أمِّـي كَغيرهَـا تَذَوَّقت جُرعَـة من الحُبِّ في مُرَاهَـقتهَـا لكنَّـهَـا لم تَشعر بمَرارتهَـا الَّـا عندَمَـا بدَأتُ بالتَّحَرك بينَ أحشَـائهَـا. كُلُّمَـا أدركه حَول مَـاضيهَـا هُو أنَّـهَـا كَـانت على عَلاقَة بشَـابٍّ غَنِيٍّ لكنَّـه تَركَهَـا وانصَرَف عنهَـا لاهِيًـا حَـالمَــا أعلمته بحَملهَـا وهَكَذَا بَدأت رحلتهَـا في الحَيَـاة كأمٍّ عَزبَــاء لم تتَجاوز السنَّ القَـانونيَّ بعد. كُلَّـمَـا حَـاولتُ اِلقَـاء اللَّوم عليهَـا وجدت لهَـا أكثَر من عُذرٍ ورَغمَ ذلكَ مَـا أزَال أشعُرُ أنَّـهَـا قَصَّرَت فِي حَقِّي اذ لم أشعُــر بالحَنَـان في طُفولتِي قَطُّ ولمَّـا كَبرت اتَّسعت الفَجوَة بينَنَــا فهِي تُمضِي كُلَّ وَقتِـهَـا في عمَل لا أدركُ مَـاهيَّـته وأنَـا هَجرتُ البيتَ سَـاخطة على الوَضع ومُتَجَِّنِّـــبَة الاختلاط بهــا
سرت في الشارع المُقفر أركل الحصيّـات التّي تعترض خطواتي وأنا أفكر فيما قالته لي والدتِي وتَمَنَّـيتُ لو أختفِي من هَذَا العَـالم الذِّي يَرفضنِي أينَمَـا حَللتُ. طَـال تَفكِيري وقبل أن تبحر سفنِي في تَيَّـارات جَـارفة ومِيَـاه عَكرة سَـطع ضوء مَجهول المَص*ر في وَجهي وجَهَر بَصرِي، رَفعت يدي أوَاجه حدَّة النُّور المُسَلَّط عليَّ وحَـاولت التَّعرف على هويَّة الشَّخص فاِذَا بي أرى هيونجين رابضا على الدَّراجة النَّـارية التّي يفترض به أنّه أعادها لصاحبها
“هيوني، مَـاذا تفعل هنَـا ألم تخبرنِي بأنَّك سَتَعود الى البَيت اللَّيلة”
سألت في حيرة فأجاب ملقيا بالخوذة ناحيتي
“اصعدي سأخبرك لاحقا”
أسرعت بأخذ مكاني خلفه وسُرعَـان مَـا انطَلق مُضَـاعفا سُرعَة الدَّراجَة مَـا جَعلنِي أتَشبَّث بخصره حين شَعرت أنِّــي على وَشَــك فقدان تَوازنِـي، حَـالمَـا لامست يدَاي عضلات بَطنه شعرتُ باِنقبَـاضها وبتَصلُّب كَـامل جَسده وبَدل أن يُخَفِّف من سُرعته وَاصل ادَارة المُحرك نَحو سُرعة جنونيَّة حَتَّــى انتهَـى بنَـا المَطَـاف وَاقفين على جِسر نهر التّـايمز تُقَـابلنا أضواء المَدينة وعلى مَسَـامعنا دَقَّـات سَـاعة بيغ بين. خَلع الخَوذة التِّـي كَانت تَحصر خصلاته الذّهبية فتناثرت في الهواء قبل ان تَنسدل على كتفيه وانحَنَــى يستند على الحـاجز الفاصل دون النَّـهر، طَـال صمته وهو يُراقب الميَـاه تترقرق تغازلهَـا لمعة الأنوار وقبل أن أبَـادر بالسُّؤال اختطف الكلمات من فَـاهي وقال
“في الواقع خضت شجارا حادا مع عائلتي وطلبوا مني أن أتنازل امّـا عن علاقتي بك أم عن بقائي في المنزل... بطاقة الائتمان الخاصة بي مصادرة بالفعل”
تَصحُّ عبارة أنِّـي كنتُ مُستَـاءة لا مُتفاجئة من الخَبَر فلطَالمَـا سعى والداه الى التَّفريق بيننَـا بشتَّـى الطُّرق، أنا في نظرهم علقة التَصَـقت به وأفسَدت أخلاقه
“ واو!!! أيكرهونني الى تلك الدرجة؟ أعنِـي لابُدَّ وأنًّكَ لم تَختَر...أخبِرنِـي أنَّـكَ لم تَفعَـلهَــا”
ارتَبَكتُ بينَمَـا أفكِّر في المَوضوع فَوفَّر عليَّ عنَـاء الكَلام وأكَّدَ مَخَـاوفي
“لو أنَّ الأمـرَ كَــذلكَ لمَــا كنت الَى جَـانبكِ الآن”
أشحت بنَظراتي بعيدا عن زرقة عينه ووجّهتهــا نَحو زرقة المَـاء التِّـي ازدانت بلون داكن يحاكي سواد الليل، شددت قبضتي على رخام الحاجز وشجنت
“أشعر أنِّـي بلاء ينَغِّص حَيَـاة الجَميع، علاقتك بوالد*ك تنهَـار بسببي”
أمسَكَ بيدِي وهَمَسَ
“لم أحسَّ يوما بالانتمَـاء كَمَـا فعلت معك، أنت ملجَـئي الوَحيد... أهرب اليكَ كلَّمَـا زَاد ضَغطهم عليَّ فكَيف لي أن أتركك”
شعرتُ برعشَة في يديه وبغصَّة في قَلبِي ولمَّــا طَــال صَمتِي ســـألَ
“ماذا عنك؟ لمَـا لم تَعودِي الى منزلك؟”
كَـان صَعبا عليَّ أن أوَاصل الحَديث كَـأن شيئا لم يَكن لذا فقد حَررت يدِي من الأسر ومَررتها عبر حزمِ شعرِي الكَستنَـائية في وجوم وأجبتُ أقمع عَبرَاتي
“من مَحَـاسن الصُّدَف انِّي دَخلت في مُشَـاحنة كلاميَّة مع (جوديث) أيضًا، وانتَهى بها الأمر بتَذكِيري بكونِي لقيطة لذا غادرت”
كَـان يَــعلمُ أنَّ أثَر مَـا يثير حَسَـاسيَّتِي هو كَونِي ابنَة غَيرَ شَرعيَّة لذا فقد تحاشى التَّعليق عن المَوضوع واكتَفى بمعانقتِي بخفَّة. لطَـالمَـا كَـان لي وَطَـنًا وكنتُ مغتربة أبحث عن هَويَّة
لاحت لنا أول شقوق في سقف الليل وتصدّعت الظلمة لمّا اخترقتها خيوط الفجر، بدأت سلاسل النجوم تفقد بريقها وتنفّس الصباح ببرودة اقشعّر لها جسدي، سرعان ما تمرّ الليالي بوجوده بقربي
“تستطيعين قيادة الدّراجة الناريّة صحيح؟ آمل ألا تكون جهودي في تعليمك قد ذهبت سدى”
التَفتَ اليّ بغتة وسأل قاطعا حبل الصَّـمت الذّي عُقدَ حَول ألسنتِنَـا منذ سَـاعات فأجبت أفتخر بقدراتِي
“يؤسفني اخبار غروركَ أنّي أضاهيك في قيادتها”
ابتَسَـمَ فَبانت ملامحه أكثر جَـاذبيَّة وتَعَلَّقت أنَـامله بخصلات شعري فداعبتها ثمَّ برفق وَضع مَفاتيح الدَّراجة في يدي
“حسنا اذن اسبقيني الى الجامعة لديّ عمل يجب عليّ القيام به ثمّ سألحق بك”
شَخص بصري الى المفَـاتيح ولمَّـا رفعته اصطَدمت عينَـاي بشواطئه وقد انع**ت أشعة الشَّمس على المَوج المتراقص في
عدَسَتيه فكَـانَ مَشهدًا يعرض من الفِردَوس
“ألا تُريد منِّــي مُرَافَـقتك؟”
سألت في فُضول فقد اعتَدت مُرافقته أينَمَـا ذهبَ
“ستُفَوِّتين الدَّرس ورؤيَة الأستَـاذ ويليَـامز، أستطيع تَدبُّر الأمر بنَفسي”
يُدركُ جَيِّدًا أنِّـــي أرتَــادُ الكُليَّة لرؤية الأستَـاذ لا للدِّرَاسة وقَبل أن أمتَطي ظَهر الدَّرَّاجة جَــذ*بَنِـي اليه في شَيء من القُوَّة مَـا جَـعل، قلبِي يتَجَـاوز نَبضه الاعتِيَـاديّ وقَفت على بُعد انشَـات منه بحيثُ كَـان صَمته طَــاغيًـا لكنَّ زَفراته مَسموعَة. تَخَلَّـى عن سترته الجلديَّــة وألبَسَــنِي ايَّــاها مُحكمًـا اغلَـاق يَـاقتهَـا حَول عُنقِي وهَمَس حَـاشرا يديه في جيوب قَميصه وَاسع المَقاس
“الطَّقس بَـارد”
شعرت بالدفء الذِّي تَختزنه السترة كَذَا الحَــال مع كلمَـاته الحَــانية كَـان ذَلـكَ كَفيلًـا بجَـعلي أحمَرُّ خَجَــلا لكنِّــي أخفيتُ وَجهِي تَحت الخَوذَة وسَـارعت بالمُغَـادرة، قدتُ في اتّجَـاه الكُـليَّــة عبرَ الطَّــريـق السَّـريعَة وقد كَـانت ابرة عدّاد السُّرعة تقارب 100/كم، كنتُ أستَمتع بهَــوَاء الصَّبَـاح المنعش يتخلل شعرِي وبتَجَــاوز السَّيّـارات التِّي كَـانت في المُقَـدِّمَــة كأنِّـي في سباق الى أن مرّ موازيا لي على جانبي الأيسر سَـائق دَرَّاجة نارية ضخمة وبمحرّك يدوِّي صوته كلَّمَـا زَاد السُّرعَة، اقتَربَ منِّـي قبل أن يُضــاعِف سُرعَـته و يَتَخطَّـاني فاعتَبرت ذلكَ تَحدِّيًـا و قبلته و بدَورِي زدت في مُعَدَّل السُّرعَة و رُحتُ أنَـازعه على الأولويَّة طَورًا يتَفوَّق عليَّ و آخر أخلِّفه وَرائي و بالنِّهَـاية لَجأت الى طَريقة المُحترفين في افتكاك الأسبقية حيث حاصرته و واصلت الاحتكاك به حتّى ضيّقت عليه سبل المرور.
انتهينا عند مرفأ الجامعة وآخر ما كنت أتصوره أن يكون طالبا في الكُليَّــة معَــنا اذ ركَــن درَّاجته بَعدي ونزل عنها ليخلع عنه الخوذة، ان كَـان آخر مَـا توَقّعته أن يَكون طَـالبا فمَـا لم أتوقَّعــه اطلَـاقًــا أن يَكُونَ هذا الدَّرّاجُ المَـاهر أستَـاذي.
اعتَـادَ ربطَ شعره وقد اشتَعل لَهِيبًــا لكنَّـه تَركه طلِـيقًـا اليَومَ فلفَحتنِي حَرارة مُهيبَة حَـالمَـا فَرَّت خصلاته من الأسر وانبَهرتُ بمَظهره الفَـاتن، وَضع خَوذته جَـانبا واقتَربَ منِّــي ومع كُلّ خطوة يتزايد قرع الطُّبول في قَـلبِي... قربه منِّــي يعبَــث بدَاخِلي
“شكرا على السباق كان ذلك ممتعا أنت بارعة في ركوب الدراجات”
تَأمَّلت عينيه السَّـاحرتين رغمَ فرق الطُّول بينَـنَـا وهمَـا تَأخذانني في رحلة بينَ زُرقَة المُحيطِ وكُثبَـان الصَّحراء، الأضدَاد تَجتمع في عَينه لتَرسمَ مَشهَدًا لا يُكَرَّر وأجزمُ أنّ الصِّفَـات فيه تتنَـاقض لتُصوِّر شخصيَّة يَصعب فهمهَـا.
حَصرت بنيتَـه الجَسديَّة الضَّـخمَـة بين مُقلَتَيَّ وأجبتُ مُحَدِّقة بتَفاصيل كَتفيه العَريضين نزُولا الى الأسفَـل
“في الواقع، أبرع في ركوب أشياء أخرى عدى الدّراجات”
رَفَـعَ حَـاجبيه وحَـافظ على تَواصل بَصريّ بينَـنا لكنِّـي لم أستَطع فهمَ ملامحه البَـاردة، لا بُدَّ وأنَّـه فهمَ رَمزيَّة كَـــلَامِي لكن لمَـا لم يُجبنِي؟ سبقَـنِي بعدّة خطوات نحو المَدخَـل وتَبعته مشوَّشَـة التَّفكِـير ولمَّـا أدركنا الوَرشَـة ألقى التَّحيَّـة على جَميع طُلَّـاب الفَصلِ وَوقَف بينهم مستَحوذًا على اهتمَـام الحَـاضرين وخاصَّة الاِنَـاث منهم. حَظِيَ بِشَعبيَّة كَبيرة في وَقت وجيز...
بمَـا أنَّ هيونجين لَيس مَعي فلا قدرة لي على الاختلاط بالمَجموعة لذا وقفت في طرف الحلقة التي شكلها الطّلاب حول الأستــاذ وظللت أتابع ما يقول عن بعد
“اشتَغلنَـا فيمَـا سَبَق عل مَلامح الوَجه، اليَوم لدَيكم جَلسة رسمٍ مع عَـارض وهي الحصَّـة الأخيرة لهَذَا الأسبوع لكنّ الوَرشَـات تبقى مفتوحة في صورة ما اذَا رغبتم بالعَمل في أيَّـام اجَـازتكم”
أشَـار الى الخلف حيث رصّفت مَقَـاعد تُحيطُ بمنَصَّة مُخصَّصة للعَـارض
“تَفَضَّـلوا بالجُلوس”
اتَّخذت مَكَـانِي بعد أن أحضرت قَلمًـا وحزمَـة من الأورَاق كانت موجودَة فوقَ طَـاولتِي وظَللت أنتَظرُ قدُومَ العَـارض الذِّي سَنقوم بأخذ تَفاصيله، كَـانَ ذلكَ مُمِلًّا...
طَــال انتظَـارنَـا وبدَأت أفقدُ صَبرِي خَـاصَّة مع تَجَـاهل السيِّد ويليامز لوُجودِي وفَجأة قدمت احدَى المَسؤولات من ادَارة الكُليَّـة
“أعتَذرُ عن التَّـأخير لكنَّ العَـارضَ اتَّصَـل وأعلمَ الادَارة أنَّـه لا يَستطيع القُدومَ. بإمكَـانكم الغَـاء الحصَّة اليوم وتَعويضهَـا في وَقت لاحِق”
انصَرفَـت بعد أن نَقلت الينَـا الخَبَر في حين قَلبتُ عَينَيَّ بِضَجَرٍ وهَممتُ بالمُغَـادرة بيدَ أنَّ الأستَـاذ فَـاجأنَـا بتَصرّف لم يخطر لنا على بَـال
“لن تُلغَـى الحصة، ابقوا في أمَـاكِـنكم”
تَجَرَّدَ من مَلابسه العُلويَّة فبَـان لنَـا صَدره غَليظا تَشدُّه التَّدريبـات المكَثَّـفة وتَظهر وَشمَـة تغطِّيه تُجَسِّد إله الفَنّ “أبولو”. عَضلات بَطنه المنمَّـقة بَـارزة للعيَـان خَير دَليل على تَمسُّكه بالشَّبـاب حَتَّـى عظَـام حَوضه تُشَـارك في بنَـاء جَسده المتنَـاسق.
لا ارَاديَّـا ضَغطَـت قَواطِعِــي على شَفتِـي السُّفلَـى ومَرَّت نَظراتِي بنَسق تنَـازليّ حَتَّـى لمحتُ سروَاله الدَّاخلي من علامَة (كَالفن كلاين) يَزحف على حدود حَوضه ويُطَــوِّقه
“تُرى أينوِي خلع الجزء السفليّ؟”
تَمتمتُ بخُفوت أخَـاطب نفسي وبَصري مَشدود نَحوه، تَقَدَّمَ بِخُطُوات متنَـاسقَة وشَقّ الجموع غَير مُبَـالٍ بالعيون التِّـي تنهَشه بنَهمٍ ليتَّخذَ وَضعيَّة مغرية عندَ المنَصَّة. كُلُّ تَـفاصيله الرُّجُـوليَّة بَـارزَة بوضُوح ولا أسمع سوَى وَسوسات شَياطِـيني تَحُثُّـنِـي على الخَطيئة، ابتَلعتُ ريقي بِصعوبَة وحَـاولت التَّركيز على الرَّسم بيدَ أنِّـي وجدت نفسي أنشغل كُلَّ بُرهَة بتأمُّله وأنسى العمل الذّي كلّفت بإنجازه
لمّـا انتهت الحصّة طلب منّا أن نشتغل مليا على تفاصيل الجسد اذ أن مَشروعنا الفردي يتمحور حول النّحت التّشكيلي ثمَّ انصَرف كلّ الى وجهته مَـا عدَاي، لقد انتظرت مغادرة الجَميع وانتهَزت فرصَة تواجدنا بمفردنَـا ثمَّ لحقت به حيث كان على وشك ارتداء ثيابه الاّ أنّني قاطعته بظهوري المفاجئ
“تحتاجِين شيئا مــا آنسة سمـيث؟”
ســأل دُونَ أن يَحتَـاجَ الَى رَفع بَصره نَحوِي أيبخَـل عَليَّ بجولة بينَ الكَـواكب في مَجَرَّتــيه أم أنِّـي لا أستَحقُّ من الاهتِمَـام شيئا. تَـلاعبت بأنَـامِلي في تَوتُّر وجَـامُّ تَركيزي مَصبوب على جَسده المتنَـاسق وبَعد تَفكِـير طَويل مددتُ يدِي بغيَـة تَفحُّص عضلات بَطنه كَقَـارئ شغُوف يهوَى مدَاعبَة الصَّـفَحَــات
“لم تسعني الرؤية بالعين المجرّدة من حفظ جميع التّفاصيل، أردت القاء نظرة عن كثب وخـاصّة الظّفر بلمسة”
قَبلَ أن تَطَـأ أطرَاف أنَـامِلي ربوعَ الجَـمَـال وتُدركَ اللَّـذَّة اختَطف معصَمِـي الذِّي بَدَى هَزِيلا في قَبضَته، يَبدُو حَريصًـا على خُصوصيَّة جَسده لكنَّ الطَّـــريقَة التِّـي التَحَمــت فيهَـا أيدينَـا كَـانت غَريبَة بقدر مَـا راقت لي. حَركَته على سُرعَـهَـا جَمعت بينَ الخُشُونَـة والرِّقـة، بجدّية كيف له أن يَكونَ بهذَا التنَـاقض
“ألم يسبق لك أن زرت معرضا للمنحوتات؟ التُّحف الفنيَّة لا يمكن أن تُلمَس من قبل الطَّـامة والعَـامّة”
أتَـانِي صوته الأجشُّ مَرفوقًـا بزَفرات مَسمُـوعَـة فتَمَـالكتُ نَفسي وأجبتُ بسؤال وقد هَزَّني الاضطِراب
“اذَن فأنت تَرى نَفسكَ تحفة فنيَّـة؟”
هَزَّ رأسه نَـاحيتي فتَمكَّـنتُ من رؤيَة ملامحه عن قُربٍ وخَـاصَّة الفتنة المنسَـابة في عَدستيه، لكنَّه وبَدَل أن يُجِيبَ عن سُؤالِي اتَّبـع نفسَ منهَـاجِي وتَمَـادى في الاستفسار، كُلُّ ذَلك ويدُه لا تزَالُ تعانقُ معصَمِـي
“ألَـا أكُـون؟”
كَـان سؤاله مَكِيدَة ان أجَبتُ عليهَـا أقعُ في فَخِّـه فلا أستَطيع النَّفي ولا التَّـأكيد، في كلتَـا الحَالتين سَأتوَرَّط... انَّه عليمٌ بمَدَى هيبَته وعَظمته بل والأهَـمُّ من ذَلك أنَّه يتقنُ فنون النِّقــاش ويَعي مَـا يقول ويَفعلُ
فـنَّــــانٌ فتَّـــاكـ
“لكن ألـا تَظنَّ أنَّ الوُشُــوم على جَسدك تُشوّه المَفهوم النقيّ للفَن وتُفقده جَمَـاليَّته؟”
لم يَكُن أمَـامِــي سَــبيل آخر للهَــرَب من هــذا السُّـؤَال سِوَى أن أردَّ عليه بآخر، لكنَّــه مَـا ان تَلَقَّــى استِفسَــارِي حتَّـى تَرَكَ يَدِي ليَصفعهَــا زَمهَرِير الهجر. لم يَرُق له كَـلامِي
“أذَكِّــرك آنِـسَة سميث أنَّكِ من قَـال أنّ للفنّ وُجوهًـا عدّة وزوَايا نظرٍ مُختلفَـة”
تَــذَكَّــرتُ أنِّــي من بَدَأ بتَوجيه هذه العِبَـارات الفَـلسفيَّة له حِينَ صَدَّ مُحَـاولتِي الأولَـــى للتَّقرّب منه وهـا هو ذا يَستَعمِـل سلاحِــي ضِدّي ليَبدُو أكثَر اقنَـاعًـا
“أ أنَـالُ اعجَـابك لو حَصلتُ على وُشوم مُشَـابهة لك”
تَقَـدَّمـت بِخُـطوَة أخرَى بينمَـا أثني خصلة من شعرِي حَـول سَبَّـابَتِـي حَتَّـى صَـارت المَسَـافَة بينَنَـا معدومَة، بإمكاني استشعَــار أنفَـاسه السَّـاخنَة ترتطمُ بشفَـاهِي فتنكَسر على حَوافّهَـا كالمَوج. انتَظَرتُ أن يَلينَ ويُسَـايرنِي فأنجَح في اقتنَـاص مغازَلة منه غَير أنّ الوَاقِعَ كَـان مُختلفًـا عمَّــا تَمنيته
“في الوَقت الرَّاهن أُفـضِّل أن تَحصلِــي على حَمَّـام لأنّ رائحة الكحول والسَّجَـائر تَفوح منك، أنت تدَنِّسين قُدسيَّة المَكَـان”
فُرصَة أخرَى تجمعنَـا فبدَل أن يضع أعمدة لعلاقتنَـا ي**رُ فيّ جزءا هَشًّـا بداخلي وأنا التِّـي تعاني من تَصدّعات في شخصيتي وانعدام ثقة في الذَّات. صحيح أنِّـي لم أستَحمَّ منذ غَـادرت البيت آخرَ مَرَّة لكن ليسَ الى دَرجة تَجعله يهينني، رمَقته ببرُود قبلَ أن أغَــادرَ الوَرشَة في صَمتٍ وأسيرُ في أروقَـة الكليَّة هَـائمة بعيون تَـائهة ووجهة غير مُحدَّدة وانتهَـى بي الأمر أصطدم بص*رِ شَخصٍ مَـا لمَّـا رفعتُ رأسي شعرت بالطمأنينة لرؤية هيونجين. أكثرُ مَـا يجعلني أرتَـاح هي ابتسامته التِّي تَشفي كُلّ أحزَاني... أبقيت على مسافة بيننا تحسّبا وألقيت باللَّوم عليه
“ هيوني، لما تأخرت لمعلوماتك لقد خنقتني الوحدة”
لا تزال البسمة تزيّن ثغره ومن ثمَّ قربني اليه وعَـانقني، فرق الطّول بيننا يجعلني بالكَاد أطوّق خصره
“آسف فتاتي، سأعوّضك عن ذلك لاحقا”
حَــاولتُ التَّـمَلُّـصَ منه وتَعَلَّـلتُ مُحرَجَــة
“انتظر، لا تقترب أكثر رائحَـتِي نتنَة ”
كنتُ أخشَــى أن ينفَر منِّــي كَمَـا فعل الأستَــاذ
“من قال ذلك؟”
عَقَدَ حَـاجبيه باِنزِعَــاجٍ وقد تَغيَّرت نَبرة صَوته، بدَا منفَعلًا فأسدلتُ يديَّ اللتان تُحَـاوطانه بجوار فخذَيَّ وتَحَــاشيتُ النَّــظر في عينيه
“لا تهتم...”
نَزَل الى مُستَوَى طُــولِي وحَطَّت شَفتَــاه على خَدِّي مُخَلِّفَـة قبلَة لَطيفَــة
“لكنّـي أحبّ رائحتك كما هي لا يمكنك منعي”
لازلتُ أشعرُ بالإهَــانَة من كلَـام الأستَـاذ اللَّـاذع الّا أنّ تصرّف هيونجين أعاد اليّ جرعة من الثِّقـة في نفسي، نظرت على غفلة الى الخلف فلمحت الأستاذ ويليامز يقف عند باب الورشة ولما انتبه اليّ غادر دون أن يلتفت متظاهرا بأنّـه لم يراني.
رؤيتي له خَطَّت في جبيني أنهَـارا من الانزعاج وسَحَقَــت قَلبِـي بلا رحمَة
“دعنَا نغَـادر”
اقتَرَحتُ لتَجَنُّــب الاخـتلَـاطِ ونِسيَـان ما حدَث فَوَافق وسرنَـا الى الحَديقة الخَلفيّة للكُليَّــة لقد كان المَكـان خَاليا من البَشر لذا فقد تَمَكَنَّـا من الحَديث براحة
“وجَدتُ عَملا لكلينَـا سيدُرّ عَلينَـا أربَاحًا كَثيرَة ”
بَـادر بالحَديث بمَــا أنَّـه من يملكُ السَّبب لذلكَ فيمَـا أنصتت اليه بانتبَـاه ولمّا توقّف عند ذلك الحدّ من الكلام رفعت حاجبيّ أطلب المزيد من التفاصيل فنزع حقيبته التي كانت على ظهره وفتحها مطلعا ايّـاي عمّـا بداخلها، كانت تزخر بأكياس صغيرة بها حبوب وأخرى تحتوي على بودرة ورغم أنّ الشّكّ بدأ يستوطنني الا أنّني خيّرت عدم التسرع والتّحقق من فرضيّتي
“مَـا هذَا؟ ”
لم يدّخر وقتا في الاجابة بل قالها بكلّ فخرو ثقة
“مزيجٌ من المار يخوانا والكُوكـايين”
جحظت عيناي وضربت كتفه بقوّة معاتبة ايّـاه فيما جالت نظراتي في الأرجاء خشية أن يسمعه أحد
“يا لك من مجنون... أهذا سبب تغيّبك عن الدّروس؟”
أحكم اغلاق سحاب الحقيبة وقد انكمشت ملامح وجهه اذ لم تكن ضربة هيّنة
“ألست أنت من اقترح الانضمام الى المافيا؟”
احتجّ متذمّرا بينما يمرر يده على مكان الصّفعة بدراميّة فأجبت بينما أشكّل ظفرين بأصابعي تزامنا مع نطقي بآخر كلمة
“(أهكَذا كانت تتصرف البشرية قبل اكتِشَـاف (المزاح”
بدوت غير مقتنعة بما فعله لذا فقد قال بحزم متمسّكا برأيه و ما انفكّ يسرد عليّ حججا مقنعة تجعلني أرى ما قام به منطقيا
“سَواء كنتِ جَادّة أم لا فقد فكّرت مليّا لا يمكنني التذلل لوالدي طَـالبا الصَّفح ولا تُريدينَ العَيش تحت رَحمة أمِّــك يجب أن نعوّل على أنفسنا من الآن فصاعدا”
صمتت لوهلة أفكر في كلامه و كوّرت شفتيّ أعبّر له عن مدى صعوبة الاختبار ثمّ عدت للحديث
“التجارة في الكليّة مجازفة كبيرة”
رغم أنّني لم أصرح بموافقتي بالحرف الواحد الّا أنّ اعتبر كلامي علامة رضا
“عهدتك تحبين الاثارة، كما أننا لن نكتفي بحرفاء الكليّة”
أطرقت برهة فتطرّق الى جزئيّة هامّة كان يعلم أنّها ستغيّر مجرى سير الأحداث الى صالحه
“نسيت اخبارك أنني تمكنت من الحصول على منزل صغير لنا في الجوار”
قفزت دون سابق انذار معلنة عن مدى سعادتي بهذا الانجاز و رفعت قبضتي في الهواء احتفالا بانتصاري على جوديث، كنت قد بنيت سيناريو كاملا بمجرّد معرفتي بأمر استقلاليتي
“مرحى لن أضطر للعودة الى ذلك الجحر القذر”
لم يكن يحتاج الى اشارة أكثر وضوحا من التّي منحته ايّاها للتّو لذا فقد حصر كتفيّ بين يديه و همس بنبرة التحفت الخبث و تبطّنت بعدّة نوايا شريرة، يبدو مندمجا في دور عضو المافيا و أخشى أن أكون التالية خاصّة و أنّ كلمـاته راقت لي
“أوّل خطوة هي جعل أعدائنا أوّل ضحايانا”