لعبته

1586 Words
ولجت "غادة" مرةً أخرى إلى غرفة "فرح"... أغلقت الباب خلفها بهدوء، كانت تحمل في يدها فنجانًا كبيرًا تتصاعد منه الأبخرة سارت به نحو "فرح" المتكومة فوق سريرها في سكون، تحت ضوء الإنارة المصفّر، تلتحف بغطاء سميك دون أن يص*ر عنها أيّ صوت أو حركة.. لكنها كانت مستيقظة، مستيقظة تمامًا ... -هاك مشروبك الساخن ! .. قالتها "غادة" بصوت خفيض و هي تجلس على طرف الفراش الوثير أمسكت بذراع "فرح" و أجبرتها على الجلوس مجتذبة إياها بحزم.. سقط اللحاف حتى خاصرة الأخيرة، و لمحت "غادة" أدمع تسيل من بين شعرها المشعث و الذي تبعثر حول وجهها بفوضوية لم تزيدها إلا جاذبية ما كان بها إلا أن أطلقت ن*دة عميقة و لتسيطر على بوادر بكاء شعرت به في إحتراق عينيها، لا شك أن ما سمعته منها مفجع، التفاصيل كارثية.. و لكن لا يتوجب عليها أن تنهار هي الأخرى، إذا فعلت و كم هي قريبة من ذلك.. لن يتم حل شيء، و الأمر سيظل كما هو و حالة صديقتها سوف تزداد سوءًا ... -هيا يا عزيزتي. إفتحي فمك ! .. تمتمت "غادة" و هي تقرب الفنجان من فم "فرح" و أبت إلا أن تسقيها المشروب الساخن كله على جرعات، و كم كانت صبورة و حنونة كعادتها أصلًا.. وضعت الفنجان الفارغ جانبًا، و همّت تدثر كتفي "فرح" بوشاح كبير ملقى إلى جوارها أخذت تمسد ذراعيها تارة، و تكفكف لها دموعها التي أغرقت وجهها تارة أخرى.. لم تنفك عنها إلا بعد أن هدأت نوعًا ما، ثم قالت بصوتها الهادئ : -لقد نامت أمك الآن. بالكاد إستطعت أن أُسكّن روعها عليك. قلت لها أنك ذهبت في نزهة لتنفسي عن غضبك منها و من موقف البارحة برمته ثم خلدت إلى النوم. و يبدو أنها صدقتني ! **تت "غادة" لبرهة عسى تعلق "فرح" على كلامها بأيّ شيء.. لكنها ظلت على حالها، فأضافت "غادة" بجدية لا تخلو من الحِلم : -و الآن علينا أن نتحدث يا فرح. بعد أن أفصحت لي عن سرك.. يجب أن أعلم كل شيء. حتى أتمكن من مساعدتك. فأنا ما زلت أجهل بعض التفاصيل الهامة -غادة أرجوك كفى ! .. قالتها "فرح" هامسة و قد تدفقت موجة دموع جديدة من عينيها فورًا -لن أقدر.. لن أقدر على قول المزيد. ما من أقوال أخرى لديّ !! جزعت "غادة" لمرآى نظراتها المثقلة بكل هذه الآلام، و فمها الذي إنقبض كابتًا نحيبًا زلزل أركان جسمها.. تخلت عن تحفظها اللطيف في هذه اللحظة و إنفجرت بها : -أوتحسبين أنني سأتركك بعد الذي سمعته ؟؟؟ ماذا تظنينني فرح ؟ يتوجب عليك شرح الأمر كله لي. لن تتركيني هكذا. لن تتركيني أتخبط في الظلام كما كنت في السابق. إما أن تقولي كل شيء الآن أو سأذهب أنا لأمك و أستجوبها بنفسي قبضت "فرح" على يديها و هي تقول متوسلة : -لا تفعلي يا غادة. لا تفعلي أرجوك. ذريني و جهلي أرجوووك. لقد فررت من عند الطبيبة لأنني أدركت أن لا طاقة لي بتأكيد شكوكي. لو تأكد الأمر لن أحيا دقيقة أخرى -شكوكك ؟!! .. رددت "غادة" مقطبة بشدة أومأت "فرح" قائلة : -أجل. أنا لا أتذكر شيئًا من تلك الليلة سوى ما أخبرتك به ! .. و تابعت بمرارة كبيرة و هي تستحضر ذكرياتها المشوشة من جديد : -لطالما سألتيني عن غرفة الطفولة المغلقة بجوار غرفتي. ألححت كثيرًا لتعرفي لماذا هي موصدة لسنوات يعلو الغبار و الأتربة بابها. لم أفتحها و لن أفعل ما حييت.. ببساطة يا غادة لأنها تحمل أحلك ذكرياتي و أفظعها على الإطلاق. هناك حيث صار ما أجهله أنا و تعلمه أمي. قرابة سبع سنوات و أنا أتجنب الإتيان على سيرة تلك الليلة. إنما أتعذب بأفكاري فقط -إذن حريًا بنا أن نذهب الآن و نطالب أمك بالحقيقة لكي ترتاحي و ننهي هذا للأبد. هيا قومي معي ! .. و شدتها من يدها بقوة لتقاومها "فرح" بإصرار نائحة بحرارة : -لاااا يا غادة توقفي أرجوك. لقد قلت لك أنني مكثت طوال تلك السنوات مجتنبة أيّ سبيل يؤدي للحقيقة. لن أقوى على تلقيها من أمي الآن. أتوسل إليك لا تكوني قاسية عليّ أنت أيضًا. لا تجعليني أشعر بالندم لأني أفشيت لك سري ! و إنخرطت في بكاء هستيري من جديد ... رق قلب "غادة" مرة أخرى و زفرت بشدة و هي تشدها من كتفيها لتحتضنها مغمغمة : -حسنًا.. إهدأي. سأفعل ما تريدين. لن أذهب لأمك. لن أسألها شيئًا. و لكن إهدأي يا فرح. لا أطيق أن آراك هكذا ردت "فرح" بصوت مكتوم يخالطه بكائها و نهنهاتها : -شكرًا غادة. شكرًا لك.. لن أنسى حُسن صنيعك معي. أبدًا ! و هنا إرتدت "غادة" للخلف قليلًا لتنظر لها و تقول بجدية : -و لكن لا يمكننا أن نتجاهل الأمر طويلًا. فكما رأيت عروض الزواج لا تتوقف عن ملاحقتك. و خاصةً العرض الأخير.. هاشم البارودي. قريبك هذا لا أظن أنه سيتركك فرح عقدت "فرح" حاجبيها مزمجرة : -لن يجرؤ على الإقتراب مني. دعيه يفعل ما يشاء. ليبحث عمَّن يسايره في لعبته المثيرة للشفقة. و في أحلامه فقط لو كنت أنا ! رمقتها "غادة" بعدم رضا و قالت : -فرح. أود أن أقول لك شيئًا مهمًا. في الواقع أود أن أنصحك.. إسمعيني يا أختي أنا مقدرة تمامًا لحالتك النفسية و أتفهم قلقك بل و أنا أتضامن معك من أعمق أعماقي.. و لكن. ذعرك هذا و إصرارك على الهروب من الحقيقة كل هذه أشياء لن تعود عليك بفائدة. و لن تجدي الراحة أبدًا إذا ظللت مختبئة داخل قوقعة الذكريات المؤلمة. يا عزيزتي هناك حلقة مفقودة في حدث جلل مضى بحياتك لكنه يهدد حاضرك و مستقبلك. لا أتخيل أن تستمري على هذا النحو. سوف تفقدي عقلك في أسوأ الإحتمالات.. أو ربما تفقدين حياتك !! تقلصت قسمات وجهها ألمًا و هي ترد عليها بآسى : -و هل تُراني لم أحاول ؟ أتظنين أنني سعيدة بوضعي يا غادة ؟ أنا فتاة مثل كل الفتيات. أؤمن بالحب. و أحلم بعلاقة عاطفية ناجحة. و زواج مستقر و منزل أكون سيدته. و أطفال يشبهونني و أغمرهم بحبي غير المشروط و اللانهائي.. و لكن للآسف. فكما أؤمن بالسعادة. كذلك أضحيت أعي أن هناك حفنة من البشر قد كتب عليهم التعاسة طيلة حياتهم. و أنا واحدة من هؤلاء.. منذ ولادتي لم يُقدر لي عيش حياة طبيعية. لم يبق في حياتي أثرًا لم يناله الدمار. كل شيء إنتهى بالنسبة لي. فقط بضعة سنوات من عمري يتحتم عليّ قضاؤها على هذا المنوال شئت أم أبيت ! غادة و هي تهز رأسها بشيء من العصبية : -أنىّ لك إطلاق الأحكام القاسية على نفسك و جلد ذاتك هكذا ؟ أنت حتى لم تتأكدي من الأمر !!! فرح بصرامة : و لا أريد أن أتأكد. ففي كلتا الحالتين لن يزداد الأمر إلا سوءًا. و لا أعلم كيف سأصنع مع أمي إذا تبينت لي الحقيقة. إنها مدانة على أيّ حال. و أنا بالكاد أستطيع النظر بوجهها ! .. و تن*دت بثقل مكملة : -و لا بأس لو تألمت و تعذبت ما بقيّ من حياتي.. عسى الآلام و الأوجاع التي لحقت بي من الطفولة و حتى الكهولة أن تشفع لي عند رب العالمين. فيرحمني و يكافئني على صبري و إحتسابي ! _____________________________ صباح يوم جديد ... في منزل المشغولات اليدوية، تقف "فرح" أمام السيدة "تيسير" المالكة، تكاد تنفطر من شدة البكاء و هي تحاول إثنائها عن القرار الذي إتخذته بشأنها للتو : -إنه لم يكن سوى يوم يا سيدة. يوم واحد تغيّبت فيه عن العمل دون أن تسنح لي فرصة الإعتذار. هل أُطرد لأول غلطة أقترفها ؟ ألا تمنحيني فرصة أخرى ؟!! نفثت السيدة "تيسير" دخان سيكارتها في الهواء و هي تتشدق في الرد عليها : -آسفة يا فرح. لا يسعني منحك أيّ فرصة. أنت تعرفينني جيدًا و تعرفي المبدأ الذي أقمت عليه هذا المكان. لا يمكن أن أخالفه و إلا فسيطمع غيرك في فرصة كالتي حصلت عليها و لن ألاحق على كل من سيحذو حذوك. عندها سيكون غلق المكان أهوّن عليّ بكثير من تحمل تلك المهزلة فرح بنحيب مرير : -و لكن أنا أفضل المشرفات لد*ك. أنا الأفضل يا سيدة و طالما أصبت لك أرباحًا وفيرة نتاج كدي و إخلاصي في العمل.. هل تفرطين فيّ بهذه البساطة ؟!! تيسير بفتور : أعذارك كثرت خلال الفترة الأخيرة يا فرح. لا أعلم إذا كنت لاحظت. و لكني بالفعل منحتك أكثر من فرصة.. أما اليوم. فلا. سامحيني لهذا رجاءًا ! تهدل كتفيّ "فرح" بيأس في هذه اللحظة، لتقول كأنما تخاطب نفسها : -إذن ماذا أفعل الآن ؟ لا يمكن أن أجد عمل بأسرع وقت. و حتى إن وجدت.. مستحيل أن يكفي راتبه إحتياجات أمي و المنزل. لا أملك ما يخوّلني تسلم وظيفة ملائمة. و لا أملك إعانة من شأنها أن تسد متطلبات أمي و بقية الواجبات المفروضة عليّ.. يا إلهي. ماذا أفعل ؟!!! برقت بعينيّ الأخيرة نظرة عطف سرعان ما خبت و هي تقول بصوتها الغليظ : -لولا أنك توليت بنفسك توزيع الرواتب قبل يومين لكنت نلت حصتك قبل أن ترحلي. و كما تعلمين خزنة المال فارغة و كم كنت أود حقًا مساعدتك و لو بأبسط شيء ! في ظروف أخرى كانت لترد عليها "فرح" ردًا يليق بكرامتها المهدورة و كبريائها المجروحة، لكنها أحوج ما تكون إلى ال**ت الآن.. لتحفظ ما تبقى من ماء وجهها إنها حتى لا تعلم ما الذي أصابها ؟ لماذا أصبحت هشة بهذا الشكل المخزي ؟ لماذا أصبحت الدموع أقرب إلى عينيها منها إلى الكلمات إلى فمها ؟؟؟؟ ما السبب ؟؟؟؟ و ما العمل الآن ؟؟؟؟ و هكذا غادرت "فرح" المكان الذي عملت به لأكثر من ثلاثة أعوام.. خرجت منه و هي تجر أذيال الخيبة و الخسران مجددًا، المصير الذي يأبى أن يفارقها و لا ينفك يذكرها به كلما حاولت نسيانه ... تنفست السيدة "تيسير" الصعداء ما أن توارت "فرح" عن ناظريها، إستدارت حول مكتبها و أطفأت سيجارتها بالمنفضة، بينما ترفع سماعة الهاتف و تطلب آخر رقم خابرها ... -مرحبًا سيد هاشم ! .. هتفت "تيسير" بلهجة متوترة و هي تخاطب طرف المكالمة الآخر -أجل. لقد تم الأمر.. فعلت كل ما آمرتني به و سرَّحتها للتو من المشغل.. لا يا سيدي.. الأمر لم يعد يتعلق بالمال.. لا ترسله من فضلك.. لقد سرَّحت فرح فقط لأنني أعطيتك كلمتي.. لكنني الآن نادمة و بشدة. لا أعلم لماذا.. و لكن كل ما أعلمه جيدًا أنني لم أعد أريد مالك.. لم أعد أريده.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD