لن أفعل

1115 Words
أنهت "غادة" حديثها القصير مع الطبيب المشرف على القسم الذي تعمل به بتلك المشفى الحكومي العام، ودعته مبتسمة.. ثم إستدارت عائدة إلى غرفة مكتبها بسرعة أقفلت الباب ورائها و إتجهت نحو "فرح" الجالسة في الركن القصي هناك شاردة الذهن على الأخير، شدت "غادة" كرسي و جلست بدورها قريبة منها هي تلكزها في كتفها مغمغمة : -ها قد عدت إليك يا قدري.. و الآن أخبريني بالضبط ماذا حدث ؟!!! أفاقت "فرح" من شرودها متطلعة إليها مبهورة الأنفاس ... -أنا نفسي لا أعلم ما الذي دهاني غادة !! .. قالتها "فرح'' و هي لا تزال تحت وقع الصدمة الصدمة من نفسها ... إزداد فضول "غادة" و هي تحثها قائلة بنفاذ صبر : -هل سنجلس هنا و نحل الألغاز ؟ لقد تركت عملي لدقائق معدودات و عليّ أن أعود مسرعة. تكلمي يا فرح أين أخذك هاشم البارودي ؟ ما الذي حدث بينكما ؟؟!! إبتعلت "فرح" ريقها بصعوبة و **تت لبعض الوقت تجمع الكلمات على ل**نها، ثم قالت بلهجة غير واثقة : -لقد جاء إليّ اليوم.. بعد أن خابرتك في الصباح و قلت لك أن السيدة تيسير طردتني من العمل. عدت أدراجي إلى المنزل.. فوجدته ينتظرني أسفل البناية ! حثتها "غادة" على الإستمرار : -و بعد.. ما الذي صار ؟ هل قال لك شيئًا ؟! دارت حدقتاها قبل أن تستقر عليها مجددًا، و قالت بتردد : -في البداية تشاجرت معه و رميته بالسباب.. ثم. ثم ... -ثم ماذا ؟؟!!! .. صاحت "غادة" بضيق شديد -هذا ليس إسلوبًا جيدًا للحوار يا فرح. تكلمي مثل الناس و إحكي لي كل شيء ! كزت "فرح" على أسنانها و هي تومئ لها مغمضة العينين، ثم فتحت عيناها فجأة و هي تقول بآلية مندفعة : -سيمر غدًا ليأخذني إلى قصر "البارودي" لأستلم ميراثي و أقيم هناك و معي أمي. و سيعلن عن زواجنا أمام العائلة !! فغرت "غادة" فاها في هذه اللحظة، و قالت بذهول : -ميراث ! زواج ؟؟؟ هل تزوجتي به فرح ؟؟!!!! فرح بإسراع : لا ليس بعد ! غادة بإستنكار : ليس بعد ؟؟؟ أفهم من هذا أنك أعطيته موافقتك ؟!!! عصرت "فرح" عيناها و هي تطلق ن*دة مطولة و قالت هامسة : -لم يسمح لي بالإعتراض. حاولت أن أقاومه. لكن هذه المرة كانت مختلفة.. عندما ألتقيته للمرة الأولى و عرفت من هو. تحفزت مشاعري العدائية نحوه تلقائيًا. إنما اليوم.. فضلًا عن مشاعر اليأس و الحزن التي غمرتني. وجدت نفسي مجرّدة من دفاعاتي أمامه. كلما حاولت أن أتسلح بالقوة و الشجاعة كنت أفشل.. حتى إنتهى بي المطاف عاجزة عن قول كلمة "لا".. إذ كيف أقول لا ؟ بعد أن حاصرني من كل إتجاه. لقد قالها صريحة. قال أنه لن ينفك عني أبدًا و لن يتركني ! و أنتابها الهلع فجأة و هي ترتعد ممسكة بيديّ صديقتها بقوة قائلة : -هذا يعني أن لا أمل لي بالفرار منه. قولي لي ماذا أفعل يا غادة ؟ إن آخر شيء أريده هو أن يضعني أحد في هذا الموقف. الموت أهوّن من أن يفتضح أمري و أمامه هو بالذات !! و أخذ جسمها يرتعش وجلًا، مالت "غادة" نحوها دون أن تترك يدها و طفقت تهدئها بلطف حازم : -إهدئي يا فرح. إهدئي أرجوك لا تخافي. أنا هنا معك لن أسمح لأحد بأن يؤذيك أقسم لك ! فرح بخوف شديد : -و لكني لم أرفض طلبه. و تركته يرحل على وعد أنني سوف أنفذ الوصية. و الميراث و الزواج منه جزء لا يتجزأ من الوصية.. إذن قولي لي ما الحل الآن ؟!!!! غادة بجدية : دائمًا هناك حل. لا تقلقي يا عزيزتي.. و لكن أود أولًا أن تخبريني كيف طلبك للزواج هذه المرة ؟ ماذا قال لك و ماذا قلت له ؟؟ فرح بشحوب : أخبرتك أنني لم أحسن الرد عليه. فإعتبر **تي و عجزي موافقة هزت "غادة" رأسها قائلة : -ماذا قال بالضبط ؟ أعيدي كلامه على مسامعي يا فرح ! و هنا أشاحت "فرح" بنظراتها بعيدًا، شردت في الساعة المنصرمة مرددة كلماته المحفورة برأسها : -قال أنه يضع وصية جده في المقام الأول. و أنني سوف أحصل على ميراثي و سأنضم إلى منزل العائلة.. و عن مسألة الزواج. قال أنه سيمهلني بعض الوقت بعد عقد القران حتى أعتاده. و من ثم سأصبح زوجته بكل ما للكلمة من معنى. و أمًا لطفلته أيضًا ! و كأن "غادة" قد بوغتت، صاحت قابضة على عبارتها الأخيرة : -آاااه كدت أنسى طفلته. كيف سيتزوج بك و له طفلة ؟ هذا يعني أنه متزوج ! نظرت "فرح" لها و قالت بلهجة مرهقة : -أنه الآن أرمل. لقد أخبرني أن زوجته و تكون إبنة عمتي على حسب كلامه. ماتت منذ عامين و تركت له الطفلة.. و أخبرني أيضًا أنه بات متمسك بي أكثر من أجلها. فهو يريد أن يمنحها أمًا عوضًا عن التي رحلت ! برمت "غادة" شفتاها تحت أسنانها مفكرة لبعض الوقت، ثم قالت بهدوء : -حسنًا يا فرح.. إلى هنا يؤسفني أن أقول لك أن لا مناص لك من مواجهة الأمر.. يتحتم عليك الذهاب إلى الطبيبة هذه المرة و إجراء الفحص بـ آ ا ... -أنت ماذا تقولين ؟ هل جننت ؟؟؟؟ .. صاحت "فرح" بذعر، و تابعت بإسلوب هستيري : -لا يمكنني فعل ذلك. لا. لا لن أفعل. لا أريد أن أواجه شيء و لا أريد أن أجري أيّ فحص. لا. لا ... غادة و هي تهدئها مرةً أخرى بأقصى ما لديها من لطف : -يا عزيزتي إهدئي. أرجوك.. إلى متى هذا الخوف و الرعب ؟ لابد أن تنهي هذه المآساة التي تهدد حياتك. أنت لا تستطيعين خداعي يا فرح. و أنا أعلم جيدًا أن هذا الرجل يعجبك. و أنك تريدينه في قرارة نفسك.. أخبريني هل أنا مخطئة ؟ و صوّبت إليها نظراتها القوية لتجبرها على النطق بالحقيقة، و بالفعل، إعترفت "فرح" و الدموع تسيل من عينيها بغزارة : -أجل يا غادة. أجل هو يعجبني. و يعجبني كثيرًا..أرأيت الكارثة ؟!!! و هنا إبتسمت "غادة" و هي تقول لها بعطف : -و لماذا تقولين كارثة ؟ هذا أمرًا عادي. هاشم البارودي من الرجال الذين يصعب أن ترفضهم النساء. بل أراهن أنهن يلاحقنه أينما يذهب و خاصةً بعد وفاة زوجته. هو أعزب الآن و يعد فرصة ذهبية لأي فتاة أو إمرأة في محيطه.. فرح أنت لد*ك قلب. لا ينبغي أن تغلقي أبوابه حتى ينهل منه الصدأ. إسمعيني هذه العلاقة هي كل ما تحتاجين. إذا تزوجتي من هاشم أنا متأكدة من أنك ستنالين السعادة التي تستحقينها فرح بسخرية مريرة : -و ربما أنال فضيحة تنهي حياتي من فورها. فأنا حتمًا لن أقوى على العيش لحظة واحدة إذا تأكد شكي إزاء حادثة طفولتي ! غادة بلهجة مشجعة : -و لهذا يتوجب علينا الذهاب إلى الطبيبة يا عزيزتي. لا تقلقي أنا سأكون معك. لن أتركك لحظة وا آ ... -قلت لك لن أذهب إلى الطبيبة ! .. قاطعتها "فرح" بصرامة مجددًا، و أكملت بصوت تمزقه دموعها المحرقة : -صحيح أنه فرصة كما قلت. ربما إن لم يكن في حياتي هذا السر لكنت عشت معه حياة سعيدة.. لكن هذا لن يحدث. سأذهب معه إلى منزل العائلة و أتسلم ميراثي. و ربما أوافق على عقد القران.. لكنني لن أسمح له بإكتشاف أمري. و لو كان الثمن حياتي.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD