- "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم بخير .. "
بعض الكلمات إثرها كصواعق تجلد الروح .. دعاء كبله مغلولا فى حياة لم تكن باختياره .. يحدث ان يقف الانسان حائرا بين الطفوله والشباب .. شيئا فشيئا يتحول من طفل متدلل لمسئول يلزمنا عمرا نبحث عن :" لِمَ وكيف واى ريحٌ اتت بنا الى هنا ؟!"
والاجابه لا شيء ف اللاشيء دوما ما اشعر أن الانسان خُلق ليكون فى صراع مع نفسه دائما فعلينا ان نرتضي بمصادفات القدر .. ان نعشق بعضنا بدون هلك فى البحث عن انفسهم وعن وذيول الماضي الطابعه فى ذكرياتنا كوشم لعين يأبى المحو .. والا ينتمى الشخص لاحد غير نفسه .. نفسه فقط .
همس مجدى لرهف بحذر : عقباال كتب كتابنا
ولم يعطيها فرصه للرد فهلل مجدى واصدقائه : الف الف مبروووك ياسيادة الرائد ..
اقتحم زياد مجلسهم إنذالك
- انتوا كتبتوا الكتاب من غير مااكون شاهد ؟!
تدخلت رهف بمزاح : وانت حد متجمع عليك ياعم انت !! كنت فين ها ها ..
لكزها زياد بخفه : وانت مالك يارخمه ...
ثم اقترب من اخيه ليحضنه
- الف الف مب**ك يااتش .. كفاره يااعم !!
ربت هشام على ظهره بعنفوان مردفا بصوت مسموع
- عقبال ما نفرح بولادك انت وبسمه !!
ضغط هشام على مشط قدمه بقوة مما جعله يكتم تأوهاته قائلا بهمس
- اتلم ولم دورك يازياد .. سايب مراتك من الصبح لوحدها وشغال تتسرمح مع البت المايعه دى ..
اصطنع زياد احتضان اخيه من الجهه الاخري
- وانت لقطها ازاى !! شغل المباحث ده مش عليا ده انا اخوك .. عشان اعرف اوجب معاك ..
- يبقي تتتتتتتتتلم ...
تدخلت امهم بشياكه : مش كفايه رغى وتسيبنى ابارك لاخوك ...
تبادل الجميع التهنئات والمباركات بين اللواءات واصحاب المناصب العليا وكل منهم كان بارعا فى رسم ابتسامته المزيفه... تجلس مياده مطأطأه الراس منتظرة عودة هشام وحضنه المنتظر الذي طال .. تقدمت رهف بخفه لتسحب اخيها من وسط البدل السوداء المحيطه به قائله بهمس
-حد يسيب الفساتين دى كلها ويجى يقف جمب البدل دى !! هعلم فيك لامتى .. تعالى بارك لعروستك يلااا
- يعنى انت جيبانى من وسط الناس عشان اباركلها ..
- ااه احنا كبنات بنهتم بالتفاهات دى !!
جلس هشام بجوار مياده التى انتفضت بمجرد ما استنشقت عطره المميز .. وبهدوء تقدم كف هشام ليحتووى كفها الصغير ويشعر ببرودته .. فرفعت انظارها المتيمه به مبتسمه .. هم بتقبيل يديها كمن يؤدى وظيفته مجبرا خاليا من اى انتماء او حب الا ان انقذه رنين هاتفه فجاة .. فتوقف حائرا بين المتصل والمهمه الغير مرغوبه .. فسحبت مياده كفها بتفهم
- رد ....
اومىء بهدوء وهو يخرج هاتفه مجيبا
- ايوة ياعلى .. خير !!
- انت فينك ياعم الحق مصيبه !!
نهض مفزوعا فلحقت به مياده بعد ما شُحنت بفضول لمعرفة هوية المتصل
- فى حاجه يا هشام!!
اشار اليها بكفه لت**ت مواصلا استماعه لحديث على المنفعل
- طيب طيب انا جايلك حااالااا ..... قولت هتصرف ياعلى .....
■■■
( قبل ثلاثة ايام ) ...
ف احد قرى محافظه بنى سويف
صوت مرح يأتى من هُنا وهناك وركض فى الجنينه المظلمه المحيطه باشجار كثيفه وقطة لم تكُف عن نواحها الخافت المُلتاع كأنها تُنذر بخطر لاحقٍ .. ونداء من صغير يتوج المكان فرحا ..
-" حياة على كف عفريت .. كل لحظه فيها بفارق ، اشخاص بوجوه متبدله وأحوال مائله .. بات الحرام مألوفا والحلال شاذا .. الطيب سذاجه والشر ذكاء .. ان تراهم فى العلن ملائكه وفى الخفاء شياطين ..فالكرة الارضيه معمورة باشخاص طبعهم النقص صنعوا من اعصابنا حبالنا ومن اجسادنا كباري يصعدوا عليها .. اشعر بأننى فقدت قدرتى على العيش بينهم ، اشعر بإننى اسطر صك انتحارى "
اخر كلمات كتبتهم خديجه فى اجندتها الصغيره قبل أن تقفلها وتقوم راكضه إثر نداء ايوب الذي يمرح بين اشجار الفواكه مناديا عليها ..
- يا ايوب وصلت فين ...
اتى صوته منخفضا مما يدل على بعده عن مكانها قائلا
- انا هنا ياخديجه تعالى ..
تجوب بانظارها بحثا فى المكان المظلم قائله
- يلا عشان نروح .. انت بعدت لييه .. يااايوووب الوقت اتاخر ..
واصلت سيرها وواصلت ندائها عليه ولكن تلك المرة بدون اى فائده صوته المنخفض انعدم مما زاد ارتباكها وهلعها حتى بااتت كمن فقد عقله وهى تبحث عنه ... و بعد مرور عدة دقائق جن عقلها للحد الذي حال ندائها لصراخ مستغيثه بالخفر بالخارج الى ان انكتم نحيبها إثر يد حديديه وضعت على ثغرها محاولة كتم انفاسها .... تملصت خديجه باشمئزاز بين يدي الملثم محاوله الهرب ولكن بدون جدوى ... ازداد فى قوة حصاره عليها حتى شعرت بخصرها يُعتصر بساعده ..
لم تكف الحياه عن مصائبها بل خلقت من بيننا اشخاصا ع** الطبيعه فهم لم يخلقوا من طين بل هم امتدادا لنسل الذئاب والثعالب فقط .. طباعهم الغدر والعنف دون ان يغمض لهم جفن الرحمه .
نجح المجهول فى وضع شريطا لاصقا على ثغرها وبعدها كبل كفها بعنف فحملها على كتفه نحو جهته المقصوده ...
■■■
اوشكت الحرب الناشبه بين الليل والنهار برفع الليل راية الاستسلام لانتهاؤه .. مع سماعها صوت صفير الرياح المتصادم هنا وهناك ومرور قطع السحاب امام عينيها الهرمتان .. عارية القدمين ، فقد زاد توترها وارتعاش فؤادها مع دقات الساعه الرابعه فجراً و القمر ينحدر رويدا رويدا من الافق لتحل محله شمس يوما جديداً .. شرع اهل القرية بالنهوض وحركاتهم الهادئه وصوتهم الاشبه بالهمس بين المارة استعداداً لصلاة الفجر
كانت تجوب بحيره وقلق وخطوات متثاقلة فى غرفتها ثم اقتربت من النافذة حائرة غائصه في اعماق افكارها ونسمات الفجر البارده تُلامس وجنتيها وتختلط بأنفاسها الحارة النابعة من نيران جوفها .. رافعة عينيها للسماء بتنهيده قويه حامله براكين الاسي والحزن
" ياااااااااااااااااارب "
عادت الي فراشها مجددا تلملم الكُتب المبعثره فوقه محدثه نفسها
" وادي كتب (لبني) لازم ارجعهم لها قبل ماامشي .. خلاص يا(فجر) مقدمكيش حل تاني "
اتسعت حدقة عينيها وهما يتحركان يمينا ويسارا في جميع ارجاء المكان تتأمل جدران غرفتها الصغيره بعيون لامعه حامله بداخلها شلالات من الدموع والحزن اقتربت من اصيص الزرع الصغير ترويه للمره الاخيره بكوب المياه تحدثه بآسف
" عارفه انك هتدبل وتموت بس سامحني انا كمان لو قعدت هنا هموت ومحدش هيحس بيا "
هَمت بمغادرة غرفتها بخطوات متباطئه حامله كتب رفيقتها علي ساعدها وهي تفتح بابها الخشبي القديم وتغلقه بهدوء دلفت لاسفل وهي تترقب ارجاء المنزل بخوف وخطوات متأرجحه ثم اقتربت من ذلك الباب الخشبي القديم الذي يحمي بيتهم الطيني المكون من طابقين لينتفض جسدها هلعاً ورعباً لمجرد سماع صوت تلك اللعينة
" ع فييين العزم يااصاحبه الصون والجمال وانتي لسه الحنه في يدك "
قالت (عنايات) طليقة والدها جملتها بنبره حاده وهي تتكأ علي احد جدران الحائط متوعده .. تسمرت ( فجر ) في مكانها تستجمع قواها لبرهه ثم قالت بهدوء
" هروح ادي (لبني) كتبها .. وبعد كده هروح اجيب ميه من البير نشربها قبل ما يتزحم "
" طيب متعوقيش وتعاودي طوالى ياعروسه .. ورانا حاجات كتير نعملوها قبل مااعريسك يجي يااخدك "
قالت (عنايات) جملتها بنبره ساخرة وهي تجلس علي مقعدها الخشبي وتهم بوضع حجر ( الشيشه ) .
اومأت ( فجر) راسها ايجاباً وتركتها متجاهله سخريتها فوجدت امامها تلك الشخص الضخم الموكل بحراستها عائقاً طريقها بلهجته الصعيديه الجافة
" رايحه فين ؟؟ .. البيه منبه انك متخرجيش من اهنه واصل "
اغمضت عينيها لبرهه متأففه
" اوووف مش هنخلص من تحقيق كل يوم دا !..هأدي كتب صحبتي .. وبعدين هروح اجيب ميه من البير عشان نشربها .. ممكن توسع عشان الطريق بس "
* طب استني ادي البيه خبر.
" ع بال ما تدي البيه بتاعك خبر هكون انا خلصت كل شغلي .. وسع كده من طريقي"
قالت جملتها بنفاذ صبر وهي تزيحه من أمامها مغادرة .. شرع بالسير خلفها ليقطعه الخفير الاخر ( مسعود) الذي يدفث الدخان من انفه وفمه معاً
" تعالي اهنه واقعد .. هتروح فين يعني ماهي كل صبح عتطلع وتعاود"
(سيد) وهو يجلس بجواره متن*دا : علي قولتك يلا اهي هانت كلها النهارده ونخلصوا وتتجوز العمده .. بالك لما ربك يفتحها في وش عباده !!
(مسعود) وهو يمد له خرطوم الشيشة : اهي كلها ارزاق بتتقسم علي الخلق .
وصلت (فجر) امام منزل متوسط الاتساع يتكون من طابقين ثم طرقت الباب ليفتح لها رجل ذو لحيه طويله اختلطها المشيب مما تعطيه هيبه ووقار قا**ها بابتسامته العريضه
" فجر يافجر .. خير يابتي مااالك !"
_ متقلقش كده ياعم (محمد) عارفه انك صاحي عشان الجامع ممكن بقي تدي الكتب دي (للبني) اول ماتصحي .
قطب الشيخ ( محمد ) حاجبيه حائرا : مالك يابتي حد مزعلك !!
سرعان ما ارتسمت ابتسامه باهته علي وجهها
" لا ياعم محمد انا بخير ماتقلقش ابقي سلم لي علي ( لبني) بعد اذنك "
ثم تركته في حيرته ودهشته دون ان تبدي له اي رد
ليقول متمتماً : ربنا يسترها عليكي يا ( فجر ) يابتي .
■■■