الحَياة لا تَعود القَهقَرى و لا تمنَحنَا من الفُرَص ما يُغنِينَا عن الحَذر و التَّبصّر من العَواقب ، في المُقابل هي منحتني جَميع العَوامل لأتَحجَّر . لمَّا كَانت طينتِي لينَّة في طَور الصَّقل أرسَلت عَليهَا ريحًا صَرصَر من الألمِ و الحرمَان و حَفرت فيَّ بأظَافرِ القَهر و الظُّلم حَتَّى رَسخت فيّ ندوبهَا و عرضت في متحَف عُهر الزمان مع من سبَقوني من المُعذَّبين في الأرضِ و قد شَابتني عَاهات دائمَة في شخصيتي لا تَزولُ
حَتَّى و إن حَاولَ أحَدهم إصلاحي فسينتَهي به الأمرُ بكَسرِي
إستَفقتُ من نومِي صَبَاحًا و بَرَحت سَريرِي المَركُونَ في زَاوِيَة الغُرفَة ، بصيصٌ خَفيف من النُّور يَشوبُ ظَلامَ الغُرفَة دَاكِنَة الأرجَاءِ ، ألقيتُ نَظْرَة عَلى الخَارجِ فإذا بالسَّمَاء تَلتحفُ بنقَاب من السحبِ التِّي حَجبت الشَّمسَ عن الأنظَار . أحدُ أكثرِ العَوامل التِّي تُميّز لندن ، غَادَرتُ حُجرتِي و بحثتُ في الشُّقَّة الصَّغيرة عن وَالدَتِي آملَة أنَّهَا قد عَادت أخيرًا لكنَّنِي كنتُ مخطِئَة . لا اثَر لهَا هنَا و صدى صوتِي الذي ينَادي بأمِّي رَاحَ هبَاءً ، تَنَهَّدتُ بيأسٍ و سَارعتُ بتَغيير مَلابِسي إلى سروال أَسودَ ضيِّق يتَغَمَّد سَاقايَ مع نُدوب فاضحَة عَلى مُستَوى الفخذَينِ و قَميصٍ بأَكمام طَويلَة ، يَاقَة صوفيَّة تحتضِنُ رقبتِي و تَقيني قَرَّ الشتَاء القَارس و من ثمَّ غَادرتُ هذا الجُحرَ المُقرفَ و حَثثتُ الخُطَى كي أبتَعدَ عن الحيِّ الذي أقطنُ به قدر المُستِطاع ، المكَانُ هنَاك مُلتَقى لسَقْط المتَاعِ و مُستنقَعٌ يزخَرُ بالجَرَاثيمِ الفتَّاكَة ....
دَسستُ سمَّاعتيّ في أذنَي و صخبَت بمُوسيقى الرُّوك التِّي عَزلتنِي عن العَالم الخَارجيّ من حَولي ، طَوال الطَّرِيق لم تتَزحزح عينَايَ عن الأرضِ و لم ينقَطع عَقلي عن التَّفكير ، هنَاك عديد الأمورِ التِّي تَشغَل بَالِي ...
لمَّا وَصلتُ إلَى مُجَمَّع سكَنِيّ يضمُّ عَديد المَباني الفخمَة تَوقَّفتُ عندَ احدِهَا أنتظِر رفيقَ دربِي و صدِيقي الوَحيد ، جَمَعتنَا الأقدَار قبلَ ثمَانِي سنَوَات بعد أن تَنَصَّلت من كلِّ البَشَر و فقدت الأمَل من وجودِ شخصٍ تَختَفِي فيه الصفَّات المتَشابهَة لدَى الجَميع و التِّي تنَفّرني منهم.
إرتَكزت قدمِي عَلى السُّور الشَّاهق و بقِيتُ أنتَظرُ خُروجَه بفارغ الصَّبر كي يُرافقَنِي إلى الكُليِّة بمَا أنَّه يومي الأوَّل بهَا و لا شيءَ يُطَمئِننِي حِيَال الأمرِ غَيرَ أنَّه سيكُون زَميلي و سنَدرُسُ مَعًا في قِسم النَّحت .
تَرَبَّصت عَينَاي بالمَخرج تنتظِرُ طيفَه كي يهفُو إليَّ و إستَكانت نَظراتي في الأفق الشَّاغر تحرُسه دونَ جدوَى فلم يَحُلَّ ركبُه و لَستُ من هُواة التَّجمّعات كي أقتحمَ مسكَنه و أختَلطَ بوَالدَيه ...
تزَاحمت الافكَار في رأسِي حُشودًا غفيرَة و سحَقتنِي تَحتَ حَوَافرهَا القَاسمَة فمَا ادركتُ ايُّ السبُل أسلكُ ، طَالت بي الحَال هكَذا و لم أستَفق من غَفوتِي إلَّا حينَ لاحت أمَامِي قَامته فَارعة الطُّول و خَصلاته المتَطايَرة بلَون الذَّهب الخَالصِ في الهَوَاء ، عَينَاه الحَادَّتان تكتنِزَان بريقًا سَاحرا و تُضيٍّقَان الوِثاق حولَ إنعكَاسي في مَراياه . هَالته مخَضّبة بالأ**د كمَا عهدته ، إحدَى يدَاه تخنُقَان عنقَ حقيبته و بالأخرَى أحَاط بي و إقتادني للمَسير ، توقَّفت وهلة قبل المضي قدما و إحتضنت كفّي وجنته برفق لأبادر و الحيرة متفشية في معالم وجهي
" ماذا بك ؟ "
هَزّ كَتفَيه يتَصنّع اللامُبَالاة غيرَ أنَّني أدرِكُ مَا يَشعر به فِعليًّا ، فحَتّى و إن حَافظَ على تَوَازن خَارجه فإنِّي اُحسُّ بإظطِراب باطنِه .
أستطيع الشعور بذلك من خلال عَينَيه المُلبدتين بالحزن إختفى منهما صفاء زُرقتيهمَا تمَاما كمَا إختفت زرقة السَّماء خلف الغيومِ
" ما من جديد كنت في مشَاحنة إعتيادية مع وَالداي "
أجَاب كَأنمَا يريد دَفنَ المَوضوع و حَبسه دَاخل قفَص ص*ره ، و رغم رغبَتي في مُشَاطرة حزنه إلا أنَّني إحترمتُ خُصوصيَّته .
إستَكمَلنَا الطَّريق و لمَّا كنتُ غافلَة لوَهلَة مدَّني بمَصاصة بنكهتي المُفضَّلة كان يحتَفظ بها في ج**ب سترته الجِلدية ، إلتَقطتهَا و حَشرتُها في فمِي هو يسعَى دَائمَا إلى رسمِ البَسمَة على وَجهي و لو بأبسط الطُّرق
" كنتُ بحَاجَة إلى تغيير المرارة التّي عَلقت بفمي "
أردفتُ أركلُ الحُصيَّات التِّي تعتَرضنِي في الطَّريق بعد أن إستَشعرتُ طَعمَهَا الحلو في جَوفي ، تَنَاهى إلى مَسامعي صوته الدَّافئ يتَساءَل
"هل ثملت بالأمس ؟ "
قَال خَافِضا رأسه إلى مُستَواي و مُحدِّقًا في دروب وجهي المُقفرة و قد غَابت عنها أشعَّة السَّعادة
" حَتَّى الفَجر ، وَالدَتي لم تَعد إلى المنزل منذ يومَينِ ... أشعر بالإختنَاق و الوحدَة"
مَرَّر يده مدَاعبا خَصلاتِي الكَستنائية و في شيء من النَّدم و التَّأنيب ردَّ
" لَيتنِي إستَطَعتُ الحُضور ، وَجَب عليَّ أن أكُون بجِانبك "
أدركُ انَّه مَا كان سيستطِيعُ القدُوم ، عَلاقَتنَا توشكُ كلَّ مرّة على الإنهِيَار لكن كِلانَا بريء من تهمَة هَدمِهَا ، من نَاحيتي أنا أضعَف من أن اتَخَلَّى عنه و بالنِّسبَة له فهوَ يحتَاجنِي أكثَر من أيّ شيء آخر في هذه الحَياة.
لكن و رغمَ إصرارنَا على إبقاء حبل الألفَة مَتينًا بيننَا إلَّا أنَّ هنَاك العديدَ من حَولنَا من يبتغُونَ الفرقَة قَاطِعًا لنَا
" لابأس لا بدَّ أنَّ ذلكَ كان سيُسببُ لك عديدَ المَشاكل"
رَفعتُ رأسي أتقصَّى إلى أي مدَى سرنا فلَاحت لي الكُليَّة في الأفقِ تتَجمهَر أمَامَها حُشود غَفيرَة من الطُّلاب و كنتُ كلَّمَا خَطوت تجَاههَا تمَكَّن منِّي الخَوفُ و الإرتبَاك . دُون أن أدركَ بَادَرتُ بإمسَاكِ خنصَر هيونجِين و هو إحتَضنَ يدِي بأكمَلهَا ليُخففَ عنِّي و ذلكَ بعثَ فيَّ شحنَات من الإطمئنَان .
وَلجنَا المَدخل الكبير المُؤدي إلى حَرمِ الجَامعَة حيثُ ألفينَا الطُّلاب يتَّجهونَ نحو الفروعِ التِّي تَضمُّ إختصاصاتهم ، الدُّروس في قسم النَّحت تبدَأ بعد نصف سَاعة من الآن ، التَّوتر يسري تَيّارات جَارفة بدَاخلي كَطُوفان مدَمِّر هَدَمَ ما بنيته من إستقرارٍ قبل المَجيء إلى هنَا.
أدَرتُ ظَهري إلى الجُموع خَلفي و وَقفتُ و هيونجين عند إحدَى المنحُوتات التِّي خَلَّدتهَا الجَامعة من أعمَال الطلاب ، شعرَ بإهتزَازي نتِيجَة إرتعَاش قدمَيَّ فوضعَ يده عَلى كَتفي مُهَوّنا عليَّ ثمَّ همسَ
" كلُّ شيء عَلى مَا يرامُ لا دَاعي للقَلق إيفَا "
أومَأتُ كرَدّ فعل سريع و قلتُ
" لد*كَ سيجَارة ؟ أشعُر برغبَة في التَّدخين "
لم يدَّخر وقتا في الرّد الذّي حَطّم آمالي في شيء يهوّن عليَّ إضطرابي
" كَلَّا ، أنتِ مُفلسَة كالعَادَة ؟ "
لا يَحتَاجُ سُؤاله إلى إجَابة فهو عَليمٌ تمَامَ العلمِ بأوضاعِي المَادِيَّة لذا فقد شَرعتُ في البحث في الأرجَاء عن فَريسَة أنَال منهَا مبتَغاي . لم يَطُل بحثي طَويلا فقد لمَحتُ فتَى على بعد عدَّة خطوات منِّي عُلبة قهوَة ساخنَة بيمنَاهُ و سيجَارةٌ تتَآكلُ لفائفُهَا بيسرَاه.
تَركتُ هيونجِين خَلفي و توَجَّت نحوَ هدفِي بإبتسَامَة ثقة و عيونٍ تَعلوهَا راياتُ النَّصر ، غَمستُ مَصَّاصتي في علبة القِهوة و دون إستئذان إقتحَمت يدَاي جيوبَه و جالت في أراضيه مُستَعمرا ظالمًا ينهَبُ ثَرواتها لتَظفر في النِّهَاية بعلبَة سجائر بطعم النَّعنَاع .
إرتَسمت إبتسَامَة رِضا على وَجهي و قبل أن أغادِر ربّت على كتفه برفقٍ و هتفتُ بعيونٍ إتَّسعت سخريَة
" السَّجَائر مضرَّة بالصِّحّة ، إستبدِلهَا بأكل تُفَّاحَة يوميًّا "
أخرجت سيجارة لي و أخرى لخليلي و تكَفَّل هو بإشعال مقدِّمتها و حرق التبغِ بها و لمَّا سرت بها النَّار قرّبت سيجارتي من خاصته فإستنشَقنا أوّل نفَس معًا ، هي حركة إعتدنا عليها منذ بدأنا التّدخين .
ملأت ص*ري بأنفاس مشبعة برذاذ يسمم الحيرة بداخلي و يقتل التوتر الذي تفشى فيّ و أخرجت من جوفي غمامة من الدّخان محمّلة بالشجن و قد زخرت نفسي ب
***ة عارمة
أكرم بها من راحة!
" آه إيفا كيف ستكون حياتي من دونك يا فتاتي الصّغيرة "
كان تلك كلمات هيونجين بعد أن أضرم فيه التبغ شعلة الحماس و الإنتعاش فما كان مني سوى أن إنفجرت ضاحكة و أجبت دون تفكير
"بسيطة ، لن يكُون لهَا معنَى حبيبي "
لمَّا إنتهيتُ من تدخين سيجارتي حيث تآكلت حتَّى قعرها ألقيتُ بها أسفلا و دُست أعقابها بسخط لأبادر
" هيونِي ، لم يبقى أمامنَا وقتٌ للإلتحاق بورشَة النَّحت "
أخذ آخر نفس عميق من السيجارة قبل أن يلقي بها و يقودني إلى الأمام
"بالمنَاسبة سنحصُل على أستاذٍ جديد من كوريَا الجنوبية "
بانت عَلى وجهي ملامح التَّعجّب و الإستنكَار في آن ذاته و في إنتفاضة حَادّة أعربتُ عن موقفي من قرارِ إدارة الكليّة
" يُحضرُون أستاذا من كوريا إلى لندن ! بأي لغة سنتوَاصل معه "
لم يتَوانى في الكَشف لي عن المزيد فيمَا يخصُّ شخصيّة هذا الغريبِ الذّي حَلّ بيننَا
" سمعتُ أنَّه إنجليزيّ الأصل و لكن والدته كوريّة لذلكَ إنتقَل معها إلى هنَاك بعد دراسة الفنّ ، يقال أنَّه أربعينيّ ، وسيمٌ ، أعزب ، بارد الشخصيّة و حَادّ الطبَاع... أخشى أن تقعي له إيفا أعلم أنّك تعانين إعاقَة في المشاعر "
مذ سمعتُ كلمَاته التي لم تَرق لي البتّة إحتَدّ الصراع بين حَاجبيّ على إمتلاك المساحة ما بينهمَا حتَّى عُقدَا و إشمأزّت قسمَاتي
" أنا أعجب بعجوز آسيوي ؟ محال ! بدل التهكم يجدر بك إخباري من أين تحصل على هذه المعلومات "
إبتسم بإستفزاز ثمَّ حرّك رأسه يمنَة و يَسرَة مفيدًا النّفي
" في هذه الحال يؤسفني إخبارك أنّي لا أطلع أحدا على سرّ المهنة "
حَاولَ التَّهرّب منِّي و من أسئلتي و قد كنتُ أتبعُه متذمِّرة و كلّي أمل أن أحصُلَ على مَا يروي ظمأ حُبّي للمَعرفَة حتَّى وجدتُ نفسي دَاخل الوَرشَة حيث إجتمَع الطُّلاب ، إختفى صوتي حالمَا إختلطت بالمجموعة فلست من النّوع الإجتمَاعي و لا أحبذ الأماكنَ المُزدَحمَة بالبَشر ...
تبعتُ هيونجين إلى ركن من القاعة الفسيحَة و قد كانت الورشة معدّة بعدد كبير من الطاولات التي تحمل أدوات العمل مثل الفراشي ، الأقلام ، أدوات النَّقش و سكَاكين النَّحت إلى جانب المواد التّي سنحتاجها في التشكيل كالجبس ، ظللنَا نتجَاذب أطراف الحديث إلى أن سمعنا جلبة خفيفة مرفوقة بأصوات الفتيات اللَّاتي أفسحنَ المَجال لمرور أحدهم.
خُطُواته تقرعُ الأرض و تهزُّ الألبَاب ، ملابسه منَسَّقة و عصريَّة تدُل على ذوقه الفاخر في الإنتِقَاء ، شعرهُ ليلٌ فاحمُ السَّواد لا بدرَ ينيره إنَّمَا تشوبه حزم دمويَّة تتَدَلَّى على نَاصيته و قد رَبطه إلى الخَلف تاركًا بعض الخصلات التِّي فرَّت من القَيد ، عَينَاه تتَمَيَّزان بطَفرة نَادِرَة فإحدَاهمَا فيروزيَّة نَفيسَة و الأخرى عَسليَّة نَميسَة أعلَاهمَا حَاجبَان كَثيفَان ثقبَ أحدهمَا . تُزيّن أذنيه عديد الأقراط الفضيَّة
خرزَات لامِعَة في صفٍّ متناسق من اللؤلؤ المنثُور و وشومٌ جَامحَة تتسَلَّق جسده من أصابع يديهِ إلى أعلى جزء من رقبته حيثُ تحدّها فكَّاه المرسومَان بخطيْن رفيعَين تَخال أنّك لو لامستَهمَا قد تُقطّع يد*كَ من حدَّتهمَا
ظللتُ واجمَة في مكاني و ما أعَاننِي جسدِي بالحَراك حتّى بتُّ كواحدة من المجَسّمات في القاعة لا أفقه شيئا
جَذبَنِي هيونجين إليه حينَهَا تفطَّنت أنَّ الأستَاذ قد طَلب من المتواجدين التَّحلّق به كي يتَحَدّث معهم بخصوص السنَة الجديدة ، لمَّا وقفتُ أمَامَه كدتُ أفقدُ وعيي بدَا أنه أسمَى من أن يكُونَ بشَرًا عَاديًّا. كلُّ شيء فيه مثاليٌّ حتَّى لكنته الإنجليزيَّة التي خلتُ انَّه جاهلٌ بها
" مَرحبًا جميعًا ، أدعى جونغكوك ويليامز أستاذ في فنّ النَّحت سأتكَفَّل بتأطِيركُم و توجيهكم بما أنَّها سنتُكم الأولَى في هَذا التَّخَصص. أتَمنَّى لكم التَّوفيق جَميعًا "
شردتُ أتَأمَّل تَفاصيله المثَاليَّة و كلّي إعجَاب بهذه التُّحفة الفَنيّة المعروضَة أمامي و تمنَّيتُ لو كنتُ الوحيدة التي من حقِّهَا النَّظرُ إليها و بينَمَا كُنتُ عَلى تلكَ الحَال فقط الجَسَد حَاضِرٌ و الرُّوح هَائمَة فَاجأتنِي ركلَة خَفيفَة من هيونجين مَرفُوقَة بهمسٍ خفيف عند أذنِي
" أينَ رَسَى خَيَالك ؟ "
جذبتُ سترته الجلديّة كطفل صغير يتَشَبّث بجلباب أمِّه و أجبتُ بنفس نبرة صوته آملة ألا يكشفنَا الأستاذ
" هيوني لقد عدلتُ عن رأيي هُوَ مثيرٌ و أظنّ أنِّي قد وَقعتُ في حبِّ أستَاذي منذُ الوهلَة
الأولَى "
تراجعتُ خطوتين إلى الورَاء عندَمَا حَاول هيونجين إبعادي عن منطَقة الهطر التّي جعلت قلبي يتَعدّى معدّلا ت السرعة القانونيّة ، أشعر به ينبض بجنون و يخَالف ما إتّفقنا عليه من قَواعد
" تَوَقَّفي عن التَّصرف بحمَاقَة قد يتَفطّن لكِ "
خَتَم الأستاذ خِطَابه الذي لم يسعنِي أن أسمع منه حَرفًا واحدًا و على إثر كلماتهِ أخذَ كلٌّ منَّا طَاولة و شَرعوا في العَمل
" أرِيدُ أن يأخذَ كلٌّ منكم دفتَرًا و يرسمَ أوَّل ما يخطُر ببَاله ، سأُكَرس هذه الحِصّة للتّعرف على شخصيَّاتكم أكثَر "
أمسكتُ بالدَّفتر و قلَّبت صفحَاته البيضاء و لا فكرة خَطرت ببَالي غير السيناريوهات الفاحشَة التِّي تُعرَض في مُخيّلتي منذ قابلتُه . بين أنَاملي تلاعَبت بالقَلم الذِّي غدى لا ينفَع بشيء ، لمَّا إستحَالت أمَامي إمكانيَّات رسم شيء معقول سمحتُ للقلَم بخَطّ دروب حُرّة على الوَرق و أطلقت العنَان ليَدِي بالتَّحكم في تسيير أفكَاري الجَهنّمية ، لمَحتُه يمُرّ بجانب الصُّفوف و يُلقي بعض الكَلمَات عليهم وددت أنها لا تَطول كي يُسرِع بالإطلالِ علَيَّ...
لمَّا كان عندَ هيونجين رأيته يضعُ يدَه عَلى كَتفه و بهدُوء نَطقَ
" لِمَاذا رَسمتَ صقرًا بلا جَنَاحين "
كانَ جليًّا لي رؤيةُ هيونجين متوترًا و قد إرتعشت يدَاه و فقد القدرة على الحديث كمَا لم أعهده من قبل ، هُنَاكَ عديدُ الأفكَار التّي تَتسَارع في ذهنه شَرِيطًا أحدَاثه مبهمَة...
ذلكَ الشُّعور عندَمَا يفقد لسانكَ القدرَة على الكَلام لكنَّ روحَكَ ترسل إستِغَاثات لا أحَد يدرِكُهَا
" لا أعلم رُبّما فقدهما أثنَاء رحلته الشَّاقة"
خَفَضتُ رأسي يُذلّني الحُزن و اليَأسُ ، هذا الصَّقر يلاحقُ هيونجين منذ عَرفته و ما إستطَعتُ تخليصَه منه. أشعُر أنّي عَديمَة الفائدَة إذ عجَزتُ عن مسَاعدَة أثمَن شخصٍ في حَيَاتي
" آمل أن يستعيد صقركَ جنَاحيه عمَّا قريب "
حَطَّت جيوشُ خُيلائه في نِطَاقي و باتت أنفَاسي معدومة إذ سدَّت رائحَته منَافذ الهَواء لي و خَدَّرَت مَا بقي من فتات الوَعي في عَقلي ، أشعر أنِّي أحلّق على أجنِحَة النَّشوة في فضاء محظور يَكتَسحه وجودُه .
أخذ الدَّفتر من يدي و راقَب رسمي بوجه خَال من التَّعابير لكن سرعَان ما تآكَل فكَّاه ينذِرَان بجَائحَة من الغضب تتَمَلَّكه ، مَا ظننتُ انَّ ذلكَ قد يُخلّف فيه ردَّة فعل عُدوانيّة إلى هذه الدّرجة فمَا لبثَ أن ألقَى بالدَّفتر دونَ مُبَالاة عَلى الطَّاولة حَتَّى تنَاثَرت أورَاقه و ببرودِ دَم أحرقَ فتيل أعصَابي الهَشّ قَال
" تعتَقدينَ أنَّ بإمكَانك تجسيد هذا في عَمل محسوس ؟ نحنُ ندرسُ الفنَّ هنَا و مَا رسمته لا يمُتّ له بصلة يمكنك الإلتحاق بالأفلام الإباحية إن كَان ذلكَ مرَادك "
أحكمتُ إغلاقَ عينيَّ كذا الحَالُ مع قَبضَة يديّ و إستَجمعتُ إنفعالاتي و في زفيرٍ حادّ أطلقتهَا و بهدوء يحاكي ترنيمَة صوته العَميقَة أجبتُ أكَابدُ بعنَاء خروجَ الكلم الذي باتَ محجوزًا خَلف عَراقيل العبرات التِّي خَنقت حَلقي
" للفنِّ مَفاهيمُ عدَّة و قد نَراه من زَوايا مُختَلفة ، فمَا تراه أنتَ قبيحًا أراه أنَا مَليحًا "
لم يتَكلّف عنَاء الرّد و كأنّه ألقى بكلمَاتي في حَاوية التَّجاهل ، إستَدار و يدَاه مَحشورَتان في جيوب سرواله الريَاضي الأ**د ثمَّ غَادَر بخطُوات ثابتة خَلّفت قرعًا مدمّرا على جدران قَلبي المتدَاعيَة .
لا أعلمُ كيفَ إستَطعتُ إكمَال ما بقي من اليومِ في الكُليَّة أو ربَّمَا كنتُ فاقدَة لحَاسة الإدراك طول الوقت فعقلي كان مَشغولا بوظِيفَة إستيعَاب إقتحَامه حيَاتي بهَمَجيّة و إيلامي في أوّل مُحاولة لي في إستمَالته.
مَالت الشمسُ إلى الغروبِ بأجنحَة داميَة أفَلَت سامِحَة لمن كَسرهَا بإحتلال عَرشهَا.
كنتُ أسيرُ على غيرِ هُدى رفقة هيونجين أسبقه ببضع خُطُوَات فيمَا خَلَّفته وَرائي حَاملا حَقائِبَنَا ، أعتَمد عليه في مَهامّ كهذه فأنَا فتَاته كمَا يدعونِي و يجبُ عليه أن يُدَللنِي .
كنتُ أحَاول التَّوازن علَى حَافة الرَّصيف تمَاما كَما كنتُ أحَاول تَرصيفَ أفكَاري بتوازنٍ لكنّي فشلت فقد رجَحت الكَفّة السلبيّة ضدّ كَفّة خَاوية
"إيفَا ، ما المُصيبَة التّي أحدثتها حَتَّى زَجَرك الأستَاذ "
إلتَفتُّ إليه ، لقد بدَى خَائفًا من إجَابتي كأنّي سأحلّ عليه بقنبلة مُدَمّرة لكنّي إكتفيتُ بردّ عَفويّ
" أستاذنَا عَاهر من الطّراز الرَّفيع"
رفعَ أحدَ حاجبيه بإستغرَاب و قبل أن يوَاصل طرح الأسئِلَة سبقته بالإجَابة
" إنسَى أمره يصعُبُ الإطَاحَة به "
تَوَقّف عن السّير لبُرهَة كأنَّما تجَمّدت الدّمَاء في عُروقه و بَاغتني بِصراخ متذمّر بدا متَفاجئًا من إجابتي ، ليس و كأنِّي أفصحتُ له عن مَكنونَاتي سَابقًا
" مَهلا ! إيفا أنت جَادّة ظننتُك تمزحِين حيال الأمر "
نَظَراتي كانت خَالية من أي ثغرة توجبُ غيابَ الجِدّية و كلمَاتي كانت كَفيلة بطبع المِصداقيّة حول ظنونه
" هل سبَق و جَعلتُ مَشاعري مجَالا للمُزَاح ، قد يُعدّ ذلك جُنونًا لكننِي مُعجَبة به... "
إستَكملتُ المَسيرَ بإعيَاء فيمَا حَاول هو تشتيتَ فكري عن الموضُوعِ
" حَسنًا ألن تَعودَ والدتكِ اللَّيلَة أيضًا ؟ "
تَجَمَّعت الدّموع في عينيَّ غِشاء سمِيكًا حَجبَ عنِّي الرُّؤيَة. بتُّ أرَى كلَّ شيء ضَبَابيًّا و حينمَا نَطقتُ بمَا يؤججُ فؤَادي تَهَمَّشت الدموع بفعل جُفوني شظايا مرايا تكشفُ غُصَّتي
" أنا التِّي لن تَعود ، تتركنِي في المنزل شأن الكرسي و الطَّاولة و لا تكتَرثُ لأمْرِي ثمّ تنتظِر منّي البقَاء ! من تَخَال نَفسَهَا ؟ "
يده الدَّافئة خَفَّفت عنِّي ألمِي و أذابت حَواجز الثلجِ المُتراكمَة على ص*رِي ، شعرتُ به يسَاندنِي
" أنتِ جَائعَة ؟"
سؤَاله حَفَّز ذاكرتي حول آخرِ مرَّة تنَاولتُ فيها شيئا يسدّ غائلَة جُوعِي ، و في الآن ذاتِه بَعثَ فيَّ شيئًا من السَّعادَة على الأقَلّ هنَاك من يُفَكّر فيَّ و يَهتَمُّ لأمرِي
" لم آكل منذُ يومينِ و هذا ثالثُهمُ ، مَرَّ وقتٌ طويل صحيح ؟ "
زَيَّف إبتِسِامَة خَفيفة ثمَّ شدّ على عضدي محفزًا إيايَ على حثّ خطواتي
" تعَالي معي سآخُذكِ لتنَاول العَشاء"
إتَّسعت عينَاي دَهشة ممزوجَة بالفَرح ثمّ إستفسرت على عجَل
" أنتَ جاد ؟ كيفَ حَصلتَ عَلى المَال ؟ "
رفض الإفصَاح عن أيّ شيء إنّما ظلّ صامتًا يقود الطَّريقَ إلى أن وَصلنا إلى مطعمٍ صغير في إحدَى الأحياء الشَّعبية ، وَلجنَا المَحل و إختار لنا هيونجين طاولة تشرفُ عَلى واجِهة بلَّوريّة قربَ المَخرجِ.
" أطلبِي ما شئت فَتاتي"
مدَّ ناحيتي قائمَة الأطعمَة بإبتسَامَة عريضة فإخترتُ بعد طول تفكير طبقا مشهُورا و لمَّا جهز إنقضضت عليه بشراهَة ، كنتُ أتضَوَّر جُوعًا و لم تسعني شهِيّتي حتَّى أمضغ الطّعام جيدًا. كنتُ كلمَا شارفت على الإختناق شربتُ القليل من الكُولا.
إنتبهتُ صدفة إلى هيونجين الذي يراقبني ببسمَة واسعَة
" هل تُريدُ أن نتَقاسمَه ؟ "
سألتُ و فمِي لا يَزَالُ مشحُونًا بالأكلِ و لكنَّه صدَّ طلبِي بحركَة خفيفَة من رأسه
" كَلَّا لستُ جائعًا إستمتِعِي بوَجبتِك"
واصلتُ التَلذذ بكلّ لقمَة تدخُل جوفي محاولة نسيَان المَجاعة التي كنتُ أعيشها بسبب والدتي المُهمِلة إلى أن أنهيتُ كلّ ما يحمله الطبق حتّى الفتاتُ
أرحتُ مؤخّرة رأسي إلى الخلف و ظللتُ أراقبُ بطنِي المنتَفخة ، لقد شعرتُ بالشَّبع.
تقدم هيونجين منّي قليلا و بهمس خافت أسرّ إليّ
" الآن و قد إنتهَيتِ ، تَظَاهري بأنَّك تحظينَ بمُكَالمَة هاتِفيّة و غَادرِي المَحل "
في البداية لم تكن لديّ أدنى فكرة حول ما يحمله هذا الطّلب الغريب لكن سرعان ما تبادرت إلى ذهني فرضية أتمنى إستبعادها لكن مع هذا الفتى كلّ شيء متوقع
" لا تَقل لي أنَّك لا تَملكُ ثمنَ الطَّعَام "
أسبَل جفنَيه و بإبتسَامة تكتنز البراءة أكَّد لي إحتمَالي ، بصعوبة منعت نفسي من الضّحك و حملتُ هاتفي و حقيبتي مُتَّجهة إلى الخَارج.
تظاهرتُ بأنَّني أتصل بأحدهم و رويدا رويدا بدأتُ أبتعد عن المحل و لمّا صرت بعيدة بضع أمتار عنه تخليتُ عن تمثيليَّتي المتقنَة و مَكثتُ أنتظِرُ هيونجين ، لم يَطُل إنتظَاري فقد لمحته بعد عدّة دقائق يركُض ناحيتِي حاملا قارورتَي ويسكي يتبَعه صاحب المَحل و بيده عصَا خيزران طويلَة رفيعَة ، إستَمر بشتمنَا و توعّدنا بصوت مرتفع تردد صداه في حلقات أذني. حَالمَا أبصرتي هيونجين صرخ ملأ حنجرته
" اركضي !! "
إمتثلت لأوامره دون تفكير خشيَة أن أذُوق الويلات من الأداة التي بيد صاحب المَحلّ ، أطلقتُ ساقاي للريح و ركَضت بأقصى سرعَة و كلَّما شعرتُ أنَّي أكاد أستسلمُ كان هيونجين يمسكُ بيدي و يدفَعني للمُواصلة.
خطُورة الموقف الذي نمُرّ به لم تمنَعنا من الضحك بجنون فقد إعتدنا الإستمتاع بجميع اللّحظات التي نقضيهَا معا حَتّى و لو كنّا نسير نحو الهَلاك ، هكذا بنَينَا صدَاقتنا و هكذا حافظنَا عليها لقرابة عَشرية من السنين.
كُنّا خبراء بشوَارع المدينَة و أزقَّتهَا ما جَعل تضليلَ ذاك الرَّجل أمرا سَهلا علينَا ، قادتنَا أقدَامنا إلى سطحِ مبنَى مُقفر حيثُ سنُمضي الليلة فلا مأوى لنَا. كنت مرهقة من الرّكض لذا فقد أمسكتُ ببَطني و أنا ألهثُ بشدَّة ، كان الحال ذاته معه و بين أنفاسه المتقطعة نبسَ بإبتسامة أبرزت عن ضحكة جذابة
" عمَل جيّد فَتاتي "
غمزتُ بطرفي و بكلّ فخر أجبتُ
" هكذا تعمل المافيا "
تقدّم بضع خطوات و وضغ قارورتي الكحول أرضا ثمَّ جلَس و ظهره مسند إلى الإسمنت و دعاني للإستلقاء في حجره ، إبتسمتُ مرحّبة بالفكرة و سارعتُ بأخذي مكاني بين أحضانه.
كلّ منا يحمِل سيجَارة و قارورة مشروب ، كلانَا يطمَح للنسيَان ، للتغيّر ، للهروب من الواقع و لكن كيف ؟ ماذا إن وقفت الحَياة أمَامنا كَحَاصد أرواح لأحلامنَا كلَّمَا زَرعنَا املا و سقينَاه من مزن أفكارنا و جهودنَا تطَلّعنَا له ليُزهر و يُؤتي أكُلا فإذا به يُقطَعُ بمنجَل الفَشل و تُراقٌ هَدرا أمَانينَا...
كنتُ كُلّما شربت خمرًا أملا في فِقدَان الوَعي تخَمّرت أفكَاري أكثَر و توَضّح لي أنّه من الصَّعب عليّ تجَاهلهَا ، إستنشقتُ دُخَانا لتَعمير رئتيَّ الخَاويتين و رفعتُ بصري الذَّابل إلى الأعلى فرأيتُ النُّجوم لامِعَة **ربٍ من الحَمام يحمِل السلامَ إبتسمتُ بعفَويّة رغم رغبتي الجَامحة في البكَاء و بتخَاذل رفعت يدي إلى الأعلى مُشيرة إلى السماء و قد أخذ منّي السُّكر كلَّ مأخذ ة بصوتٍ ترنّحت موجاته على سلم الوعي نطقتُ
" هيوني ، أنظر منذ زمن لم نرى السماء صافية هكذا و النّجوم واضحة للعيان "
عَينَاه مُكَحلتَان بهالات سوداء ، أظن انّ ذلك بسبب الإفراط في الشرب. إبتسامته التعيسة غرست فيّ آلاف السكاكين الحادة و قولته أعادتني إلى السنين الخَوالِي... الأيام التي كنَّا فيها لا نُفكّر سوى فيمَا يسعدُنا كأطفال
" هل تذكرين تلكَ الأغنِيَة ؟ هل يجدر بنَا أن نحصِي النّجوم بدَل المَال "
رغم الظروف القاسية التي تآزرت لت**ر ظهورنَا ، رغم الألم و المحن سيكون ذلك حافزا لنا و دافعا لتقوية صداقتنا التي لن تُذللها العراقيل
" أظُنّ ذلكَ ، ما نزَال صغَارا... "
إرتفع صوتي يدندن تلك الأغنية التي حفظناها عن ظهر قلب و ردّ هو عليَّ بمقطعٍ آخر ثمَّ تشاركنا في غناء الكلمَات التي تعبّر عن واقعنا و تصفُ حالتنا المزرية الآن
" counting stars "
لم أعلم إلى ايّ حدّ واصلنا السهر و المسامرة و حديث السًّكارى و لكنَّني إستيقظت صبَاحًا على ضوء خافت تسلل من وراء الغيوم الخفيفة التي تغطّي السماء ، الواضح أنها أمطرت أمسا فالسطح مبلل و لكنني لم أشعر بذلك لأن هيونجين غطّاني بسترته الجلدية و حال دون أن تنهال عليّ قطرات المَطر و تضايقني أثناء نومي. كنت أشعرُ بصداع حاد في رأسي، ظننت أن آثار الثمالة لن ترافقني حتّى الصباح الموالي و لكنني كنت مخطئة. أيقظتُ هيونجين برجَّة خفيفة من يدي و لمَّا إستفاق فركَ عينيه ثمَّ نظر إلى ساعته اليدوية ، بينما كنت أتمططُ ب**لٍ لاحظتُ إتساع عينيه بدهشة عارمة
" إيفا لقد تأخرنا أمامنا عشر دقائق فقط لبداية الدروس "
فُغِر فاهي و لعنتُ حظي السيء و لم يعِنّي عقلي المخدّر بالتفكير في حلّ ، أما هيونجين فلم يدّخر وقتا و سارع بنزُول الدرج بينما يرتدي سترته
" إلحقي بي ! "
تبعته أجاري خطواته و لمّا وصلت إلى الأسفل رأيته يعتَلي درَّاجة ناريَّة باهضة الثمن و خلفه شاب في ربيعه الثاني يتابع حركاته بنفس الذهول الذي يعتريني ، لم أكن قادرة على الإعتراض أو حتى التّدخل فقد رمَى بالخَوذة لي و هتف للفتى
" لا تقلق يا صاح سأعيدُها لك قبيل الغروب "
إبتسمتُ بجانبية ماحية آثار الدّهشة من على وجهي و سارعت بأخذ مكاني خلفَه ، تشَبَّثتُ بخصره و هو أدار المُحرّك و قاد الدّراجة بسرعة جنونيّة.