رثٌّ| ۰٢

2591 Words
" عَمليَّتَا سَرقَة في أقلّ من 24 ساعَة ، ألا تَظُنُّ أنَّ علينَا الإنضمَام إلى المَافيا ؟ " سَألتُ مُحَاولَة إخفَاء إبتِسَامتِي و قد كنتُ أراقبُ ملامِحَه الهَادئَة رغمَ الإعياءِ عن بُعد بسبب فَارقِ الطُّول بينَنَا في حينِ قضَم نظرة خفيفة على وَجهي و أجَاب بإتِّزان ، لا يبدُو و كأنَّه يمَازحني كما فعلتُ " سأفَكّر في الأمر... " بضعُ خُطوَات سريعَة كانت كَفيلَة بإيصالنَا أمَامَ وَرشَة النَّحت ، نحنُ لم نتَأخَّر كَثيرًا و لكن زملائنَا قد إلتَحقوا بالدَّرسِ بالفِعل. وَقفنَا عند البَابِ و تأمَّلتُ الأستَاذ في حُلَّته الجديدة يبدُو مُغريًا و قد أسدَل شعره فَاحِمَ السوَاد تَختَلجه حِزَمٌ حمرَاءُ قاتِمَة شذَّت عن المَجموعَة و تَفرَّدت بسحرٍ أخَّاذ. إلتَحفَ بقَميصٍ أسوَد يصِفُ تَفاصيلَ جسده التِّي حَرَّفت فكرِي عن طَريقه السَّويّ و قادتنِي نَحو منْعَرجَات خَطرة فقط نَحنُ من نَقدرُ على عُبورهَا و مُجَابهَة ثنَياهَا المُميتَة و إكتَسى سروالا أ**دَ فضفاضًا تِبَاعا للمُوضَة. أخشَى أنَّني سأرسُبُ هذه السنَة لو وَاصلَ هذَا الرَّجُل تدريسِي! تَمَسَّكتُ بيَد هيونجِين و إحتَميتُ خَلفَه حين رَشقَ جَميعُ المتواجدينَ أنظَارهُم نَاحيتنَا و أكثَر ما خشيتُ مواجَهته كانت نَظرات أستَاذي الثَّاقبة التِّي إخترقتنِي و سيَّرتني أشتاتا. " هل يمكِننَا الدخول أستاذ ويليامز ، تَعطَّلنا في الطّريق " هَزَّ رأسه سامحًا لنا بالوُلوجِ دونَ أن ينفِقَ علينَا كلمَة يتيمَة من رصيده اللُّغويّ ، أيبخَل عَلينَا بصوته الفَاتن أم يخشَى إهدَار كلمَاته دونَ مسَوّغ ، كنتُ أشعُر بالإرهَاق الشَّديد و حتَّى ملامِحنَا بدت مُرهَقَة كأنَّا كابَدنَا كلَّ هُمومنَا من الغَسق حتى الفَلق في ملحَمَة خَيالية صَاغتهَا لنا عقولنَا و قد خدَعتهَا سَلاسَة الخمريَّات فسوَّلت لنا أنَّا فرسانٌ إرتدنَا مَعاركَ ال و تُوّجنَا بألقَاب بطولية يشهَدهَا تاريخ إلتَحقتُ بأحد المَقاعد الشَّاغرة حيث زَخَرت بالمُعدَّات الخاصة بالعمَل و ظللتُ أتَابعُ حَركَات الأستاذ ، لو لم يكُن أروعَ الأعمال التي خُتمت بطابع المثالية فماذا قد يكُون. إنِّي ما رأيتُ مثيلًا له في الجَمال أو منَافسا له في الكَمال " النَّحت التَّشكيليّ من أهمّ ما يُدَرَّس و بمَا أنَّكم مبتدؤون وَجب علينَا تقسيم عَملنَا إلى أجزَاء ، الاوَّل و الأهمُّ هو نحتُ قسمَات الوَجه فهي التّي ستُضفي مَعنَى و روحًا عَلى مُجَسَّماتكم. أمَامكم صلصال يسهُل تَشكيله و سأمُرّ لأرَى ما أنجَزتمُوه عَمَلا مُوفَّقا... " نَظرتُ إلى الأدوَات أمَامي و بأيادي مُرتَعشَة شَرعتُ في تَشكِيل الوَجه و البنية الخَارجِيَّة كنتُ مرتَبكة من أول إنجاز لي في الفَصل و حيال ردّة فعله في إمكانياتي و قدراتي العمَلية خاصة بعدمَا حدث بيننا آخر مرة. بالإستعانة بسكاكين النَّقش شرعتُ في تَسوية الملامح و تَسمِيحِها. صببتُ جَامَّ تركِيزي علَى عَمَلي و تنصَّلت من الجَميع حولي و كل إهتمَامي متمركزٌ حول مَا كُلّفتُ به ، كنتُ على وشك الإنتهَاء حينَ شعرتُ بيدين تَحتَضنانِ خاصَّتي و تمنَعاننِي من مُواصلة العَمل. قامته إنحنت لتصل إلى مُستوَاي و شذاهُ شتَّت تركيزي و جرفه في مَدٍّ عنيفٍ إلى أبعَد الحُدود عن الوعي و في جَزرٍ خَفيف جذبنِي إليه فإستنزَفت مَا مَلكتُ من سَكينَة العَقل و صَفاء الذِّهن و تَبدَّل رَخَائي إلى مَوجَات من الجنون تندَفع تَيَّارات مُدَمّرة على أثير صوته الذّي غازل مَسامعِي بشَاعرِية " إيفَا ، إنتبهِي إلى نَقشِ العيون " فقدت القُدرة على تَحريكِ اصابعِي و إكتَفيتُ بالإستسلامِ للمَساته العَفوية ، لو يدري انَّه نَسجَ في عَقلي شَريطًا إبَاحيًّا لا يَخضَعُ لأَيّ قاعدَة أخلاقِيَّة... لو فقط ينسَاقُ ورائِي إلى جُرفِ الهَاوية ، يجذبه مزمَارُ الخَطيئة و تدفعه أنغَامُ الشَّهوَة. لو أقدرُ على سَلبه بقايا الرُّشد و الإدراكِ و اسرقُ منه قُبلاتٍ تغرقُ أنَامله المُقدَّسة في عُمق بحاري التِّي تشوبها الفاحشَة ، تُبحرُ لمَساته من بقاعي المُحرّمَة إلى مَدائنِي المُحَصنة. تزدَاد رغبته بي كُلَّمَا رفعتُ رايَة يعلُوهَا إسمه و تَصرخ غَرائزه حَاجَة كُلَّمَا مجّدتُ ذكره تمنيتُ لو كنتُ مَاء أجَاجا كلَّمَا خالَ أنَّه إرتَوى عَاد مُتَطّشًا و إستسقَى ، يغتَرف منّي حَفنَة ليُسكنَ بها ذاته فيَزيدُ بأخرَى ليشفِي دَاءه. أبتَغي من بنَانه النَّحيف أن يقطفَ الرُّمَان فقد نَضجت ثمَاره و تَكَوّرت و أن يشُمَّ قضُب الرَّيحَان فقد فَاحَت " أحسنتِ صُنعًا في مَا يَخُصُّ بقِيَّة المَلامِح ، لكن وَجَب عليك مَزيد العَمل بخُصوصِ تَفَاصيل العينين " إنتَشلتني كلمَاته من غَياهبِ فكري المُظلمَة و حينَ فارَقتنِي يَدَاه إستلّت مني البَسمَة ، أصغيتُ إلى تعليمَاته بإهتمام و رفعتُ بصري إلى وجهه على حين غرّة فمَا كان منّي إلا أن تهت بلا رجعة... عَينَاه في قالبٍ واحد تكَوّنان واحَة تنبِضُ حَياة و تَضُخُّ جَمالا ، إحداهمَا إزدَانت بكثبان رمليَّة لمعت تبرًا و الأخرى تَدُرّ زرقة إنع**ت على صفائح ماء ساكنَة فباتت تتفَرّد بالإعجاز و تَسرُد أساطِيرَ . سَعيتُ بينَهما كمن أصَابه مَسٌّ من الجُنون و ركَضتُ خَلفَ الحُسن فوجدتني في حَلقة حدَّاها مُقلتَاه أدور. مَا تمكّنتُ من إستبطَائه أكثَر و لمَّا فارقنِي ظَللتُ أتَحرّق شوقًا لإبصار عينيه عن قرب من جديد ، أكان ذلكَ بسبب فتنَة شكلهمَا الحَاد أم بسبب الطَّفرة التّي عشقتهَا منذ قابلته و أقمتُ على غَيرهَا الحِدَاد . أرانِي ألهثُ في صَحَاري الأولَى كمن فقدَ السَّبيلَ و ضَاعَ لكنِّي حينَ مررتُ بالبدِيل غَرقتُ أبتغِي لو يأسرنِي في بؤبؤيه و يطبقُ عليَّ جفنيه فلا أغادرهُمَا مَضَى الوَقتُ بِسُرعَة و لمَّا إنتَهَى الدَّوام غادرتُ الوَرشَة مكرَهة ، كيف لي أن أصبِرَ على بعدِه عنّي الآن و ما من أحدٍ يستَحوذ على تَفكِيري غيره. إفتَرقتُ و هيونجِين بتعلَّة إبتيَاعه للقَهوَة ، ثمَّ سرتُ في أرجَاء الكُلية بخطَى متثاقلة أبحث عن مَكانٍ ملائمٍ للجُلوس. إختَرتُ ركنًا منزَويًا عن البَشَر و بعيدًا عن الصَّخب و الضوضاء ، قلمِي يتَهادى على الوَرقة بحنيّة و عَقلي مُقيّدٌ بكلمَاته. قادنِي التَّفكير فيه إلى رسمٍ مُفَصَّل لجَوهَرتيه الفيروزيَّة و حجَر العقيق أدركتُ حينَ ألقيتُ نَظرة من باب الواقع على رَسمتِي أنِّي قد أصبَحتُ مهووسَة بهذا الرَّجل إلى دَرجَة جعلَتني أحفظُ تفاصيل عينَيه و كلَّ مَا يمُتُّ بصلة له... أينَع برعمُ بسمَة على ثغري و قبل أن يُزهِر تمَّ إقتلاعه إذ أُخِذَ منِّي دفتَري فجأة و أنتهِكت حُرمَة عمَلي ، رفعتُ رأسي أحتَجُّ على هذا الفعل المُشين فإذا به هيونجين يمَارسُ مزَاحه الثَّقيل " هذا أنتَ أيُّهَا السَّاقط أعده إليَّ" إستَقمتُ مسرعَة أحَاولُ إستِعَادَة رَسمي من حَوزَته و لكنَّه كان يلعَب بقذارة إذ أنَّي كلما أوشَكتُ على أخذه منه بَاغتنِي بإبعَاده عنّي مستَعينًا بطُول قامته " لَيسَ قبلَ أن أَرى ما يجعَلك منشَغلة إلى هذا الحد" لمَّا كنتُ غيرَ قادرَة على الوصولِ إلى ذِراعيه ضربتُ ص*ره و صَرختُ مُنفَعلة ، لم أشأ أن يُلقي نَظرَة على رَسمِي لأنه يخُص أستَاذي. سأشعُر بالإحراج حتمًا إن إكتَشف أنِّي مُغرَمَة به إلى دَرجَة تَجعَلنِي أرسُم طَرفه بدِقّة كأنه قَابعٌ أمَامي. سيَ**ر ذلكَ من الصُّورة التِّي حافظتُ عليهَا نقيَّة أمَامَه فمَا من أحَدٍ إستَطَاعَ تكبِيلي أسِيرَة بين أيدِي جيوشِ الغَرام المُتَوحّشة " لا يحِقُّ لك فعل ذلكَ ،هاته ! " إستَدَار مُقَابلا إيَّاي بظَهره و تَكَشَّف على رَسمَتي حينَهَا شَعرتُ انَّ هيبَتِي ضَاعت و سَراديبُ الظّلام التّي كانت تُحيطُ بشَخصيَّتي الغَامضَة إنقَشعَت مع أول بصيص من نورِ العِشق الذي وَطَأها. إستَكان جَسده أمَامِي دونَ حراكٍ ، كأنه وعى على إرتكَابه جَريمَة بحقّ مَشَاعِري. إنتَشلتُ الدّفتر من يده بخُشونَة و غَشيتُ عينيَّ بحجَابٍ يقيهَا دُموع الضُّعَفاء و ببُرودٍ نَطَقتُ " أنتَ مُزعجٌ ، لا تتَحَدَّث إليّ مُجددًا و يُفَضّل ألا تتَوَاجد في منطَقتي أيضًا " غَادرتُ المَكَان و خَلَّفته ورَائي و النَّدم يتَوارَى خَلفَ جَفنيه ، أمضَيتُ كَامِلَ اليومِ في العَمَل أردتُ أن أتقِنَ مَا طَلبه منّي و أن أكَمّل نَقصِي و رُبّمَا حَاولتُ تَرقِيعَ وقتِي الذِي ثَقبه غِيَاب هيونجين عنِّي كي لا أشعُرَ بالوِحدَة. لَمَّا شَارفت الشَّمسُ علَى المَغيب و إعتنَقَ الشَّفقُ مذهَبَ الرَّحيل أبصرتُ الشَّمسَ ترسلُ خيوطًا عابثَة في الأفق أمَلا في التَّشبث بالوُجُود رغمَ أنَّ الظَّلامَ قد نَحَرهَا ، حَملتُ أدبَاشِي و إتَّخذتُ طَريقَ المُغَادرَة سَبيلا و لمَّا بلَغتُ مُفتَرَق طُرُق يَربِطُ بينَ قسمِ النَّحت و بقيّة فرُوع الفنونِ إعتَرَضنِي شَابَّانِ أحدُهمَا أشقَرُ و في عَينيه خُضرَة إتَّكَأ على الجِدَارِ أمامي و بقيَ يُراقبُني أقتربُ من مكَان تواجدهمَا و الآخر شعره بندُقيّ و عينَاه لوزِيَّتان ما إن خطوت حذوه حتَّى إستَوقفنِي و شَرع في الحَديث دون أن يطلُب إذنًا حتَّى " مَرحَبًا يَا جَميلَة أدعَى جَا**ون ، ماذا عنك ؟ " مَهلا أيحَاولُ التَودد إليّ ؟ كم هذا مقرف ألا يعي أنّه أخطأ العنوَان فهذه الكلمات المغزولة بخيوط اللّطف الهَشّة لن تزيدنِي إلا نفورا. وَاصلت المَسيرَ و تَظاهرتُ بأنِّي لم أسمَع ممَّا بدَر منهمَا شيئًا لكن صاحِبَ الشَّعر الأشقَر أمْسَكَ بمعصمِي و ألزَمنِي بالوقوف " أنَا دَايفيد ، ماذا لو دَعونَاك لإحتِسَاء المَشروبِ" أعلمُ ما يكمُن خلف ستائر هذه الدّعوة العاديّة ظاهِريًّا لكنَّني لا أعلمُ كيف سأصمُد أمَامَ هذين الو*دين و قد بدأ فتيلُ أعصابي بالإحتراق " مَرحَبا ، لا تَسرنِي رؤيتُكمَا و يسعِدنِي القَول أنِّي لا أتَشَرَّف بمَعرفتكمَا و لا أريدُ مُرَافقتَكمَا و الآن وَدَاعا " هَتفتُ متَسَلِّحَة بإبتسَامَة مُستَفزَّة و قد عمدت إلى إغاظتهمَا لكنَّهمَا لم يستَسلمَا إنَّما تطاول المدعو جا**ون و مرَّر يده عبر خصلات شعري و بنبرة خبيثة أردَفَ " لا تَكُونِي قَاسيَة في الرَّد حُلوتِي ، نحنُ لا نُريدُ سوَى متعَتكِ " بدَى و كأنَّهمَا لن يترُكَاني و شأنِي لذا فقد قررتُ التَّخلي عن معاملتي لهمَا بإنسَانيّة و إنتقلتُ إلى الجزء الذي لا أحبّذ اللّجوء إليه "ألا تُوجَد طَريقَة أقلّ بَشَاعة من هذه لمُلاطَفة فتاة ؟" بخُشُونَة دفعني عرضَ الحَائطِ و إلتَصَق جسَده بي ، لا يُدركُ أنّه بهذه الطَّريقة سَهَّل عليَّ مُهمتِي " بلَى يوجَد ، يبدُو أنَّك تُفضّلينَ الفعل على القَول " هَمسَ و قد إنتَقلت يدَاه من شعرِي إلى ثَرى رقبتِي ، إنتهزتُ إنشغَاله بإتّباعه غريزته المثيرة للإشمئزاز و إستللتُ سكِّينًا من جيب سترتِي " بَلى أحبِّذ الفعل... " كنتُ على وَشكِ تَشويه ذرَاعه التِّي تمَادت في الزَّحف على عنُقي نُزولا إلى ص*ري بيدَ انَّ صوتًا مألوفًا قاطعني قبل الإقدامِ على ايِّ شيء " إثنَانِ ضدّ واحد ، هل تُعَدّ هذه رُجولَة ؟" لقد كان ذلك هيونجين يقفُ على بعد خُطوات منَّا ، سماته هادئة و يدَاه محشورَة في جيوبه. إبتَسمَ كخَصمٍ يستَخِفّ بمنَافسيه و تَقدَّم بِخطوات مترَنِّحَة نحونَا ، لا يبدو خائفًا البتَّة. أحد الأوغَاد الذينَ أحاطوا بي تقدَّم إليه و صرخ به و قد تدَفَّق الغضَب في عروقه "من أنت ؟ " أرخَى رأسه إلى الخَلف ثمَّ بعثَر شعره الطَّويل و لمَّا ألفَى نَفسَه على مَقربة منَّا أزَاحَ كلاهمَا بضربات مقصودة من كتفيه العريضين حين تخبطَان جسديهمَا اللذَان سدَّا الطَّريق إليّ و أحاطَ عنقي بذرَاعه ، راقبتُ حركَاته بصمت بدَا و كأنّه يُصور فلمًا سنِمَائيا لا يَخوض نزَاعا مع متحَرّشين " أنا ؟ أنا خَليلُهَا و هي فَتاتي و لا أسمَح لأحَد بالإقتراب منها " نَظر له ذو البشرة السَّمراء في تَحدِّي و بادر " و ماذا لو فعلنا ؟ " كان بصدد الإمسَاك براحَة يدي لكنّ هيونجين عَدّل ياقَة قميصه بكبريَاء ثمَّ أمسك بذرَاعه بخشونَة و في حَركة سريعَة لفَّ معصَمه ثمَّ لكَمه على وجْهه حتَّى أردَاه يفترِشُ الأرضيَّة ، صديقه الذّي كان يُراقب ما يجري بدهشَة خشيَ أن يكونَ هو التَّالي لذا فقد أطلَق ساقيه للرِّيح و هرب يتبعه الثَّاني. حَاولتُ إخفاء إبتسَامتي عن مرآه فنَادرًا ما أرى هيونجين يُهَاجم أحدا أو يُظهر قوَّته البدنية لذا فمَشاهد كهذه لا تُقَدَّر بثمَن ، أنا فخورة لإمتلاكي له. لم تَدم أحلامي الورديّة طويلا فسرعان ما تذَكَّرت أنّي قد تخاصمتُ معه صبَاحا لذلك فقد إرتديتُ قناع التّجهم و قلت بنبرة إستهزَاء " لا أصدّق أنّك تبعتنِي طوال هذا الوقت ، أين كرامتك أنا لا أراهَا " " تَبعتُك لأنِّي أعلمُ أنَّك أغبَى من أن أترككِ وحدك " لم يَرُق لي جَوابه خلتُ أنّي الوحيدة التّي ستقدر على توجيه ردود قويّة و لكنّي نسيت أنّي أعَلّمه و أتعَلّم منه ، أحطت خصري بيدي و في حركَة تنُمّ عن مدى إنزعاجي سألت " كيف ذلك أيها العبقري ؟ بالنّسبة لأولئك المنحَرفين فقد كنتُ سأتولّى أمرهم وحدي لكنَّك حشرت أنفك في أمر لا يعنيك " أشار إلى جيب سترتِي و بتأمُّر هتفَ " بمَا أنَّك قد ذَكرت الموضوع أخرجِي ذلك السّكين لأني سأحجزه" بدى كأمٍّ تستَفرد بهاتف إبنهَا المستهتر و كنتُ ذلك الشّقي في نَظره إذ أبيتُ منحَه إيّاه لأنَّه سيدر عليّ فائدة " إن أعطيتكَ سلاحي فكيفَ سأدافع عن نفسي" إستمسكت برأيي بتَعصّب لكنَّه سَلك درب النّصح كما لم أعهده و بصوت حاد إستفسر " هل جننتِ كي تشهرِي سلاحًا في وجه الطّلبة و في حرم الجامعة ؟ " طأطأت رأسي و عجزت عن النّظر في عينيه كمن أذنَب ، رُبّما خشيت أن أظهر كطفلة يسهل النيل منها. مدَّ يده ناحيتي و سلَّمته ما كان بحوزَتي على مَضض فإستأثر به و أخفاه عنِّي ، إستَدرتُ مبدية إستيائي من تسَلّطه فتَسَلَّل خلفي و عَانقَني. أحاط بعنُقي و خصري و شدَّ وِثَاقي كمن هَزَّه الشَّوق على نَسائم الحنّية ثمَّ أرخى رأسه على كتفي و بهمسٍ فاتر أسرَّ " لا تَقلقِي إيفَا لقد تَعهَّدت بحمِايتك مُذ كنَّا صِغارًا و لازلتُ عندَ عهدِي و وعدِي " تَنَهّدت بحرقة ثمَّ تَمَلَّصت من حدود حضنه عَبَثًا " إبتَعد عنِّي... " كنتُ آمُل لو أستَطيع الفرارَ منه و لكنَّه لم يسمَح لي بهَجر أراضيه و خَفضَ من إحتجَاجَاتي بقبلَة خرسَاء على وجنَتي ، لطَالمَا عدَّ ذلك عُربونَ محبَّة و دلالَة ودٍّ " أنا آسف لما حَدَث صَبَاحًا ، إسمَعي إيفَا لا بَأس بالوُقوع في الحبّ الأمر لا يدعُو للخَجَل " إبتَسمتُ رغم رغبَتِي في إطَالَة النِّقَاش و أعلنتُ الصّلح بعد أن أنقذت صورَتي من خدشِ أظَافر الهوى التّي لا تُردَع ثمَّ إستَدرتُ و بادلته العِنَاق ، شعرتُ أنَّ أضلعنَا ستُ**َر و ألبَابنَا ستمزَجُ حتَّى تُسمَع لنَا دَقَّات موحَّدة. غَادرنَا الكُليَّة بخطُوات متَقايسَة ، قد كنتُ متَشبّثَة بذراعه أفتَقد إهتمَامَه بي كأنّي لست تلك الفَتاة التّي إفتعلت معه مشاكل منذ سويعَات قليلة. سادَ صمتٌ مم**تُ بيننَا فتَكَفَّلتُ ب**ره " عُد إلى منزِلك الليلَة لا بُدَّ و أنَّ عائلتَك قلقَة عليكَ " نَظر إليَّ بعيون حَائرة و سألَ بلهفَة " ماذا عنك ؟ إن لم تَعودِي إلى منزلكِ فلن أتركك وحدكِ " أجبرتُ على الإذعَان لرغبته رغم أنّي لم أكن مقتنعَة بذلكَ ، لم أشأ أن أجعَله يتَحَمّل مشقّة النوم في العراء بسببي و هو فتَى ينتمِي إلى عائلة ثريّة و هذه الظروف القاسية لا تلائمه. لا أريد منه أن يكابد عنَاء المَشاكل مع ذوِيه بسببِي لقد كنتُ دومًا فتاة سيئة لكن ليسَ معه " لا تقلق ، أنا أيضًا سأعود... ألا تَرى حَالتي أبدو كمتَشرّدة إضافة إلى أنّني عملت في الورشة إلى ساعة متأخرة أحتَاج إلى حَمّام " تقَصَّى ملامح وجهي يبحَث عن ثَغرة يكتشف بهَا ما إذا كنت أكذب حيال المَوضوع لكنّي صدقت و برهَنتُ كلامي بإبتسَامة خفيفة ، بعد دقائق من السّير وَدَّعته عند مدخل الفيلا الفاخرة خاصَّته و واصلتُ طريقِي حَتّى عرجت إلى زقاق غَلب عليه البُؤس و الفقرُ. حَرصت على جعل خطواتي حثيثَة و تَجنَّبتُ ما شهدته من مَشاكل بين مُدمنين و قهقهات المجرمين الذين يتَقاسمون الغَنائم و ما إلى ذلك حتّى وصلت أخيرا إلى منزِلي ، أبصرتُ حذاء أمّي عندَ المَدخل لذا فقد إتّضح لي أنَّهَا عادت ووجَب عليّ أن أستعدّ لإستجواب دقيق... دَخلت المنزلَ و شريطُ الصَّمت يُحيطُ بفاهي ثمّ إتجهتُ نَاحيَة غُرفتي لا أطلب غيرَ تجنّب أي إحتكَاك بها " إيفَا ، أينَ كنتِ ليلَة أمس ؟ " قاطَعني صوتها بسؤالٍ مُباغت ، هي لم تلقِي عليّ التّحية حتَّى. بعد غياب دام لأربع أيَّام لم تُفكر حتَّى في السؤال عن حَالي ما إذا كنتُ بخَير أم لا... ألهذه الدّرجة لا أعني لهَا شيئا " ألا يجدُر بي أن أطرحَ نفسَ السُّؤال عليك ، مؤخَّرا طالت غياباتُك " سألتُ بعد أن توقّفت بضع خطُوات بعيدًا عن غرفتِي و زاولت نَظراتي من رأسها إلى أخمَص قدمَيها " أنا والدتك و يجدُر بي القلق عليك " هذه هي التّعلة الوحيدة التي تتسَلح بها كلما إحتدّ النقاشُ بيننَا و وضعت أمام فوهَة المدفع بلا ذخيرَة " لو كنتِ تهتَمِّين لأمرِي مَا كنتِ تركتنِي في هذا الجحر القذر مُحاطة بشتَّى أنوَاع المخاطر... " عقدت ذراعي عند ص*رِي و رفعتُ أحَد حَاجبيَّ أقذفهَا بوابل من الحجج التّي لن تَجد لها صدًّا " أنتِ تعلمين ظروفَ عملِي " بدت على وجهها علامات الإرتبَاك و إرتعشت نبرة صوتهَا حين أدلت بتلكَ الجملة رغمَ أنها لا تحمل معنى واضحا ، لم أصمت إزاء جوابها و حاولت جاهدة أن أثبتَ لها أنّها مُقصّرة في حَقّي " أنا حَتّى لا أعرفُ ما هو عملك ، أخبريني رجَاء أيُّ عملٍ هذا الذِّي يتَطلّب الغياب عن المنزل أيَّامًا " إنفعالي سبب إرتفاع صوتي في وجهها حيث تحوّل نقاشنا إلى شجار يحفّه الصراخ و إثر سمَاعها لكلامي الذي لم يرق لها رشقتنِي بشفرات حادَّة أدمت قلبي " أنا أفعَل هذا لأنِّي مُجبَرة على الإعتنَاء بك ، لأنِّي وجدت نفسِي وحيدَة و معي رضيعَة هل تَظنِّين أنّي رغبتُ في الإحتفَاظ بك " أنا أدرك هذه الحقيقة المُرّة و لا أحتَاج أن تُذَكّرني بذلك في كلّ مرة هي تلفتُ إنتبَاهي إلى المعروف الذي أسدته لي بتربيتي كأمّ عزبَاء و تنثر ملحًا على الجرح الذي خلته إلتأم
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD