الفصل ٦

2089 Words
مضت أسابيع، و القافلة تقطع مسافة تلو أخرى، و بدأ التعب يظهر على المسافرين يوما بعد يوم، فقرر قائد القافلة بعد مشورة أفرادها، أن يأخذوا قسطا من الراحة لمدة بضعة أيام في أقرب مدينة أو قرية يصلون إليها. كانت ليلى برفقة آرام يومها، تقرأ أحد كتبه و هو بجانبها يكتب على ورقة. تحدث قائلا، - و أخيرا سنأخذ قسطا من الراحة. كانت رحلة متعبة! رفعت ليلى عينيها عن الكتاب، - متعبة للغاية! ابتسم لها ثم سألها و هو يشير إلى الكتاب بين يديها، - أ تفهم ما ذكر في كتاب الخيمياء الذي بين يد*ك؟ أومأت، - بعض الشيء. من الصعب علي فهم كل شيء. - هل سبق لك.. أن اطلعت على عالم الخيمياء؟ تبدوا عارفا ببعض أمورها. ابتسمت، - قليلا. مجرد معلومات سطحية لا أقل و لا أكثر. أومأ متفهما، ثم سأل بعد تردد، - إذا.. أ لاتزال تظن.. أنك ستجد إ**ير الأمنيات في جعبة خيميائي؟ - لا أعلم. لكنني أومن بوجوده، لذلك لن أتوقف عن البحث. سأل في استغراب، - و لماذا تؤمن بوجوده؟! ما الذي يجعلك تصدق بوجود شيء خرافي كهذا؟! أجابت في تردد، - لأنني.. رأيت دليلا قويا.. على وجوده. عقد حاجبيه مستفهما، - و ما هو هذا الدليل؟! نظفت حلقها ثم قالت، - لا أستطيع.. أن أخبرك.. عن الأمر الآن. - لما لا؟! - فقط.. لا أظن أن الوقت مناسب.. لأخبرك.. بذلك. تبادلا النظرات لمدة، قبل أن يسألها دون أن ي**ر اتصال عيوينهما، - و ماذا عن.. حقيقتك؟ أ لم يحن الوقت بعد.. لتخبرني؟ ابتلعت ليلى ريقها، ثم قالت نبرة هادئة لتخفي بها توترها، - حقيقتي؟! أية حقيقة؟ خفض آرام بصره متبسما، ثم قال منتبها لكل كلمة ينطق بها ل**نه، - عندما.. أنظر إلى ملامحك.. أرى فتاة. أ لست.. فتاة متنكرة.. في ثياب غلام؟ أنزلت ليلى عينيها لوهلة في **ت، ثم أخيرا تكلمت كمن لا يمانع أبدا من كشف سره. - غريب! كيف يكشف الجميع أمري بهذه السهولة؟! افتر ثغره عن ضحكة صغيرة، قبل أن يسأل، - هل من شخص آخر كشف أمرك؟ أومأت له، - أُبيّ، حارس السيدة أندلس. اتسعت ضحكته وهو يتفحص ملامحها التي لطالما بدت جميلة في عينيه، - من الطبيعي أن يكشف أمرك، فهو حارس. و للحراس نظر ثاقب يكشف السر الدفين. - و كيف.. كشفت أنت أمري؟ - بمقابلتك أكثر من مرة. تنكرك مقنع للغاية لكن.. صوتك، شعر الوجه الذي لا أثر له على ذقنك، و ملامحك.. ألطف من أن تكون ملامح غلام. كما أن يداك.. تكشفان أمرك أيضا. رفعت يديها قليلا لتعرضهما أمام عينيها، لتجد أن لها يدان صغيرتان، و أصابع نحيلة بشكل لطيف، و أظافر أنثوية تكشف أمرها بالفعل. - لم أنتبه لكل هذا من قبل! ابتسم لردت فعلها ثم قال، - لا عليك. لن يكشف أحد أمرك بسهولة. ما إن انتهى من جملته حتى سمعوا قائد القافلة يردد، - فلننطلق. إذا انطلقنا الآن فسنصل إلى إحدى المدن القريبة مساء، و نرتاح لبضعة أيام. هيا، استعدوا. سننطلق. و قائد القافلة يردد كلامه مرارا كي يسمعه الجميع، أخذ المسافرون يستعدون و يجهزون أنفسهم للانطلاق. اغلقت ليلى الكتاب، أعادته لصاحبه، ثم شكرته. وقفت ثم قالت، - سأذهب لأستعد. أومأ، - تفضلي. - أراك لاحقا. اكتفى بإيماءة و ابتسامة، ثم أخذ يجمع أغراضه. اتجهت ليلى نحو الموقع الذي تركت فيه فرسها و أمتعتها، لتجد أن آزر قد أطعم حصانيهما، و أعدهما للانطلاق. ما ان لمح وجودها حتى انبسطت أسارير وجهه، ثم قال، - لقد أطعمتهما و سقيتهما، و هما الآن مستعدان للانطلاق. ارتسمت ابتسامة صغيرة على محياها، ثم قالت، - شكرا لك. أخذ يُحمِّل أمتعته القليله على ظهر حصانه، لتسرع ليلى بدورها في تجهيز جوادها. و بعد أن تراجعت لمدة طويلة عن طرح سؤال كان يدور في رأسها، تحدثت أخيرا. نادت باسمه، - آ.. آزر.. التفت إليها منتظرا منها أن تتكلم. فاقتربت منه، وقفت أمامه ثم نظفت حلقها لتقول، - أنظر إلي جيدا و أخبرني.. ظهر الاستغراب على ملامحه، منتظرا منها شرحا و تفصيلا. فأتممت، - هل أبدوا غلاما؟ - و لما.. هذا السؤال؟! - علم آرام أمري! اعتلت ضحكت صامتة محياه، ثم قال، - علم بأمرك لأنه قضى أياما برفقتك! بالطبع سيكشف أمرك! - إذا فإذا أمعنت النظر إلى، فسترى أنني حتما فتاة؟! وقف لوهلة يتفحص وجهها، ثم خفض بصره للحظة، بعد أن أدرك أنه أطال النظر إليها. -أظن ذلك. ابتسم لها ثم عاد إلى حصانه، - استعدي. سنتطلق القافلة بعد قليل. ثم امتطى حصانه و تقدم نحو المسافرين الجاهزين للانطلاق. تأففت ليلى، التفتت إلى فرسها، مسحت على رأسه، ثم قالت و كأنها تسأله، - ماذا أفعل؟! هل أشتري شعرا مستعارا و أستخدمه كلحية؟! هل سينجح الأمر؟ .... كانت الشمس لا تزال تضيئ أرض المدينة الصغيرة التي وصلت إليها القافلة. نزل المسافرون من على دوابهم و دخلوا المدينة بعد إذن من سكانها الذين رحبوا بهم و استقبلوهم في بيوتهم البسيطة. كانت ليلى آن ذاك برفقة أندلس و أُبيّ. فتح اُبي باب بيت متواضع ثم دخل حديقته، لتدخل من بعده أندلس، ثم ليلى و هي تحمل أمتعتها القليلة، ثم الجاريتان و هما تحملان ما استطاعتا حمله من حقائب. قال أُبيّ موجها كلامه إلى سيدته، - كما ترين، للبيت حديقة صغيرة. و بالداخل مطبخ صغير، غرفتان و حمام في الجهة اليمنى من البيت. و غرفة أخرى وحمام في الجهة المقابلة. ابتسمت له، - يفي بالغرض. ثم التفتت إلى ليلى، - لندخل. - من بعدك! أسرعت ابنة التاجر إلى الداخل، ثم أشارت إلى صديقتها بأن تسرع كذلك. من غرفة إلى أخرى، تتمشى و تتفحص كل جزء من الدار، من النقوش التي تزين الجدران، و الأثاث التقليدية القديمة التي تثير الأنظار. التفتت إلى ليلى لتسألها عن رأيها، - أ ليس البيت لطيفا؟! أومأت، - يعجبني كثيرا. شكرا لك على الترحيب بي مجددا. ابتسمت أندلس، - نحن صديقتان! سكتت لوهلة ثم اقترحت، - لماذا لا ندعوا رفيقيك أيضا للمكوث معنا؟ سألت و عيناها قد اتسعتا ذهولا، - آزار.. و آرام؟! - أجل. يمكنهما المكوث برفقة أُبي في الجهة الأخرى من البيت. لن يمانع! ثم اتجهت أندلس نحو المخرج، فتبعتها ليلى. خرجت الفتاتان إلى الحديقة، أسرعت ابنة التاجر إلى حارسها، و الذي كان يدخل الأمتعة الثقيلة آن ذاك. سألته، - أ تعرف آزر؟ أومأ مشيرا إلى ليلى بحركة صغيرة من حاجبيه، - الشاب الذي يرافق ليلى عادة. أومأت، - و ماذا عن الطبيب؟ - رأيته بضع مرات برفقة ليلى و آزر. - أ يمكنك استقبالهما عندك؟ **ت لوهلة ليفكر في الأمر، وهو يردد نظره بين الفتاتين. ثم أجاب، - بالطبع! لا مانع لدي. اتسعت ابتسامة سيدته، ليبادلها بمثلها، و هو يتأمل عينيها. قال، - سأخبرهما بالأمر. ثم نقل نظره إلى ليلى ليسألها، - أ تعلمين أين هما الآن؟ - تركت آزر عند النهر، يحمم حصانه. أومأ أبي، - سأذهب إليه و أدعوه إذا. - لا عليك، سأذهب بنفسي و أخبره. كما أنه علي إحضار حصاني، فلقد تركته عند النهر يشرب. - حسنا إذا. اذهبي، و سألحق بك. استأذنت منهما، ثم خرجت من البيت، و سلكت الطريق المؤدية إلى النهر. و هي تتمشى بين البيوت، أخذت تتأمل ت**يمها البسيط، و طرازها القديم و الذي بدى ساحرا في عينيها. و الناس من حولها يتمشون، آخرون يتبادلون التحيات و أطراف الحديث، أطفال يلعبون هنا و هناك. و بعد دقائق من المشي، لمحت النهر و النخيل من حوله. ثم لمحت حصانها في الماء، و بالقرب منه يقف جواد آزر، و من حولهم الأطفال يلعبون بالماء، و يحممون الحصانين. ابتسمت لما رأته عيناها اللتان لا تزالان تبحثان عن آزر. تقدمت نحو النهر إلى أن عثرت عيناها على جسده، فتوقفت مكانها و تجمدت قدماها. كان آزر يساعد طفلا مبتل الملابس، على امتطاء الحصانه، و ضحكة واسعة على وجهه، لم يسبق لها أن رأتها من قبل على محياه. انتبهت إلى ظرافة شعره المبتل، ثم إلى رشاقة جسده العلوي المكشوف. فكرت لوهلة في أن تعود أدراجها و تسلم المهمة كاملة لأبي، لكنها بقيت واقفة مكانها لا تتحرك. و ما إن التفت إليها آزر، و التقت عيناها بعينيه، حتى أسرعت في غض بصرها، لتقرر العودة أخيرا. استدارت ثم أسرعت في خطواتها لتعود من حيث جاءت، إلا أن قدوم أُبي قد أوقفها. نظفت حلقها ثم قالت بعد أن اقترب منها، - أ يمكنك.. إخباره بنفسك؟ أومأ أُبيّ و هو يتفحص ملامحها المحرجة، - بالطبع. ثم أفسح لها الطريق لتعود، - تفضلي. - شكرا.. لك. ثم غادرت بخطوات شبه سريعة نحو البيت، تاركة أُبيّ خلفها. .... دقت أندلس باب احدى الغرف، ثم دخلت، لتجد ليلى قد ارتدت ثوبا مريحا و صففت شعرها على شكل كعكة. كان الثوب فستان أندلس، بسيط الت**يم ذو لون بني بارد، تزينه رسوم تقليدية بيضاء اللون. اقتربت ابنة التاجر من صديقتها وهي تتفحص الثوب على جسدها. - يليق بك! كثيرا! - جميل للغاية. حقا لا أعلم كيف أشكرك! أدين لك بالكثير. قالت أندلس بملامح منزعجة مصطنعة، - كم مرة علي إخبارك؟ نحن صديقتان! و الأصدقاء لا يدينون لبعضهم البعض! مهما قدموا لبعض. تذكري ذلك جيدا! انبسطت أسارير ليلى ثم اكتفت بإيماءة. أسرعت أندلس نحو ملابسها، أخرجت وشاحا أبيض اللون، ثم غطت به رأس رفيقتها. - يناسب الثوب كثيرا! أكملت ليلى ارتداء الوشاح، حتى غطت شعرها، و ما بدى من عنقها. عندها دقت احدى الجاريتان باب الغرفة، ثم فتحته بعد ان أذنت لها سيدتها. قالت، - طعام العشاء جاهز، سيدتي. ردت أندلس متبسمة، - سنخرج في الحال. أومأت الجارية، ثم غادرت. لتخرج الفتاتان من الغرفة، بعد ذلك بقليل، إلى الحديقة، حيث تم تجهيز مائدة الطعام. أسرعت ابنة التاجر في الجلوس، ثم أشارت لضيفتها بأن تجلس كذلك، - الجو جميل هنا! جلست ليلى ثم رفعت عيناها إلى السماء لوهلة. قالت بصوت هادئ، - جميل للغاية! ما ان نطقت بكلماتها، حتى خرج أُبي من الجهة الأخرى للبيت، تقدم نحوهما، لينتقل انتباه الفتاتان إليه. وقفت أندلس عن مجلسها، لتقف ليلى كذلك. كان أبي يرتدي ملابس مريحة، و لأول مرة بدى **ائر الناس في عيني ليلى، و ليس حارسا يعمل ليل نهار. ابتسم ابي لسيدته، ثم سأل، - أ كل شيء على ما يرام؟ بادلته الإبتسامة ثم أجابت، - كل شيء جيد! ثم أضافت متسائلة، - لما لا تشاركنا طعام العشاء؟ - لا عليك. سأتناوله مع آزر و آرام بعد أن نستريح قليلا. - هيا! تعال و ادعوهما كذلك لمشاركتنا! - أ لن يزعجكما وجودنا؟ - و لما قد يزعجنا؟! التفت أبي إلى ليلى، ثم سألها، - ما رأيك يا ليلى؟ نظفت حلقها ثم أجابت، - لا بأس. لا يزعجني الأمر أبدا. أومأ بابتسامة صغيرة، ثم غادر موقفه بعد ان استأذن، عائدا إلى الجهة الأخرى من البيت. اتسعت ابتسامة أندلس، ثم قالت، - و أخيرا سأقابل رفيقك! أسرعت ليلى في تصحيح كلام أندلس، بصوت منخفض لا يكاد يسمع، - ليس رفيقي! إنه مسافر أعرف عنه القليل ليس إلا! - لا تخافي! لن أقول أي شيء يفضح أمرك، إذا كان هذا ما تخشينه. - يفضح أمري؟! - مشاعرك! - أية مشاعر؟! كانت ابنة التاجر على وشك أن ترد على سؤال صديقتها، إلا أنها لمحت حارسها يخرج من البيت، متجها نحوهما، و ضيفاه خلفه. التفتت ليلى بإتجاههم، فتوقفت نظراتها عند آزر. اتصلت نظراتهما للحظة، ثم أسرعت و خفضت بصرها بعد أن شعرت بدقات قلبها تتسارع. ألقى الضيفان التحية على أندلس، لتبادلهما. قال آزر، - نشكرك حقا على دعوتنا، و استضاف*نا و الترحيب بنا. - مرحب بكم في أي وقت. ثم أضافت مقترحة، - تفضلا، فلتشاركانا الطعام. ابتسم آزر، - شكرا لك، لكن ربما في يوم آخر. كل ما نحتاجه الآن هو قسط من الراحة. أومأت أندلس متفهمة. فأضاف آرام قائلا، - نشكرك مجددا على دعوتنا. نحن ندين لك. هزت أندلس رأسها، - لا أحد منكم يدين لي بشيء! و لا داعي للشكر أبدا. مرحب بكم في أي وقت. ابتسم الجميع لكلامها، بينما كانت ليلى شاردة تفكر في أشياء أخرى. انتبهت للملابس المريحة التي كان يرتديها آزر، ثم ملامح وجهه التي بدت واضحة أكثر بعد أن حلق ذقنه تماما، و طول شعره الذي تغير، و أصبح قصيرا و مبعثرا بشكل ظريف. اعتذر الفتية من الفتاتان، و استأذنوا ليغادروا. و عندها فقط، استيقظت ليلى من شرودها. قالت أندلس بنبرة مازحة، موجهة كلامها لضيفيها، - بما أنكما رفضتما دعوتي للعشاء.. ضحك الفتيان، فأكملت قائلة، فأرجوا أن تقبلا دعوتي إلى جلسةٍ نشرب فيها الشاي و نتحدث قليلا. أجاب آزر قائلا، - لما لا. - جميل! ثم أضافت بابتسامة اوسع، - تفضلا، اذهبا لترتاحا الآن. أومأ الفتيان، و شكراها من جديد. ثم غادر أُبي أولا، ليلحق به آرام، بعد أن استأذن. ثم غادر آزر موقفه بعدهما، بعد أن توقف لوهلة لأجل أن يطمئن على ليلى، بالنظر إلى وجهها، فوقفت متجمدة مكانها إلى أن ابتسم لها، فابتسمت بدورها و أصابع يديها تشابكت ببعضها توترا. قال بصوت هادئ، - تصبحين على خير. نظفت حلقها في هدوء، ثم ردت على كلماته، - تصبح على خير. احتفظا باتصال عينيهما لبضع ثوان إضافية، و أندلس تراقبهما في **ت، إلى أن غادر آزر، و دخل البيت، عندها سحبت إليها ذراع صديقتها، لتقول بصوت منخفض لكن متحمس للغاية، - يبدوا كملاك من السماء! ابتسمت ليلى لكلام رفيقتها، ثم قالت، وهي تنظر إلى الطريق التي مر منه آزر لتوه. - يبدوا كذلك.. و يتصرف و كأنه كذلك أيضا. - ما هذا؟! ما هذه النظرات الحالمة؟! افتر ثغرها عن ضحكة ثم قالت، - أية نظرات؟! - أنت تحدقين بالطريق التي مر منها! و تعترفين بأنه وسيم و طيب! - توقفي عن هذا يا أندلس! - أ لن تعترفي؟! اكتفت ليلى بالضحك، و صديقتها لا تزال تحاول جعلها تبوح بحقيقة مشاعرها. لكن دون جدوى. ....
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD