أتـرابي أحرص عل أدقّ التّفاصيل التي تهُـــم مواكبة العـصر والتكنولوجيا لذَا فقد كانت تلك وَصمَـة عار بالنّـسبة لــــي سَعيتُ لإخفائها عن أنظَـار الأستاذ
لم يتَسَنَّ لي شُكـره حَتَّـى ولمَـاذا قد أفعَـل وآخر مَوقف جَمَعنِـي به كَـان مُحرجًـا، بل أهَـانني بكُلِّ وَقاحَة ودُون أن يعير بَــالا لمَشَـاعري...
لكن ما العَمَــل وهو أستَـــاذي وسَأكون مُجبرة على التَّعَــامل معه طيلَـــة السنَـة؟ كَمَــا أنَّه يقف الى جَــانبي ويرفض التَّزحزح
“النَّــشــوَة؟”
سألتُ بخفوت، ولكنَّ صَــوتي كَـان مَسموعا لأن المكان خالٍ، عَينَــايَ تُركِّزَان على صورة التِّمثَــال أمَـامي لكنَّ ذَاتِي مُضطربة
“هَـل سَبق وأدرَكتهَــا؟”
لم أصَدِّق مَـا سَــــمعته في البِــدَاية لذَا استَدرتُ نَــاحيته باِبتِسَـامَة بَــاهتة أتَفَحَّـــص نَواياه، نَظَراته الحَـادَّة وعَــينَـاه اللَّتَـان اتَّخَذتا شَكلا مُغريا بغتَــة كَشَـفتَـا لي أنَّ الأفكَـــار المدنَّــسة في عَقلي هي تَمَــامًـا مَـا كَــان يَرمِـــي اليه. اتَّسَـــعت ابتِسَـامتِـي أكثَـر ونَفيتُ بحَــركَة من رَأسِـي فاِتَّخَذ خُطوَة نَــــاحيتِي جَعلت قُربنَـــا خَطيرًا
“نَسيتُ أنِّـــي أخَـــاطبُ طِفلة، أمُــور كهذه تَحتَـاج الى خِبرة”
دَسَّ يديه في جُيوب سروَاله ورَاقبَنِي من فَوق أجفَـانه لم تَرُق لي كَلمَــاته فرفعتُ أحَد حَـاجِبيَّ بتَحَدٍّ
“لست طِفلة سأبلغ 19 من عمري قريبًــا”
رَفعت قامتي على أطراف قدميّ أحاججه وكلّـي ثقـة بنفسي لكنّ ردّه كــان جافّا كعادته اذ نَــــقر جَــبيني بإصبعه مَـــا جَعلنِـي أتراجع الى الخَـلف
“ليَكن لقد أمضيتُ عمركِ هَذا في العلَاقات العاطفية معَ النِّسَـــاء”
انشَغلت بلَمس مَكَـان الضَّربة وتَفحّصهَـا وقد انكمشت ملامح وجهي، رغمَ أنَّه لم يَستعمل قدرا من قوّته الاّ أنَّــها آلمتني...ذلك الوَغد من يَظن نَفسه؟
ما الأمر الجَـلل في كَونكَ أمضيتَ كلَّ هذه السَّنوات في مُعَـاشرة الجنس اللَّطيف؟ ذلكَ لا ينفِــي حقيقة أنَّــكَ فاشل أنظر الى” نَفسكَ أربعينيّ أعزب”
كنتُ مندَفعة ورَاء انفعَـالي ويبدُو أنَّ الضربة التِّــي تَلقيتهَـــا قلبت المَوازين في رأسِــي ونَسيت لوهلة أنّـي أخَــــاطبُ أستَــاذِي، تَرددت في النَّظَــر في وَجهه من جَدِيد، ولكنِّــــي فَعلتُ رغمًــا عن خَوفِــي. ألفيتُه يُحَدِّق بي في صَمتٍ والغَريبُ أنَّه يبتَسمُ ابتِسَـــامَة عَريضَة مَـا جعَلنِي أتَوتَّر أكثَر
“ومَـا أدرَاكِ يَــا صَغيرَة؟ ربَّــمَـا كانت عُزوبيَّتي خِيَـارا”
رَفعَ ذقنِــي بسَبَّــابته وأجبَرَنِــي على النَّظَــر في عَمِيق مُقلتيه حينَ حَـاولت التَّهرب من التَّواصل البَصريّ معه، رَغمَ أنِّــي أشعر بالتّوتر الَّـا أنِّــي استغليت فرصة التّلامس بيننــا وشعرت بنعيم أنـــامِله على أديمِـــي وهَذَا يجعَــلنِي أطمَـع في المَزيد
“لَا أهتمُّ لكن حَدِّثنِـــي أكثَر عن النَّشوَة مَـا دمتَ خَبيرًا”
زَحفَت سَبابته من ذَقنِـي حَتَّى وصلت الى كَتفي مُرورا باِنحناءة عُنُقــي ثمَّ بَـاغتنِـي بتقييد رقَبتِي بيَده فَشعرت بحرارة لمسته وبتَسارع تَدفق الدماء في شَراييني وأشكُّ أنَّ نَبضِــي يطرق رَاحة يده بعنف، انَّه يَشعرُ بمَــا يختَلج في صَدرِي وحَتَّى صوته الأجشُّ يبعث فيَّ قشعريرة
معضلة الجنس والرّوح أظنُّ أنَّ بإمكَـانِـي اختزالهَـا في كَون الجَسد مشبعا بالخَطيئة ينحت في الروح المتعَة فتتسَـاقط ورود” حمراء من أجساد العذارى توقّع معَاهدات سلم بينَ أروَاح متأججة تعلنُ حروبًـا مدمِّرة على أجسَــاد يتَزاحم فيهَا البغي لتنتحرَ القداسة ومن أجلِ تَحرّر الرّوح من سجنِ الجَسد تَتَحوَّل الرَّاهبَــة الى عَـاهرة”
تعلَّقت أعيننا لبرهَة وتعانَقت في شَوقٍ أو رُبَّمَـا خُيِّل اليَّ أنَّه شوقٌ لكنَّ هذه اللَّحظَـة لا تَتكرر دائمًــا وبينَما كنت على بعد انشَـات من بلوغ هَدفِي باغتت خلوتنا مَـاندِي هي وَاحدة من فَتيات دفعتِـي
“أستَاذي هلا قدمت لمُسَـاعدتي؟”
ارتخَت قبضة الأستَـاذ حَول عنقي واختفى الوشَاح الحَريريّ الذِّي كَـان يلفُّ رقبتِي فتراجعتُ الى الخَلف ولمَّـا حَطَّت عيناي على مَـاندي كانت نظراتها سَـامَّة تقذفني بلا رَحمَـة، لا أعلمُ مَـاذا رأت ولا مَـا يدور في بَـالهَـا حَـاليا لكنَّ توتري جعلنِـي أغَـــادرُ بسرعة دونَ أن ألتَفتَ ورَائي حَتَّـى ولمَّــا مررت بجوار مَـاندِي ارتَطمَ كَتفي بخَاصتها. قوَّة الاصطدَام جَعلتني أوقنُ بأنَّه لم يَكن بمحض الصُّدفَـة