هدوء

1520 Words
إنها لمعجزة... وصولها إلى البيت سالمة فإمتلأ عيناها بالدموع، و عدم إستقرارها، و التيه الذي إستبد بها منذ خروجها مطرودة من مكان عملها... كل هذه أشياء كانت من شأنها إجتذاب مصائب الطريق لها في كل خطوة تخطوها .. إلا إنها وصلت.. نعم، ها هي تمشي تحت ظل الشجرة الضخمة القائمة أسفل منزلها، تمشي من**ة الرأس، من**رة الخاطر، بخطوات بطيئة متجهة نحو البوابة الكبيرة لم تكاد تمد ساقها للأمام حتى تعبرها، لتسمع صوته.. الذي بات مميزًا منذ اللحظة الأولى لسماعها له ... -أهلًا بعودتك يا إبنة الخال ! تسمَّرت "فرح" مكانها في هذه اللحظة، إستغرقها الأمر لحظات حتى تمكنت من تمالك أعصابها، ثم تأهبت و هي تستدير نحو مص*ر الصوت ببطء ... رأته ! مرةً أخرى، يتكئ إلى سيارته الفارهة مرتديًا تلك العوينات الشمسية الداكنة .. و كالعادة متأنق، بقميص رمادي ضيّق، تعلوه سترة كحلية، و سروال من قماش الكتَّان المزدوج أ**د اللون، و حذاء لامع مصنوع من الجلد الإيطالي لحظة.. أهي تتفرسه ؟؟؟؟؟ ما الذي تفعله بحق الله ؟ أين ذهب عقلها ؟ أم أنه تلف أخيرًا بعد كل ما صار لها ؟!!! إزدادت صدمتها المبطنة من نفسها حين شاهدت زاوية فمه ترتفع بإبتسامة خبيثة و هو يقول : -أقدر هدوئك هذا. و لا أتذمر من وقوفك هكذا تقيسيني طولًا و عرضًا بنظراتك.. فأنا يا عزيزتي أدرك تمامًا تأثيري على النساء. و خاصة اليافعات أمثالك ! و كأنها كانت بحاجة لتلقي القليل من غطرسته التي إختبرتها مرة واحدة، لتنقلب صدمتها غضبًا عارمًا و هي تهتف من بين أسنانها : -أنت مجددًا أيها الحقير. ألم تكفيك إهاناتي لك بالمرة السابقة فجئت لتنال المزيد ؟ لا بأس إذن. يسرّني أن أمنحك ما تريد ! للغرابة بدا "هاشم" شديد البرود رغم كلماتها الجارحة، بل و قال بإبتسامة صغيرة مداعبة و هو ينتصب ماشيًا ناحيتها بخطواته الرشيقة : -أتعلمين ! لا يمكنني أن أغضب منك أبدًا يا فرح. ليس لأنك إبنة خالي فحسب. بل لأنني أب. و لديّ إبنة هي كل ما أملك و أحب. في الحقيقة أنت تذكريني بها كثيرًا. الجاذب بيننا لم يتجلى عبثًا ! طالعته "فرح" من أعلى لأسفل قائلة بإزدراء : -عددتني إبنة خالك و إبنتك في آن ؟ هل أنت مجنون ؟ أم ما زلت تآمل في حكم الوصايا عليّ. يؤسفني أن أخبرك بأنني جاوزت السن القانوني و لم أعد قاصر بعد الآن. مما يعني أن وجودك هنا غير مرحب به و أنني لو طلبت لك الشرطة في هذه اللحظة و قدمت فيك بلاغ إزعاج أو ربما.. تحـــرش. ربما عندها يتشوّه إسم عائلتك الكبير.. ما رأيك ؟ إبتسم "هاشم" من جديد و قال متجاهلًا نصف عبارتها الأخير : -عندما شبهتك بإبنتي.. لم أكن أقصد أن تكوني كذلك مثلها فعليًا بالنسبة لي.. إطلاقًا. بل كان قصدي أن هناك بعض الصفات المشتركة بينكما. فهي بحكم طفولتها لا زالت قاصرة على الإدراك. و تفتقر للكثير من تعاليم و الآداب و مع ذلك لا ينقص رصيدها من العطف و التسامح عندي.. و لكن أنت.. ماذا تراني أصنع معك ؟ كيف أعاقبك على وقاحتك و قلة أدبك ؟!!! كزت "فرح" على أسنانها و منعت نفسها بقوة من الهجوم عليه سواء بالض*ب أو الألفاظ النابية... فطبعًا ستكون الخاسرة في تلك المعادلة الخطيرة، لا هي بقادرة على تحمل وكزة واحدة من يده الضخمة تلك، و لن تكون سعيدة أبدًا إذا تخلى عن غلافه الراقي المهذب و أظهر لها عنفوان الرجولة الحقيقية، بل أنهأ ربما تدخل في حالة إكتئاب تودي بها إلى الإنتحار في النهاية ذلك لو سمعت منه كلمة توبيخ واحدة.. ليس لخوفها من التوبيخ، إنما الخوف من توبيخه هو لا يجوز أن يوبخها رجل مثله، رجل لا يسعها الإنكار أنها تنجذب إليه بطريقة أو بأخرى.. بالطبع تنجذب، هذا شيء بديهي لا إختلاف عليه، فمن ذا الذي يستطيع أن يتجاهله أيَّ كان ؟؟؟؟؟ -قل لي هاشم البارودي.. ما الذي آتى بك إليّ هذه المرة ؟! كشر عن إبتسامة صغيرة هذه المرة و هو يقول بإنتصار : -جيد. بدأت تدركين مصلحتك.. فأنت حتمًا مهما بلغت درجة بذائتك لن تتغلبي عليّ أبدًا ! و هنا أخذت "فرح" تستشيط غضبًا، ثم فقدت السيطرة على نفسها و هي تض*به بقبضتها في كتفه صائحة : -فلتذهب للجحيم ! و ذعرت في نفس اللحظة و رأت أن تلوذ بالفرار فورًا قبل أن تنال منه العقاب الذي يتوق إليه... لكنها و قبل أن ترتد على عقبيها، أحست بقبضته الحديدية تهوى على كتفها، لتجد نفسها في أقل من الثانية أمامه مباشرةً لا يفصلها عنه سوى القليل جدًا، حبست أنفاسها و هي تتطلع إليه شاخصة الأنظار عبر مستوى قامتها القصير للغاية مقارنة به هو، صاحب الطول الفارع ذاك المُلفت للنظر ... -فتاة شجاعة مثلك لا ينبغى لها الفرار بهذه الطريقة ! .. قالها "هاشم" ماطًا الأحرف بنعومة، و تابع مستمتعًا بمراقبة الإضطراب المتراقص بعينيها : -لا عليك يا عزيزتي. لا تفزعي هكذا. إطمئني فأنا بالتأكيد لن أعمد إلى معاقبتك هنا على قارعة الطريق ضمت شفاهها و هتفت من بين أسنانها و هي تحاول التنصل منه بكل قوتها : -لست خائفة منك. أتسمع ؟ أنت آخر شخص من شأنه أن يتسبب في إثارة مشاعري بأيّ طريقة هاشم بمرح : أحقًا ما تقولين ؟ تعني أنني لم أثيرك مطلقًا ؟ يا للغرابة. كيف لم يحدث هذا معك ؟ لا ريب أنني أعرف تأثيري جيدًا على النساء !! فرح بإنفعال : لست كأي فتاة أو إمرأة قابلتها أنت. أنت لا تعرفني. و إذا لم تتركني الآن فسأصرخ و لن أتركك إلا في قسم الشرطة ! ضحك "هاشم" قائلًا : -ذلك من دواعي آسفي فأنا ليست لديّ النية في تركك الآن. بل أنا في الحقيقة آتيت لأصطحبك إلى مكان هادئ حتى نتمكن من الوصول إلى تسوية فرح بإستنكار : لن أذهب معك إلى أيّ مكان ! هاشم بثقة : بلى ستذهبين ! و شهقت بعنف حين إجتذبها بقوة و أدخلها إلى سيارته بسرعة لم تستوعبها، تبينت أنه وضعها بالكرسي الأمامي و صفق الباب بعنف، تمالكت نفسها و هي تزيح الشعر الذي غطى وجهها لتتمكن من الرؤية، مدت يدها نحو قفل الباب و حاولت أن تفتحه لتهرب من ذلك المجنون !!! لكنه ما لبث أن جاورها في كرسي السائق و أغلق جميع أبواب السيارة بضغطة زر، ثم شغل المحرك و إنطلق من فوره... لهثت "فرح" و هي تدير رأسها ناحيته صارخة : -أيها المعتوه الحيوااان.. أوقف السيارة. أوقفها الآن سمعتنـــي !!!! رد "هاشم" ببرود دون أن يحيد عن الطريق للحظة : -إهدأي يا فرح. أسكني قليلًا أتراني أختطفك ؟ إنما أريد أن أتحدث إليك فقط على إنفراد و بهدوء فرح بعصبية : لقد تحدثنا بالفعل. لا يوجد شيئًا آخر نتحدث عنه حانت منه إلتفاتة قصيرة نحوها و هو يقول : -تعرفين أن هذا ليس صحيحًا. و تعرفين أيضًا أنني لن أنفك عنك إلا بعد تنفيذ وصية جدنا.. و الواقع أنني لن أتركك أصلًا بعدها. فبمجرد دخولك إلى العائلة ستصبحين زوجتي و أمًا لطفلتي ضحكت بقسوة يغلفها التوتر و قالت : -هذه خيالاتك المريضة فقط. قلت لك أنني أفضل الموت على ذلك.. أنا لا أعتبر نفسي فردًا من عائلتكم. و لا أتوق للوصال الذي تتغنى به. لا تهمني الوصية و لا يغريني المال. أتمنى أن تفهم ذلك و تتركني و شأني رجاءًا.. و صاحت بغضب شديد : -و الآن أعيدني إلى بيتي. أو أوقف السيارة. أتسمعني قلت لك أوقفها. أوقفها. أوقفهااااااا !!! ضاق "هاشم" ذرعًا بصراخها المستمر و المُ**، فإضطر للنزول عند رغبتها خاصةً حين شاهد المارة يلتفون نحو الصراخ المنبعث من السيارة السائحة بالشوارع إختار مكان نائي قليلًا ليقف فيه، أطفأ المحرك، ثم إلتفت إليها و قد بدا لأول مرة معها نافذ الصبر ... -كما قلت لك مسبقًا ! .. تمتم "هاشم" بصلابة -لا أعلم حقيقة مشاعرك بالضبط تجاه العائلة. و لا ماهية ذلك الشيء الذي تسبب في رفضك القاطع لقبول إرثك. سيكون من العسير عليّ تصديق حجة عدم إعتراف جدي بك و بأمك بادئ الأمر. الآن حقك يرد لك و مع ذلك ترفضينه. رغم أنني لو كنت مكانك لم أكن لأتخلى عن فلسًا واحدًا من حقي. و كنت لأسعى جاهدًا لتحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال و الأصول التي لا حصر لها.. أخبريني من فضلك ما الدافع الحقيقي لرفضك ؟ هل أنا و عرضي لك بالزواج ؟ تكلمي يا فرح أنا الآن أخاطبك بمنتهى الجدية ! كانت قبضتها الممسكة بقفل باب السيارة تتراخى شيئًا فشيء خلال حديثه، و لا إراديًا ... أطلقت زفرة حارة مطوّلة، غطت وجهها بكفيها و هي تغمغم بهدوء أخيرًا : -لست أنت. و لا العائلة.. صدقني أنا حقًا لا أريد منكم شيء. أنت محق. أيّ أحد غيري سيغتنم الفرصة التي واتته بشدة.. لكن أقسم لك. أنا زاهدة في هذا الحق الذي تزعم أنني أستحقه ! هاشم بحزم : أنا لا أزعم فرح. أنا أقرر حقيقة مفروغ منها. إسمعيني جيدًا .. و مد يده ليزيل كفيها عن وجهها تطلعت إليه بعينيها الم**وّة بالدموع.. دموع غريزية، بينما أخذ يرمقها بنظراته القوية النفّاذة و هو يقول : -أريدك أن تعلمي أنني أضع وصية جدي في المقام الأول. أعني لا أقصد مضايقتك إن كان هذا ما تتصورينه عني ! هزت رأسها نفيًا و كادت تتكلم، ليجمدها عندما وضع إصبعه فوق شفاهها مكملًا بإصرار : -أنت ستحصلين على ميراثك و سوف تنضمي إلينا بمنزل العائلة. و هذا قرار نهائي ستقبلينه.. أما بالنسبة لمسألة زواجنا. فهي ضمن الوصية أيضًا ... و **ت مفكرًا لبعض الوقت، ثم قال كمن يقدم تنازلًا : -لكنني سوف أمهلك كل الوقت الذي تحتاجينه. إلى أن ترضي تمامًا.. وقتها ستصبحين زوجتي بكل ما للكلمة من معنى.. أظن أن العرض بات أكثر قبولًا الآن ! رفرفت "فرح" بأهدابها و هي تتلعثم بالكلمات مرتبكة : -و و لكن. آ هذا. لـ آ ا ... -إنتهى فرح ! .. هتف "هاشم" بصرامة -لا مزيد من الكلام في هذا الأمر. لقد أعطيناه وقتًا أكثر مما يستحق.. لقد حان آوان فتح الوصية.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD