الفصل الأول
***
أشرقت الجوناء الذهبية واحتلت مكانها بالسماء معلنة بدء يوم جديد.. وبداية مهام جديدة واستمرار لأعمال أُجّلت للسكنى بجوف الليل.. دلفت بالغرفة وأضاءت الأنوار لترى طفلها الصغير ذا السبع أعوام ينام على الفراش بهناء.. اقتربت منه بهدوء ثم طالعته للحظات قبل أن تحرك ذراعه منادية:
_ "كريم.. اصحى يا حبيبي يالّا."
لم يستجِب لها وإنما جذب الغطاء حتى رأسه لتعود بجذبه بينما تقول بصوت أعلى:
_ "كريم يالّا عشان المدرسة."
تقلصت معالمه انزعاجا بينما يفتئ:
_ "مش عايز أصحى يا ماما.. عايز انام."
أثنته بجدال:
_ "مش هينفع يا حبيبي...."
وهنا أتاها صوت أختهاعند باب الغرفة قائلة:
_ "أنا هصحّيه يا مريم.. استنينا تحت."
التفتت إليها لتراها تتقدّم وحركتها متعرّجة قليلا وابتسامة مشرقة تعتلي ثغرها فبادلتها الابتسامة بينما تقول:
_ "أوكي تسلميلي يا ريهام."
بعد مرور نصف ساعة.. جلست مريم على يمين زوجها الذي يترأس المائدة بينما يقرأ ما بمحتوى الجريدة أمامه.. التفت إليها بينما يقول بجديّة:
_ "هو كريم وريهام اتأخروا ليه؟"
همّت لتجيبه ولكن سرعان ما قاطعها صوت ريهام ومعها كريم قائلة:
_ "إحنا جينا أهو."
أشرقت معالمه المجعّدة إثر تقدّم العمر بينما يفتح ذراعيه لكريم الذي أسرع نحوه هاتفا بحماس:
_ "بابا."
احتضنه بلهفة وقد مرت فترة على غيابه ولم يرَ فيها طفله الصغير.. قال بنبرة راضية:
_ "صباح الفل."
ما أن ابتعد عنه حتى قال بابتسامة:
_ "عامل إيه يا بطل؟"
_ "الحمد لله."
ثم اتخذ لنفسه مقعدا إلى جوار أمه التي كانت ترقب المشهد بسعادة بينما التفت سعد إلى ريهام قائلا:
_ "إيه أخبار الشغل في المجلة يا ريهام؟"
رمقته ريهام بامتنان قائلة:
_ "الحمد لله تمام يا أبيه.. أشكرك على الفرصة دي."
هزّ رأسه بينما يقول ناهيا:
_ "ماتقوليش كدة.. شغلك اللي ممتاز.. ربنا يوفقك."
بادلته بابتسامة دون التفوّه بالمزيد وقد انتهى سير الحديث عند هذا الحدّ.. حيث شرعت الأسرة الصغيرة المكوّنة من الزوج والزوجة وأختها والطفل الصغير في تناول الطعام استعدادا لمباشرة أعمالهم في واحدة من أجمل بلاد أوروبا.. إيطاليا.. والتي ننتقل منها إلى جمهورية مصر العربية الحبيبة.. تلك التى ذُكِرَ اسمها فى خمسة مواضع متفرقة من القرآن.. فضلا عن ذكر بعض الأماكن التى توجد بها كذلك.. هذه العظيمة التى قال عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم "مصر كنانة الله فى أرضه ما طلبها عدو إلا أهلكه الله" و كذلك قال عنها الشاعر اليونانى هيرودوت "مصر هبة النيل".. إنها ملجأ لكل فارّ.. مأمن لكل خائف.. مبتسمة بوجه أولادها.. كل ما تتمنى هو ان يقول كل مصرى و بصدق أن مكانتها عنده كمكانة والدته.. إلى جانب الاعتزاز بعلمها ذا الثلاث ألوان و طائر العقاب يزينه و يزيده جمالا فضلا عن الشموخ الناطق به.. ففى الأمن الوطنى.. كان يجلس وهو يقرأ بعض الملفات بضجر إلى أن سمع طرق الباب فقال:
"ادخل."
دلف العسكرى ليض*ب تعظيم سلام ثم يقول:
"سيادة العقيد عايزك يا فندم."
أماء برأسه قائلا:
"طب اتفضل انت دلوقتى"
خرج العسكرى ليتبعه ذلك المقدم منتقلا غرفة سيادة اللواء.. كي يتلقى مزيدا من الأوامر والتعليمات الجديدة.. دلف سراج إلى الداخل ثم ض*ب التعظيم قائلا:
"حضرتك طلبتنى؟"
نظر إليه اللواء ربيع قائلا:
"أيوة يا سيادة المقدم.. اتفضل"
جلس سراج على الكرسي بأحد جانبى المكتب ثم وجّه انتباهه إلى ربيع متسائلا:
"خير يا فندم"
أراح ظهره على الكرسي ثم قال بوقار:
"إيه أخبار المرشد اللي انت معيّنه جديد لحسابنا؟"
سراج:
_ "بدأ يدخل وسطهم بصفته ديلر بس لسّة ماعرفش مين اللي متحكم فيهم!"
_ "تمام فتح عينك كويس مش عايز أي غلط."
أماء برأسه طاعة قبل أن يقول:
"فى مهمة جديدة ولا ايه؟"
"أيوة جاتلى معلومات مؤكدة بتقول ان فى حاجة جديدة هتتعمل ياريت تعرفلى الموضوع ف أسرع وقت"
أماء برأسه قائلا:
"تمام يا فندم"
عاد سراج إلى غرفته ثم حزم أغراضه عائدا إلى المنزل.. توقف عن الإكما حين وجد فتاة تقف أمامها بينما تطالعه بإشراق.. تبتسم له ليتجاهل ذلك بتقدمه سراج وهو يقول:
"صباح الخير يا آنسة هالة"
ازداد تساع ابتسامتها بينما تقول بحبور:
"ازيك يا حضرة المقدم اى اخبار شغلك؟"
"بخير"
وقفت أمامه قائلة بجديّة:
"الصراحة كنت جاية علشان..."
قاطعها بشيء من الاقتضاب:
"لو جاية عشان تسالى ايه المهمة الجديدة إللى هتتعمل.. فأحب اقولك روحى للجرنال بتاعك و بلاش تضيعى وقتك و وقتى."
تصنّعت الحزن بينما تقول:
"عشان تعرف انك ظالمنى.. الموضوع مش كدة خالص."
نظر لها باهتمام لتخرج علبة بلاستيكيّة من حقيبتها ثم تقدمها إليه قائلة بحماس:
"لا انا لسة عاملة فطاير النهاردة ماقولكش حلوة اوى و قلت نفطر مع بعض."
نقل نظره إليها قائلا بشيء من الاعتذار:
"تسلمي أنا لسة شارب شاى."
بادرت تقول بجديّة:
"انت كدة بتضر نفسك.. علفكرة الشاى بي**ر الكرات الحمرا فى الدم و بيقلل نسبة ال...."
قاطعها بضجر:
"آنسة هالة والله ما ناقص ضياع وقت و انتى كمان ياريت تروحى الجرنال بتاعك و تشوفى هتكتبى اى فى الزاوية بتاعتك ولا يرضيكى تزعلى إللى بيقرؤوا و تكتبيلهم اى كلام؟"
التمعت عيناها بسعادة بينما تقول بلهفة:
"يعنى انت خايف احسن يحصلى مشاكل فى الشغل؟"
أجابها بابتسامة مجاملة:
"أكيد انا مش عايز لا يجرالك و لا يجرالى اى مشاكل.. وبعين أنا شغلي ما بيخلصش هنا."
ناولته علبة الطعام ثم قالت بابتسامة:
"طيب همشى انا دلوقتى ووقت ما تجوع كل من الفطاير دى.. اشوفك بكرة.. سلااام"
ولم تعطِه فرصة الرد بل ألقت إليه العلبة وكأنها تتخلّص منها.. ما أن التفّت حتى بأحدهم كان يقف خلفها مباشرة ليبتعد إلى الخلف قائلا:
"حاسبى يا آنسة!"
التفتت إليه بحرج قائلة باعتذار:
"انا اسفة اوى عن اذنكوا"
ثم انصرفت سريعا ليلتفت الشاب إلى سراج قائلا بابتسامة:
"مساء الخير يا حضرة المقدم."
"مساء النور يا إسلام.. اتفضل."
احتل مقعده إلى جوار سراج ليشير إلى جهة النافذة قائلا:
"مين القمر اللى كانت هنا دى؟"
حكّ سراج رأسه بتعب قائلا:
"اسكت يا عم ده وجع دماغ"
استنشق إسلام رائحة طعام ذكية فقال بتساؤل:
"اى الريحة دى؟ هى كانت بتجيبلك أكل ولا اى؟"
أشار إلى العلبة بينما يقول بجديّة:
"أيوة جابت أكل معاها عشان نفطر و انت عارف اكتر من ساندوتش الرومى ماليش في حاجة تاني."
أمسك إسلام بالعلبة ثم فتحها قائلا بمرح:
"عنك انت وش فقرى.. و انا الصراحة جعان"
طالعه بمرح قائلا:
"طيب يا سيدي.. ايه اخبار الشركة؟"
ابتلع مضغة الطعام بفمه بينما يقول بسعادة:
"تمام التمام.. سدّدت قرض المرتبات الحمد لله."
_ "شكرا انك متابع الشغل يا إسلام.. عارف ان انا وحازم مشغولين جدا ويدوب مكفّيين الشغل."
قالها بامتنان ليجيبه إسلام بامتنان أكبر:
"ماتقولش كدة يا سراج إنتو اخواتي وكل واحد فيكم اتشغل باللي بيحبه وانا شغل الشركة بحبه.. أيْ نعم انا مش اخوكم بس اسم النمر بيجمعنا احنا التلاتة."
ابتسم سراج بحبور قائلا:
"انت اكتر من اخونا يا إسلام.. ربنا يحفظك"
***
_ "مارشميللو العرب.. النهاردة سيداتي سادتي هيكون كلامنا عن مارشميللو العرب.. يمكن ناس كتير من متابعين السوشيال ميديا سمعوا عنها.. فيا ترى إيه حكايتها؟ ومين هي؟"
ألقى حازم سؤاله أمام الكاميرا بشكل حماسي قبل أن يجيب بابتسامة واسعة:
_ "مارشميللو دي بنت عملت قناة على اليوتيوب من خمس سنين بتغني فيها بأغاني فنانين كتير جدا وعندها معجزة تقلد صوت أيّ فنان سواء عربي أو أجنبي.. دايما بتلبس قناع بشكل مارشميللو في كل مقاطع الفيديو اللي بتنشرها تماما زيّ المغني المشهور في هوليوود واللي بيعمل كدة واسمه مارشميللو.. الجمهور استقبلها بتحفيز كبير جدا وبيشجعوها تستمر.. وناس كتير نفسهم يعرفوا مين هي.. لكن رافضة تقول أي حاجة.. كل اللي عرفنا نوصله من لايف نشرته من فترة انها مصريّة الأصل وعايشة في روما.. وان شاء الله قريب هنعرفها..
دلوقتي هنطلع فاصل بس قبله هتسمعوا الفيديو ده من أغانيها المصرية."
وانطلقت الأغنية التي كانت تنتسب بالأصل للمغنية الجميلة أصالة والتي استطاعت فيها مارشميللو من إعادة غنائها ببراعة مُتقَنة تروي عن موهبتها الفذّة في فنّ التقليد..
توقّفت الأغنية حين أغلقت مريم الهاتف ثم ألقته بإهمال على السرير تحت أنظار ريهام التي طالعتها بنظرت مشفقة بينما تقول بتساؤل:
_ "مش عايزة ليه تكشفي عن نفسك يا مريم؟"
تجاهلت سؤالها وأشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى لتقول ريهام مُثنية:
_ "يا بنتي إنتي عندك فوق الــ2 مليون follower (متابعين) على اليوتيوب والانستا.. كلهم هيموتوا ويعرفوا مين صاحبة الصوت الرائع ده.. يا مريم إنتي صوتك حلو.. ليه عايزة تستخبّي؟"
نظرت لها مريم بحيرة يكلّلها الحزن لتقول ريهام بجديّة:
_ "حتى أبيه سعد مش عنده مشكلة فــ كدة.. ده هو سمح لك تظهري وإنتي اللي رافضة!"
في ذات الأثناء اقترب سعد من باب غرفته.. وقبل أن يطرقه سمع صوت مريم قائلة بجمود ظاهريّ:
_ "كل اللي يهمني إني برضي موهبتي وبس.. ولو كان في دماغي أظهر كنت عملت كدة من زمان."
_ "بس دي مش أول مرة تطلب قناة تكشفي حقيقتك.. يا بنتي مش هيحصل حاجة والله."
وقفت مريم عن مجلسها كي تحكم النقاش عند هذا الحد قائلة بصرامة:
_ "لا يا ريهام.. مش هعمل كدة."
هنا طرق سعد الباب كي يحسم الجدل بينهما حيث دلف مبتسما وكأن شيئا لم يكن:
_ "مساء الخير."
حاولت ريهام تصنّع الهدوء بقولها:
_ "مساء النور."
ثم ابتعدت إلى خارج الغرفة قائلة:
_ "بعد إذنكم."
***
_ "إيه رأيك في الحلقة؟
قالها حازم بتساؤل ليجيبه إسلام بحماس:
_ "كنت منور الشاشة يا أحلى إعلامي فــ مصر كلها."
تناول ما بداخل الملعقة ثم قال بفرحة:
_ "حبيب قلبي."
خ*ف نظر إلى الكرسيّ الرئيسيّ الفارغ على يساره فيقول بتساؤل:
_ "هو سراج فين دلوقتي؟"
أجابه قبل أن يتناول قطعة من الطعام:
_ "جاله طلب مستعجل.. وقالي لو خلص بدري هيروح الشركة."
زفر حازم بضجر بينما يقول بعدم رضا:
_ "ما بيرحمش نفسه أبدا.. يا الله منه!"
تكلم إسلام بنبرة محايدة:
_ "مش هيحلها غير لو اتجوّز."
امتعضت معالم حازم الذي قال بخيبة أمل:
_ "ده انا ريقي نشف في الموضوع ده وبرضه مافيش فايدة مش عايز يسمعني!"
**ت للحظات يفكر فيها بفحوى مقصد ابن عمه لتتّسع عيناه فجأة بينما يقول بدهشة:
_ "هو مش ناوي ينسى الموضوع ايّاه حتى بعد كل السنين دي؟"
تفاقم الحزن بوجهه بينما يقول:
_ "لا وانت الصادق ده اتعقّد أكتر!"
زمّ شفتيْه قائلا بشفقة:
_ "ربنا يهديه وينسى اللي في دماغه ده."
أجابه الثاني بابتهال صادق:
_ "يارب."
***
عند منتصف الليل.. غطّ سعد في نوم عميق بعد ما قضى بعض الوقت مع مريم.. لتبقى الأخيرة نائمة بلا نوم.. تغمض جفونها دون أن تنال قسطا من الراحة.. فلا يزال حديثها مع أختها عالقا بذهنها حتى الآن.. جدالها كي تكشف هويّتها أمام وسائل الإعلام.. الآن عرفت كيف عليها أن تدفع ثمنا لأخطائها.. فلولا جموحها للقيام بشيء تحبه وتبرع فيه لما وصلت أبدا لتلك المرحلة.. لا تريد أن ينكشف الستار الذي تختبئ خلفه وخاصة في مصر التي هرعت منها هاربة قبل أعوام.. كل ما تريده الاستقرار والأمان مع أسرتها الصغيرة.. بعيدا عن أشباح الماضي المُفزعة.. كان حلمها وعملت على تحقيقه ولكن يبدو أن للواقع رأي آخر..
***