" صباح الخير جوري "
كان هذا صوت جارتها امل في البناء المقابل .. طفلتها ذات الشعر المجعد الاشقر كانت تتوضع على حوضها بينما تمتص اصبعها ببراءة .. واليد الاخرى تحمل كيس الخضروات التي اشترته للتو على ما يبدو .. رمقتها بعيون شاردة تتجاهل الرد مما جعل الاخرى تقطب .. انها لا تمل ابداً، تلقي دائما بتحيتها رغم عبوس جوري وعدم ردها .. الطفلة اخذت تلوح لها وكانها تشارك والدتها لطفها .. ورغم هذا لم يتحرك اي شيء في وجه جوري الجامد الملامح بينما تكمل سيرها بخطوات واسعة ..
المدرسة كانت تبعد عشر دقائق سيراً عن منزلها.. تجاوزت الشارع الفرعي ودخلت الرئيسي .. بعض المحال لا تزال مغلقة .. عيادة الطبيب كمال والصيدلية المجاورة مقفلتان ايضاً .. خطت عدة خطوات ودخلت احد الازقة التي تفضي لشارع المدرسة والذي اعتادت ان تسير به اختصاراً للوقت .. توقفت قدماها تتأمل جدار كبير هناك كان جزء منه يحمل لوحة سريالية بالوان صاخبة متدرجة من الاصفر وحتى الاحمر الفاقع .. بدوائر لا تنتهي .. اي ناظر كان سيدرك ان من فعل هذا شخص مجنون وليس شخص محترف .. ومع هذا وقفت تحدق بها تطالع الدائرة السوداء الوحيدة في المنتصف .. لما تجذب نظرها لهذه الدرجة ؟!. وتن*دت مع شعور كبير بالضيق..
" جوري .. جوري !! .. صباح الخير .. "
الصوت صدح خلفها ليوقف سير خطواتها .. الشاب الاسمر ذو العيون الخضراء اخذ يرمقها بشكل مبهم .. انه الشاب عمار قريب بعيد لوالدتها..
" هل تتبعني ؟! "
فاجئها باخراج يده من وراء ظهره لتظهر احدى زهرات الجوري الحمراء امام وجهها مباشرة
" هذه لك .. مسماكِ .. جوري "
" وماذا افعل بها ؟! "
اجابته باقتضاب بينما ترمقه بعيون ساخرة .. محاولة الالتفاف بعيداً عنه لتكمل سيرها لكنه مجدداً اعاقها ليهتف بسرعة وصوت عالي :
" انا احبك "
احد المارة رمقهما بنظرات لائمة ثم استمر بسيره بعيداً عندما طالعته بحدة .. اخرج عمار ظرف ابيض ليضعه في يديها مرافقاً لزهرته وابتسامته تنير وجه، متفائلاً بشكل اثار سخطها بينما انخفض نظرها لتفتح رسالته باصابع قاسية شقت الغلاف بعنف .. هتف يحاول منعها
" ليس الان .. عندما تكونين وحدك "
" اطمئن انا وحدي الان "
اجبت ساخرة وفضت الرسالة المشبعة بعطر شبابي خانق، لتقرأ بصوت منخفض ثم تتسع ابتسامتها شيء فشيء لتصبح ضحكة ساخرة :
" رائع .. فعلاً .. انت .. "
وتركت باقي الجمله فارغة لينتظر بين امل ولا امل، قاطعة عبارتها لتحدق به لثوان جعلته يظن انه حقق مراده، ثم فاجئته بما لا يخطر ولن يخطر بباله :
" الزهور والرسائل .. رومنسية زائدة لا احبذها .. وماذا ؟! انت تحبني ؟! .. ماذا يعني هذا ؟! .. هل انت قادر على الزواج؟.. كلانا يعرف العكس.. انت مازلت تدرس في الجامعة.. أذا هذا لاشيء .. مجرد تفاهات وغباء كبير .. وهذه .. "
رفعت الرسالة بيدها ولوحت بها بينما تتغير ملامحه لتغدو حزينة لائمة.
" اظن ساكون سعيدة بتصحيح أخطائك.. هناك على الاقل ما يزيد عن عشر اخطاء املائية دون ذكر القواعد التي خرقتها.. ثم وصفك لي بزهرة رقيقة ناعمة .. بالقول اني صبار صحراوي مليء بالاشواك .. وعبارة عيناك بلون البندق، بان عيناي بلون عسلي، وشعري ليس اشقر انه بني فاتح محمر .. وان قلبي المرهف كما ذكرت هنا .. ابداً ليس مرهف او حساس انما هو قاس متحجر .. "
راقبت تحرك عنقه وهو يجلي حنجرته.. وتلك النظرة التي باتت قاسية وهي تسترس مهينة اياه اكثر :
" والان ايها المتحذلق ان لم ترد ان اجعل كل من يعرفك يضحك عليك وعلى مراهقتك المتأخرة .. خذ جنونك هذا عني وغادر من فورك .. ا**ه "
رميت مابيدها وداست قدمها الزهرة بعنف واضح .. خاتمة شرورها بواحدة من ابتساماتها المصطنعة .
" ابقى بعيداً عني عمار .. هذا تحذيري الاول والاخير لك .. والا اخبرت أدم بما حصل.. وداعاً "
تخطته متابعة سيرها بلا مبالاة متعمدة .. يدها تجمعت كقبضة لتغرز اظافيرها في راحتها بعنف .. ومع محاولة ضميرها لمساندة افعالها.. لم تشعر الا انها حقيرة باردة المشاعر خصوصاً وطيف الشاب يبتعد عنها ..
ما الذي كان يرجوه من اعترافه ؟! .. الا**ق لا يدرك انها انقذته للتو من جنون اخيها المخفي تحت طبقات وطبقات من الاقنعة المثالية .. اقنعة الشاب المتحضر اللطيف ذو الاخلاق الحميدة التي تتباهى بها والدتها كلما ذكر ابنها .. تحت اتقان التمثيل ليظن الاخرين انه افضل اخ في الوجود.
" جوري!! .. انتظري "
قاطعت رنا افكارها وهي تركض نحوها وشعرها الاشقر الطويل يتحرك بجديلة طويلة فوق كتفها الايسر .. عينان خضراوتان لاقت نظرات جوري وهي تض*ب كتفها بيدها دافعة جسدها الضئيل خطوتان للامام
" حاذري !! "
" انت شاردة .. ما الامر ؟! "
" ساخبرك لاحقاً "
لحظات وانضمت لهما هالة بمجرد وصولهما الى الطريق المفضي للمدرسة
" لابد انكما افتقدتماني في العطلة "
تكلمت رنا بحبور فابتسمت هي تتذكر نزهة السيارة، كانت ممتعة جداً .. الانطلاق بسرعة جنونية متخلية عن كل ما تمثله الحياة لها من قيود.. كان اكثر شعور رائع عاشته في حياتها .
قالت هالة عن يمينها بمتعة تظهر لاول مرة على ملامحها اليوم :
" ليتك كنت معنا .. سرقنا سيارة ابي وتجولنا لساعة كاملة "
" خائنتان !!! "
وصلوا لباب المدرسة الحديدي عابرين الساحة الواسعة نحو البناء المؤلف من خمس طوابق واسعة،ثم توقفوا وسط جموع الطلاب
" هل نفذتي الخطة ايضاً ام لا ؟! "
همست رنا بينما تراقب جوري نافذة الغرفة الخاصة بالادارة .. انها في الطابق الثاني وبجانبها غرفة نائبة المديرة .. غرفتان تعنيان الكثير .. فهي زارتهما اكثر من زيارتها للصف طوال اعوام دراستها الثانوية الثلاثة ..
" لقد فعلنا بالطبع.. "
مر خمس دقائق قبل ان يص*ر صوت الجرس العالي قاطعاً الحديث ودنيا تركض باتجاههم والابتسامة لا تفارق محياها ..
" صباح الخير "
" انتباه !!!! .. الجميع في مكانه .. تحية العلم ثم كل منكن لصفها بترتيب ودون فوضى "
الناظرة حنان كانت تصرخ ناسية انها تحمل مكبر صوت اذى سمع الجميع .. دقائق مرت قبل ان يلتزم الكل بالاوامر .. ليشكلوا صفوف مرتبة متقابلة في ساحة المدرسة الواسعة ..
رتل المعلمين الذين وقفوا بجانب بعض بدى مضحك لها .. كانت هي الخاروف الاسود الذي يزعج الجميع هنا، وشيء واحد يمنع طردها خارجاً وهو علاماتها العالية في اغلب المواد، وهو مالم يفهمه احد .. فهي تتفنن في ازعاج المعلمين والهروب من الحصص أو ان تطرد منها .. كما انها تحتل مكتب الناظرة لعدة مرات يومياً.
" لنبدأ "
كان هذا صوت المديرة، امرأة في الستين من عمرها .. ب*عر مصبوغ داكن اللون معقود ومشدود بتسريحة انيقة ، كانت تضع غطاء رأس .. او هذا ما يظنه الجميع .. وهي تتركه لينسدل على كتفيها بقماشه الحريري الابيض، غير مهتمة بأعادته لمكانه وتغطية شعرها به ، وكأن الاساتذة الاربعة الرجال في الثانوية مجرد اخيلة لا اكثر .
فجأة صدح صوت المغنية نانسي عجرم في ارجاء المكان.. صاخب .. عالي .. وموسيقي.. جاراً ورائه تخبط شديد من الناظرات الثلاث ونائبة المديرة التي صرخت بجنون :
" اوقفوا الاذاعة !!! "
هرعت الناظرتان ولحقت بهم حنان السمينة وانقلبت تحية العلم لصخب ضحك لا يتوقف .. عينا مدرس الرياضة توجهت نحوها وكأنه يؤكد لها انه يعرف من وراء هذا، وبتعاطف خاص ابتسم بوجهها.. لتبادله بابتسامة شقية خبيثة .. كم تتمنى لو انها حظت بأخ مثله بدل.. ورفضت ذكر اسمه..
ما كان مؤكد لينتهي الامر بهذا فهي اول مشتبه به في حال وجود عبث في اذاعة المدرسة داخل غرفة النائبة .. لكن لديها عذرها مؤكد واحداً لن يستطيع احد تجريمها بتعطيل تلك الآلة الصدئة ذات المئة عام .. نانسي بالطبع اكملت طربها حتى توقفت فجأة والاغلب ان الكهرباء قطعت عن نغمات اغنيتها المشهورة .. فالجميع يعلم ان ادخال كاسيت الى تلك الخردة لن يوقفه او يخرسه الا سحب سلك الكهرباء من القابس
" استمتع دائما بهذه الخدعة وكأنها لا تموت .. في كل مرة تركض الناظرة حنان بجسدها السمين اشعر اننا انجزنا المستحيل .. عليها شكرنا لاننا نجعلها تمارس الرياضة كل مرة "
ظهرت سعادتها في بريق عيناها فمالت رنا اقرب اليها :
" ارجوك جوري المرة القادمة فلتضعي شيء لوائل كفوري .. احب صوته جداً .. تلك الاغنية الرومنسية الحزينة .. الغرام المستحيل "
" انا لا احبها.. واخفضي صوتك قبل ان يرانا احد ويعلم اننا الفاعلون "
انبرت هالة تسكت رنا وتأمرها بخفض صوتها بينما تعود الاذاعة لتصرخ بنشيد البلاد .. الصخب انتهى وحل ال**ت بينما تهرع فتاة نحو العلم لتسحب حبله الطويل ترفعه ليرفرف فوق البناء والرياح تكاد تقتلعه من مكانه .. ذاك العلم الذي اكل عليه الدهر وشرب حتى باتت الوانه باهتة وما كان احداً ليهتم بتبديله بآخر.
********
" جوري تعالي ورائي "
امرتها الناظرة سحر بصوت حاد بمجرد ان بدأ الطلاب بدخول المبنى فتبعتها بملل واضح دون ان تتكلم .. وصعدت كلتاهما الدرج الى الطابق الثاني .. مسطرة خشبية متوسطة الطول كانت تقبع في يد المرأة.. للتهديد مؤكد .. فالتعنيف ممنوع او هذا ما يشاع لا اكثر..
" بسرعة .. الكل الى صفه .. لا تجمعات .. هيا من امامي .. انتن !! .. تحركن وتوقفن عن الثرثرة "
صراخها ا** اذني جوري ثم بمجرد وصلوهم .. يد الناظرة اسرعت بفتح باب غرفة الادارة قائلة بغضب ساخر:
" تفضلي .. ايتها المديرة انها هنا "
" جيد .. اقتربي جوري .. اتركينا وحدنا انسة سحر لو سمحت "
وقفت بيديها خلف ظهرها منتظرة التقريع المعتاد من المرأة لكن قبل ان تتفوه بكلمة صوت طرقات قاطعهما ..
" ادخل "
" لقد وصل الاستاذ علاء حضرة المديرة "
" دعيه يدخل .. وانت جوري .. اظن اننا تكلمنا المرة الماضية ووعدتي بعدم فعل هذا مجدداً "
تنفست بوهن تمثيلي يستحق جائزة اوسكار .. وابدت حزن كاذب مخفضة وجهها وهي تهمس :
" لما دائما تتهموني انا ؟! ..لقد كنت غائبة طوال ثلاث ايام ولد*ك تقرير الطبيب الذي احضرته .. ام اني كبش فداء المدرسة وعلي دائما ان اتحمل التقريع ؟! "
" كلانا يعلم انك لست تلك البريئة التي تدعينها .. ثم انت كنت حاضرة يوم الخميس "
" اه صحيح .. ومع هذا لما اتهم دائما باني من فعل هذا ؟! "
" صباح الخير سيدتي المديرة "
التفتت كل منهما نحو المتطفل الذي دخل .. رجل في بداية الثلاثين على ما تظن.. وقف بلباس رسمي داكن قريباً منها وصافح المديرة بحبور لتلاحظ انه طويل القامة .. بحيث انها امالت عنقها للخلف حتى توقفت عيناها على رأسه.. وما ان فعلت حتى تلاقت نظراتها بعينان بندقيتان بمحيط اخضر لمعتا بلطف مقابل فمها المضموم بتمرد .. ليعود وينظر لمديرتها مضيفاً بصوته العميق :
" هل قاطعت شيء ؟! .. اردت تحيتك قبل ان ابدأ حصتي "
" لا.. انه شيء غير مهم.. اجلس لنتكلم قليلاً قبل ان تبدأ عملك "
تملمت على ساقيها تنتظر القادم الا ان المديرة تجاهلتها تطالع الشاب بمودة قبل ان تتنبه لوجودها :
" غادري جوري .. تحذيري الاخير والمرة القادمة سأستدعي ولي امرك "
تن*دت ومال فمها جانباً بينما تجيب بملل واضح :
" حسناً .. طاب صباحك سيدتي المديرة "
اشارت بيدها تطردها فحولت عيناها لتصدم بنظرات من الاستاذ الجديد ، مقطب وكأنه علم لما هي هنا ولم يعجبه الامر .. لكن من كان يهتم لرأيه .. مؤكد ليس جوري .. انفصلت نظراتهما لتطلق نفس مرتاح فقد مر الامر بسلام بفضله .. دخوله انقذها من تحقيق لن ينتهي ..
" اذا استاذ علاء ماذا ... "
لم تسمع باقي الكلمات ولم تهتم لتسمعها .. اذاً لقد انضم استاذ جديد للمدرسة.. لن تنكر انه بدى راقٍ محترم ولديه نظرة ثاقبة عميقة .. متذكرة لون قميصه الزيتي اسفل بذلته الداكنة الذي ابرز لون عينيه بشكل واضح .. من يلوم المديرة لطردها مؤكد تفضل صحبته عن وجود جوري..
ما أن دخلت الصف تجمهر الجميع حولها يهلهلون لها ويضحكون دون توقف .. لتفاخر هي بأفعالي كما العادة.. ثم ينتشر الجمع لتجلس كل طالبة مكانها..
" لدينا ضيف جديد "
همست لصديقاتها وهي تتوجه نحو مقعدها الخشبي.
" ضيف ؟! .. من ؟! "
سألتها هالة بتقطيبة فاجبت بصوت منخفض وهي ترمي حقيبتها ارضاً بين قدمها :
" استاذ جديد اسمه علاء .. لكن لم اعلم ما تخصصه "
" لغة عربية "
انبرت دنيا من خلفها لتدخل رأسها بين رؤوسهم وتضيف :
" انه بديل الاستاذ جهاد .. وسمعت انه من اقرباء المديرة .. "
هتفت رنا بصوت عالي مقاطعة رفيقة مقعدها :
" انظر لقناة الجزيرة .. تباً من اين تحصلين على معلوماتك ؟! "
كانت محقة بالتشبيه .. الفتاة اداة جمع اخبار كمنجم لا ينضب.. عندها تتلاقى كل شائعة وحدث او حتى قرار مهم..
تحدثت جوري وهي تدفع بيدها رأس رنا للخلف بعيداً عن اذنها :
" دنيا محقة .. شاب اسمر بعيون واسعة بنية .. طويل القامة ويشبه .. اممم .. اتذكرين ذاك الممثل الذي تحضرين مسلسله ؟! "
سألت رنا التي التمعت عيناها فوراً هاتفة :
" يزن ( بطل فضيلة وبناتها ) "
" لا .. ليس يزن الذي صدعتي رأسنا به .. المسلسل العربي .. "
اجابتهم هالة بهدوء وكأن الامر لا يعنيها :
" انها تقصد ذاك الممثل المصري .. "
عادت دنيا لتهتف بحبور وتصرخ في اذنها :
" اه صحيح هذا .. انه يشبهه .. "
مع ازدياد نقاشهما دخلت المعلمة لتعلن عن بدأ حصة الفيزياء .. رباه .. من يبدأ يومه بوجه كهذا ومادة ثقيلة تكرهها .. الانسة ملك .. كانت كل شيء سوى ملك .. كان يمكن تسميتها ثقيلة الظل .. بجسد ضعيف وملامح صارمة .. غولة قد تبتلعك ان قررت تجاوزها وكانت الوحيدة التي تحاول جوري جاهدة تجنب اغضابها .. كان يجب ان يكون ادم ابن هذا المرأة لا والدتها..
" هل حللتم الواجب ؟! "
" يا فتاح يا عليم "
همست رنا بصوت منخفض وهي تخرج كتابها لتفعل هي المثل .. مرور سريع للمعلمة على دفاتر الجميع لتتأكد ان كتب الواجب، ثم بدأت حصة الت***ب التي لا تنتهي ..