مـجـنـونـة احـتـلـت قـلـبـى " الـفـصـل 1 "
"الابتسامة لها متخصصون في رسمها وإخراجها في أبهى صورة."
صفَّ سيارته في موقف السيارات والتي وجد بها تجمُّعًا كبيرًا من سيارات يعرفها ولا يعرفها ولكنه لم يهتم؛ بل كل ما كان يهمه الآن والدته التي هاتفته وهي غاضبة من تأخره.
ليترجل من سيارته مغلقًا إياها بالقفل الإلكتروني قبل أن يتجه إلى الخارج ومنه إلى داخل الفندق؛ حتى يستطيع الوصول إلى قاعة الاحتفال التي تتواجد بها عائلته.
توقفَ مُجبرًا فور أن اصطدمَ كَتِفهُ بتلك الفتاة التي كانتْ تحمل هاتفها منشغلة بالنظر إليه، لتتحول تعابير وجهها من الهدوء إلى الغضب بثوانٍ معدودة بعد أن حمدتْ اللَّه بداخلها على عدم سقوط هاتفها.
لترفع نظرها إليه بتعابير وجهها المتجهمة، ليقا**ها هو بنظراته القلقة من تأخره أكثر، ليهتف باعتذار:
= أنا آسف جدًّا يا آنسة، مكنش قصدي.
جزت فوق أسنانها بغضب قبل أن تهتف به مخرجةً غضبها بالحديث:
= آسف! ودي أصرفها من أنهي صيدلية؟! ومكنش قصدك كمان! إنتَ هتعملهم عليّ؟ ما إنتَ شايفني وأنا مشغولة في تليفوني وكنت قاصد تخبط فيّ، آه إنتَ أكيد متحرش.
اتسعت حدقتيه بدهشة من حديثها وقد ظهرتْ دهشته جليًّا في نبرة حديثه حين قال:
= متحرش إيه! أنا قربتلك أساسًا؟!
أجابته هي بنبرة غاضبة:
= أيوة متحرش مهو يبان عليكم محترمين وبِدَل والآخر تطلعوا...
قاطعها هاتفًا بغضب قد نقلته إليه بعدما رأى نظرات العاملين في الفندق الذين تجمعوا على صوت شجارهم:
= أنا مش متحرش يا آنسة، أنا دكتور محترم ومسمحلكيش تقولي عني كدة.
عضت شفتيها بإحراج؛ محاولة إيجاد كلمات مناسبة للاعتذار منه على تسرعها الأ**ق الذي دائمًا ما يوقعها في المشاكل. فكيف لطبيب ان يكون متحرشًا؟؟
لتتحدث بخفوت مخفضة نظراتها بخجل:
= أنا آسفة جدًّا، مكنتش أعرف إن حضرتك دكتور معلش، أنا متسرعة.
زفر هو بغضب عدة مرات محاولًا بثّ الهدوء لنفسه؛ حتى لا يغضب عليها مجددًا ليضطر لقبول اعتذارها؛ فهو يعيش مع شقيقته أكبر مثالًا للمتسرعين.
تحدث بهدوء راسمًا ابتسامة بسيطة فوق ثغره:
= حصل خير يا آنسة.
أخفضتْ نظرها للأسفل وهي تعض على شفتيها بقوة محدثة نفسها بصوتٍ خافت وصل إلى مسامعه:
= جاتك نيلة في حلاوتك و إنتَ قمر كدة، دكتور وقمر في نفس الوقت.
كبت ضحكته بصعوبة محاولًا التحكم بها؛ حتى لا تنفلتَ وتفضحه؛ فهي من كانت تنعته بالمتحرش بينما الآن هي من تتغزل به.
ليتقن رسم الجدية فوق ملامحه وهو يتسائل متدعيًا عدم سماعها:
= أفندم!
رفعت نظرها إليه وقد اعتلى التوتر قسمات وجهها ليقسم أنّ حبات العرق أصبحتْ تجاهد؛ للخروج إلى جبهتها.
لتحاول استجماع شتات نفسها حتى تحدثه بصوتٍ هادئ مُخفية ذلك التوتر الذي على وشك فضحها ولكن...
= فاطمة.
ذلك الصوت الذي صدح باسمها جاعلًا إياها تلتفت؛ لترى من المنادي، هو من أنقذها من ذلك الموقف الصعب الذي وضعتْ ذاتها به.
اتجهت نحو صديقتها التي خرجتْ خصيصًا لتستقبلها، بينما هز رأسه بيأس على تلك المجنونة هامسًا لنفسه وهو يتجه إلى الداخل:
= أقسم بالله مجنونة، بس اسمها حلو.
بينما على الجانب الآخر كانتْ تعاتب صديقتها على تأخرها قائلة:
= إيه يا رشا، كل ده تأخير؟ وإيه تايهة دي؟ على أساس أول مرة تيجي هنا.
ضحكت «رشا» بخفة وهي تحاوط كتفها ملقية بكل إجابات أسئِلتها:
= زحمة المرور يا فطوم و القرية بتاعتكم دي كبيرة و مشوار من البوابة للجراچ، وبعدين أنا مقُلتلكيش تايهة، أنا قولتلك اطلعي خوديني؛ لإني معرفش القاعة فين، لكن كالعادة حضرتك متسرعة ودايمًا بتتعصبي عليّ.
زفرتْ «فاطمة» بضيق من عيبها الذي تأنبها عليه والدتها دائمًا، ولكن ماذا تفعل؟ فعقلها يصنع الأسباب الغ*ية دائمًا وفي النهاية يتضح أنها ظالمة.
أخرجتها من تفكيرها المعاتب صديقتها التي تسائلت بتعجب:
= ألّا مين القمر اللي كنتِ واقفة معاه ده؟
نظرتْ إليها لثواني تحاول استيعاب ما قالته، حتى تذكرتْ من كانت تقصد لتجيبها بلا مبالاة:
= ده واحد كان بيسأل على الطريق.
قطعت حديثها وهي تمسك بيد صديقتها تسحبها خلفها وهي تحدثها بضيق:
= ثم إني أُخت العريس والمفروض آخد فرصتي وحضرتك كدة بتعطليني.
ضحكتْ «رشا» بخفة وهي تستسلم ليدها التي تسحبها؛ فهي تعلم كم انتظرتْ صديقتها هذا اليوم ورتَّبت إليه كثيرًا وقد حان الوقت لتنفذ خططها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مرَّ أكثر من ساعة ونصف وهو يشعر بالملل الشديد ورغبة ملحة بالهروب من هذه الضوضاء، ولكن للأسف لا يستطيع؛ فهو مُجبر على انتظار عائلته.
زفر بضيق وهو يلتفت إلى والدته الجالسة بجانبه تتابع الجميع ببسمة، تجاورها شقيقته التي انشغلت بهاتفها غير عابئة بالأجواء حولها.
ليميل عليها هامسًا في أذنها برجاء:
= ماما، ما يلا نمشي خلاص الفرح قرب يخلص أساسًا؛ فمش هتفرق.
تن*دتْ والدته بهدوء حاولتْ بثَّه إليه وهي تهمس له:
= مينفعش أمشي وأسيب صاحبة عمري كدة، ده واجب يا حبيبي وبعدين العروسة تبقى بنت عمتك، أنا لو مشيت كدة بسرعة عمتك هتقول إيه؟ ثم أد*ك قُلت إحنا في آخر الفرح، يعني مفضلش كتير اصبر شوية بقى.
حاول إقناع والدته ولكنه فشل، ليهمس لها في محاولة أخيرة للهروب:
= طيب مينفعش أمشي أنا وبعدين...
قاطعته والدته وهي تنهره بغضب:
= ونروح أنا وأختك بليل لوحدنا؟ إنتَ بتهزر يا ياسين؟!
زفر «ياسين» بحنق وهو يعتدل في جلسته مجبرًا على الانتظار؛ حتى تكمل والدته واجبها باتجاه صديقتها المقربة و عمته ايضا.
لتعتلي الدهشة قسمات وجهه فور أن وقعتْ عينيه على تلك المشا**ة وهي تسير خلف صديقة والدته المقربة بفستانها ذي اللون النبيذي، وحجاب من اللون الأبيض ومستحضرات التجميل الرقيقة التي تزينتْ بها لتزيدها جمالًا فوق جمالها، وهي تتباطئ في سيرها خلف تلك المرأة التي لا يعرف صلتها بها ويبدو عليها الضيق.
ارتسمتْ ابتسامة بسيطة فوق ثغره فور تذكره لمَ حدث بينهم، ليكبت نوبة ضحك جديدة كادتْ تصيبه؛ حتى لا ينعته الجميع بالمجنون.
توقفتٔ خطواتها فور أنْ توقفت تلك المرأة أمامها، لتقترب من والدته ترحب بها هي وابنتها، بينما وقفت تلك المشا**ة تتطلع إلى ذلك الجالس يتابعها بابتسامة تسلية، بصدمة قد شلَّت تفكيرها لثوانٍ قبل أن تنغزها والدتها لتلتفت إليها تستمع لها وهي تهتف بها بهدوء:
= فاطمة، إنتِ عارفة طبعًا طنط منال وبنتها نادين أحب أعرفك بقى بابنها الكبير الدكتور ياسين سُليمان، أشهر دكتور جراحة مخ وأعصاب في مصر وبرة مصر.
التفتت إلى «ياسين» وهي تتحدث بابتسامة:
= ودي فاطمة بنتي يا ياسين، خريجة إدارة أعمال.
وقف «ياسين» مرحبًا بهم بابتسامة في حين بادلته هي الابتسامة بأخرى مهزوزة، وهي تحييهم بوجهٍ قد هربتْ الدماء من عروقه فور رؤيته له، لتقسم أنها ستختنق إن بقيت دقيقة واحدة هنا، لتلتفتَ إليهم مستئذنة منهم قبل أن تهرب خارج القاعة بأكملها متجهة إلى الحديقة؛ لعلها تعيد إليها أنفاسها المسلوبة.
بينما تابع هروبها بابتسامة بسيطة لا ينكر تفاجُئِه بكونها ابنة صديقة والدته المقربة، ولكن ربما أعجبه خجلها مما فعلته معه، ليتناسى تفاجئه بهذا عائدًا للجلوس مجددًا بعد ذهاب والدتها.
مرتْ عدة دقائق وقد مل حقًّا من الجلوس هنا، ليلتفت إلى والدته يستأذن منها بالخروج إلى الحديقة، ثم رحل بعدما أخبرته بموافقتها كأنه نال الحرية بهذا.
سار بالحديقة الواسعة قليلًا ينقل أنظاره بين الخضرة وهو يتنفس بعمق مستنشقًا النسيم الناعم الذي يض*ب وجنته، لتقع عينيه عليها وهي جالسة على إحدى الطاولات الموضوعة بالحديقة، ليقرر الذهاب إليه؛ لربما ينهي سوء التفاهم الذي حدث.
وقف أمامها يتابع شرودها بنظرات هادئة قبل أن يقطعه قائلًا:
= مساء الخير.
أجفلت على صوته لتلتفت إليه ترمقه بنظرات غلفتها التوتر وهي تجيب بخفوت:
= مساء النور.
_ ممكن أقعد؟
= اتفضل.
جلس قابلتها وهو ينقل أنظاره في المكان قليلًا في **ت، بينما كانت تتابع **ته بنظرات متوترة وهي تعبث بأظافرها قليلًا، ليقرر قطع **ته أخيرًا وهو يقول:
= أنا آسف على اللي حصل برة، أنا فعلًا مكنتش قاصد، أنا بس كنت مستـ…
قاطعته وهي تتحدث بخجل قد سببه باحترامه الزائد وهي مُخفضة نظرها عنه:
= أنا اللي آسفة معلش، مكنتش أعرف إنك ابن طنط منال، أنا اللي اتسرعت معلش.
أومأ لها بخفة قبل أن يقول بابتسامة:
= لا حصل خير، بس ابقي خودي بالك المرة الجاية.
اومأت له بخفة وهي تخفض نظرها الي الاسفل، لتمر لحظات **ت قليلة قبل ان يلتفت اليها متسائلا:
= صحيح إنتِ بتشتغلي؟
رغم تعجبها من سؤاله إلَّا أنها أجابته:
= لأ، مبشتغلش، قاعدة في البيت.
تحدث هو مجددًا بجدية:
= طيب أنا عندي ليكِ عرض شغل.
_ شغل إيه؟
= أنا محتاج سكرتيرة عندي في العيادة وأنا بعرض عليكِ الشغل ومش عاوز موافقتك دلوقتي خودي وقتك في التفكير براحتك.
رمقته بتفكير للحظات سادها ال**ت وهي تقلب فكرته برأسها قليلًا، ولمَ لا؟ فربما تكون جيدة لها، لتتحدث قائلة بهدوء:
= طيب أنا هفكر وأرد عليك.
أومأ بخفة وهو يخرج لها الكارت الخاص به قائلًا بهدوء وهو يضعه امامها:
= ده الكارت بتاعي إذا وافقتِ كلميني على الرقم الأخير، عن إذنك.
استأذن منها ثم قرر العودة إلى الداخل، بينما التقتت هي الكارت تطالعه ب**ت للحظات وقد وجدتها فرصة جيدة لها، ولكن يجب أولًا أن تفكر جيدًا؛ حتى تأخذ قرارًا صائبًا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مرّ يومان على ذلك العرض وهي ما زالت تفكر به، هل توافق أم لا؟ حتى توصلت إلى قرار بعد تفكير طويل.
نزلتْ الدرج ثم اتجهت إلى حيث تجلس والدتها بخطوات مترددة تجاورها شقيقتها الصغري «نسمة» وهم يشاهدون التلفاز سويًّا؛ حتى توقفتْ أمامها تلقي عليها التحية وهي تجلس بجانبها ب**ت لثوانٍ قبل أن تتحدث بتردد:
= ماما، كنت عاوزة آخد رأيك في حاجة.
التفت إليها والدتها تسألها بتعجب:
= خير يا طمطم، في إيه يا حبيبتي؟
أخذت «فاطمة» نفسًا عميقًا تحاول بثّ الهدوء لنفسها قبل أن تزفره على مهل وهي تخبرها بعرض «ياسين» وعن طبيعة الوظيفة.
لتزفر والدتها بضيق وهي تقول:
= تاني يا فاطمة موضوع الشغل ده تاني! يا بنتي إنتِ ناقصك إيه علشان تشتغلي؟ ده إنتِ أبوكِ مش مخليكِ محتاجة حاجة.
حاولت «فاطمة» إقناعها قائلة:
= يا ماما ربنا يباركلنا فيه هو فعلًا مش مخلينا محتاجين حاجة، بس أنا تعبت من قاعدة البيت وبعدين يعني أنا كنت بتعلم ليه؟ علشان أقعد في البيت! ثم إني مش هشتغل عند حد غريب ده ابن صحبتك الانتيم يعني أمان.
**تت والدتها قليلًا تحاول التفكير في قرار جيد لتتفاجئ بـ «نسمة» التي جلستْ بجانبها تحدثها بمرح؛ حتى ترضخ لرغبة «فاطمة»:
= جري إيه يا عزة؟ ما تسيبي البنية تشوف حياتها هي هتفضل مكبوتة كدة لحد إمتى؟ سبيها سبيها يمكن تطلعلنا بعريس من الشغلانة دي، وتتجوز ونخلص منها.
ارتفعت ضحكات «عزة» على ابنتها المشاغبة بينما نكزتها «فاطمة» في ذراعها لتفكيرها بهذا الشكل لتحدثها «نسمة» بحنق وهي تتحسس ذراعها موضع يد شقيقتها:
= الحق عليّ إني بساعدك، طيب متوافقيش يا ماما.
سارعت «فاطمة» نحوها تمسك برأسها تقبلها وهي تهتف قائلة بابتسامة واسعة:
= أنا آسفة يا سوسو، حقك عليّ متزعليش.
ضحكت «نسمة» والتي استمتعت كثيرًا باعتذارات شقيقتها حتى تحدثت «عزة» منهية كل هذه الضوضاء؛ لعلها تتخلص منهم:
= خلاص يا فاطمة، أنا موافقة إنك تشتغلي، كويس كدة.
صفقت فاطمة بيدها بسعادة وهي تقترب محتضنة والدتها التي بادلتها العناق بحنان، لتبتعد عنها مستأذنة بالذهاب متجهة إلى الأعلى؛ لكي تهاتفه على نفس الرقم الذي أعطاها إياه في يوم الحفلة معلنة عن بداية الحرب بين طرفين مقدر لهم الكثير.
_______________________________________