الفصل الثاني

1558 Words
*** استمرت الأغنية في التناغم على مسمع حازم الذي كان مثبتا السماعة البيضاء على أذنه بينما يتناول طعام الإفطار باستمتاع مع ألحان الكلمات.. نظر إليه سراج من طرف عينه قبل أن يقول بجديّة: _ "بتسمع إيه يا حازم؟" أجابه حازم بتلقائيّة: _ "أول مرة تحب يا قلبي." تطخّل إسلام بمجرى الحديث قائلا: _ "بتاعة أليسا؟" أماء حازم برأسه ثم قال: _ "أيوة بس بصوت مارشميللو العرب." نطق سراج دون أن يبعد عينيه عن الطعام بلامبالاة: _ "مش دي اللي انت اتكلمت عنها انبارح في الحلقة؟" انتبه إليه حازم بينما يقول بحماس: _ "أيوة.. إنت شوفت الحلقة؟" لم يبادله الحماس بل تكلم بجفاف يتخلّله الاستنكار: _ "شفت جزء منها قبل مانام.. لقيتك بتمدح في واحدة مصطبحة ما كانتش لاقية حاجة تعملها قالت تغني شويّة وانتم زي الهبل بتجروا عليها وتتابعوها!" بادر إسلام يصحّح مفهومه عن تلك الفتاة بقوله: _ "دي ليها متابعين عرب وأجانب." ثم تولّى حازم الدفاع بقوله: _ "ده غير ان صوتها رهيـــب.. والله المفروض تغني أغاني جديدة بدل التقليد.. إنت سمعت صوتها؟" قال الأخيرة بتساؤل ليجيبه سراج بالنفي: _ "مالحقتش نمت علطول." أسرع حازم بالقول بتأكيد: _ "لو كنت سمعته ما كنتش هتقول عليها كدة." هزّ رأسه نافيا بينما يقول بنبرة واثقة: _ "لا يا بابا كنت هقول.. لإني مش سمّيع زيّكم ومش أيّ صوت يحركني." رفع حاجبيْه بهدوء بينما يقول منهيا مجرى النقاش عند هذا الحد: _ "طيــب." *** في استراحة المدرسة.. كان كريم يتناول وجبة الإطار خاصته بينما يدندن بكلمات أغنية خاصة بالأطفال ويكرر كلماتها حتى قاطعه صوت زميلته بينما تقول بالإيطالية: _ "ماذا تفعل يا كريم؟" نظر نحوها ليجدها تجلس مقا**ه وبيدها الطعام الذي أحضرته من مطعم المدرسة فيجيبها بلغتها: _ "عرفتُ من خالتي أن أمي حزينة هذه الأيام واتفقنا على أن أغني تلك الأغنية أمامها فهي تحب صوتي كثيرا.. والآن أنا أكرر الأغنية كي لا أنساها." التمعت عيناها بإعجاب سَرَى بنبرتها: _ "رائع.. هيا غنِّ الأغنية أمامي." أجابها بنبرة محايدة: _ "لن تفهمي كلمة منها.. فهي باللغة العربية." زادت في إصرارها بينما تقول مشجّعة: _ "سأجعلك تشرح لي معناها لاحقا.. والآن أريد سماع صوتك وأنت تغنّيها قبل أن تنتهي الاستراحة." بادلها بابتسامة خافتة وقد استحسن الفكرة.. فالتدريب أمام زميلته سيساعده كثيرا على تذكّر الكلمات وإتقان الغناء أمام والدته.. وقف عن مجلسه ثم بدأ في الدندنة وإطلاق العنان لنبرته العذبة أثناء النطق بكلمات الأغنية الرائعة.. انتهى كريم من الغناء ليعلو تصفيق ماتيلدا بينما تقول بإشادة: _ "رائع جدا يا كريم.. إن صوتك مذهل!" التمعت السعادة بعينيه حينت رأى إعجاب زميلته بصوته فيقول بحبور: _ "صوت والدتي أجمل بكثير.. إنها موهوبة جدا." _ "صوت سيء جدا.. أعطيه 5 من 10!" انتبه كلاهما إلى صوت ستيف خلفهما وإلى جانبه جاك ليحدجهما كريم بنظرات نارية بينما تقف ماتيلدا ثم تقول باحتجاج: _ "ما بك ستيف؟ لم تريد إزعاج كريم الآن؟!" أجابها ستيف بنبرة باردة: _ "لا أحاول ذلك بل أدعوه ليغادر الطاولة." انتبه بقيّة الطلاب إلى ما يحدث عند الطاولة من بوادر شجار بين ستيف المتنمر وصديقهم العربيّ كريم.. حيث قال الأخير باستنكار: "لماذا ستيف؟ هل اسمك منقوش عليها؟" لما انتبه إلى همهمات الباقين حوله وضحكاتهم الجانبيّة قال بنبرة تمتلئ بالحقد: "ها ها ها مضحك للغاية.. نحن نود تناول الإفطار و ليس هناك طاولة أخرى شاغرة" أجابه كريم بتلقائيّة: "إذن فلتتفضلا بجانبى لكنى لن اتزحزح عن مكانى" وهنا تحدث جاك باستهجان: "و لم نبقى معك؟ هذا ليس موطنك أيها العربي.. عليك بالتنحّي وترك المكان لنا." اشتعلت عينا كريم غضبا ليقول بنبرة حانقة: "هذا ليس من شأنك" لما استشعر ستيف غضبه تعمّد استفزازه بينما يقول ببرود: "لمَ أنت وأهلك موجودون هنا؟ هل تم طردكم من موطنكم لإزعاجنا بمكاننا؟" هنا لم يستطِع كريم السيطرة على انفعاله.. فاندفع نحو ستيف ثم انهال عليه بسيل من الض*بات و الركلات.. أخذ بقية الطلاب المساعدة في انتزاعه من بين يديه.. ولكنه بالرغم من صغر حجمه إلا انه كان قويا للغاية يكاد يفتك بستيف لولا أن استطاع أحد الأساتذة التفريق بينهما بأعجوبة.. بعد مرور نصف ساعة.. حضرت مريم ومعها ريهام إلى المدرسة بعد اتصال هاتفى عاجل وردها.. ما أن دلفت إلى غرفة الناظر حتى أهالتها رؤية ستيف ووجهه مليء بالكدمات والدم يسيل من فمه وملابسه ممرّغة بالتراب.. ينظر بعينيه الرماديتين إلى كريم بغضب جمّ.. انتبهت إلى دخول رجل بنهاية العقد الرابع مندفعا إلى ابنه المُصاب كي يحتضنه بينما يقول بهلع: _ "ماذا حدث يا بني؟ من فعل ذلك بك؟!" أخذ ستيف بالبكاء بينما يقول بغيظ: "لقد ض*بنى يا أبي.. لقد حاول أن يقتلنى هذا الغبى.. ابى فلتفصله من المدرسة." وقفت كل من مريم وريهام إلى جانب كريم بنوع من المؤازرة بينما يبتعد والد ستيف عنه كي يهدر بالمدير بصرامة: "كيف اجد طفلى تم ايذاؤه بهذه الطريقة؟ أيها المدير عليك ان تتخذ خطوة كبرى أمام هذا الولد و إلا سوف أتصرف جديا و لن يعجبكم تصرفى ابدا." حاول المدير التهدئة من غضبه المستعرّ فقال بسرعة: _ "أرجوك اهدأ سيد إيمانويل.. لن نترك عقابه أبدا." أسرعت ريهام إلى الدفاع عن ابن أختها بنبرة محتجّة: "كريم لم يض*ب ابنك إلا بسبب أسلوبه الفظ في الكلام.. فهو يحاول التنمر عليه بكل الطرق و انا شاهدة على ذلك" تحدث إيمانويل بنبرة مستهجنة يعلوها النزق: "احقا؟ هل لدى ابنك شهود عما اذا كان ابنى حاول المساس به حتى لو بالكلام؟" تحدث كريم بنبرة مقتضبة: "من يحاول أن يتحدث عن أسرتي بسوء فقد دعا المشاكل بنفسه و لقد رحمه اليوم الأستاذ من بين يدى و لكن اذا تكررت فسوف أفتك به" شعرت مريم باحتدام الموقف وازدياده سوءا خاصة مع تصريح ابنها بالتهديد فأسرعت إلى إنهاء النقاش حين جذبت يد طفلها قائلة بقتامة: "بعد إذنكم.. و قرروا ما تريدون للتأمين" أجابها المدير بصرامة: "كريم سيُفصل من المدرسة لمدة أسبوع سيدتى" ألقت عليه نظرة استخفاف قبل أن تتحرك مع طفلها وخلفهما ريهام.. جلس ثلاثتهم في المقعد الخلفيّ لينطلق السائق قاصدا المنزل لتبدأ ريهام بالحديث بلين مع كريم لتهوّن من غضبه في حين كانت مريم هي الأولى بذلك.. حيث استندت برأسها إلى النافذة كي تفكر بينما تقول في نفسها بحيرة: "انا عارفة أن كريم عصبى و مش بيتصرف كدة إلا لو فى حد استفزه بالكلام.. بس نفسى اعرف ازاى ض*ب ستيف مع ان جسمه أقوى منه مية مرة؟ يا ترى يا كريم يابنى جبت العنف ده منين؟" *** في ذات الأثناء.. دلف سراج بغرفة التحقيق ليجلس أمام أحد المجرمين الذي تمّ الإمساك به من العمليّة الأخيرة.. الكدمات تغطي وجهه بعدما تعرّض للعقاب على التكتّم على جماعته.. جذبه من ياقة قميصه بعنف ثم قال بنبرة قاسية: "بص يا بابا عرفنا نمسكك متلبس و انت بتزرع القنبلة فى البنك.. يا ترى بقى هتتكلم على اللى مدبر الموضوع من فوق ولا تلبس انت الليله لوحدك؟" تجاهل كلامه وكأنه يؤثر ال**ت على حياته مما أثار غيظ سراج الذي سدّد له لكمة قويّة جعلته يلفظ الدماء من فمه فيتأوّه بتعب.. ولم يصل عند هذا الحد وإنما تناول وجهه وأطبق أنامله عليه بينما يقول متوعّدا: "ها يابنى هتقول ولا توجع قلبنا معاك؟" فتح عينيه بصعوبة بينما يقول بعناد: "مش هتكلم" نظر إلى ظاهر كفّه المخضّبة بدمائه النجسة إثر اللكمة.. فيقف عن مجلسه ثم ينظر إليه قائلا باستهزاء: _ "إنت مستعد تبيع حياتك عشان تخبّي على اللي مشغلينك وهما ولا في دماغهم اللي بيحصل فيك! لا جدع والله!" تحرك حتى وصل إلى باب الغرفة فيشير إلى رجاله الأمر بقوله بسخرية: _ "خفّوا إد*كم يا رجالة يمكن يكون لسّة شاري عمره!" *** حضر سعد إلى المنزل وما أن تجاوز الباب الداخليّ حتى وجد مريم وكريم يتجادلان بحدّة وريهام تقف بعيدا بينما ترقب المشهد بحزن حيث تقول مريم بغضب: _ "عاجبك اللى حصل النهاردة ده؟" أجابها كريم بغضب: "بصى يا ماما.. انا كرهت الــschool (المدرسة) دى و مش هروحها تانى لا بعد أسبوع ولا سنة." تجاهلت صوته المرتفع بقولها بدهشة: "ليه عملت كدة يا كريم؟ من امتا بتض*ب حد بالأسلوب الهمجي ده؟" صرخ كريم باحتجاج: "عشان ده مش مكاننا!" تصنّمت مريم مكانها بينما تراقب طفلها وهو يتحدث بكلمات تتناسب مع عمره: "هما ليهم مكانهم واحنا لينا مكاننا.. ليه نقعد عندهم ويفضلوا يتتريقوا علينا؟! أنا مش بحب المكان هنا.. وستيف اتجرأ وشتم عليكم ووالله لو عملها تاني هورّيه." ثم صعد سريعا إلى غرفته ليترك مريم غارقة في حيرة أفكارها المتخبّطة حتى ينتشلها سعد قائلا بشيء من الحزم: _ "لازم نرجع مصر يا مريم." أجفلت مع كلماته الجازمة التي أثارت النبض بفؤادها ليتسارع بجنون فنقلت بصرها إليه بسرعة بينما تقول بعدم تصديق: _ "إنت بتقول إيه يا سعد؟" أمعنت النظر بمعالمه لتتبيّن صدق ما قال توّا فتردف باستنكار: _ "إنت عارف كويس ان حاجة زي كدة مستحيلة!" هنا تدخلت ريهام بمجرى الحديث لتقول بعدم فهم: _ "إيه اللي خلاه مستحيل يا مريم؟ بلدك وليكي حق ترجعي لها وقت ما تحبي وماحدش يقدر يكلمك." التفتت إلى ريهام كي تنطق بهستيريّة وانفعال: _ "لا ماليش حق وانتو عارفين كويس انا ماقدرش ارجع." عارضها سعد بقوله بنبرة إصرار: _ "لا تقدري يا مريم وماحدش ليه عندك حاجة.. ولو حد فكر يإذيكم هفرمه." أجابت مريم إصراره بخوف شديد: _ "إنت مش أدّهم.. وبعدين إيه اللي يخلّيك تواجههم أصلا؟! لوكان السبب كريم فأنا هقدر افهمه.. وده أسهل بكتير من إننا نرجع البلد اللي عيشت فيها أسْوَد أيام حياتي!" حاولت ريهام إثنائها قائلة: _ "فكري في ابنك يا بنتي.. ده مش بعيد تجيله عقدة نفسية من المكان ومعاملة الناس هنا.. هو مش حاسس بانتماؤه للبلد دي.. حاسس انه مختلف عنهم.. ولو ضغطتي عليه أكتر من كدة مش هيقدر يتكيّف مع التصرفات هنا.. إسمعي الكلام أرجوكي." ثم تلاها سعد بقوله بنبرة مطمئنة: _ "هددوكي عشان ما كانش ليكي ضهر تتسندي عليه يا مريم.. لكن دلوقتي إنتي ليكي سند وأمان يحميكي من شرهم.. فكري بس حطي كريم في حساباتك." لما وجد ال**ت إجابتها أشار لريهام كي تنصرف ليتبعها مبتعدا تاركين لها المجال في البقاء وحيدة.. كي تعيد ترتيب أفكارها من جديد.. تعيد التفكّر بتحريم مصر عنها.. تعيد التفكير بشأن طفلها الذي يشعر بالاضطهاد بدل الراحة.. وبين خوفها من ماضٍ أليمٍ وحزن طلها تقف مشتّتة حائرة والظلام يغطّي كل الدروب.. فأيّهم تختار؟! ***
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD