الحلقة الرابعة..
سؤالا جاب خاطره باندهاش و لكنه لم يشقى في البحث عن أجابته، حين تبين له بأنه لا يدرك في حياته فتيات عابرة غيرها مطلقًا، و أن فترة عُزلته بحب محبوبته أعمت بصيرته عن كافة النساء طيلة سنوات عمره الثلاثين.. حتى أنه لم يعي لمحاسن "بنان" ذاتها إلا عند المكالمة حين خرجت منه بطريقة عفوية.
مرت الأيام وصورتها المشوشة تزداد وضوحًا مع حديث "راشد" أمام عينيه، متعجبًا باستفساره المُلِح عن كيفية نسيان "سارة" حبه الأول والأخير.. أم أنها مجرد وسيلة للبحث عن أطراف عائلة لتكوينها قبل أن يخرج من سلسال البشرية مبتورًا ..
عند تطور فكره لهذا الحد وعى بأنه اقتنع أخيرًا بضرورة نسيانها و المضي قدمًا نحو البديل الأفضل نوعًا ما ..
مرّ شهر و تلك الهواجس لم تترك له غفوة و لا فوقه حتى نضجت بالقدر الكافي، عُقبت بالموافقة أخيرا بعد رؤيته لصور الفتاة التي أحبها مع زوجها تعتلي صفحتها الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي "فيس بوك" و هي تلتصق به التصاقا في عدة مشاهد تشي عن سعادتها الغامرة معه ..
حينها فقط قرر أن يُسعف ما تبقى من حياته هو أيضا، لهذا كانت فحوى المكالمة التالية لصديقه ..
- "راشد".. يا ترى لو أنا اتقدمت لـ"بنان"!.. رد فعلها هيكون إيه ؟!
صديقه الذي تلقى رعد جملته بتشويشٍ واضح عصف به في واديٍ من التيه، مما هتف دون استيعاب كالآبله ..
- ها .. "بنان" مين !
مع هتافه المندهش ذاك تدارك "مالك" ثقل ما هتف به عليه، لهذا تمتم بنبرة متسائلة..
- هو أنا للدرجة دي قلت حاجة مش متوقعة ليك يا صاحبي
لمس "راشد" عتابه المبطن بين همسه فعاجل بمرضاته..
- لا...مأقصدش! بس..
إلا إنه عاد يفضل خطى الوضوح قائلاً..
ـ أقولك بصراحة يا "مالك".. أه أنا اتفاجأت، دي أخر حاجة كنت أتوقع اسمعها منك ..
ازدرد ريقه ثم همس بغموض هادئ لسبر أغوار صديقه..
- عشاني ولا عشانها!
وقع "راشد" في الفخ حين صاح مندفعًا دون تأنّي ..
- "مالك" أوعى تنسى أن قلبك كان مشغول بغيرها.. و عشان كده لازم أقلق عشانها طبـعـ...
- كاااااان !
قطعه "مالك" بتلك الكلمة و هو يواصل بغضب مكبوت..
- أنت قلتها أهو 'كان' يعني فعل ماضي اتنسى و معدش ليه وجود .. غير أن متذكر كويس قوي أنك قلتلي من قريب أن انسى و أبدا من جديد مع انسانة تانية ألحق أيام عمري معها قبل ما تضيع .. و لا أنا فهمت غلط..
استنشق "راشد" شهيقًا عميق ثم زفره بتمهل و هو يتمتم بنفي ..
- لا يا "مالك" مفهمتش غلط و لا حاجة.. بس على ما أتذكر أن أنا كمان برده قلت حب تاني مش انسانة تانية..
- و تفرق بأيه..
ضغط "راشد" على أرنبة أنفه بقوة كي يتغلب على بادرة غضبه قبل أن تلفح حديثهما، و بالفعل اجتازها و هو يجيبه بهدوء مخيف..
- أنت عارف كويس تفرق بأيه .. تفرق أن قلبك لسه مش مستعد .. تفرق أنك عاوز أي واحدة و السلام لمجرد أنها تجبلك كام عيل و تعملك بيت وعيلة!
- بتهيئلك!
اندفع بها ثم **ت قليلا ليواصل بتهكم مبطن..
- آلا الحب العظيم يا دكتور اللي بين أبهتنا و أمهتنا و اتبنى من وراه أعظم قصص تضحية كان أساسه إيه؟! .. مش العشرة برده و لا أنا غلطان!
على أثر هذا تراخت معالم "راشد" مستسلمة ثم تن*د ببطء مرددًا ..
- لا مش غلطان و معاك كمان في اللي قلته بس ده في حالة أن الانسان يتقي و يراعي ربنا في اللي بين إيديه و شريكه
- و أنا إيه في نظرك..
همس بها بخفوت ثم استرسل بنبرة حادة مضادة..
- رد و قلي شايفني أزاي يا "راشد" .. شايفني عيل طايش مش مقدر مسئولية الزواج ولا عارف ربنا و حدوده و بالتالي هيظلم الإنسانة اللي تحت وصيته..
طال **ت "راشد" و لم يجيبه كأن ب**ته الخجول هذا ينفي عنه كل تلك الصفات الشنعاء، فطالما عاهده دمث الخلق، رحيم التعامل، ليّن المعاشرة، إذا أحب أجاد حرفته، و إذا بغض أتمها بإتقان رغم ما يعتلي ص*ره، لهذا ازدرد ريقه هامسًا..
- لا و ألف لا طبعا، أنت صاحبي من عشرة سنين مش من يوم و ليلة..
ثم علّىَ بنبرته محتدا..
- بس يا "مالك" البنت بجد رقيقة و خام و مش حمل صدمات و أنا خايف علـيـ..
وعى لحديثه المهترئ فمسح على وجهه بعنف و هو يعيد ضبط إنفعاله بكلمات خرجت دون تجمّل گ نصل السيف..
- "مالك" أرجوك لازم تتأكد أنك شفيت الأول من موضوع "سارة" و أن ذكراها مش هيأثر بالسلب عليك لو حتى واحد في المية.. وبعدها خلينا نتكلم..
- ما هو عشان اتشفي لازم مضاد حيوي عالي التركيز و تجربة تانية أنسى بيها الماضي.. و أنا بالفعل بحاول من شهر و مش ناوي استسلم..
رددها بأقتضاب صارم ثم استأنف بجمود مخيف..
- هتكلمهم و لا أكلمهم أنا
بادره "راشد" بالرفض العاجل و هو يجود بتوضيحه..
- لا.. لا أرجوك..
ثم استأنف بعد لقط أنفاسه..
- سيبني أنا على الأقل امهد لهم الموضوع الأول ..
بنبرة رضا راح يجيبه بزفرة مسموعة..
- تمام يا راشد و أنا مستني ردك من دلوقت..
-----------------------
- " مش موافقة " !
ردًا خرج منها بكبرياء لم يشوبه التردد.. و هي التي لو رجع بها الزمن قليلا لهللت بالقبول طربًا عليه، و رقصت على أصابع قدميها حتى الصباح من فرط السعادة..
مهلا هي للآن لا تصدق أنه جاء ببابها حقًا !
و لكن دقات قلبها الصاخبة بين ضلوعها، و تهدج أنفاسها المضطربة، و شقيقتها الماثلة أمامها لتتلقى إجابتها بصحبة و الدتها بنظرتها المتراخية المتسولة لها بالموافقة يأكدون عليها بحقيقة الأمر..
بأن "مالك" ببابها يرغبها گ زوجة دونما غيرها عقب تلك السنون المريرة! كم تمنت ذلك و دعت له.. كم حفظت نفسها و عفت فؤادها لذلك الحُلم.. إلا عند تحقيقه واقعًا لم يكن الأمر بتلك البساطة التي تخيلتها عليهِ حينها..
الآن لم تشعر لا بالسعادة و لا بالرغبة بالقرب، الآن هي عاتبة، ناقمة عليه و هو يتذكرها گ بديلٍ و ليس أكثر ..
تدحرجت عبراتها واحدة تلو الأخرى و جف حلقها عند تلك الحقيقة المؤلمة، عازمة على اختيار درب العنوسة للأبد و لا أن تخطوا إليه گ دهان حيوي يطيب جرح قلبه المتقيح..
مُيقنةٌ أن لقبها ذاك ليس بو**ة عار و لا عيب طالما سينقذ روحها من دكة البدلاء ..
دكةٌ هي فيها گ غيرها من الأنثيات مجبرنَّ على تقبل بقايا قلوب رجال جاءت تطرق بباهنَّ .. لا يحق لسكناها الاختيار بكبرياء گ بقية امثالهنّ الصغريات!
على أثر هذا رفعت راحتها تكمم بها شهقاتها الوليدة و المتدافعة، تزامنا مع تعقيب والدتها المنصدم..
- "م.. مش" إيه!، و من أولها كده من غير ما تتكلمي معاه و لا تعرفي طباعه و عيوبه عشان ترفضيه..
ثم اشاحت براحتها في غضب و هي تواصل..
- و بعدين عيب إيه اللي هطلعيه فيه أنتي مش واعيه لنفسك و لظروفك.. دا العريس الوحيد في اللي اتقدمولك تقريبا اللي مفهوش عيب و لا يترفض خالص.. دكتور أبن ناس له وظيفته المحترمة و اخلاقه اللي ما يختلفش عليها اتنين غير وضعه المادي المرموق و سنه المناسب.. يعني طاقة السما اتفتحتلك و عمرها ما هتتفتحلك تاني في السن ده..
على أثر ما سمعته وشى وجهها عن ابتسامة جانبية تهكمية فها هي لم يعدي على حديثها الذاتي ثواني حتى طبقه أول المقربين إليها في حديثه، والدتها التي ما أن حُكِمت في أمر يخص ابنتها حتى غلبها التفكير المجتمعي العقيم رغم مكانتها العلمية الجيدة في ذاك المجتمع.. والدتها التي أخذت بالأسباب الظاهرية و تغاضت عن سؤالها الجوهري الحقيقي للرفض لمجرد أنها تخطت سن الزواج المعتد به في عرف الأرياف.. لهذا دون وعي بادرت الهجوم بهجوم مضاد و هي تصيح بنبرة حانقة مع دموعها المنذرفة ..
- عرفه أن مواصفاته ميختلفش عليها اتنين و أنه عريس لقطه و ما يتعوضش لأي بنت في سني و عايشة في منطقة ريفية زي منطقتي.. بس مع ذلك يا ماما بقول "لا" و ألف لا خاصة ليه هو بالذات..
حين سمعت ت**يمها الراسخ على الرفض فلت لجام اعصابها و هي تصرخ بنبرة غاضبة تحيكها خيوط الخوف و القلق على ابنتها المتوقعة بين طيات وحدتها..
- أنتي ناوية على جناني في العمر الكبير ده أقسم بالله.. أنتي مش حاسه بنفسك و لا بعمرك و لا بكلام الناس حوالينا.. و لا بوجعي كأم و قلق باباكي المريض هو كمان عليكي.. أنتي ا...
- مااااااما..
صاحت بها "ماهيتاب" على أثر تصاعد الأمر بينها و بين شقيقتها "بنان" لهذا راحت تقبض على ذراع والدتها بدفع رؤوف لخروجها خارج الغرفة و هي تواصل..
- معلش خليني أقعد معها لوحدنا شوية صغيرين بس لو سمحتي و صدقيني الوضع هيكون بعدها مرضي للطرفين بأذن الله..
إلا أنها شعرت بتعند والدتها فقالت متوسلة..
- ماما.. أرجوكي..
نقلت الأم عينيها الغاضبة من عليها إلى ابنتها الثانية و هي تجيبها بنفاذ صبر..
- أتفضلي يا ست "ماهيتاب" أقعدي معها زي ما أنتي عاوزه بس لعلمكم قبل ما أخرج أنا مش هستنى نتيجة جلستكم السرية لأن العريس ده بالذات بابا موافق عليه و أنا كمان و مش هنرضى بدلعها الماسخ ده زي كل مرة لأن القرار معدش راجع ليها لوحدها طول ما أحنا شايفين نظرات الناس المتشككة بتزيد حوالينا..
انهت تحذيرها المميت ثم خرجت بزوبعة نارية من حيز الغرفة التي صفعت بابها خلفها بقوة و عنف في ظل مراقبة الفتاتان لفعلها أحداهما بأعين باكية و الأخرى باستسلام و التي شرعت صاحبتها تربت على كتفها هامسة بحنان..
- متزعليش منها أنتي عارفه أنها بتحبك قد إيه و نفسها تطمن عليكي و تشوفك متجوزة في بيت عدلك بأحسن حال.. و بصراحة الرفض المستمر منك ده لأي عريس يخلي أي حد يقلق و يفلت أعصابه.. حتى أنا ذات نفسي بقيت نفسي أعرف "لا المستمرة لكل اللي بيجولك " ليه يا "بنان".. ليه قفلة على نفسك بالشكل المخيف ده لدرجة حسيت أن عقلك كبر و عجز من كتر التجارب اللي مر بيها!
محت عبراتها المتساقطة بكف يدها و هي تجيبها بوجوم..
- لا و خلاص من غير ليه..
وعت "ماهيتاب" لحالته المستعصية و المستجدة بذات الوقت على شخصها الهاديء الحنون، ف*نهدت ببطء و أخذت الهدوء و اللين طريقا لقلبها هامسة..
- مش لا و خلاص.. لأن أنا أول مرة أشوفك بترفضي حد و بتعيطي بالشكل الهستيري ده..
مواصلة بتودد..
- بنون أنا أختك حبيبتك اللي عمرك ما خبيتي عليها حاجة .. صارحيني و قوليلي رافضه "مالك" ليه خاصة أن رأيي أنا كمان من رأي ماما و بابا مش شايفة أي عيب فيه.. فقولي لينا على سبب واضح أنتي شيفاه أو عرفاه عنه و أحنا منعرفهوش و صدقيني أنا أول واحدة هتقف معاكي و هتساندك .. إنما كده هيبقى موقفك صعب و بصراحة مضطرة أقف معاهم في وجهة نظرهم..
شعرت أن شقيقتها تحاصرها بشقي من نار فقالت هاربة..
- مش عارفه ليه!.. و أنتي بالذات اللي حكيالي على موضوع حبه الأفلاطوني و تضحياته ليه و اللي انتهت بسفره و كرهه للبلد و رفضه للرجوع ليها من يومها..
همهمت تجيبها بتفرس و بطء..
- و مين قالك أن أنا مسألتش في النقطة دي بالذات .. و اللي عرفته أن "راشد" كمان ماسبهاش و لا اتهاون فيها أبدا إلا لما عرف أن الموضوع بقى بالنسبة ليه ماضي مش أكتر عدى عليه أربع سنين بحالهم هي اتجوزت فيهم و مبسوطة مع جوزها زي ما أنا سمعت من بعيد لبعيد .. يبقى ليه هو كمان ما يشوفش مستقبله و حياته .. و بعدين يا ستي عندك فترة الخطوبة قدامك اتأكدي فيها زي ما أنتي حابه و مفيش حد هيقدر يغصبك ساعتها.. إنما كده و من الأول و من غير ما تسمعيه.. محدش هيقدر يوافقك فيها..
نهضت تستقيم من جوارها تتمتم بإباءة مجروحة..
- و ليه احط نفسي في تجربة فاشلة من البداية و أدي لنفسي عشم مش هيتحقق.. مقدرش
ثم استدارت تمسك كفي يديها و تجثو أمامها بدموع متدحرجة، بنبرة مهتزة تواصل..
- مقدرش صدقيني.. مقدرش أعيش على ذكرى حد في قلبه ..
فهمست شقيقتها بشفقة و هي تربت على يديها..
- يا حبيبتي و مين يضمن في الأيام دي قلب كان خالي قبله.. دي سنة الحياة و بتحصل لأي حد غصب عنه
طالعتها بنان بحمرة عينيها لبعض الوقت حتى همست باقتناع شارد..
- عندك حق.. بس لو حد تاني غيره ممكن كنت استحمل و اقتنع.. إنما للآسف معاه هو بالذات مش هقدر صدقيني و هتعب أكتر ما أنا تعبانة في بعده..
شقيقاتها التي اتسعت عينيها باندهاش على زلت ل**نها ف**تت كثير من الوقت تستوعب الصاعقة حتى تمتمت بجنون..
- "بنان" هو أاااا..اااانتي كنتي!
استفسار شقيقتها جعلها تطرق عينيها في حزن و ندم و هي تواصل النحيب بصوت مسموع، مما جعل "ماهيتاب" تلقفها بين ذراعيها في عناق يتضافر بالقوة و الدفء و هي تهمس قرب أذنها..
- هشش.. أهدي.. أنا جمبك و صدقيني محدش هيقدر يغصبك أبدا بدال مش موافقة..
مواصلة و هي تدمي عينيها بقوة و ألم لتسفر عن فرار دمعة من عينيها..
- أبدا يا حبيبتي..
------