" انت تمزحين ؟! .. عمار ... "
" نعم عمار "
اجابت بعدم اكتراث بينما ترقب مغادرة مدرسة اللغة الفرنسية للصف :
" وانت اهنته ورفضته .. اذكر انه كان يعجبك .. انه وسيم جداً ايتها البلهاء "
" لم يكن يعجبها .. كانت تقول انه متفاخر ومغرور ومن كان معجب به هو انت رنا لا جوري "
" لا تتدخلي انت .. مسكين عمار "
امتدت يد رنا لتض*ب هالة مزيحة اياها بعيداً عن جوري ثم تتكلم بصوت طفولي حالم :
" كان يمكنك ان تحصلي على الوردة اقله .. هذا رومنسي "
" فلتحصلي عليه انت اذن .. "
" ماذا كتب في الرسالة ؟! "
سألت دنيا بلهفة تجاري جنون رنا..
" اشياء تافهة غير مهمة .. لنخرج قليلاً .. اريد شراء شيء لاكله "
وقفت مغادرة مكانها لتلحق بها باقي الفتيات واخذت تسير بشكل معا** تنظر حولها بحثاً عن طريدة اليوم .. امتدت يد رنا لتلتقط ساعدها محاولة ايقافها وجسدها يرتطم بجسد خلفها .. كادت تلتفت لتصرخ في وجه من دفعها دون ادراك لولا ما حصل تالياً ..
يد توضعت وراء ظهرها مثبتة اختلال توازنها .. تماماً فوق قميصها المدرسي لتنطلق شرارة على طول عامودها الفقري .. مزيج من التردد والرعب.. جاعلة حواسها تتأهب كما لو ان وحش مسها..
" احذري!! "
تجمدت للصود العميق الجاف .. لم تلتفت ورائها كما ارادت لترى من كان خلفها.. هي عدلت جسدها واندفعت بشكل معا** تحاول لجم الارتجاف الذي استعمرها بضم نفسها بكلتا يديها.. تتجاوز صديقاتها ملقية بكلماتها بصوت منخفض :
" ارجو المعذرة.."
هي ادركت منذ وقت انه هو، صوته، كان التحذير .. ذاك الصوت الذي سمعته صباحاً، عميق هادئ يجعل حواسها تنتقل لبعد مختلف.. صارم لكنه ليس بحدة ما تسمعه في منزلها..
" جوري.. من هذا ؟! "
نطقت هالة تهرع خلفها تحاول ايقافها بينما تنزل السلالم بسرعة .. احراج .. توتر .. وبعض الخوف مازل يتملك جسدها .. هي التي لطالما تغنيت بعدم الاحساس والمشاعر امام الكل.. تجزع من مجرد لمسة.. لكنها ليست اي لمسة.. هي تكره اللمس المفاجئ.. تمقت الاصوات المنخفضة انما الصارمة.. انها تذكرها به..
" انه هو "
" من هو ؟! "
سألت رنا لتجيب بحدة غير مبررة :
" هو هو .. ذاك الاستاذ الجديد "
" انت تمازحيني .. هل سننظر لهذا الوجه كل يوم ؟! .. انه خطر على قلبي .. "
اخذت رنا تتمايل بمرح بينما تغمض جوري عيناها محاولة ايقاف ض*بات قلبها ولهاثها المتسارع ..
" انت محقة .. اخيراً وجه حسن في المدرسة "
" انت تظلمين الاستاذ وسام .. انه وسيم ولديه عيون خضراء "
" انه لا يعجبني .. فهو كبير في السن "
هتفت هالة بحدة في وجه رنا :
" اثنا وثلاثون ليس كبير .. انه رجل ناضج وليس كمعجبيك المراهقين " " بل خمس وثلاثون .. ونعم هو عجوز بالنسبة لنا ايتها البلهاء "
" سأعود بعد قليل .. "
هربت تترك الفتيات لجدلهم المعتاد الذي لن ينتهي الان طالما الموضوع هو استاذ الرياضة المفضل لهالة .. وصلت لجانب حوض الماء في الحمامات الخاصة فاخفضت رأسها وقبضت بكلتا يديها على الرخام امامها..
ثم فتحت الصنبور مادة اصابعها لتلامس المياه الباردة.. ومسحت وجهها تبلله لتستعيد رشدها .. كان مجرد حادث بسيط لا اكثر .. تعقلي جوري .. انهما شخصان مختلفان..
نهرت نفسها بقسوة .. هذا مجرد لا شيء .. وارتفع قماش قميصها عن مع**ها اثناء اعادتها خصل من شعرها الفوضوي لخلف اذنها.. عيناها استقرتا على المرآة مقا**ها.. تحدق في مع**ها.. ورأت كدمة زرقاء هناك .. تغطي جزء كبير منه .. قطبت محاولة التذكر .. متى حصل هذا ؟! .. وعضت شفتها المرتجفة.
" مع**ك !! .. هل انت بخير ؟! "
" وما شأنك ؟! .. اهتمي بما يخصك .. "
كلمت الفتاة التي كانت تستخدم الجهة الآخرى بفظاظة ثم سحبت كم قميصها تخفي الكدمة.. وتضمها بأصابع يدها الآخرى شاعرة ببعض الالم الطفيف في عظمها .. الم اعادها لرشدها .. ايقظها من ارتجافة خوف الى ارتجافة ادراك .. وتسائل داخلها.. ان صرخت الان .. هل سيسمعها ويفهمها احد؟!.. مؤكد لا .. ففي هذا المجتمع .. الكل يصرخ ولا احد يستمع ..
خرجت تتنفس بضعف.. تحاول استعادة قناع اللامبلاة الخاص بها.. قناع المراهقة المستهترة المتنمرة.. وتأملت ما حولها تبحث عن صديقاتها في الساحة الواسعة.. لتجد اخيرا سلامها في عيني الوحيدة التي تعرف اسرارها وخبايا نفسها .. الفتاة هناك تحت شمس الظهيرة تفتش حولها بحثاً عن جوري مؤكد.. هالة.. ومن غيرها يهتم لاجل مصابها..
*********
يد هالة دفعت الحقيبة من الطابق الثالث لتهوي للاسفل ثم تص*ر صوت عالياً .. ابتسمت جوري للصوت ثم الحقت الحقيبة الثانية بالاولى ..
" ما الذي تفعلانه ؟"
" نلعب .. اتريدين المشاركة ؟! "
قطبت دنيا وتراجعت للخلف ثم عاد صوت ضميرهما المنطلق من فمها ليعاتب كلاهما :
" لما تفعلان هذا ؟! .. اليست تلك حقيبة هناء ؟! .. هل فعلت لكما شيء لترميا حقيبتها .. اه وسترتها ايضاً "
" من ضم هذه البلهاء لنا ؟! "
سألت هالة بحنق جعل الاخرى تتراجع للخلف بحزن بينما جوري لا تهتم وتعاود رفع حقيبة اخرى لترميها للاسفل بمتعة شريرة .. انها تحتاج للشعور بالتفوق والقوة على اقرانها.. وحده هذا الشعور يغذي ذاتها.. الحاق الآذى بالاخرين..
" اسمعيني .. ان ازعجك ما نفعله .. الحل بسيط .. ابقي بعيدة عنا .. تباً لتدخلك الدائم ونصائحك .. نحن لا نحتاجها "
وها هي هالة تشاركها طباعها.. بعض الدموع تجمعت في عيون دنيا لكن هذه المرة جاء دور جوري لتكمل انما بحدة اقل :
" عندما طلبت ان تصبحي جزء منا .. انا وهي اخبرناك الا تتدخلي فيما لا يعنيك .. ونحن تجاوزنا عن عدم مشاركتك بما نفعله .. لذى كما قالت لك .. اما اتركينا او ا**تي.. هالة هذه سترة جنا .. اخرجي هاتفها اولاً "
راقبت دنيا تنسحب ب**ت حزين فتجاهلت ما اعتمر داخلها من عدم رضى لما فعلتاه للتو ثم سحبت الهاتف تعبث به وتضعه في جيبها .. واخيراً لحقت السترة بسابقاتها ..
" ساخبر رنا ان هذه اخر مرة اتحملها .. انها تفقدني اعصابي "
صوت هالة العنيف ذكرها بمدى قسوة صديقتها .. الفتاة المنسية من والدان منفصلان لا يهتمان لها ابداً .. فقط يغرقانها بالمال والهدايا .. ليحولا داخلها لجليد لا يذوب الا برفقة جوري وحدها .. تباً لتلك الحياة المقيتة.. لما لم تحظى احداهما اقله بعائلة جيدة..
" انظري .. اليس هذه صورة استاذك المفضل ؟! "
اقتربت لترى صورة الاستاذ وسام فابتسمت بسرور وسألت :
" هاتف من هذا ؟! "
" سمارا "
عضت شفتها بخبث ثم حذفت المجلد بأكمله ماسحة كل شيء صورته الفتاة ..
" احذفي هذا ايضاً "
" سجل الاتصالات عبر الوتساب ممتلئ لديها .. رقم من هذا ؟! "
ردت هالة بلا مبالاة وسترتها تشابه سترة جوري .. مربوطة حول خصرها باهمال .
" رقم ذاك الشاب من ثانوية الصبيان .. اعرفته .. المق*ف الاسمر ذو الشعر الطويل "
" كيف عرفت ؟! "
" انظري هنا .. هذه صورته "
انقلب ملامحها للق*ف .. ذاك الشعر الكثيف الاجعد .. كان شيء ب*ع لعينيها .. لذى قامت بحظره بعد ان ارسلت له عبارة :
" انت وشعرك مق*فان "
قهقهت هالة بعمق بعد ان قرأت ما كتبته وابعدت رأسها تتحرك فتضع الهواتف داخل ادارج المقاعد بتفريق جيد .. بعدها توجهت نحو حقيبتها لتسحب هاتفها وتخفيه داخل حذائها العالي الساق لتفعل جوري المثل ..
دقائق قليلة وتدفقت جموع الطالبات .. اخذت كل واحدة تصرخ لاجل حقيبتها .. وتتدافع الجميع مجدداً ليخرجوا قاصدين الساحة في صخب عالي جداً بحثاً عن اشيائهم المفقودة .. وبمجرد عودتهم لمقاعدهم جميعاً .. دخلت الناظرة سحر وهتفت :
" تفتيش "
رنا التي قررت ان تجلس بجانبها همست قريبا من اذنها بينما ترفع حقيبتها وتضعها امامها
" اخبرتها اني فقدت مالاً .. اين وضعته؟.. حقيبة من ؟! "
مال رأسها وابتسامة شريرة تتوضع فوق فمها بشكل مائل
" ستعرفين بعد قليل .. الامر يغدو اكثر اثارة ان انتظرته "
اخذت الناظرة تفتح كل محفظة وتنفضها مخرجة كل محتوياتها .. وتفتش الادراج لتجد الهواتف ..
" ما هذا ؟! .. هواتف .. الف مرة قلت ممنوع جلبها للمدرسة .. كل هاتف اجده سيصادر .. بلهاوات .. ما هذا دعاء ؟! .. "
" انها ليست لي .. ارجو.. "
قلم احمر الشفاه رمى ارضاً ثم داسته الانسة سمر لعدة مرات بكعب حذائها حتى اصبح حطاماً .. متناسية كمية اللون التي تغطي شفتيها هي .. بالطبع .. الناظرة مسموح لها ذلك بينما ممنوع عليهم .
" ناظرة سحر .. وجدت المال .. ها هو "
كانت هذه طالبة الصف الاخر التي كانت تعاون الناظرة بالتفتيش .. اقتربت ووضعت المال على الطاولة .. لتصرخ الناظرة :
" ميس .. اسبقيني لغرفة نائبة المديرة "
" انا لم اسرق شيئاً .. ارجوك .. هذا كذب "
" قلت تحركي "
تحركت الفتاة الممتلئة لتغادر الصف بينما تهمس رنا لها
" الانتقام لذيذ جداً .. "
" حقيبتك جوري "
مدت جوري الحقيبة السوداء نحو المرأة التي سارعت لفتحها فابتسمت بهدوء تجيب :
" ليس لدي هاتف "
" لد*ك اشياء آخرى .. "
واخرجت الديوان الشعري الذي كانت جوري قد نسيت اخفائه .. لتعض شفتها وتغمض عيناها .. اه !! .. هتف داخلها بينما الناظرة ترمقها بشماته .
" لنرى ان كان هذا يستحق .. "
" وقعنا بشر افعالنا "
همست لهالة لتنظر كل واحدة منهما للاخرى لثوان ثم صدحت الضحكات بصخب عالي دون اي اهتمام بما سيحصل تالياً ..
*******
" اشعر بالنعاس .. ساذهب لغرفتي "
" اجلسي مكانك .. هذا ليس فندق جوري "
هتاف ابيها الساخط جعلها ترتجف .. نظرت نحوه وتسائلت داخلها .. من هو المخطأ ؟! .. ادم ام والدها الذي يجلس الان براحة ليدخن من لفافاته البيضاء دون اهتمام لاستبداد ابنه .. ولما يفعله ؟! .. فالجميع في هذا المنزل تابعون لادم .. ادم الذي يدخل المال للمنزل .. ادم الرجل الذي يتحمل مسؤولية الجميع ويصرف من امواله الخاصة عليهم .. فيصبح لح الحق في اصدار الاوامر .. والتحكم بكل نفس ياخذه اي فرد منهم .. لتنقلب الآية .. فيصبح الابن والد .. والولد ابن.. ويختل ميزان القوى لصالح ادم وحده..
صوت والدتها اشعرها بالضيق والضعف اكثر بينما تهتف بلا مبالاة :
" انها لا تغادر غرفتها .. متحججة بالدراسة او النعاس "
" لاذكرك بما قلته لخالتي نجاة .. انا مراهقة تعاني من ازمة عدم النضوج .. تصبحان على خير "
" صوتك ظهر طبعاً .. فادم ليس هنا .. لكنه سعود .. وسيتصرف معك "
هددها ابيها لتبتسم بمرارة .. ادم سيعود .. ليت سيارته تهوي في جرف عميق ولا يخرج منها ابداً .. دعت داخلها دون اي ذرة ندم وتململت في وقفتها ..
" هل صليت فروضك ؟! "
التفت تنظر نحو والدتها ثم ابتسمت تكذب عليها دون اي شعور بالخجل مما تفعله .. فها هي توجه سخطها على والدتها ..
" لا .. وليس عليك محاسبتي .. فلتتركي الله يخنقني ليلاً او اذهب الى جهنم .. انا جاحدة عاصية .. "
" لا تكلمي امك هكذا .. لقد رأيتها تصلي فروضها .. فلتتركيها تذهب لغرفتها .. عديمة التربية والاخلاق "
ضاقت عيناها لتدخل والدها بالحديث مجدداً .. وشعرت بغضبه ملجوم بقدرة عجيبة .. ربما هو لا يرعبها كما يفعل ابنه .. لكنه مازلت تحاول ان تتجنب الجدال معه ..
كان ينتظر حصته من المال اليوم كالعادة ؟! .. ينتظر ابنه ليتلطف ويهبه بعض الاوراق المالية ليشبع نهمه للتدخين واحتساء المشروب .. متجاهلاً مسؤولياته بالبحث عن عمل ليعود هو رجل المنزل .. لا ابنه ..
" لما لا تسألي ابنك البكر ان كان يصلي فروضه ؟! .. ام ان الدين حصراً بفتيات العائلة واطفالها .. ؟! .. فلنلاحق جوري ونخنقها ونترك اخاها يربيها .. ولندلل ابننا البكر لانه يجلب المال للمنزل .. "
" تهذبي جوري "
الصوت الجهوري العميق الذي انطلق من وراء امها جعلها ترتجف .. فتراجعت للخلف تحاول الهرب باتجاه غرفتها.. ها قد عاد حبيب امه .. عينا المرأة برقتا .. التمعتا وكأنها عادت طفلة لتلتف وتحتضن جسد الشاب خلفها وتهمس بتدلل :
" لا تغضب حبيبي .. هي فقط تتلفظ بكلامها دون اي تفكر .. حمد لله على سلامتك .. لقد حضرت لك طعامك المفضل "
" شكراً يا غالية .. اتركيني مع جوري قليلاً "
شعرت بالغيرة .. بالحسد من انسان يحمل دمها ويشاركها الاب والام نفسهما .. لما عليها ان تحبه هو دوناً عنها ؟! .. لما دائما كان ومازل ادم حلم امها المثالي ورجلها الاوحد ؟! .. بالتأكيد فالصبي حلم كل امرأة شرقية وسند لها .. اليس هذا ما يقوم عليه مجتمعها الذكوري ؟!.. وللمرة المليون شعرت انها جزء زائد في هذه المعادلة .. جزء غير مرغوب به .. جزء ود الجميع لو اقتطع قبل مولده .. فدفعوه نحو الاخ الاكبر ليهذب طباعه باي وسيلة يريدها .. توقفت قدماها وسط غرفتها، وصوته يحدثها ليجمد خطواتها ..
" اظن اننا تكلمنا سابقاً بسبب طول ل**نك على والدتك ووالدك .. انت تدركين اني لا اسمح بهذا ابداً في المنزل .. لتكن مرتك الاخيرة .. والا لن ارحمك "
تهديد مبطن اخافها جداً .. فارتجفت تشعر بالضعف والحسرة .. ارخت دفاعتها وهبط كتفاها تهز رأسها لمرات .. كآلة دون مشاعر .. كدمية تتحرك بخيوط مربوطة ليد ذاك الجسد الواقف امامها بطوله الفارع وعيناه المشابهتان تماماً لعيناها .. انما لا تحمل اي ذرة عطف او مشاعر نحوها.. هي كانت وستبقى دمية ادم التي تتحرك وفقاً لاهوائه فقط .. لتسلطه وعنفه ..
" ماذا اراد عمار منك صباحاً ؟! "