ماريا سيليستي
فتحتُ عينيَّ على اتساعهما شاهقةً من الفزع، أنفاسي متسارعة وجسدي غارق في العرق، أحطت رأسي بكفيّ وهززته يميناً ويساراً علّه تغادرني تلك الأفكار، يا رب السموات إنه ذاك الكابوس مرة ثانية، ومرةً أخرى شردت مع نفسي وسرقتني الذكريات..
فهي رفيقتي وكاتمة أسراري فلم تكن لي يوماً صديقةٌ مقربةٌ نتسامر سوياً، فنبوح لبعضنا عما فعلته بنا الحياة والأحبة الذين ما كانوا إلا ألماً كبيراً وجرحاً غائراً في صدورنا، ولكنه قدري وأنا أؤمن بالقدر واستسلمت ورضيت بالواقع من سنوات عديدة مضت، تحديداً من ثماني سنوات، أنا فقط ونفسي ومذكراتي..
سمعت جرس الباب يقرع بقوة لا يريد قارعه إبعاد يده عنه، فنظرت إلى الساعةِ بجواري فعبست في نفسي وهمست: "من الذي سيأتينا في الثامنة صباحاً في هذا اليوم، واليوم هو الأحد"
على أي حال فاليوم إجازتي ووعدت ابنتيَّ الحبيبتَيْن بنزهة في أي مكان يختارانِه، وارتسمت على وجهي ابتسامةً حزينةً عندما تذكرت يوم أن علمت بأِّني حامل ومع الأسف كان هو نفس اليوم الذي فقدت فيه أغلى إنسان عليّ في الوجود، زوجي وحبيبي..
والذي لم أعلم عنه شيئاً منذ ذلك الحين البعيد، وها أنا الآن والشكر لفرناندو؛ ثم سخرت في نفسي ومن أقدارنا وكيف نجعل من ظروفنا أكبر عدوٍ لنا حين تسيّرنا كما تشاء، ونحن لا ندرك أننا في طريقنا للنهاية، فلقد كانت علاقتي به هي مشكلتي وحلها.
"ما بك سيليا لقد أصبحت عاطفية وهشة للغاية".. أنّبت نفسي بلطف.
فرناندو هو شقيق لأمي من جهة والدها فقط، وها أنا ذا وبمساندته ودعمه لي وتشجعيه وعنايته الشديدة بي، والذي كان أفضل شقيق وصديق ورفيق لي _طيلة الفترة الماضية وما زال_ حققت حلمي بأن أصبحت ممرضة في مستشفى جوزيه فروتّا هنا في سيارا العاصمة حيث أعمل في قسم حديثي الولادة، وأم لفتاتين في السابعة من العُمر، أجل إنهما توأمٌ غير متشابهتين، واللّتَيْن كانتا شمسي وقمري طيلة تلك السنوات وقبساً من عبق الحبيب الذي لن أمَلَّ من انتظاره ما حييت (ليليان وفيفيان).
"كم أنا حمقاء لقد نسيت أمر الطارق" أنَّبْتُ نفسي ثانيةً ساخرة منها على هذا الشرود العجيب الغريب الذي يلازمني منذ مدة ليست بالقصيرة، وللمرة الثانية سمعت قرع جرس باب المنزل الغاضب على ما يبدو مثل صاحبه.
فخطفت ردائي المنزلي وأسرعت الخُطَى وأنا أرتديه على عَجَلٍ وشددت زمامه ويدي على الباب أقول "آسفة، لقد تأخرت"، بصوتٍ عالٍ وابتسامة لطيفة على شفتيّ ثم فتحت الباب وأنا أنظر لهذا الطارق.
فقال الطارق بصوتٍ أجشٍ، متردد، غيرَ مصدقٍ لما يراه وكأنه ما كان متأكداً من العنوان "سيليا.."، ورفع عينيه إليّ فتسمّرت مكاني، وأنا أضعُ كفي على فمي أكتم شهقة مفزوعةً وأقول من هَوْل المفاجأة "يا الهي الرحيم..".
وعلمت الآن والآنَ فقط كيف تكفُّ عن الدوران، كيف تفقدين الكلمات، كيف تتسارع أنفاسك، ويثب قلبك داخل ص*رك مئة مرة في الدقيقة، يصرخ بكِ يريد الخروج، وتساؤلات عديدة تدور بعقلي وتعصف بقلبي، هل أنا أحلم في وَضَح النهار؟! أم أنه هو ميغيل آنخيل حبيبي وزوجي؟!..
وردّدت ما خطر على لساني وكأنها ترنيمة مقدسة، كرّرتها بهمسٍ أخاف أن يسمعني فقد يكون حلماً ويختفي "ميغيل هل هذا أنت؟"، ردّدت بوجع عميق وشوق عظيم.
كانت الشمس خلف ظهره كأجمل وأروع طلّةٍ قد تراها يوماً، فرمشت عينيّ سريعاً وأنا أستحضر هيئته التي ما غابت عني لحظة من ليلٍ أو نهار، فهو كما هو ولكن زاد شعره الفاحم طولاً حتى وصل ياقة قميصه، وانتثرت على فوديه شعيرات فضية جميلة ما زادته إلا جاذبيةً ووقاراً، وعينين واسعتين وعميقتين لن تجد لهما قراراً أبداً مهما أطلت إليهما النظر، وأنف مستقيم وفم رجوليّ أنيق بتلك الشفاه السفلى الممتلئة والعليا الأقل امتلاءً، وكما كان يقول لي دائماً لا تكتمل هيئة وأناقة رجال دي آل ميديتشي دون لحية خفيفة مهذبة، وهذا ما كان.
يا إلهي لم تزده الأيام والسنوات إلا وسامةً وجاذبية، أما أنا فكيف يراني؟، ولماذا يراني؟، وكيف علِمَ بمكاني؟، ومن أخبره؟ ودار عقلي ألف ألف دورةٍ في دقيقة واحدة وداهمتني الظنون، وفاجأتني تلك الدموع الخائنة الحارقة اللعينة فلم أستطع إلا أن أستدير وأعطيه ظهري، فكيف أواجهه وأنا أسمع الآن وأرى ذلك الباب الذي انخلع من مكانه والصراخ والضجيج وتلك الكلمات اللعينة التي لن أنساها ما حييت.
وأذكر فتاة في التاسعة عشر من عمرها تركض خلفه وتقول لاهثة خائفة "أرجوك حبيبي لا تذهب، إستمع إليّ فقط وسأفعل كل ما تريد، هل تريد أن نترك المنزل حسنا فلنفعل"
وأنا أركض خلفه من زاوية لأخرى وهو يجمع أغراضه وملابسه القليلة في حقيبته الوحيدة، بينما عينيه تطلق الشرارت من الغضب وأنفاسه متلاحقة ولا أعلم ما قالته أمي له في ذاك اليوم الذي لا أستطيع وصفه بأي كلمة تعبر بما يضيق بص*ري.
"ميغيل، حبيبي تحدث إليّ، قل شيئاً أرجوك"، ظللت أكلّمه برجاء يعذبني وخوف يمزقني، ولا أعلم له سبباً، غير أنني أشعر بذلك وحسب.
فنظر إليّ تلك النظرة التي أردتني قتيلة بالفعل وقال "لم أندم على شيء فعلته في حياتي مثلما ندمت عندما خطوت عتبة هذا المنزل، وعندما أحببتك وتزوجتك"، ثم دفعني بكل قوته فسقطت أرضاً.
ثم غادر منزلنا وعلمت فيما بعد أنه ترك بلدتنا بالكامل بل وعاد إيطاليا بلده وموطنه، فهل عاد بعد أن مرّت كل تلك السنوات، هل كانت سنواتاً؟! أنا أظنها بالأمس فقط..
سمعت صوته العذب الدافئ بلَكْنَتِه المميّزة والذي طاردني في يقظتي ومنامي، يناديني هامسا ً قَلِقَاً وخائفاً مثلي تماما ً "سيليا حبيبتي..".
حينها رفعت نظري إليه في نفس الوقت كما فعل وانجذبت أبصارنا كما كنا سابقاً وكأن تلك السنوات ما كانت، بل كانت أنفاسه داخل ص*ري ودماؤه تجري في عروقي أنا، أنا وحدي، وابتسامتي تنير يومه هكذا كان يقول لي كل يوم من أيام زواجنا القصيرة جداً جداً.