وجدت نفسها تقف أمام دكان صانع الخزف نفسه الذي وقفت عند دكانه أمس، وهي برفقة آزر. وقفت تراقب الرجل وهو يصنع إناء فخاريا. بدى في أواخر الأربعينيات من عمره، لا يزال يحتفظ ببنية رشيقة، و وجه صبيح قليل التجاعيد لا يكاد أثرها يظهر، أما شعر لحيته فلا يزال سوادها أكثر من بيضها. كان يرتدي قميصا وسروالا بسيطي الت**يم، ملطخين قليلا بالطين.
التفتت إلى الغلام لتشاهده وهو يخرج الأواني التي تصلبت من الفرن، وضعها أرضا، ثم عاد إلى الصحن الطيني ليكمل طليه بطلاء زجاجي، ليكتسب الصحن لونا أبيضا براقا، و مزركشا باللون الأزرق الداكن.
بعد أن ترددت طويلا، دخلت الدكان بخطوات غير واثقة، اقتربت من الرجل، ثم ألقت التحية،
- السلام عليكم.
إلتفت إليها الرجل بابتسم، ليجيب على تحيتها،
- و عليك السلام. بماذا أساعدك يا بني؟
نظفت ليلى حلقها، قبل أن تجيب قائلة،
- أنا مسافر.. أحد أفراد القافلة القادمة من مراكش.
انبسطت أسارير وجه الفخاري ثم قال،
- أهلا وسهلا بك! ما اسمك يا بني؟
- ل.. ليل.
- و بماذا أساعدك يا ليل؟
- أريد.. أن أعمل عندك لبضعة أيام. فأنا بحاجة إلى مال اشتري به زادا أكمل به سفري إلى مصر.
- و هل.. تتقن صناعة الفخار؟ أو ربما طليه؟
- أتقن الرسم. أستطيع أن أرسم نقوشا و رسوما على الفخار. كما أرسم بالخط كذلك، و جميع انواع الصور تقريبا. يمكنك أن تجربني.
بدت معالم وجه الحرفي شبه المدهوشة للحظة، ثم قال،
- جميل! سأجربك إذا.
أشرق وجهها بابتسامة متحمسة،
- سأكون عند حسنك سيدي.
....
بدت الدهشة واضحة على صفحة وجه كل من صانع الخزف و مساعده، و هما يراقبان ليلى ترسم ورودا مختلفة الشكل و اللون على مزهرية من الفخار. كانت يدها تتحرك باحتراف، و مزجها للأصباغ و تنسيق الألوان أذهل الحرفي و مساعده تماما.
تساءل الفخاري وهو يتأمل رسمها،
- أنت محترف حقا! هل هذه صنعتك؟
أدركت ليلى أنها لا تملك جوابا مناسبا لسؤاله، فأومأت بابتسامة مصطنعة، لتخفي ارتباكها و كذبتها. سأل الغلام و عيناه تتحركان مع كل حركة تقوم بها يد ليلى،
- من علمك الرسم و الصباغة هكذا؟
تبسمت، ثم توقفت عن ما كانت تقوم به عندما تذكرت أول معلمة لها.
التفتت إلى الغلام و سيده، لتقول،
- علمتني امرأة فنانة، معلمة أحترمها و أقدرها كثيرا.
قال الغلام بنبرة متفاجئة،
- امرأة!
قال الفخاري،
- لا بد و أنها محترفة!
- هي كذلك.
ثم عادت إلى عملها، وهي تتذكر معلمتها التي كانت أول شخص شجعها، و أول شخص لا يسخر من أحلامها.
....
أسرعت ليلى نحو باب البيت، و هي تحمل بين يديها كوبا خزفيا مزركش. دقت الباب، ثم وقفت تنتظر بابتسامة ظريفة. و لم تمر سوى بضع ثوان، حتى فُتِح الباب، و ظهر أُبي من خلفه، ليستقبلها.
- تفضلي.
اتسعت ابتسامتها قبل أن تتحدث قائلة،
- شكرا لك.
دخلت ثم ألقت نظرت سريعة على الجالسين بالحديقة. كان آزر جالسا على الأرض المفروشة بالحديقة يكتب، و آرام جالس على الكنبة يقرأ كتابا. تساءلت و هي تبحث بعينيها حولها،
- أين أندلس؟
- إنها بالداخل. كانت تسأل عنك طيلة الوقت.
- سأذهب إليها إذا.
أومأ ثم أفسح لها الطريق، لتسرع نحو الداخل.
أسرعت باتجاه الغرفة، و طرقت الباب، فأذنت لها ابنة التاجر بالدخول، فدخلت.
أسرعت اندلس إلى صديقتها،
- لقد تأخرتي! كادت الشمس تغيب!
ابتسمت قبل أن تجيب،
- لقد وجدت عملا.
- عند صانع الخزف؟
أومأت ليلى، ثم قدمت الكوب لأندلس،
- لقد زينته بنفسي. هدية مني.
نظرت أندلس لوهلة إلى الكوب، ثم رفعت عينيها إلى عيني ليلى،
- هل اشتريته بالمال الذي **بته؟
فتحت شفتيها لتجيب بتلعثم،
- ليس.. الكوب.. إنه هدية..
قاطعتها أندلس قائلة،
- كما توقعت! اشتريته بالمال الذي **بته.
نظفت ليلى حلقها في **ت دون أن تقول شيئا، ما جعل أندلس تبتسم قبل أن تضيف على كلامها،
- سبق و أخبرتك، لا أريد منك مقابلا! لا هدية و لا شكرا.
- أردت فقط.. أن أهد*ك شيئا.. تتذكرينني به.
مدت أندلس يدها إلى الكوب لتأخذه من ليلى، ثم تفحصته بأصابعها، و شفتاها ترسمان ابتسامة لطيفة. رفعت نظرها إلى صديقتها ثم قالت،
- أحببته. شكرا لك. سأتذكرك دائما، حتى من دون هدية.
- و أنا كذلك سأتذكرك دوما.. فلقد أحسنت إلي كثيرا.
أسرعت أندلس في ضم ليلى إلى ص*رها،
- سنبقى صديقتان، أ ليس كذلك؟
حضنتها ليلى بدورها قبل أن تقول،
- سأكون سعيدة بذلك كثيرا.
عندها سمعت الفتاتان صوت أُبي، ينادي على سيدته و يطلب خروجها لاستقبال هدية من كبير تجار المدينة.
قالت أندلس بملامح مندهشة،
- ما بال الجميع اليوم، يحضرون لي الهدايا؟!
ضحكت ليلى قائلة،
- هذا لأنك تستحقينها!
تبادلت الفتاتان ابتسامة دافئة، ثم قالت ابنة التاجر،
- هيا بنا إذا. لنلقي نظرة على الهدايا.
أفسحت لها ليلى الطريق،
- تفضلي. من بعدك.
....
خرجت الفتاتان إلى الحديقة، لتجدا ثلاث جوار أمامهن. عرفت ليلى الجارية الأولى التي تتقدم الأخرتان، و اللتان تحملان أنواع من الأثواب الحريرية ذات ألوان مختلفة، مزركش و مطرز. كانت تلك الجارية، نفسها الصبية التي حدّثت آزر ليلة أمس. إلتفتت ليلى بحثا عن آزر متذكرة، لتلاحظ أنه لايزال في مجلسه الذي وجدته فيه عندما دخلت.
ابتسمت الجارية الأولى ثم تقدمت لتلقي التحية على أندلس.
- مساء الخير سيدتي.
ابتسمت أندلس ثم رحبت بها،
- مساء الخير. أهلا بكن.
- شكرا لك سيدتي.
ثم أكملت حديثها،
- لقد أرسلنا سيدتنا زوجة التاجر لنوصل لك هديتها. إنها تشكرك على قبولك لدعوة العشاء أمس، و تتمنى لك إقامة طيبة.
- بلغيها تحياتي، و اشكريها لأجلي. لقد أحسنت ضياف*نا أمس، و لقد استمتعت كثيرا برفقتها.
- سأبلغها بذلك سيدتي.
ثم إلتفتت إلى رفيقتيها لتشير لهما قائلة،
- أدخلا الهدايا.
أومأت لهن أندلس ثم تقدمتهن ليتبعنها إلى الداخل. ولم يبقى برفقة الجارية سوى ليلى. تبادلتا ابتسامة صغيرة، قبل أن تغادر الجارية موقفها متجهة إلى حيث يجلس آزر. و ما إن اقتربت حتى انتبه إليها. وقف عن مكان جلوسه، فابتسمت له ثم قالت،
- هل لي بالتحدث إليك؟
بدى و كأن طلبها أذهله بعض الشيء، فتح شفتيه ليجيب، لكن انتباهه انتقل من سؤال الجارية، إلى ليلى التي غادرت موقفها و دخلت البيت. شرد لوهلة وهو يتساءل ما إذا فهمت ما حدث خطأ، لكنه سرعان ما استيقظ من بين أفكاره تلك، عندما طلبت الجارية للمرة الثانية،
- أ يمكننا.. الحديث؟ لبضعة دقائق لا غير.
نظف حلقه، ثم أومأ.
- تفضلي بالجلوس.
أفسح لها أرام المجال لتجلس، استأذن، ثم غادر الحديقة.
....
ما إن دخلت ليلى حتى أوقفتها أندلس.
تساءلت،
- أ تركت الجارية وحدها بالحديقة؟
هزت ليلى رأسها نفيا،
- إنها.. مع آزر. يتحدثان.
عقدت أندلس حاجبيها في استغراب،
- يتحدثان؟! في ماذا قد يتحدثان؟
- لا أعلم.
خرجت الجاريتان من غرفة أندلس، ثم استأذنتا منها، قبل أن تخرجا إلى الحديقة. و ما إن غادرتا، حتى اقتربت أندلس من الباب، لتحاول الاستماع إلى ما يدور من حديث بين آزر و الجارية.
اتسعت عينا ليلى، ثم قالت بنبرة متفاجئة و صوت لا يكاد يسمع،
- أندلس! أ تسترقين السمع؟!
التفتت إليها ثم قالت وهي تدافع عن نفسها،
- أريد فقط أن أعرف ماذا تريده الجارية من آزر!
- مع ذلك! لا يمكنك التجسس عليهما هكذا!
اقتربت ليلى من أندلس، لتمسك ذراعها بلطف،
- لندخل.
- انتظري لحظة!
- ماذا هناك؟!
- سألته عن الخاتم!
وقفت ليلى مكانها وكأن قدماها تجمدتا، ثم حاولت الانتباه إلى الكلام الذي يدور بين آزر و الجارية.
تساءلت الجارية،
- و الخاتم في يدك؟ هل أنت متزوج؟
هز رأسه نفيا، ثم ابتسم إبتسامة صغيرة،
- لست متزوجا.
- أ لك حبيبة؟
استغرب من أسئلتها قائلا،
- هناك.. فتاة أهتم لأمرها. لكن، لما.. كل هذه الأسئلة.
ابتسمت الجارية ثم عضت على شفتها السفلى لمدة وهي تتفحص وجهه الجميل. اقتربت منه ثم قالت،
- أريد أن أكون جاريتك. ما رأيك؟ أتريدني جارية لك؟ إذا ما طلبتني من سيدي فلن يرفض طلبك، فأنت صديق العائلة المفضلة عنده.
خفض بصره ثم نظف حلقه قبل أن يجيب،
- الحقيقة..لا حاجة لي.. بجارية.
- و لما لا؟ أخدمك و أسهر على راحتك!
أجاب بابتسامة هادئة،
- لا أظنني أحتاج إلى ذلك.
- أ لا يرغب الرجال عادة في امتلاك الجواري؟! جوار يرفهن عنهم، يرقصن و يغنين لهم، و يسهرن الليالي برفقتهم.
قال وهو يحاول شرح موقفه،
- ليس كل الناس سواء! و لا يريد الرجال جميعا نفس الشيء! لا أريد جواري يرفهن عني. لا أرغب في امتلاك أحد. رفيقة درب أشعر برفقتها بما يشبه الكمال، ذلك يكفيني.
أمسكت ليلى بذراع أندلس، لتجعلها تلتفت إليها، ثم قالت،
- ما نفعله لا يجوز.. لندخل.
ضحكت أندلس ضحكة صامتة ثم أومأت،
- حسنا! فهمت، فهمت.
أسرعت ليلى إلى الداخل، و أندلس خلفها تلحق بها.
سألت،
- أ تظنين أن الفتاة التي يهتم آزر لأمرها، هي تلك الدمش*ية التي تحدث عنها؟
**تت ليلى لوهلة، دون أن تبدي ما تشعر به على صفحة وجهها.
أجابت،
- ربما.
- أ حقا...
قاطعتها ليلى بنبرة متضايقة،
- كفنا حديثا عن الآخرين. لا أحب.. هذا النوع من الحديث.
نقلت نظرها بعيد عن صديقتها في ارتباك بعد ما نطقت به، ثم دخلت الغرفة، تاركة أندلس واقفة خلفها متفاجئة الملامح، شبه مصدومة من انفعال ليلى.
....
خيم الليل على المدينة، و ليلى لاتزال في ملابس غلام، جالسة في الغرفة وحدها، مسندة ظهرها للجدار، شاردة الذهن. تن*دت ثم تمتمت لنفسها،
- كان علي أن أحذر من ما كنت أتمناه. كان علي.. أن أحذر من ما ينسجه خيالي من صور.
**تت لوهلة وهي تفكر في الصعوبات التي واجهتها وهي هنا، في الزمن الذي قادها خيالها إليه. فكرت بحلمها في إنتاج الرسوم المتحركة، و الذي لم يعد له وجود. فكرت في الحرية التي لمستها وهي تتعرف على أناس جدد و تسافر من مكان إلى آخر بكل إستقلالية، لكن فقدتها فجأة عندما أدركت أنها مختبئة خلف قناع، و خلف هوية غير هويتها، عندها أدركت أنها لا تزال سجينة. و أنها هي من سجنت نفسها بنفسها.
و من بين أكثر الأفكار التي راودتها إزعاجا، مشاعرها تجاه آزر. كيف لمشاعر إعجاب ليس إلا، أن تجعل خاطرها يضطرب هكذا؟ ليس و كأنها تعشقه! و لا يعقل أن تتطور مشاعرها هكذا فجأة! لا تعرف عنه شيئا سوى طيبته و كلامه الذي يشعرها بالاطمئنان، و صورته التي أذهبت بعقلها آلاف المرات.
- سيجن جنوني!
سمعت دقا على الباب، لتستيقظ من شرودها.
فُتح الباب لتطل أندلس من خلفه متسائلة،
- أ لم تغيري ملابسك بعد؟!
ابتسمت ليلى محاولة إخفاء الانزعاج الذي سببته لها أفكارها.
ثم قالت،
- جلست لأرتاح قليلا وحسب.
- حسنا. نحن نجلس في الحديقة، غيري ملابسك و اخرجي للجلوس معنا.
أومأت ليلى بابتسامة صغيرة،
- سأفعل.
غادرت ابنة التاجر ، لتبقى صدقتها وحدها في الغرفة مرة أخرى. وقفت عن مكانها أخيرا، غيرت ملابسها، ثم خرجت من الغرفة.
خرجت إلى الحديقة لتجد أندلس جالسة، وهي برفقة أُبي، آزر و آرام، يشربون الشاي و هم يتبادلون أطراف الحديث.
تقدمت باتجاههم في تردد، و ما إن اقتربت من مجلسهم حتى انتبه إليها الجميع، فاصطنعت ابتسامة لتخفي بها توترها، وهي تردد نظرها من شخص لآخر.
أشارت إليها أندلس بالقعود،
- أخيرا! تفضلي. كنا بانتظارك.
ثم سألتها،
- أ ترغ*ين في كأس من الشاي؟
قعدت ليلى بجانب أندلس، ثم أومأت لها،
- شكرا لك.
سألت ابنة التاجر موجهة سؤالها لآرام، وهي تسكب الشاي،
- إذا.. فأنت ابن رحل؟
أومأ قبل أن يبدأ بسرد قصته،
- صحيح. ولدت في الصحراء، و ترعرعت بين الرحل. و بعد أن بلغت أشدي قررت أن أستقر و أتعلم أكثر شيء أحببته.
ابتسم ثم أكمل،
- استقررت في مراكش لمدة، و تعلمت الطب من معلم. علمني كل شيء كان له به علم، و لم يبخل علي قط. قدم لي كتبا كثيرة، عن الطب، صناعة الأدوية و أخرى عن الخيمياء. لكن الكتب وحدها لم تكن تكفي لفهم أسرار صناعة الأدوية، و الخيمياء خاصة. فنصحني بالسفر و البحث عن عالم يعلمني صناعة الأكاسير، و أسرار الخيمياء. ثم أخيرا قررت الأخذ بنصيحته، و ها أنا ذا هنا.
تساءلت أندلس،
- و هل تعلم أين ستجد معلما؟
- سأسأل حتى أجد عالم ممتازا أتعلم منه.
ابتسمت ثم أومأت له، ليبادلها بابتسامة مثلها. ثم التفتت إلى آزر لتسأله بدوره كما فعلت مع آرام،
- و أنت يا آزر؟ من أين أنت؟
ابتسم قبل أن يتكلم،
- ولدت في أصفهان. و عشت في بغداد لمدة برفقة عائلتي، ثم استقرارنا في دمشق.
تسأل أُبي،
- و ما سبب سفرك؟
- أردت أن أرى العالم، و أتعرف على أناس و ثقافات جدد.
- و منذ متى و أنت تسافر؟
- منذ أربع سنوات.
نظفت أندلس حلقها قبل ان تسأل،
- و ما قصة.. الخاتم في يدك.
**ت آزر لوهلة وهو يحدق بالخاتم، ثم رفع عينيه إلى ليلى، و التي كانت تراقبه منتظرة جوابه بفارغ الصبر. حوّل نطره إلى أندلس، رسم على وجهه ابتسامة صغيرة شبه حزينة، ثم قال،
- الخاتم.. هدية من مخطوبتي.
شعرت ليلى بانقباض في ص*رها عندما سمعت كلام آزر.
سكت لبرهة ثم أكمل قائلا،
- يوم أهدتني إياه.. كانت قد سألتني أن أتزوجها.
لمس الخاتم حول بنصره بأصابعه، ثم حركه وهو يحكي متذكرا،
- لكنها توفيت بعد بضعة أسابيع بعد ذاك، بسبب مرض كانت مصابة به منذ الصغر.
نظف حلقه ثم أتمم بابتسامة هادئة،
- كان اسمها "سجى". فتاة.. مشرقة.. مبتسمة طيلة الوقت. لم أسمعها تشتكي يوما، رغم مرضها الذي لم يجد له أحد دواء. تعلمت، و حققت كل أحلامها ما عدى السفر. كانت تنتظر اليوم الذي سنصبح فيه زوجين و نسافر معا.
اتسعت ابتسامته قليلا،
- كانت قوية الإيمان بقدرها.. و كلما.. ذكّرها أحدهم بمرضها قالت بابتسامة مشرقة، مرضي هذا من أمر ربي، قدري الذي كتبه الله لي، أقبل به كما هو، و لن أغير منه شيئا حتى و إن استطعت فعل ذلك.
أخذ نفسا، ثم سكت عن الكلام لمدة، و الجميع يراقب ملامحه المتألمة في **ت.
- بعد وفاتها، وجدت نفسي كطفل ضل طريقه، طفل لا يدرك معنا لأي شيء.
سأله أُبي،
- عندها قررت سفر؟
أومأ آزر،
- فكرت.. ربما.. ستكون سجى سعيدة إذا ما حققت حلمي.. و حلمها. حتى و إن فعلت ذلك وحدي.
فتحت أندلس شفتيها لتقول في شرود،
- مؤلم.. عندما يفرق القدر بين حبيبين.
التفت إليها أُبي مدركا معنى كلامها، فاستدارت إليه بدورها، لتلقي نظرة على عينيه الحزينتين، فابتسمت له ليبادلها بأجمل منها، ثم خفض بصره، محاولا إخفاء مشاعره المضطربة خلف معالم وجهه الهادئة المصطنعة.
روت أندلس قصتها مع أبي، تحدثت عن عشقهما لبعض، و القدر الذي استخدم والدها كوسيلة للتفريق بينهما. باحت باكتئابها و ألمها، فباح أُبي كذلك بحزنه، و بالأسى الذي أحرق قلبه.
عم ال**ت بعد أن أفصح كل منهما بما يعذب فؤاده، لي**ر آرام ذلك الهدوء بسؤال وجهه إلى ليلى،
- و أنت يا ليلى؟ ما قصتك؟
تبادلت النظرات مع الجالسين من حولها، ثم خفضت بصرها قبل أن تتحدث قائلة،
- هربت.. من البيت.
ظهرت ملامح الذهول على وجوه الجميع باستثناء أندلس، التي سمعت قصة ليلى منها من قبل.
تساءل أُبي،
- و لما.. هربت؟!
نظفت حلقها قبل أن تشرح،
- لأنهم.. أجبروني على الزواج. لذلك.. تركت مدينتي و أسرعت إلى مراكش، كي.. أغادر إلى مصر.
قال آزر بعد تردد،
- أ لم تفكري.. في أن أهلك سيموتون قلقا عليك؟
قالت بنبرة منفعلة لكن هادئة،
- صدقا.. كيف سأفكر في قلق من لا تَهُمُّهُ سعادتي؟
تبادلا النظرات لمدة، ثم خفض نظره بعد ذلك في **ت.
....