بالقرب من لهب النار المتراقص، كانت ليلى جالسة ترسم.
الحقيبة في حجرها، أوراق صغيرة الحجم على الحقيبة، و القلم بين أصابعها يتحرك. تارة تغير القلم، و تارة تغير لون المداد الذي تستعمله. ترسم صفحة، ثم تبدأ بالرسم على صفحة جديدة.
- ترسمين؟
رفعت عينيها إلى صاحب الصوت المتسائل، ابتسمت له ثم قالت،
- تعال، آزر. أريد أن أريك شيئا.
تقدم، ثم جلس بجانبها وهو يتفحص الصفحات بين يديها بعينان متسائلتان. جمعت الأوراق حيث جعلت ورقة فوق ورقة، حتى بدت و كأنها دفتر صغير كثير الأوراق.
قالت،
- اقترب قليلا.
- حسنا!
ابتسم و الفضول يصاحب ملامحه، دنى قليلا من الدفتر الصغير بين يدي ليلى، فسألته،
- ماذا ترى؟
- صحراء.. و الشمس ساطعة.
أومأت ثم قالت،
- و الآن.. انتبه جيدا.
أومأ دون أن يزيح عينيه عن الأوراق.
و باستعمال إبهامها، أخذت ليلى تُفلِتُ ورقة تلو أخرى، تقلبها بسرعة، لتجعل الرسوم على الأوراق تتحرك.
كانت الرسوم عبارة عن قافلة تتمشى، جمال و أحصنة محملة بالأمتعة، و أصحابها تقودها، ركوبا عليها، أو مشيا. و كلما تقدمت القافلة تحركت الشمس، إلى أن غربت فظهر القمر، و النجوم حوله، ثم توقفت القافلة لتستريح.
رفع آزر عينيه عن الأوراق، مذهول الملامح من ما رأته عيناه للتو. سأل وهو يشير إلى الدفتر بين يديها،
- كيف؟! كيف للرسوم أن تتحرك هكذا، فقط لأنك تحركين الأوراق!!
ابتسمت له ثم أخذت تريه صورة صورة،
- عندما ترسم بهذه الطريقة، حركة حركة على كل ورقة، تحصل على مشهد كهذا الذي رأيته لتوك.
- متى رسمت كل هذا؟!
- كلما وجدت وقتا رسمت بضعة أوراق!
- مذهلة!
تبسمت ضاحكة،
- المذهل هو الشخص الذي فكر في تحريك الرسوم، و وجد هذه الطريقة لتحقيق فكرته. فبفضله أصبح عالم إنتاج الرسوم المتحركة عالما مذهلا اليوم.. أقصد.. خلال القرن الواحد و العشرين.
- و.. من الذي ابتكر هذه الطريقة؟
- اسمه جون بارنز لينت، و هو أوروبي الأصل. و بالضبط، إنكليزي الأصل!
- إنكليزي! و متى كان ذلك؟
- خلال القرن التاسع عشر.
- إذا فلابد و أن هناك طرقا أخرى تم ابتكارها بعد ذلك!
أومأت،
- بالطبع! هناك طرق عديدة. فبعد دفاتر الرسوم المتحركة، ظهرت أشكال أخرى.
- مثل ماذا؟
- لا أظنني أستطيع شرح الأمر! فلقد تعدى إنتاج الرسوم الأوراق و الأقلام! و أصبحنا نرسم و نصنع و نشاهدها باستخدام آلات معقدة الصنع!
رفع حاجبيه إندهاشا و هو يفكر في الأمر،
- إذا فلقد تمكن البشر من تحقيق العجائب!
أومأت،
- بل أكثر من العجائب!
إبتسم وهو يراقبها تتفحص الأوراق بلطف، و كأنها ثمينة بالنسبة لها.
سأل،
- إذا.. فهذا عملك؟ تنتجين رسوم متحركة؟ أقصد.. قبل كل ما حدث معك.
- بل حلمي. و كنت لا أزال أحاول جاهدة تحقيقه.
- و ما الذي يمنعك من تحقيقه؟
- أسباب كثيرة للغاية! كثيرة لدرجة أنني أشعر بالتعب بمجرد التفكير فيها!
- لا تفكري فيها إذا.
افتر ثغرها عن ضحكة بعد سماعها لنصيحة آزر، ثم اكتفت بإيماءة.
سكت الاثنان عن الكلام لفترة، إلى أن تساءل الأصفهاني قائلا،
- ماذا كنت تعنين.. بأنه يمكن تحويل المعادن إلى ذهب، "فيزيائيا"؟
التفتت إليه مبتسمة،
- الفيزياء علم من العلوم ليس إلا، لا يختلف عن الخيمياء كثيرا، فالكثيرون يعتبرن الخيمياء، فيزياء قديمة! على أي، فالفيزياء تهتم بدراسة المادة، و مما تتكون، و بفضل هذه الدراسات، اكتشف العلماء أنه بالفعل يمكن تحويل الرصاص بالتحديد، إلى ذهب!
- و كيف ذلك؟! ما الذي يجعل الرصاص بتحديد، يتحول إلى ذهبا؟!
- أ ترغب حقا في معرفة كيف يحدث ذلك؟
أومأ بعينان يملأهما الفضول، فابتسمت له، ثم أخذت نفسا، استعدادا للشرح،
- اكتشف الفيزيائيون، أن المادة تتكون من جزيئات معينة. فمثلا، الجزيئيات التي تُكون الماء، تختلف تماما عن تلك التي تُكون الزيت. و تتكون الجزيئيات من مجموعة من الذرات. و كل ذرة تتكون من إلكترونات، بروتونات، و نوترونات.
- أسماء غريبة!
ضحكت ضحكة صامتة من تعليقه ثم قالت،
- هذا لأنها أعجمية!
أومأ متفهما، فأكملت،
- ذرات الرصاص و ذرات الذهب متماثلة، لكن الاختلاف الوحيد بينها هو عدد البروتونات.
- بروتونات!
أومأت،
- أحد مكونات الذرة. على أي، هنا يكمن الاختلاف، للذهب تسع و سبعون بروتون، بينما لذرات الرصاص إثنان و ثمانون بروتونا. و الطريقة الوحيدة لتحويل الرصاص إلى ذهب، هو تغير عدد البروتونات التي تتكون منها ذرات الرصاص. أي على العالم أن يجعل ذرات الرصاص تفقد ثلاث بروتونات، فتصبح ذرات الرصاص مطابقة لذرات الذهب، فيصبح الرصاص ذهبا!
- و كيف يمكن تغيير عدد البروتونات؟! هل من طريقة؟!
أومأت،
- طريقة تكلف الكثير من الأموال. تكلف أكثر من قيمة الذهب الذي سيُنتج!
في ذهول،
- هذا يعني أنه لا يمكن لأي كان تحويل الرصاص إلى ذهب! حتى خلال القرن الحادي و العشرين!
أومأت،
- تمكن أحد العلماء من تحويل كمية قليلة جدا، و هذا كل شيء. لكن في النهاية، تم تأكيد معلومة لطالما ظنها الناس خرافة! فتحويل الرصاص إلى ذهب، ممكن بالفعل!
- لا بد و أن العِلم قد تطور بشكل خارق!
- كل شيء تطور بشكل يذهب ال*قل، لكن كل ذلك بفضل العجم. أما العرب و المسلمون، فلقد تراجع أداءهم كثيرا في العصر الذي أعيش فيه.
- و ما.. سبب ذلك التراجع؟!
- لا أدري! لكن أظن أنني أعرف أين يكمن السبب في بلادي.
سكتت لبرهة، ثم أتممت،
- أصبح الناس يستهلكون وحسب، و يتركون الإنتاج لغيرهم. و عندما تقف من بينهم و تتقدم و تقول، أريد أن أنتج، أن أبدع، أن أصنع شيئا جديدا، يسخرون منك و يستهزئون بقدراتك. لذلك يتراجع الشباب و يرمون بأحلامهم بعيدا، خوفا من حكم الناس عليهم. قليل من يكتب أو يرسم أو يبدع أو يصنع في أيامنا. للأسف.
بعد أن تراجع عن الكلام لمدة، قال و ابتسامة لطيفة تعلو محياه،
- لكنك لم ترمي بحلمك.
التفتت إليه منتظرة منه بقية الحديث، فأتمم،
- و أنا متأكد من أن هناك عدد من الناس مثلك. لذلك، لا داعي لأن يخيب أملك.
ثم أشار إلى الأوراق بين يديها،
- كان ذلك مذهلا. أحببت رسمك كثيرا.
ابتسمت وهي تتحسس الصفحة الأولى بأصابعها.
قال وهو يراقبها،
- عديني.. عندما تعودين إلى حياتك..
رفعت عينيها إليه، فأكمل قائلا،
- أن تبذلي قصار جهدك لتحقيق حلمك. مهما كانت ال*قبات، حققي هدفك لنفسك أولا، ثم لأجل الآخرين. ضعي ب**تك و اجعلي أثرها عظيما في قلوب الناس.
تبادلا نظرات صامتة لمدة، ثم ابتسامة صغيرة.
أومأت ليلى دون أن ت**ر اتصال عينيها بعينيه، ثم قالت بصوت أقرب إلى الهمس،
- سأفعل.
....
دخلت ليلى الخيمة بعد ان استأذنت، لتسرع إليها أندلس بابتسامة،
- مساء الخير~
ردت ليلى التحية بمثلها، و هي مبتسمة الوجه.
- مساء الخير~
أمسكت أندلس بذراع صديقتها، ثم سحبتها بلطف إلى المكان الذي تجلس به، و هي تسأل،
- أ كنت مع رفيقك؟ آزر؟
أومأت ليلى بابتسامة مرتبكة، دون أن تقول شيئا، ثم جلست بعد أن جلست أندلس.
اتسعت ابتسامة ابنة التاجر، ثم سألت بنبرة مازحة،
- ما هذه الابتسامة المتوترة؟!
ضحكت ليلى،
- ليست ابتسامة متوترة!
- خجولة؟ إبتسامة فتاة سمعت اسم شخص عزيز فتوترت شفتاها فرسمتا ابتسامة مرتبكة؟
افتر ثغر ليلى عن ضحكة مكتومة وهي تحدق بأصابعها التي تلاعب بعضها البعض توترا.
- لم يمر على لقائنا سوى بضعة أيام! فكيف يكون شخصا عزيزا؟!
- عندما تلتقي الروح روحا خلقها الله منها و لأجلها، فستعرف ذلك دون شك! فالروح عزيزة على نصفها الآخر، حتى قبل اللقاء! فكيف لا تكون عزيزة بعد أول نظرة؟!
ابتسمت وهي تنظر إلى صديقتها،
- و ما أدراك.. أن روحه.. خلقت مني؟ و لأجلي؟
اتسعت ابتسامتها ثم أجابت،
- رأيتكما معا صباح اليوم. و ما رأيته هو شخصان يتأملان عيني بعضهما البعض، بحثا عن جواب يفسر لهما مشاعرهما تجاه بعض!
ابتسمت ليلى ابتسامة هادئة دون أن تقول شيئا لمدة، ثم أخيرا نطقت بعد أن ترددت طويلا،
- أظنه.. يحب فتاة أخرى.
استغربت،
- و ما أدراك؟!
- كان.. يرتدي خاتما. سألته عنه فقال.. أنه هدية من شخص عزيز عليه. سألته عن الشخص.. فقال أنها فتاة عرفها و هو في دمشق.
- و هل قال شيئا آخر؟
هزت رأسها نفيا،
- لم أسأله عن أي شيء آخر.
- و لما؟! كان عليك أن تسأليه و تعرفي منه كل شيء!
- شعرت.. ببعض من الانزعاج مما سمعته، فسكتت عن الكلام و لم أسأل أكثر من ذلك.
ابتسمت أندلس ابتسامة صغيرة وهي تدرس ملامح ليلى،
- إذا فأنت تعترفين بأنه يعجبك؟
ضحكت من سؤال أندلس، ثم أجابت،
- أظن ذلك!
اقتربت ابنة التاجر من ضيفتها ثم قالت بصوت أشبه بالهمس،
- لا أظن أن الفتاة التي تحدث عنها، كما تعتقدين! فلو كان يشعر تجاهها بمشاعر حب، لما ترك دمشق!
فكرت ليلى في الأمر لمدة، ثم قالت،
- ربما.. ترك حبه لمدة، لأجل أن يحقق حلمه. السفر.
- عندما نحب، يصبح حبنا الحلم، مالك ال*قل و القلب و الجسد. ليس من السهل ترك الحبيب لأجل حلم كالسفر!
- لما لا! يكفي أن يتفق الحبيبان على الفراق لمدة!
رفعت أندلس كلا حاجبها في استغراب،
- أ سبق لك و أن أحببت؟
نظفت حلقها لتخفي ارتباكها ثم أجابت،
- لا أظن.. ذلك..
- لهذا لا يمكنك أن تعرفي ما يحمله العاشق في قلبه من مشاعر.
انبسطت أسارير أندلس بعد أن تذكرت نفسها، ثم أخذت تحكي،
- عندما رفض والدي طلب أُبي بالزواج مني، قرر أُبيّ أن يغادر الأندلس و يسافر إلى مكان آخر و يبدأ فيه من جديد. و لقد غادر بالفعل! و كانت تلك الأشهر أسوء أشهر مر كلانا بها.
وهي تروي حكايتها، بدأت صور ذكرى يوم عودته تمر أمام عينيها. تذكرت الرسالة التي أرسلها إليها بعد رجوعه، حيث كتب أبياتا تقول،
كتبت إليك يا سؤالي كتابا ... بما ألقاه من ألم الفراق
فأول سطره نار قلبي ... و ثانيه غرامي و اشتياقي
و ثالثه فنى عمري و صبري ... ورابعه جميع الوجد باقي
و خامسه متى عيني تراكم ... و سادسه متى يوم التلاقي
تذكرت لحظة أسرعت في الخروج من غرفتها، ثم من البيت باتجاه الحديقة بحثا عنه، لتجده واقفا أمامها.
اقترب منها و هو يتأمل عينيها كمن يتأمل لؤلؤتين ثمينتين.
ثم نطق منشدا،
و لقد ندمت على تفرق شملنا ... و فاض الدمع من أجفاني
و نذرت إن عاد الزمان يلمنا ... ما أذكر فرقة بل**ني
تذكرت نفسها وهي تقترب منه، و تحاول جاهدة منع نفسها من رمي جسدها بين ذراعيه و ضمه إلى ص*رها.
ابتسمت له و الدموع تكاد تتساقط من عينيها، فبادلها بألطف منها.
فتحت شفتيها المرتعشتين و أنشدت،
هجم السرور علي حتى أنه ... من فرط ما سرني أبكاني
يا عين صار الدمع منك سجية ... تبكي من فرح و من أحزاني
عادت أندلس إلى حاضرها، ثم التفتت إلى ليلى لتكمل قائلة،
- هكذا قلب العاشق. لا يتحمل البعد و الفراق! كما قال القائل،
و لو أن لي في كل يوم و ليلة ... بِسَاط سليمان و مُلك الأكاسرة
لما وَازَنَت عندي جناح بعوضة ... إذا لم تكن عيني لشخصك ناظرة
قالت ليلى بعد مدة من ال**ت،
- لم أشعر يوما.. بهذا النوع من المشاعر تجاه شخص ما.
- مشاعر جميلة.. لكنها تصبح مؤلمة في مثل موقفي هذا.
تبادلتا ابتسامة حزينة.
قالت ليلى،
- سيكون كل شيء بخير يا أندلس.
- أتمنى ذلك.
- اسألي الله أن يجد لكما طريقا و يجمعكما في خير.
ثم أنشدت ليلى مبتسمة رغبة في أن تُطمئن قلب صديقتها،
- يا من خزائن فضله في قول كن ... أمنن فإن الخير عندك أجمع.
....