كانت في ثياب غلام، برفقة آزر، في سوق القرية، يقفان أمام دكان صانع خزف، بعد أن انتهيا من التبضع. وقفا يتأملان يداه البارعتان المبدعتان، و اللتان تتحركان باحترافية وهما تصنعان إناء طينيا. و غلام بالداخل، يطلي الأواني بأصباغ مختلفة الألوان و يرسم عليها مختلف الرسوم.
قال آزر،
- جميل! أ ليس كذلك؟
التفت إليها رغبة في معرفة رأيها، لكنها لم تكن بجانبه. رفع نظره بحثا عنها، و ما إن وجدها، حتى ارتسمت ابتسامة لطيفة على وجهه.
كانت تتقدم باتجاه مجموعة من الأقفاص الخشبية، تأسر بداخل قطبانها، طيورا مختلفة الشكل و النوع، ثم وقفت تراقب حمامة تنقر قطبان القفص الخشبي بكل ما أوتيت من قوة.
لحق بها آزر، وهو يتفحص الأقفاص بعينيه، و الطيور المحبوسة بداخلها. استمرت ليلى في مشاهدة تلك الحمامة البيضاء، التي ترفض الاستسلام، و آزر يقف بجانبها، يراقب الطائر تارة، و عيني ليلى الشاردتان تارة أخرى. فتح شفتيه ليسألها بعد مدة من ال**ت،
- هل.. تعجبك؟
استيقظت من شرودها بعد أن سمعت صوته، فالتفتت إليه،
- ماذا؟
ابتسم ثم أشار إلى الحمامة في القفص،
- الحمامة. أ ترغ*ين في شراءها؟
ابتسمت له ثم قالت وهي تبحث في حقيبتها،
- إذا كنت أملك ثمنها!
كانت تحمل في حقيبتها بضع القطع ليس إلا. عندها أدركت أنها بحاجة ل**ب بعض المال، و خطر ببالها أن تبحث عن عمل تحصل منه على بضع دنانير تشتري بها ما تحتاجه من زاد خلال ما بقي من رحلتها. أخرجت ليلى ما كان بحوزتها من قطع، ثم سألت البائع عن ثمن الحمامة، فأجابها. مدت له ما بيدها ثم سألت،
- أ تكفي هذه؟
أومأ لها مبتسما، ثم قدم لها القفص، فأخذته، شكرته، ثم غادرت.
....
وهما في طريق العودة إلى البيت، وقفت ليلى فجأة على جانب الطريق، وضعت القفص أرضا، جلست للحظة وهي تتفحص الحمامة، ثم اعتمدت على احدى ركبتها لترتاح أكثر في جلوسها. وضع آزر قفة المشتريات أرضا، ليتمكن من الجلوس كما فعلت، ثم سألها،
- ماذا هناك؟!
قالت بنبرة مندهشة لكن هادئة، وهي تراقب الحمامة التي لاتزال تنقر قطبان القفص بابتسامة صغيرة،
- لا تستسلم أبدا!
ابتسم وهو ينتظر خطوتها القادمة في **ت.
فتحت باب القفص، مدت يدها إلى الداخل لتمسك بالحمامة، ثم أخرجتها و أطلقت سراحها، لتطير بعيدا. وقفا على قدميهما، يتأملان الحمامة تبتعد بجناحيها إلى أن اختفت عن ناظريهما.
قال آزر كمن يحدث نفسه،
- ما أجملها!
ابتسمت ليلى،
- الحرية تجعل من يملكها سعيدا، و عندما تصبح الروح سعيدة، تصبح جميلة أيضا.
....
أسرعت احدى الجاريتين نحو الباب ، بعد أن سمعت دقا. فتحته لتدخل ليلى، ثم آزر من بعدها، و هو يحمل القفة في يده.
قالت الجارية وهي تشير إلى يديه،
- دعني أحمل عنك المشتريات، يا سيدي.
- لا عليك. سأدخلها بنفسي.
خرجت أندلس من الداخل، و ملامح متسائلة على وجهها،
- هل تبضعتما؟!
أومأ آزر،
- نحن ممتنون لك كثيرا. رحبتي بنا و استقبلتنا، لذلك أرجوا أن تقبلي هذه المشتريات رغم أنها قليلة.
- لم يكن عليكما فعل ذلك! لم أكن أنتظر مقابلا!
ابتسمت ليلى،
- لا تعتبريه مقابلا إذا. اعتبريه هدية شكر.
ضحكت أندلس دون أن تص*ر صوتا، ثم قالت،
- أنا أقبل هديتكما!
ابتسم آزر، ثم أشار إلى مدخل البيت،
- سأدخل المشتريات إذا.
أومأت أندلس، ثم أفسحت له الطريق،
- تفضل.
غادر آزر، لتبقى الفتاتان وحدهما بالحديقة.
افتر ثغر أندلس عن إبتسامة و كأنها تقول "أعلم أنك استمتعتي بمرافقته!"، ما جعل ليلى تقلب عينيها، وهي تحاول كتم ابتسامتها،
- توقفي عن النظر الي هكذا! الأمر ليس كما تظنينه!
- متأكدة؟ لأنك بدوت سعيدة للغاية و أنت تدخلين برفقته! أ وليس يعجبك؟ اعترفي!
أسرعت ليلى و مدت يدها إلى فم أندلس، و عيناها قد اتسعتا من المفاجأة،
- أندلس! أنت تتحدثين بصوت عالي!
ضحكت ابنة التاجر من ردة فعل صديقتها، لتقول،
- أ تخافين أن يسمعنا؟
قالت ليلى وهي تشير لرفيقتها بأن تخفض صوتها،
- أرجوك أندلس!
ما إن نطقت آخر كلمة حتى خرج آزر من البيت. وقف ينظر إليهما في استغراب و تساؤل،
- ماذا.. هناك؟
فتحت أندلس شفتيها لتتحدث، إلا أن صوت الدق على الباب قاطعها. أسرع آزر باتجاه الباب، ثم فتحه، ليجد رجلا من سكان المدينة يقف أمامه.
- أسلام عليكم.
ابتسم آزر ثم رد التحية،
- و عليك السلام ورحمة الله. بماذا أساعدك؟
- هل هذا هو البيت الذي استأجرته السيدة أندلس، ابنة كبير تجار الأندلس؟
أومأ آزر،
- صحيح.
تبسم الرجل ثم قال،
- سيدي كبير التجار و زوجته يدعوانها و من معها إلى العشاء الليلة. و سيكونان مسرورين للغاية إذا ما قبلتم دعوته.
اقتربت أندلس من الباب بعد أن سمعت كلام المرسول، ثم أجابته،
- أخبر سيدك و زوجته بأنني أقبل دعوتهما.
- سأبلغهما بذلك.
ثم استأذن ليغادر، بعد أن ألقى التحية، فرد عليه آزر مودعا.
سألت أندلس بنبرة متحمسة،
- ستذهبان، أ ليس كذلك؟
رسمت شفتا ليلى ابتسامة تقول بكل وضوح، "لا أظنني أستطيع!".
- و لما لا؟!
- إذا ذهب على هيأة فتاة، فسيتساءل الجميع عن هويتي! و إذا ذهبت على هيأة غلام، جلست بين الرجال، و لا رغبة لي في ذلك.
تن*دت أندلس استسلاما، ثم التفتت إلى آزر لتسأله بدوره،
- و أنت يا آزر، ستذهب؟
تبسم،
- ربما. إذا كان أُبي و آرام سيذهبان، ربما أرافقهما.
- سيذهب أُبي بالطبع! من سيرافقني غيره.
ثم أضافت موجهة كلامها لليلى،
- لا يجوز أن تبقي هنا وحدك. فحتى الجاريتان سترافقاني.
أجابت ليلى بعد أن فكرت في الأمر،
- لم نسأل آرام بعد، عن ما إذا كان يرغب في الذهاب.
ثم أشارت إلى آزر،
- كما أن آزر كذلك ليس متأكدا بعد من أمر ذهابه. ربما أبقى برفقتهما إذا ما كانا سيبقيان بالبيت.
أومأت أندلس،
- حسنا إذا! و إذا ما قررا الذهاب؟
**تت لوهلة، لتجيب بعد ذلك،
- قد.. أذهب؟
....
وهي تحدق بباب بيت التاجر المفتوح للجميع، و كثرة الضيوف من الرجال، منهم من وصل لتوه، ومنهم من يصافح صديقه و يسأله عن حاله، و منهم من دخل البيت بحثا عن المضيف، كبير تجار المدينة ليلقي عليه التحية و يشكره على الدعوة. قالت بنبرة منزعجة للغاية،
- لا أصدق أنني هنا!
ضحك آرام من غير صوت، ثم قال،
- أنا حقا آسف لكن.. كيف لي أن أرفض دعوة كهذه.
تبسم آزر،
- سنبقى لبعض الوقت، ثم نشكرهم على الدعوة، و نستأذن بالذهاب. ما رأيك؟
زفرت في استسلام،
- أيا يكن!
عندها تقدم أبي باتجاه الثلاثة،
- أ لم تدخلوا بعد؟
أجابه آرام،
- كنا ننتظرك.
- حسنا إذا، فلندخل.
دخل أبي بيت التاجر، و الذي كان واقفا في حديقة بيته يرحب بالضيوف بوجه منبسط الأسارير، مسرور بحضور المدعوين.
و ما إن انتبه لدخولهم، حتى أسرع إليهم و هو يردد، و الابتسامة لا تفارق وجهه،
- أهلا أهلا بحارس حَرَس كبير تجار الأندلس!
تبسم أبي، ثم مد يده ليصافح التاجر،
- أشكر سيدي على دعوتك لنا هذه الليلة.
- الشكر لك و لسيدتك، على قبول دعوتي لكما.
التفت أبي بعدها إلى الثلاثة، ليعرف التاجر بهم،
- هؤلاء رفاقنا في السفر.
- أهلا و سهلا بكم. تفضلوا!
ثم أشار لهم بالدخول إلى الجهة المفروشة بحديقته الوسعة، و الممتلئة بالضيوف،
- أتمنى لكم أمسية طيبة.
....
كانت الشموع و المصابيح تساعد القمر والنجوم على إضاءة الحديقة، و النباتات تزين كل ركن فيها، و بين كل تلك الأضواء و الخضرة، أرائك من مختلف الأشكال و الألوان، يجلس عليها الضيوف، و هم يحتسون ما تقدمه لهم الجواري من مشروبات.
جلس آرام في مكان، و آزر في مكان. لم تجد ليلى مكانا قريبا من رفيقيها، فاستسلمت، و جلست بعيدا عنهما، وهي تشتم حظها.
قدمت لها إحدى الجوري كأسا بابتسامة، فأخذته و شكرتها على خدمتها. رفعت الكأس إلى فمها لتحتسي بعضا من المشروب، لكن يدها توقفت بعد أن لمست شفتها السفلى حافة الكأس لحظة لمحت جاريتان تتغامزان في ما بينهما، وهما تسترقان النظر إلى آزر.
ابتسمت في سخرية ثم تمتمت لنفسها،
- بالطبع! كيف لهن أن يتجاهلن حسنه!
رفعت الكأس إلى فمها للمرة الثانية، و احتست بعضا من المشروب، ثم جلست في **ت تتأمل ما بحولها من جمال، لكن انتباهها لايزال موجها نحو آزر و الجارية التي تحدثه الآن. نظرت ليلى إليهما لوهلة، ثم نظرت بعيدا وهي توبخ نفسها في نفسها،
- و ما شأني به؟! له الحق في أن يتحدث مع من يريد!
ثم رفعت الكأس مجدد، لتشرب ما تبقى به من مشروب.
وضعت الكوب على المائدة أمامها، ثم رفعت عينيها للمرة الثالثة إلى آزر و الجارية، و الرغبة في معرفة ما يدور بينهما من حديث تقتلها. و لم تمر سوى بضع ثوان، حتى غادرت الجارية، فالتفت آزر إليها، لتلتقي عيناه بعينيها اللتان تفاجأتا بانتباهه إليها، فأزاحت نظرها بعيدا في ارتباك.
و كان بين الضيوف رجل، يبدوا في الخمسينات من عمره، جالس يروي حكاية استولت على انتباه أغلب الضيوف. التفتت إليه ليلى بعد أن سمعته يقول،
- بعد أن كشف الملك شهريار أمر خيانة زوجته له مع عبد في قصره، طار عقله غضبا، و قال لأخيه شاه زمان: قم بنا نسافر إلى حال سبيلنا، و ليس لنا حاجة بالمُلك حتى ننظر هل حدث لأحد مثل ما جرى لنا مع زوجاتنا الخائنات.
أكمل الرجل سرده للقصة،
- خرج الملك شهريار و أخوه من القصر. و لم يزالا مسافرين أياما و ليالي حتى وصلا إلى شجرة في وسط مرج عندها عين ماء، بالقرب من البحر، فشربا منها و جلسا يستريحان. وبعد ساعة مضت، هاج البحر أمامهما، و خرج منه جني طويل القامة، عريض الهامة، واسع الص*ر، و على رأسه صندوق. خاف الأخوان فأسرعا و تسلقا الشجرة ليختبأ فوقها. صعد الجني إلى البر، ثم جلس تحت الشجرة. فتح الصندوق، فخرجت منه صبية حسناء بهية كأنها الشمس. قال الجني للصبية أنه يريد أن ينام قليلا، فوضع رأسه على ركبتها. و ما ان نام حتى وقفت عن مكانها و أسرعت إلى الشجرة، لتطلب من الأخوين النزول، فهما في أمان بعد أن غفى العفريت. فنزل الملك و أخوه أخير، فأمرتهما الصبية بمضاجعتها، و إلا نبهت العفريت و أيقظته، فيقتلهما.
كان الضيوف شاردين بين أحداث القصة، ينتظرون بقية الحديث. بدى آرام غير مكترث و كأنه يعرف الحكاية، و آزر جالس يستمع، لكن دون أن يتفاجأ كالباقين، و ليلى تحاول تذكر ما سمعته من أحداث، و ما شاهدته في الأفلام و مسلسلات عن قصة شهرزاد.
أكمل الحكواتي قائلا،
- فلم يجدا مخرجا من الوضع سوى إرضاء الصبية. فلما فرغا، أخرجت الفتاة من جيبها عقدا، فيه خمسمائة و سبعون خاتما. و قالت لهما: أ تعلمان ما هذا؟ فأجابا: لا، لا ندري. فقالت لهما: أصحاب هذه الخواتم كلهم خضعوا لأمري كما فعلتما على غفلة من هذا العفريت. فأعطياني خاتميكما كما فعل الآخرون. ففعلا ما أمرتهم بفعله و أعطياها من يديهما خاتما. ثم أخبرتهما بقصتها، بأن العفريت اختطفها ليلة عرسها، و أنه سجنها داخل الصندوق، و أقفله بسبعة أقفال، و جعلها في قاع البحر. و قالت: لم يعلم المسكين أن المرأة إذا أرادت أمرا، لا يغلبها شيء. ثم أنشدت،
لا تأمنن إلى النساء ... و لا تثق بعهودهن
فرضاؤهن و سخطهن ... معلق بفروجهن
يبدين وِدا كاذبا ... و الغدر حشو ثيابهن
بحديث يوسف فاعتبر ... متحذرا من كيدهن
أو ما ترى إبليس ... أخرج آدم من أجلهن
قال أحد الضيوف،
- يال كيد النساء!
أومأ آخر موافقا.
و أخذ كل يعبر عن رأيه. ليقول أحدهم،
- إنهن كما قال فيهن الشاعر،
إن النساء شياطين خُلِقنا لنا ... نعوذ بالله من كيد الشياطين
فهن أصل البليات التي ظهرت ... بين البرية في الدنيا و في الدين
قال آخر غير راض عما سمعته أذناه،
- كيف تقول كلاما كهذا؟! أ ليست امرأة التي حملتك تسعة أشهر في بطنها، أنجبتك و ربتك إلى أن بلغت أشدك و أصبحت رجلا!
قال آخر،
- من النساء الأمينات و الخائنات، تماما مثل الرجال. ليس و كأن ج*سنا من الملائكة!
قال الحكواتي ضاحكا،
- إنها مجرد قصة يا رجال. مجرد قصة!
و بين كل تلك الضجة، و الآراء التي أشعرتها بعضها بالغثيان، شعرت ليلى بالغضب يتسلل إليها، و بدأت حرارة جسدها ترتفع. وقبل أن تقول شيئا تندم عليه، قررت الوقوف عن مكانها و المغادرة. و ما إن انتبه آزر إلى الاتجاه الذي سلكته، أدرك أنها ستغادر. كان آرام كذلك، يراقبها تبتعد شيئا فشيئا، فكر في اللحاق بها، بل وقف عن مكانه ليدركها، إلا أن آزر سبقه في الوقوف و اللحاق بها. عاد آرم للجلوس وهو يراقبهما. خرجت ليلى، ليخرج آزر من بعدها، فقال في نفسه،
- لا بأس.. لطالما سبقني إليها.
....
خرجت بخطا مسرعة ثائرة، قلبها يخفق بسرعة مزعجة لم تعهدها من قبل، ما جعل أنفاسها تضطرب، و يداها ترتعشان غيظا بدى و كأنه اعترى جسدها بالكامل.
قالت في نفسها،
- و كنت أغضب ممن يقولون أن القيادة ليست للنساء! و أن هذه الرياضة و تلك، و هذه المهنة و تلك، ليست للنساء! سحقا لما نسجه خيالي! أريد العودة من حيث أتيت..
سمعت صوت آزر ينادي باسمها، لكنها تجاهلته و استمرت في السير. أسرع إليه و هو يردد،
- ليلى أرجوك.. مهلا.. توقفي للحظة.
توقفت أخيرا، دون أن تلتفت أو تقول شيئا، و كأنها تنتظر منه أن يأتي إليها. فأسرع إليها، ليقف أمامها و هو يلتقط أنفاسه.
رفعت عينيها الساخطتين إليه لتسأل ببرودة،
- ماذا هناك؟!
وهو يتفحص عينيها الغاضبتين، تلعثم قائلا،
- آ.. آسف..
قاطعته بنبرة قاسية، و ابتسامة ساخرة على وجهها،
- لماذا تعتذر؟! ما الذي فعلته كي تعتذر؟! لماذا تتصرف هكذا؟!
بدت ملامحه متفاجئة للحظة، فسأل بصوت هادئ،
- لماذا أتصرف.. هكذا؟ كيف؟!
أغلقت عينيها لتأخذ نفسا، ثم تقول،
- انسى الأمر. سأعود إلى البيت.
ثم غادرت موقفها، تاركة اياه خلفها. وقف يراقبها تبتعد شيئا فشيئا، تن*د، ثم تحرك من مكانه، ليتبع خطواتها في **ت. تسير، وهو خلفها، يمشي و نظراته تتجول بين تراب و أحجار الأرض التي وطأتها قدماها، قبل أن تطأها قدماه من بعدها. بعد دقائق معدودة، أبطأت ليلى حتى كفّت عن المشي، فتوقف آزر بدوره بعد أن انتبه إليها. التفتت إليه، ثم قالت بصوت هادئ، بارد،
- أنا.. آسفة. أخطأت عندما.. أفرغت غضبي.. عليك.
وقف يتأمل ملامحها المحرجة، و نظراتها المشتتة التي لم تتجرأ على رفعها إليه. تقدم نحوها، ثم فتح شفتيه ليقول،
- لا.. عليك.
استفهمت دون أن ترفع عينيها إليه،
- لماذا.. تتصرف هكذا؟
- كيف؟
رفعت عينيها اليه في تردد،
- لماذا.. لا تغضب من تصرفي تجاهك؟ لماذا تقبل اعتذاري بكل بساطة هكذا؟!
افتر ثغره عن ابتسامة لطيفة ساكنة، ثم قال،
- كان بعض الكلام الذي سمعته مؤذيا. أتفهم ذلك.
نظفت حلقها، قبل أن تسأل بنبرة تدل على أنها لا تنتظر جوابا محددا،
- لماذا.. يعتقد بعض الناس بكلام كذلك الكلام؟! النساء خائنات.. شياطين! سبب خروج آدم من الجنة!
- لأنهم ينظرون إلى جانب واحد. الجانب الذي يرضي عقولهم. يقصون قصة شهريار و زوجته الخائنة، لكنهم لا ينتبهون لشجاعة شهرزاد، و إنقاذها لبنات بلادها. يتحدثون عن كيد زوجة عزيز مصر في قصة يوسف عليه السلام، و ينسون عفة مريم رضي الله عنها، أم أحد أعظم أنبياء الدنيا، عيسى عليه السلام.
بدت ابتسامته الصغيرة أرق وهو يكمل قائلا،
- كثيرون من يصدقون أن حواء كانت سبب خطيئة آدم! رغم أنه سبحانه يقول في كتابه الكريم (( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ • فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)). كلاهما أخطأ، و لم يكن أحدهما سببا في عصيان الآخر للعظيم سبحانه.
**ت لوهلة لتغلب الخيبة على الابتسامة التي كانت على محياه، ثم أتمم قائلا،
- و يقولون عن النساء أنهن شياطين خلقن لهم! كيف و خالقهن يقول ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) خلق الحكيم سبحانه آدم، و خلق منه حواء. ثم منهما، خلق رجالا كثيرا و نساء. لا يقول عن النساء شياطين سوى جاهل لا يدرك أنه خُلِق مثلهن، من نفس واحدة.
لم تدرك أنها أطالت النظر إليه، إلا عندما سكت عن الكلام، فاستيقظت من سهوها بين كلماته العاقلة، و ملامحه ناضرة.
خفضت بصرها لبضع ثوان، ثم ابتسمت قبل أن تقول،
- لم أكن أنتظر جوابا.. على سؤالي. لكن.. أحببت جوابك، كثيرا.
اتسعت ابتسامته حتى كشفت شفتاه عن أسنانه، ثم قال متصنعا ملامح ساكنة، ليخفي الخجل الذي شعر به أمام كلماتها. نظفت حلقها في **ت، ثم استدارت لتشير إلى الطريق نحو البيت،
- سأعود.. إلى الدار.
أومأ لها،
- سأرافقك.
اكتفت بابتسامة صغيرة، ليبادلها بمثلها.
ثم تركا مكان وقوفهما، معا، عائدين إلى المسكن الذي استأجرته أندلس.
....
خرجت من الغرفة بعد أن غيرت ثيابها، حملت كتاب آزر بين ذراعيها، ثم اتجهت إلى المطبخ لتشرب كأسا من الماء أولا، قبل أن تذهب إليه و تعود له الكتاب.
لمحت نورا يخرج من باب المطبخ، فتقدمت و ملامح استفهام على وجهها. و ما إن وقفت عند الباب حتى انبسطت أساريرها. التفت إليها آزر، ابتسم ثم عاد إلى تقطيع الخضار.
قال،
- سأعد حساء خضار لنتناوله على العشاء.
اقتربت منه بضع خطوات وهي تراقب طريقة تقطيع للخضار بإعجاب،
- تبدوا محترفا!
أومأ قائلا،
- كلما سافرت إلى بلدة، عملت عملا و أنا أسكنها.
التفت اليها ثم أكمل قائلا،
- عملت في مختلف المهن لأجل **ب مال يكفيني لأسافر. فوجدت نفسي تارة نجارا، تارة تاجرا، و تارة طباخا.
رفعت الكتاب أمام عينيه قبل أن تقول،
- قرأت عن كل ذلك هنا. كانت رحلاتك ممتعة! أحببت وصفك للأماكن و الناس، و سردك للأحداث، كما أحببت خطّك كثيرا.
ابتسم ثم قال قبل أن يعود إلى تقطيع الخضار،
- شكرا لك.
اقتربت منه ثم وقفت بجانبه.
سألت،
- ماذا لو خيرتك بين كل تلك المهن التي جربتها و تحدثت عنها في مذكراتك، فأيها تختار؟
توقفت يداه عن الحراك ليفكر للحظة قبل أن يجيب،
- لا أدري.. أحببتها كلها.
التفت إليها متبسما، ثم أضاف على كلامه،
- لكن، لا وجود شيء أحب إلي من السفر!
....