وقف فلاد يتابع هالة بنظره، وهي تركض في إتجاه اللجنة الشعبية التي أشارات إليها، وإذ بها تقف فجأة وتلتفت له من بعيد نظرت إليه لبرهة، وعيناها لا تقول سوى شىء واحد وهو أنها قلقة عليه، لكن ليس بيدها حيلة ثم هزت رأسها يمين ويسار وركضت مرة أخرى في إتجاهها ومرت من اللجنة وغابت عن عينيه...
ظل فلاد شاحصاً نحوها يتابعها حتى اختفت، وإذ بإبتسامة ترتسم على شفتيه ليتن*د بعدها وهو لايفهم مايحدث لكنه نظر للخاتم الذي ألبسته إياه، خاتم رفيع لذا سهل على هالة **ره فاستطاع فلاد إرتدائه، لكنه بالكاد غطى الجهة الأمامية لبنصره، ثم خلعه من يده وقذفه قليلاً في الهواء وهو يبتسم ثم أمسك به بيده وأحكم قبضته عليه وسار في طريقه...
"حسناً الآن قد ذهب مص*ر التشتيت فلأرى ماسأفعل".
قال فلاد محدثاً نفسه بعد أن ذهبت هالة، وذكره صوت معدته ب*عوره بالجوع والظمأ، وإذ به يجد رجل في العقد الخامس من العمر يرتدي معطفاً ثقيلاً وكوفية، ويضع على رأسه غطاء ثقيل للرأس، يسير وحده في الشارع الفارغ الأمر أصبح سهلا لتحقيق مراده خاصة مع هطول الأمطار بعد ذهاب هالة، فتلفت دراكيولا يمينا ويسارا ووقع إختياره على الرجل، هو ليس شاب كما يحب، لكنه يفي بالغرض في الوقت الراهن، فتقدم فلاد نحوه ببطء فشعر به الرجل ونظر له، لكنه إلتفت بعيداً عنه وتركه وبدأ يسير، فتبعه دراكيولا ببطء، فأسرع الرجل بخطاه قليلاً، فأسرع دراكيولا وهو يلحق به، فزاد الرجل من سرعته أكثر وفعل دراكيولا بالمثل، وهمّ لينقض عليه لكن فجأة.....توقف الرجل.
فجأة عقد الرجل جبينه، ثم إلتفت لدراكيولا ونظر إليه، توقف فلاد ولم يتحرك، وإذ بالرجل يتجه نحوه بسرعة وهو يفك أزرار معطفه، ويأتي إليه ثم خلع معطفه وقال له
"كيف يمكنني تركك هكذا أنا لدي مثلك" ثم سأل فلاد: "كيف تسير هكذا يا إبني، بهذا القميص الرقيق في ظل هذا البرد القارص أتريد أن تمرض؟!"
ثم وضع عليه معطفه، وخلع كوفيته ووضعها حول عنقه، ثم وضع يديه على كتفيه من الخلف، وجعله يسير أمامه وقال:
-"أنا لدي أطفال في مثل عمرك لا تخف تعال تعال" ثم أخذه ومر من اللجنة الشعبية....
فوجىء فلاد بالرجل يتجه نحوه، ولاحقاً بما فعله، حتى أنه كان في ذهول جعله لا يستطيع أن يستوعب الأمر، ولايفهم كيف ومتى إنقلب الأمر؟!!، من لحظة كان فريسته، والأن هو الذي لايقوى على إيقافه من شدة دهشته:
-"عم أمين إبنتك وصلت بالسلامة" قال واحد من الرجال الواقفين باللجنة لعم أمين بعد أن حياهم وإستأذنهم أنه معه ضيف فأجاب بعد أن مر ووصل لباب منزله
"شكراً لكم شكراً لكم" ثم قال لفلاد "تعالى ياإبني" ثم فتح القفل المعلق بسلسلة حديدية لإغلاق باب منزل متوسط الحال، مكون من أربعة أدوار، ثم فتح الباب وقال:
- "أدخل يا إبني لا تخف" ثم أعاد إغلاق الباب، وقال بعد أن عاد لفلاد:
- "تفضل بني من المؤكد أن والد*ك قلقين عليك ؟" فنظر له فلاد وهو مندهش تماما ولم يرد فسأله الرجل "إبني هل تسمعني؟" فهز فلاد رأسه يمينا ويسارا ليستيقظ ثم قال:
"أه نعم، والدايا قد توفوا"
فعقد الرجل حاجبيه بحزن وقال بأسى:
-"العمر الطويل لك يا إبني" ثم تن*د وقال "تعال معي" ثم صعد الرجل وخلفه فلاد وهو يرتدي معطفه إلى الطابق الثالث وفتح باب شقته...
"أبي قد أتيت؟، أمييييييي أبي قد جاء" صاحت الطفلة الصغيرة هنا إبنة الرجل والتي لايتعدى عمرها الثمان سنوات وقد علت الضحكة وجهها ما إن فتح والدها الباب ودخل، فضحك الرجل وربت على رأسها برفق وقال لها :
-"أخبري أمك أن معي ضيف" فركضت الطفلة إلى حيث تقف أمها بطرقة صغيرة على جانب الشقة أو كما يسمونه في المطبخ وأخبرتها...
كانت الشقة صغيرة ثلاث غرف صغيرة وصالة أيضاً لا يتعدى إتساعها الثلاث أمتار في متر ونصف، ولاتحتوي سوى على أريكة وثلاث مقاعد وطاولة صغيرة في المنتصف وبأحد اركانها طاولة طعام صغيرة .
-"تفضل يا إبني" قال الرجل لفلاد وهو يشير له ليجلس على أحد المقاعد بصالون الرجل بالصالة، أطاع فلاد الرجل وجلس، وكذلك فعل الرجل بعد أن نادى على إبنه "شريف تعال" اتاه الصوت
"حسناً ياأبي"
وأتت زوجته وهي تجفف يدها بمنشفة قديمة بيدها، فقال لها وهو يشير بيده لكوب من الشاي:
- "أم مجدي من فضلك شىء ساخن بسرعة" فأومأت المرأة برأسها بالإيجاب وأسرعت نحو المطبخ لعمله ، كذلك جاء شريف وقال:
-"نعم يا أبي" فقال له الرجل:
-"من فضلك أحضر بعض الملابس الجافة ليرتديها الرجل" فأجاب شريف وهو يهم ليدخل غرفته ليأتي بها:
-"بالطبع يا أبي لحظة" ثم أسرع نحو غرفته وعاد الرجل ووقف إلى جوار فلاد وربت على كتفه وكأنه يطمئنه، ثم قال لزوجته بصوت مرتفع:
- "أم مجدي أين هالة" فأتاه الرد سريع من إحدى الغرف
- "أنا هنا يا أبي" ثم آتت مسرعة إليه وهي تقول:
- "نعم ياأبي أنا قد أتيت وسوف أقص" وهنا وصلت إلى والدها وتوقف الكلام بفمها وإتسعت عيناها عندما رأت فلاد وقالت في دهشة: "كونت فلاد؟!"
ما إن سمع فلاد الرجل يلفظ إسم هالة حتى إلتفت له بسرعة وإتسعت عيناه في ذهول ثم عقد حاجبيه وهو لايصدق مايسمع وقبل أن يستيقظ إذ بهالة أمامه...
"هالة!" قال فلاد بدهشة بعد أن إبتلع ريقه وهو ينظر لها بضيق، فنظر لهم الرجل وقال:
- "هل تعرفون بعضكم؟!" أجابت هالة:
- "نعم يا أبي كونت فلاد تيبس الضيف المسؤولة عنه الآن". فإستوعب فلاد الأمر ثم وقف وقال للرجل:
- "تشرفت بمعرفتك سيدي" فهز الرجل رأسه بالإيجاب وكأنه يرد عليه دون أن يبتسم ويبدو عليه الغضب وسأل إبنته:
- "ولماذا هو هنا؟ أليس من المفترض أن يبقى بالفندق؟ وأن يكون ضمن مجموعة أم أنه وحده وأنتي رفيقته خلال الرحلة؟!" فإتسعت عيني هالة وقالت وهي محرجة :
- "أبي ماذا تقول؟! رفيقة من؟ أنا المرشدة السياحية التي عينتني الشركة له فقط" . فسألها:
- "وحدك؟! شاب وفتاة وحدهما، في أي مكان، خاصة والشاب أجنبي ولا يعرف عاداتنا وتقاليدنا؟!" ردت هالة :
- "أبي ليس الأمر كذلك ؟ إسمعني" . قطب الرجل حاجبيه وقال:
- "أسمع ماذا؟! لم يكن هذا إتفاقنا قد إتفقنا أن تكوني مرشدة ولكن لمجموعة كاملة بالقاهرة وإذا كان هناك سفر سيكون أحد من إخوتك معك، لكن هكذا بالطبع لا وعليك ترك هذا العمل فوراً، وهذا كلام نهائي" ثم تركهم ودخل إلى غرفته وهو غاضب....
وقفت هالة قليلاً بعد أن دخل والدها إلى غرفته في قلق وحيرة من أمرها، ثم أسرعت نحو أخيها شريف الذي كان يقف معهم يستمع إلى والده وهو يمسك بالملابس لفلاد كما طلب منه، وقالت
"شريف تصرف...أنت تعرف أنه لايمكنني ترك العمل الآن، أنت تعرف الظروف وأحوال البلاد والأقساط التي عليّ دفعها كما أن والدنا ليس بطاقته التحمل أكثر، أرجوك ياشريف إفعل شيء"
نظر إليها شريف قليلاً وهو في نفس حالتها، لكنه تن*د وربت على يدها الممسكة بذراعه وقال:
-"إهدئي إهدئي سأجد حلاً". ثم أعطاها الملابس وتركهم ودخل إلى غرفة والده.....
- "يبدو أنني قد أحدثت المشاكل التي أخبرتني عنها؟" .
قال فلاد لهالة بعد أن تركهم شريف وهو يجلس على الأريكة وينظر لهالة التي جلست على أحد المقاعد ووجهها نحو غرفة والدها في قلق، فنظرت له قليلاً ثم هزت رأسها بالنفي وقالت:
- "لا لا، لاعليك" .
ثم عادت ونظرت نحو غرفة والدها هنا جاءت هناء أختها التي كانت موجودة وشاهدت ماحدث إلى فلاد وقالت له:
- "بالطبع قد أحدثت كارثة والحل الوحيد أن تتزوجا" فإتسعت عيني فلاد في دهشة وقال
- "ماذا؟!".
شهقت هالة شهقة صغيرة وأمسكت بأختها وقالت لها
"تعالي إلى هنا، هيا إلى غرفتك، هيا"
ثم أخذتها إلى غرفتها ووقفت بجوار الباب تنظر نحو غرفة والدها فسألها فلاد
"هل هذا صحيح؟"
فسألته وهي تنظر له تارة ثم تعود لغرفة والدها
"ماهو؟" فأجاب "قصة الزواج؟". فأجابت بسرعة:
- "بالطبع لا هل تصدق كلام الأطفال" فسألها فلاد:
- "إذاً ماذا؟" فقالت له:
- "كونت فلاد من فضلك لاحقاً سأشرح لك كل شيء، لكن الآن مستقبلي على المحك فدعني قليلاً أرجوك". ثم عادت تنظر لغرفة والدها بقلق وهي تشبك يديها أمام فمها وكأنها تدعو الله أن يوافق والدها ولا تترك العمل..
-"ما الأمر يا أبو مجدي؟" سألت والدة هالة زوجها أمين والد هالة بعدما جاءت على صوته الغاضب ووجدته يتكلم معهم ثم تركهم ودخل غرفته ولحقت هي به، فأجاب والد هالة وهو يجلس على حافة السرير ويسند ذراعه على شباكه - القائم الخشبي الذي يحمل طرف السرير من الجهة السفلى – وهو غاضب:
- "ألم تسمعي إبنتك هي وحدها مع شاب يكبرها ببضع سنوات وهاهو بمنطقتنا أخبريني؟ ماذا يفعل شاب وفتاة وإلى أي حد علاقتهما حتى يوصلها لمنزلها" فجاءت إليه زوجته وربتت على كتفه لتهدئه فنظر لها وقال:
"ياعزيزتي لقد رزقنا الله بأبنائنا الستة وكما ترين كل شيء ضدهم، وكم أن لقمة العيش أصبحت عزيزة فيكفي تغرب مجدي بشرم الشيخ، وشريف الذي يعمل هنا اليوم وهناك غداً وحتى عماد الذي لم يجد عمل جيد حتى ....." ثم **ت قليلاً وأكمل: "ألم يتبقى لنا إلا أن نهين إبنتينا هالة وهناء" ثم هز رأسه بالنفي وقال:
- "لا لن أضع إبنتي في هذا الشرك، وماذا إن حاول فعل شيء معها، أنا أثق في إبنتي لكن لا أثق فيه أو في غيره، عليها أن تترك هذا العمل" فنظرت له زوجته بحزن:
- "ولكن يا أمين" فقاطعها
- "لايوجد لكن" وهنا دخل إبنهما شريف وقال وهو يستأذن للدخول:
- "أبي هل تسمح لي؟" فأجابه أمين:
- "تعالى ياشريف ماذا تريد؟ ولا تتحدث في أمر أختك". فأجاب شريف:
- "حسناً يا أبي لكن هناك أمر يجب توضيحه" فعقد أمين حاجبيه ونظر إليه وقال
- "وهو" فأجاب شريف
- "كونت فلاد قد وصل للتو من رومانيا منذ ساعات، وكانت هالة بالمطار حينها لهذا إصطحبته هي ، ولهذا أيضاً من المؤكد أنه لم يحدث شىء ولهذا لم تقل لنا هالة شىء، أما عن وجوده بالمنطقة فقد فرغ الوقود بسيارة هالة وشعر الرجل بالقلق عليها فأوصلها إلى هنا، أي أنه قد أسدى معروف لنا، وهالة قد قصت لي هذا ما أن آتت قبل مجيئك مباشرة" فنظر له أمين بغضب وقال
- "ولماذا لم تدعوه يدخل؟" فرد شريف:
- "خافت من أحاديث الجيران وأنت تعرفهم ياأبي" فأجاب
- "كانت قد إتصلت بي أو بك؟" فأجاب
- "هاتفها نفذت طاقته" ف**ت والده لبرهة ثم قال:
- "وما المطلوب مني الآن أن أترك أختك مع شاب يذهبان هنا وهناك سوياً" فأجاب شريف بعد أن جاء وجلس إلى جوار والده وهو ينظر له:
- "لا يا أبي بالطبع لا، وأنا أيضاً لا أوافق على هذا الأمر، لكني سأكون معهم مثل ظلهم في أي مكان يذهبون إليه، بل أني أحيانا أنا من سيأخذه وحده، لكن أن تترك هالة العمل الآن حقاً أمر غاية في الصعوبة" وقبل أن يقاطعه والده أكمل:
- "وليس لأجل الماديات فقط لكن لأن هذا العمل هو حلم هالة وقد سعيت لتحقيقه كثيراً وتعبت أكثر وأخيراً بمساعدة هند حظيت بهذه الفرصة التي نعلم أنها لن تتكرر وفي المستقبل ستعتذر هالة عن أي عمل بصفة فردية مثل هذا، رغم أنها حاولت أن ترفضه لكن الشركة أيضاً في ضائقة كبيرة وكونت فلاد تيبس دفع ما ستدفعه المجموعة بأكملها لذا هي مضطرة، فقط هذه المرة يا أبي أعدك....إتفقنا"،
نظر له والده قليلاً وقد بدا عليه الإقتناع بكلامه والقلق في نفس الوقت.
"هالة" نادى شريف هالة من غرفة والده فجاءته بسرعة وقالت:
"نعم أنا هنا" فقال شريف:
"أبي قد وافق" فإنف*جت أسارير هالة وعلت الإبتسامة وجهها وقالت:
- "حقاً يا أبي شكراً لك" وهمّت تقبل يده فقال لها:
- "ولكن بشرط أخوكي سيكون معك خطوة بخطوة في أي مكان سواء بالفندق أو بأي مكان أخر، حذاري وأعيدها مرة أخرى حذاري أن أراكي لحظة معه وحدك" فأجابت هالة بسرعة
"بالطبع بالطبع ياأبي أعدك" ثم قبلت يده وضحك الجميع وهنا نظر شريف إلى الملابس التي أتى بها وقال لوالده :
-"أبي هذه الملابس ماذا كنت تود أن....." فشهق والده شهقة صغيرة وقال:
- "لا الشاب ملابسه مبتلة هيا بسرعة ياشريف إجعله يبدلها بسرعة سوف يمرض الرجل جزاء فعله الخير معنا هيا بسرعة" وإلتفت لزوجته وسألها:
- "هل الشاي جاهز؟" فأجابت:
- "قد وضعته بالخارج من المؤكد أنه قد برد سأصنع غيره" فقال لها:
- "حسناً وحضري عشاء معه" فأومأت برأسها بالإيجاب ونظرت لهالة وقالت لها:
- "تعالى ساعديني ياهالة" فأجابت
- "حسناً يا أمي" وذهبتا إلى المطبخ...
-"عفواً لاتؤاخذنا ياإبني" قال والد هالة بعد أن خرج لفلاد ولحق به شريف فأجاب فلاد:
- "لاعليك يبدو أني قد تسببت بمشكلة" فأجاب والد هالة:
- "لا لا، لاذنب لك المهم هيا بدل ملابسك بسرعة وستقضي الليلة معنا لايمكنك السير وحدك اثناء حظر التجول خطر عليك" فأجاب فلاد :
-"شكراً سيدي لكن" فقاطعه والد هالة "لايوجد لكن ياإبني أنت قد جئت إلى هنا لتحافظ على إبنتي، وكما قلت لك قبلاً أنت مثلهم ، ستنام الليلة مع شريف وأيمن بغرفتهم هيا" ثم أشار لشريف فقال شريف لفلاد
"هيا تفضل" ثم أشار له لمكان الحمام وأعطاه الملابس.....
-"هالة هل كل شىء بخير؟" همس فلاد لهالة عندما قا**ها تقف بنهاية المطبخ تقطع بعض الخضروات بالقرب من الحمام، حيث أن الحمام يقع في بداية الطرقة القصيرة التي توصل إلى المطبخ الصغير في النهاية، فهزت رأسها بالنفي ورد عليها فلاد بإماءة برأسه بالإيجاب وقال لها مازحاً:
- "بالمناسبة هذه الملابس تناسبك جداً" ثم ضحك ودخل الحمام ليبدل ملابسه.
كانت هالة ترتدي جلباب من القسطور ذو اللون الأبيض المنقوش بفروع من الشجر الزرقاء وتقريباً هي وكل إخوتها لديهم نفس نوع القماش لملابسهم سواء جلباب أو بيجامة..
رفعت هالة حاجبها في غيظ وهي تنظر لفلاد الذي تجاهلها ودخل ليبدل ملابسه، لكن ما لم يعرفه فلاد أن شريف قد أتى له ببيجامة من نفس القماش، وما أن خرج فلاد ورأه شريف حتى وضع شريف يده على فمه، وأشاح بوجهه بعيداً ليخبىء ضحكته، في حين أن هالة ما أن رأته حتى راحت تضحك بشدة وهي بالكاد تحاول أن تمسك نفسها من شدة الضحك، أما هنّا فعلا صوت ضحكتها البريئة ووالدة هالة التي أتت على صوت ضحكات إبنتيها قد إبتسمت إبتسامة كبيرة في **ت ثم أمسكت بهالة وأبعدتها عن نظر فلاد وأدخلتها المطبخ...أما والد هالة فقد طأطأ برأسه قليلاً إلى الأرض وهو يضحك ثم رفع رأسه وقال لفلاد:
-"عفواً إبني لكن يبدو أن شريف أقصر منك قليلاً"...
أقصر قليلاً، قليلاً فقط، لقد كان بنطال البيجامة بالكاد يصل إلى ركبتي فلاد وأكمامها كأنها بنصف أكمام لكن في كل الأحوال كانت هذه الملابس أفضل من المبللة وأمام كل هذه الضحكات تفاجأة فلاد بنفسه يضحك معهم من قلبه بطريقة لم يفعلها قبلاً منذ أكثر من خمسة عقود ...
**********
-"حسناً ربما لن يتنحى بسهولة لكن هذا مايجب أن يحدث بعد كل مافعل وإن لم يفعل سنجبره"
قال شريف وهو يجلس مع فلاد ووالده وأخواته بغرفة المعيشة، يشاهدون الأخبار عبر التلفاز وهم في إنتظار العشاء الذي تقوم هالة ووالدتها بإعداده، ما أن إنتهى الجميع من الضحك رد أيمن الصغير:
- "بالطبع لن نسكت بعد ولن نتخلى عن حقنا، فلأكثر من ثلاثين عاماً ونحن نعيش في ذل" فنظر والد هالة إليهم قليلاً في **ت ثم فكر لبرهة قبل أن يقول وهو ينظر للتلفاز:
- "لا لن يرحل ولن يستطيع أحد إجباره " ثم قطب حاجبيه ونظر بغضب لولديه شريف وأيمن وقال:
- "ويكفي ماحدث بسبب تهوركم أنتم شباب لا تعرفون شىء ولا كمية المؤامرات التي تحاك حول هذه البلد وكم عدد الدول التي تريد مص دماء هذا الشعب" انتفص فلاد لبرهة قبل أن يرد شريف بحماس:
- "لا يا أبي يكفي ماتحملناه مهانة وذل لأجل لقمة العيش التي بالكاد نحصل عليها وماذا حدث إرتفاع في معدل البطالة وإرتفاع في نسبة المرضى ويعاملوننا أسوء معاملة وكأن الشعب كله قد أصبح عبيد عند طبقة معينة بعينها وهم ينعمون بخير بلدنا ويحتكروها لأنفسهم" .
فهزو الد هالة رأسه بالنفي وصاح بإبنه:
- "أنت لا تفهم شىء، مايحدث الآن ليس إلا مقدمة بسيطة لفوضى عارمة ستأكل الأخضر واليابس وهناك دول تقوم بإستغلال حماسكم لهدم هذه الدولة ولن تكون الخسائر سوى من نصيبنا نحن، ماترونهم من حقوق الإنسان أو من الدول التي تأخذ صف الشباب ماهي إلا دول طامعة ببلدنا وكل مايريدونه هم سقوط مصر ليس إلا" فرد شريف:
- "ربما يكون كلامك صحيح ياأبي لكن لأجل هذا كم من الوقت علينا الإنتظار وإلى أي حد علينا أن نتحمل أكثر حتى نطالب بحقوقنا كبشر" ثم صاح:
- "وكيف يمكننا تحملهم أكثر بعد مافعلوه بنا" فنظر له والده قليلاً وقد دمعت عيناه ثم هز رأسه بالنفي وقال بعد أن أشاح بنظره بعيداً عنه :
-"أنت لا تفهم". فرد شريف:
- "حقاً أنا لا أفهم يا أبي كيف يمكنك تحمل كل هذا ، تحمل ظلمهم لك لأكثر من شهر دون دليل ضدك ، وظلمهم لك لأكثر من خمسة وعشرون عاماً وأنت تتم تأخير ترقيتك لأجل وساطة هذا وذاك وبالنهاية أجب**ك على أخذ معاش مبكر وأنت في عنفوان صحتك وخيروك بين هذا أو الفصل وأعطوك مكافأة لاتكفي حتى لفتح محل للبقالة وبالنهاية أخي يا أبي! كيف يمكنك مسامحتهم بعد ماحدث لعماد؟!"
فنظر له والده بحزن ثم قال:
- "من قال إني أسامحهم؟! أو أني أفعل هذا لأجلهم؟! ما أفعله لأجلك أنت وأخواتك تفكيري كله موجه لكم أنتم، فيما يمكن أن يحدث لكم إذا عمت الفوضى البلاد ومايمكن أن تواجهوه" فقاطعهم أيمن:
- "الفوضى ماهي إلا فزاعة يحاولون أن يخيفونا بها" فإبتسم شريف وقال
- "بالضبط ياأيمن" ثم نظر لوالده وقال:
- "فزاعة ياأبي يحاولون إخاف*نا بها لنتوقف عما نفعله" فرد والده:
- "ليست فزاعة بل هي حقيقة" فقال شريف:
- "بل فزاعة ولو كانت حقيقة لن نسمح لها بأن توقفنا ويكفي هذا" فوقف والده وأمسك بياقته وصاح بغضب: "لن ترتاح حتى تذهب لأخيك" فرد شريف بسرعة:
-"بل حتى أخذ حقه ياأبي". وقف فلاد بسرعة بينهم وهو يحاول أن يبعد أحدهما عن الأخر وقال:
- "عفواً أنا لا أفهم عن ماذا تتحدثون لكن لايمكن أن يصل الأمر إلى هذا الحد من فضلكما إهدئا" فنظر والد هالة لإبنه لبرهة ثم تركه وهنا جاءت والدة هالة وقالت وهي تشعر بالحزن بعد سماعها لمحادثة زوجها وإبنيها:
- "العشاء جاهز تفضلا" أومأ والد هالة برأسه بالإيجاب وقال وهو يشير لأولاده
"هيا"
ثم وضع يده خلف ظهر فلاد وهو يدفع برفق للأمام ويمد يده الأخرى أمامه وهو يرحب به ويشير له ليجلس لتناول الطعام...
عقد فلاد حاجباه ونظر بأسى إلى حيث يشير والد هالة، لكنه بسرعة تدارك شعوره وإبتسم وتوجه نحو مقعده حيث أشار له ، قد تفاجأ فلاد بالمكان الذي كان يشير له والد هالة كان المكان حقاً ضيق للغاية ولايتسع إلا لطاولة بيضاوية صغيرة وضع حولها سبع مقاعد بالكاد يسعهم المكان حول الطاولة وكأن الجميع يلتصق بمن يجلس إلى جواره ومع هذا جلس الجميع دون أي شكوى أو تأفف من ضيق المكان، بل على الع** ورغم المشاحنة الصغيرة بين شريف ووالده، إلا أنهم ما أن جلسوا حتى إبتسم شريف لوالده وحل الصفاء مرة أخرى وتنقلت الإبتسامات بينهم كالفراشة الجميلة بين أزهار متراصة، وأسرع شريف وأعطى والده الخبز وهالة أسرعت وملئت طبق أختها، وهي تساعدها لتناول الطعام، ووالدة هالة تعطي بعض الطعام لأيمن ووالد هالة...
-"تفضل ياإبني عفواً الطعام بالطبع ليس مثل طعام الفنادق، لكن مسقعة أم مجدي لايتفوق على طعمها أشهر الطباخين ... هيا تذوق" قال والد هالة وهو يبتسم لفلاد وهو يغرف الطعام بطبقه فإبتسم فلاد وأومأ برأسه بالإيجاب، ثم أمسك بشوكة الطعام ليلتقط بعض منها فضحك شريف وقال له:
- "ليس هكذا بل هكذا" ثم أمسك بقطعة من الخبز وغمسها بالمسقعة وما أن قام فلاد بالمثل وقربها من فمه ليتناولها حتى توقف فجأة....
*********
نعم كان سيتناولها بل وسيتناول الطعام طوال القصة ففلاد مصاص دماء بل هو دراكيولا الأصلي والذي قام بتحويل المئات من البشر وأدى إلى إزهاق روحهم ليصبحوا بعدها مصاصوا دماء بلا روح وكأنهم شياطين، لكن فلاد ولأنه هو الأصلي فهو لديه روح لكنه قرر منذ مئتي عام التخلي عنها وإعتبارها غير موجودة، إختار السير كمصاصي دماء لذا فهو يمكنه العيش كإنسان لكن لايمكنه التخلي عن شرب الدماء ولايغنيه تناول الطعام عن ذلك لكن الع** صحيح......
*********
ما أن إقتربت لقمة الخبز من فم فلاد حتى توقف فجأة عن تناولها، ونهض من على مقعده بسرعة، وأبعدها عنه وألقى بها على الطاولة وهو يعقد حاجبيه في ضيق، فنظر له الجميع بدهشة وتعجب مما فعله ف*نبه فلاد لهم وقال:
- "هل هذا الطعام به ثوم؟" فردت والدة هالة
-بالطبع المسقعة لايمكن أن تستغنى عن طشة التوم فمكونها الأساسي هو البتنجان وهو يحب التوم ياإبني وفي الأساس التوم يعطي نكهة للطعام"
فنظر لها فلاد وهو يحاول أن يتماسك ويلتقط أنفاسه وقال بضيق:
"إذن الطعام كله به ثوم" فردت هالة
"على ماأظن ياسيدي الكونت"
فوضع فلاد يده على فمه وأسرع نحو الحمام وراح يتقىء(أو يمثل أنه يتقىء).
الثوم ، الثوم هو أحد أكبر وألد الأعداء لمصاصي الدماء لما له من قوة والذي كان يستخدمونه البشر دائماً منذ قديم الزمان لإبعادهم عن منازلهم فما بالك بتناوله.
ما أن قرب فلاد الطعام من وجهه، حتى إشتم رائحة الثوم النفاذة وشعر أنه لايستطيع أن يلتقط أنفاسه فأسرع وأبعدها عنه وهرع نحو الحمام مبتعد عن الطعام....
-"سيدي الكونت مابك؟"
سأل شريف فلاد بقلق بعد أن لحق به بالحمام، وتبعته هالة ووالدها، فإعتدل فلاد في وقفته بعد أن كان منحني أمام المرحاض، ثم وقف وهو يمسح فمه بظهر يده ويلتقط أنفاسه بصعوبة وقال:
- "عفواً سامحوني لكن لدي حساسية من الثوم" فعقد والد هالة حاجبيه وقال:
- "أووه ياإبني" ثم صاح بهالة
- "لماذا لم تخبرينا بالأمر؟" فردت هالة ويبدو القلق عليها:
- "لم أكن أعلم ياأبي" ثم أسرع شريف وأمسك بذراع فلاد ليسنده ويساعده على السير حتى جلسوا بالصالون فقال والد هالة:
- "إبني هل تحتاج إلى طبيب؟" فرد فلاد بسرعة:
- "لا لا شكراً فقط إسمح لي بأن أستنشق بعض الهواء بالشرفة سأكون بخير وأرجوكم عودوا لعشائكم لا تجعلوني أشعر بالذنب" فرد والد هالة:
- "لا لا ياإبني لا تقل هذا" ثم أشار له نحو باب الشرفة وقال:
-"تفضل ولتكن على راحتك" ثم أشار لشريف ليفتحها له وبالفعل دخل هو وعاد الجميع إلى العشاء...
دخل فلاد إلى شرفة المنزل الموجودة بالصالة، ووقف بالقرب من السور ينظر إلى الشارع ثم أسند مرفقيه عليه وراح يتأمل الناس الموجودة به، ويلتقط بأذنيه الخارقتان الأحاديث فنظر إلى الشيخ الطاعن في السن الذي يجلس أمام المسجد على دكة من الخشب، ويحمل بيده مكبر الصوت الخاص بالمسجد حيث يستخدمه في تنبيه أهل المنطقة عند وجود خطر أو هجوم لبعض البلطجية أو المجرمين الهاربين من السجون عند حدوث الثورة، ولم يمضي الكثير حتى جاءه القس وجلس بجواره وتناولا كوبين من الشاي وهما يتجاذبان أطراف الحديث حول الثورة وحول العواقب التي ترتبت عليها من عدم وجود أمن أو أمان، والمخاطر التي ستتعرض لها البلاد لكنهم بالنهاية كانوا يعودون أن هذه الثورة كان ولابد أن تحدث إن أجلاً أم عاجلاً، وفي كل الأحوال مصر أمنها وأمانها ليس لوجود شرطتها فقط، لكن ها هم أبنائها يتضافرون مسيحي ومسلم دون أي تمييز لحماية وطنهم....ثم إلتفت إلى مجموعة الشباب الواقفين على مدخل الشارع وهم يراقبون ويقومون بتفتيش أي مارٍ أو عابرٍ والإطلاع على هويته والإبتسامة لا تفارق وجوههم رغم أن التعب قد أنهكهم، لكن ما أن يواجهوا صعوبة حتى تتحول إلى مزحة يستهزئون بها ويقدرون عليها.
ثم لفت إنتباهه منظر رآه عبر إحدى النوافذ المفتوحة بالطابق الأقل بالمنزل المقابل، لعائلة تتكون من أكثر من ثمانية أفراد وجميعهم حول طاولة صغيرة جداً "طبلية" ويجلسون على الأرض يتناولون الطعام فإبتسامة، وتذكر أن الأمر يشبه عائلة هالة كثيراً لكن أفراد عائلة هالة أكبر وليس معظمهم أطفال...
-"سيدي الكونت" قاطعت هالة تفكيره عندما جائته بعد أن تركت العشاء وهي لم تأكل شىء تقريباً، وإتجهت إلى المطبخ وأعدت بعض شطائر الجبن وكوب من الشاي له فإلتفت لها فلاد ووقف وقال لها:
- "أنسة هالة" فأجابت:
- "سيدي الكونت هذه بعض شطائر الجبن وكوب من الشاي، لا أظن أن هناك مشكلة فيهم"
إبتسم فلاد وهز رأسه بالنفي وقال بهدوء وهو يمد يده ليأخذهم: -"
- لا لا بالطبع لا". ثم أخذهم منها ووضعهم على سور الشرفة، وهمّت هالة لتذهب لكنها توقفت وعادت وإلتفتت له وقالت:
- "سيدي الكونت أنا حقاً أعتذر عما حدث" إبتسم فلاد وقال:
- "تعتذرين عن ماذا؟! أنت لم يكن لد*ك علم بالأمر من الأساس".
فنظرت له هالة قليلاً وقد بدت أن هناك القليل من الدموع بعينيها، قال فلاد بحيرة "آنسة هالة مابك؟" فإبتسمت هالة بصعوبة وقالت :
-"لاشىء، لاعليك أرجو أن تستمتع بالشطائر، عن إذنك" ثم تركته ودخلت...
ظل فلاد واقفا وهو في دهشة من أمر هالة، هذه الفتاة التي منذ أن قا**ها وهي تقوم بكل ما لا يمكنه تخيله، فمنذ أن وطأت على قدمه بكعب حذائها، وحتى صفعته ثم الطريقة التي صالحته بها، ومحاولتها حمايته وأخذ الض*بة عنه، ثم لطفها ودموعها وهي تتحدث له عن الثورة وبالأخير نظرة القلق التي ملأت عيناها الجميلتان عليه .......عيناها الجميلتان؟؟؟!!!