الحلقة الثانية
شوكة الحب ضارة بالرغم من ضعفها،
أنين تقيحها مُرهِق، سموم إهمالها يقتل
يخار منها نبض القلب للأبد، لذا ليس أيَّ طارقٌ تفتح له بابُكَ، فـ الجميع عند ألمك سواسية!
"بنان" يلا قومي بيطلبونا على الاستيدج مع العروسة"
مع تسلل ذاك الهمس لأذنيها اتسعت عينيها و راحت تحدق باندهاش بين الجمع و استفسارا ينهش مخيلتها أين هو! وأين تلك الرقصة الخيالية بينهما!
استوعبت رويدًا أن شعورها الحالم تمادى بورديته كثيرا عن الواقع المرير، و أن لا وجود له بين حدود دولتها، ازدردت ريقها بحرج و هي تلملم ثباتها بارتباك و صديقتها تضيف عليه بتعجب
- مالك كده سرحتي من أول ما "مالك " صاحب زوج أختك جه عدى من جنبك عشان يسلم على صاحبه
تنحنحت بحرج و همت قائمة تجييها باجابة باردة لا تفضح خفايا القلوب ..
- لا أبدا عادي، و اساسا مخدتش بالي أنه عدى من جنبي
مواصلة بتحفز مصطنع:
- يلا بينا قبل الفقرة ما تخلص
همست بها بركيزه تبدو جدية ثم ولتها ظهرها و سبقتها لقطع عليها كل سبل المواصلة و الاسترسال حتى لا يفضح أمرها أمام العلانية بهمزه و لمزه
و ظلت طيلة الحفل هكذا فقط تسترق بعض النظرات المشبعة لغريزة الحب لديها و هي حريصة أشد الحرص على حفظ مشاعرها عن الغرباء كافة .
-----------------
تمغطت بانفراد ذراعيها عرض الفراش و تلك الليلة و رؤيته ما زالت ترمي بـ ظلالها فوق احلامها حتى و إن كان مر أسبوعًا كاملاً عليها، قطع لحظاتها الساكنة الحالمة إتصالا من العروس تخبرها بمنغاشة الأخوة المعتادة دون مقدمات
- بنون ما تيجي تسهري عندنا النهاردة ..
جملة ذهبت بيد النوم بعيدًا عنها مما قامت من فراشها جالسة تمحي أثره و هي تعي جملتها بفاه مفغر
- ها ..
فعادت شقيقتها جملتها مرة ثانية بعد أن داعبت شفتيها ضحكة مسموعة
- بقولك تعالي اسهري عندي النهاردة يا "بنان" و اتمردي على جو 'من الكلية للبيت دا' ..
تخلت عن اندهاشها هي الأخرى بضحكة عالية و هي تجيبها مازحة
- و يتقال عليا عزول الغزلان، لا يا ستي الله الغني عن دي خروجه
فتمللت ماهيتاب بتمرد
- يا رخمة الغزلان ملّت و عاوزة تغير جو شوية
تمادت بنان في نوبة ضحكها و هي تهتف بمشا**ة خفية
- من أولها كده يا أختي
فجزت ماهي أسنانها بغيظ مرددة
- من أولها إيه يا غلسة هو أنا قلتلك زهقنا لسمح الله و بعدين أنا غلطانة أصلا أن انتهزت فرصة انشغال راشد مع صاحبه و فكرت فيكي تجي تقعدي معايا شوية عشان وحشاني
رغما عنها صفعها الحنين و بدد نوبتها بغتة عقب سماعها لما قالت، فـ راحت تهمس بترقب مميت
- صاحبه، صاحبه مين.!
فأجابتها شقيقتها بطبيعتها ..
- هيكون مين هو ليه حد في غلاوة "مالك" و لا معزة "مالك" عشان يستقبله في وقت زي ده
ازدردت ريقها بتمهل تحاول ضبط اضطراب انفاسها و هي تهمس بثبات مزيف
- هينشغلوا ليه، في حاجة
فنفت ماهيتاب مواليه بالجديد
- أبدا مالك جاي يبارك لنا و بما أن القاعدة احتمال تقلب منهم و تطول قلت انتهز الفرصة و أجيبك تقعدي معايا أنتي كمان و أعوض أيام بعدي عنكم شوية، و لا مش حابة
بتقطع روضت بنان لهفتها وقالت على مهل يوحي بلا مبالاتها
- لا، خلاص، أنا جايا بدال هتضطري تقعدي لوحدك معاهم
قالتها بفتور كأن الأمر لا يثير فضولها أو رغبتها في تحقيق ذلك و هي تدمس ذاك الصوت المتنامي داخلها عن مدى كذبها، فهي تشتاق له و تتلهف للقائه بضرواة لا يتصورها بشري، لتقطع شقيقتها لحظات سكونها و هي تجييها بمرح:
- أيوه كده، أحبك و أنت مطيع وقمر كده يا بنون
عقب اجتياح موجة عارمة من السعادة بروحها راحت تبادلها المزاح هاتفة
- أيوة كلي بعقلي كلمتين كالعادة
ضحكات من الطرفين تعالت لتنهي المحادثة و هي تكاد تستوعب بأنها على موعد معه الليلة حقا و كأن القدر لمس مدى فقدانها له في ذاك الأسبوع فـ هدهد عليها بذلك اللقاء المنتظر ..
-----------
كانت الجلسة في المساء أكثر من المتوقع و لم تتخيلها، فأقصى ما تمنته هو رؤيته لو بنظرات عابرة بين غرفة الاستقبال و مرورها عليه مدعية التلقائية، و لكنها تفاجأت بنداء زوج شقيقتها على ضرورة المصاحبة لهما و قضاء سهرة ممتعة، لم يرفضا حتى تودد الأمر بينهم للتسامر المرح و بعض المزاح الطفيف و هي من بينهم تشاركهم بحرج مقلبة عينيها عليهم باستحياء و لكنه كما العادة نال هو الجزء الأكبر منها !
رصدت بشاشة وجهه بنظراتِ متفاوتة، احساسها حينها كان يخبرها بأنه به شيء مختلف عن كل ذي مرة كان ترصده خلالها، عيناه بها وميضًا براق لا يصيب إلا العشاق، شفتيه تفترش بالابتسامة كثيرا بسبب أو بدون سبب، شعرت بأنه نفسه أكثر مرحًا و انبساط عن ذي قبل كأن روحه تشاع بالحياة بعد سبات عميق
ترى ما السبب؟ ..أم هو كذلك لأنها بجواره!
على ذكر تلك الخاطرة ارتجف قلبها سعادة مما هبت من مكانها تخبرهم بمبادرتها لإعداد مشروب دافي يحتاجه تسامرهم المرح .. و مع غيابها لتحقيق ذلك بين حدود غرفة الطعام ضبطت شعورها المتأجج و هذبته ثم عادت بعد عدة دقائق بحامل معدني به اقداح شفافة لأحدى المنبهات العصرية ليتزامن دخولها مع صياح زوج شقيقتها قائلا:
- و الله القاعدة الجميلة دي جت مناسبة جدا للاحتفال
لتهتف عليه شقيقتها باندهاش
- ليه خير فرحونا معاكم
التفت يربت على كتف صديقه المجاور لجلسته بفخر و بهجة مرددا
- كل خير إن شاء الله بس مش ليا المرادي، و إنما للدكتور "مالك" اللي خلاص رايح يتقدم للبنت اللي بيحبها بكرة و كلها كام شهر و يلحقنا بجوازه
هالة البهجة بداخلها من أثر اللقاء انقلبت للنقيض تماما ما أن هشم حديث راشد زجاج روحها، اظلمت الدنيا بعينيها و فضلت الهروب من واقعها أو أكثر وضوحًا من ذاك الخبر المميت بسقطة عنيفة مغشية عليها فيها، دون أن تعي حينها للمشروب الذي طال بشوائبه الحارة بعض من جسدها، فـ عن أي حروقًا ملتهبة ستحرص على سلامتها بعد أن نُحر فؤادها دون رأفة أو شفقة
دائرة نور بدأت متضائلة حتى اتسعت ببطء هي ما اعادتها لذلك الواقع المرير مرة أخرى، جاهلة كم من المدة هربت كـ الفأر من المواجهة الحتمية لما سمعته من ثقلٍ لعين
- حمدلله على السلامة يا "بنان" إيه اللي حصلك يا حبيبة قلبي
كان صوت شقيقتها يغدقها بذاك الحنان عند تسكينها لإلتهاب الجسد ببعض المضادات الخاصة بالحروق، بينما هي تجهل أماكنه من شدة ما بروحها من آلم، ببطء شديد راحت تنف*ج عينيها المتكاسلة و هي تستعيد ذاكرتها رويدًا، لم ترجع كثيرًا، فقط عادت عند أخر شيء قبل إغماءها، عادت لصوت "راشد" و هو يقسو عليها بذاك الخبر اللعين، لم تشعر بعينيها و هي تذرف عبراتها في **ت، لتدنو شقيقتها منها فزعه
- مالك يا قلبي إيه اللي حصلك فجأة كده، أنتي كنت ماشاء الله عليكي كويسة وبتضحكي
ثم ما أن لبثت حتى اضافت متوجسة ..
- أوعي يكون في حاجة تعباكي و مخبية عليا، قولي ليا يا "بنان" بالله عليكي متقلقنيش
اشفقت على قلقها فـ جاهدت لاطمئنانها حتى لو بالكذب و لكنها فشلت بضراوة، فـ عن أي خيرًا ستبث إليها و هي ليست بخير، ليست مطلقا و لن يشعر بها أحد مهما تحدثت، ليس بُعد وجمود بين أحبائها و لكنّ هناك أحاسيس دامسة في القلب يعجز الكثيرون من أصحابها عن وصفها بالدقة الصادقة، لذلك راحت تردد ببطء خافت وعبراتها تمطر على جانبي وجهها دون رادع
- عاوزة أروح من هنا، وديني عند ماما لو سمحتي يا ماهيتاب
و التي احتضنت راحتها المستسلمة بجوارها مستنكرة
- ليه يا بنان بالسرعة دي، إيه اللي حصل لكدا
فأذرفت بنان العبرات مع **تها التام عقبها حتى كاد نحيبها يعلى فرددت عليها ماهيتاب برجا ..
- حاضر خلاص هعملك اللي أنتي عاوزاه كله، بس عشان خاطري اصبري معايا شوية لما اطمن عليكي الأول ومنقلقش ماما و بابا
رغم تصلب جسدها وعدم شعورها به كادت تهم من استلقائها بنبرة مرتجفة راجية
- دلوقت لو بتحبيني
حينها ربتت ماهيتاب على راحتها ثم مسحت على مقدمة رأسها برفق و هي تردد عليها مشفقة
- ماشي حاضر هطلع برة الأودة أبلغ "راشد" يجهز عربيته و نروحك حالا بس أنتي أهدي
وبالفعل ما هي إلا دقائق
وجاء طريق العودة الذي تفاجأت فيه بـ مالم يصاحب زوج شقيقتها بالمقعد الأمامي ولم يغادر عقب ما حدث، فـ كادت تعترض، تصرخ بأن لا يجمعهما مكان واحد بعد الآن، و لكنها تفاجأت بضياع قواها حتى لمست هشاشتها و ضياع روحها
لم تعلم أن الخذلان يسبب آلم شديد الوهن كهذا، و لكنها الآن في خضم حالتها الرثة باتت تعلم جيدًا، اصبحت تعي بعد أن ضاع كل احلامها و تطلعاتها، بعد أن صار كل شيء بداخلها عليلاً ..
ادارت عينيها و رأسها الملقاه على ص*ر شقيقتها للخارج، هاربة منه بعدما انحصر لديها مفهوم الألم و الحزن و الخذلان في هيئته، و هذا أقصى ما تستطيع فعله في ظل قوتها المسلوبة، ابتعدت و هي تتيقن بأن كل تلك السنوات الماضية ضاعت متناثرة من بين كفيها في حب لم يُقدر له أن يجتمع داخل طرفين
ليظل محكومًا عليه بأن يُحصر داخل طرفًا واحدًا للأبد ..
------------------------
مرت الأيام ثقال و هي عليلة لم تفارق الفراش، الحيرة نهشت الأم و الأب و العائلة من حولها و هم جاهلين السبب بعدما أكد عليهم كافة الأطباء بأن الأمر نفسيا لا غير و لابد من عرضها على طبيب مختص في هذا القسم، الأمر الذي قابلة الجمع بالرفض التام، و ذلك لأن العقول الريفية رغم توسعاتهم في العلم لا تؤمن بتلك الخرفات كأنها و**ت عار، خاصة أنها فتاة سيطرق بابها ذات يوم شاب يرغب بها للزواج و ستظل تلك أمامها نقطة سوداء في بياض صحيفتها، لذاك حرصوا كل ليلة على أغداقها بتوددهم و جلساتهم المرحة التي تزيل عن النفس كل ما يشوبها من أحزان، و لكنها لم تخرج بالنتائج المرجوة في نهايتها كما توقعوا، لهذا لم يبقَ لهم إلا الإستمرارية بالدعاء عقب صلاوتهم لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا كان ليّنًا عليها و عليهم كافة ..
أما عنها فـ حزنها كان يزداد للضعف كلما رصدت حيرتهم حولها، فـ هم أحبائها و لا تتمنى لهم كل ذلك العناء، و لا لها أيضا أن جاءت للحق .. لهذا جاهدت لكي تنهض و تزيح عنها كل ذاك الهم و الاستسلام و لكنها كانت تعود خائبة الرجا بعد أن تتقين أخيرا بأن الأمر رغما عنها، بعينيها التي لم يجف دمعها في تلك الأيام تطلعت في ذروة ضعفها للذي لا يغفل و لا ينام تناجيه، و تترجاه بأن يمّن عليها من فيض رحمته بعدما أقرت بذنبها و مهاونتها بمشاعرها دون حلاله، فـ أليس هو الرحمن الرحيم، نذنب و نندم فـ نبغت بتوبته و فيض كرمه، نضيق ذرعًا من الحياة فـ يرجعنا إليها بلطف حكمته، نبتعد عنه فـ يرسل إلينا ما يقربنا إليه في هيئة ابتلاء لم يصيب به إلا المميزين الأصفياء من خلقه!
عند ذاك الهاجس الأخير علمت بأنها بعدت كثيرا عن طريق الله، ابتعدت حتى تزاحم قلبها بما يلهيه عن ذكره و استغفاره، غابت عن واجبتها حتى ابتُليت، حينها أيقنت بأن علاجها الوحيد هو العودة لله و إلى الله، و أن لها ذو مكانه عند خالقها يريد لها الإفاقة من تلك الغفلة و أخذ خطاه
للمرة الأولى من أسبوعين تفاجئ من حولها بأزاحتها للغطاء المدثر لجسدها الواهن و توجهها لدورة المياة من أجل الوضوء و الدخول في رحاب الصلاة و بين يدي الله ..
استمرت ساجدة باكية راجية داعية لمدة لا تعلم مداها و لكنها تعلم بأنها نهضت منها نظيفة الص*ر كأن أحدهما غمره بكافة أمواج البحار
رغم أن الذاكرة لم تُمسح و ما في القلب لم يذوب و لكن القرب من الله ليّنه و لطّفه على الروح الواهنة!
من حينها لم تترك لها فرضًا و لا ذكرًا حتى نهمته و حالتها تتحسن للأفضل، فـ يما بعد علمت من بين حديث شقيقتها الثرثار حولها كل ليلة لأجل الخروج من تلك الحالة بأنهُ رُفض من والد محبوبته! عقب تلك الكلمة تهكمت في داخلها و هي تشعر بها مرت فوق أوتار قلبها گ النصل المسنون لتزيد من ارهابها و وجعها، و لكنها تجاهلت كافة ما بها من احاسيس و هي تهم بطرح استفسارها الفضولي ..
- ليه ؟!
------------------------