الفصل الأول: الذكرى الثالثة والعشرون
"كلّ من تزوّجها… لم يُرَ بعدها مجددًا."
هذا ما كانت تهمس به العجائز عند زاوية السوق،
ثم يُسدلنَ ال**ت كأنهنَّ أقسمْن ألّا يُكملْن…
في قرية رُها، حيث يختلط ضوء الشمس بضباب كثيف لا يزول حتى الظهيرة، نشأت أسطورة عروس الشبح قبل قرون طويلة.
يُقال إنّ فتاةً بيضاء الشعر، تظهر في ليلة مكتملة القمر، وتتزوج من شاب وحيد يُختار من نسلٍ "ملعون".
العروس لا تتحدث.
لا تضحك.
ولا تبكي.
تأخذه معها إلى النُزل القديم… ولا يعود بعدها أبدًا.
الناس هناك توقفوا عن طرح الأسئلة.
فالأساطير، حين تُكرر لقرون، تصبح حقائق غير قابلة للنقاش.
لم يكن صباح الذكرى الثالثة والعشرين كباقي صباحات عمره.
كان الهدوء يخنق المكان كما لو أن الزمن توقف احترامًا لمصيرٍ لا يُرجى منه نجاة.
فتح ريان عينيه ببطء، يتفحّص السقف الخشبي لغرفته، كأنه يراه لأول مرة.
كان الهواء راكدًا، والضوء يتسلل من نافذته القديمة بنعومة رمادية، كأن الشمس ترفض أن تشرق عليه بالكامل.
نهض بتثاقل، مرّر يده على شعره البني الداكن، ثم جلس على طرف السرير.
كانت أصوات الطيور غائبة، وكذلك رائحة الخبز التي تعوّد أن يشمّها كل صباح من فرن العجوز "زهيرة" القريب.
كأن القرية كلها دخلت في حداد صامت... بانتظار الليلة.
الليلة التي يُجبر فيها وريث الدم الملعون على الزواج من عروس الشبح.
كل من بلغ سن الثالثة والعشرين من عائلة "آل نجم" اختفى في ليلة زفافه.
وتكررت الحكاية كل جيل، كأن الزمن يعيد نسج ا****ة بخيوط جديدة من الألم.
وقف ريان أمام مرآته الصدئة.
حدق في عينيه، تلك العينين التي ورثها عن والدته، والتي اختفت هي الأخرى بعد أن حاولت الهرب به من القرية قبل سنوات.
كان في العاشرة حينها، يتذكر صرخاتها، ويتذكر رجال القرية وهم يسحبونه من يدها… ويتذكر كيف لم يرها بعدها أبدًا.
"هكذا تعمل اللعنة..." همس لنفسه.
ارتدى قميصًا أ**د وبنطالًا بسيطًا. لم يُرد أن يبدو كالعريس الذي يحتفل… بل كمن يسير نحو جنازته الخاصة.
خرج من البيت الصغير الذي تركه له والده، والذي بدوره اختفى في ليلة حاول فيها التدخل لمنع الزفاف.
الطرقات كانت فارغة، الأبواب مغلقة، والستائر مسدلة.
حتى الأطفال، الذين لطالما كانوا يركضون خلف العربات، اختفوا كما لو أن الريح ابتلعتهم.
عند مفترق الطرق، وقف شيخ القرية، مرتديًا عباءته الرمادية الثقيلة.
"ريان بن طلال آل نجم..." نطق اسمه كما لو أنه يقرأ من حكم إعدام.
توقف ريان أمامه دون أن ينبس بكلمة.
"ستُعقد المراسم بعد الغروب... في النُزل، كما هي العادة."
مدّ الشيخ يده بورقة صغيرة مختومة بالشمع الأحمر.
كانت دعوة الزفاف.
أخذها ريان ب**ت، وحدق فيها طويلًا.
كان الخط أنيقًا بشكل غريب، وكأن من كتبه لا ينتمي لهذا العصر، ولا لهذا العالم.
"العروس ستكون بانتظارك..."
رفع ريان عينيه، ليقول شيئًا، أي شيء، لكن الشيخ كان قد اختفى.
قضى ما تبقى من نهاره في المقبرة.
يجلس على حجر بارد، يقرأ أسماء أفراد عائلته المنقوشة على الشواهد.
"أبي، جدي، عمي... هل رأيتموها؟ هل كنتم تعلمون حقيقتها؟"
أخرج من جيبه سكينًا صغيرًا، نقش به على حجر أبيه:
"سأكون الأخير. لن تسلبنا بعد اليوم."
وحين بدأت الشمس في الانحدار، نهض وسار نحو النُزل القديم.
- - -
كان النُزل في طرف القرية، قرب الغابة التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.
بُني على الطراز العثماني القديم، مغطى بالأخشاب الداكنة، نوافذه عالية وستائره من الدانتيل الأبيض المهترئ.
دفع ريان الباب، فصرّ صريره كأن المكان يتألم من الداخل.
كان فارغًا... كليًا، و الهدوء يسود المكان، كأنه لم يُدخل قط.
لا حفل، لا موسيقى، لا شهود… فقط شموع على جانبي السلم تؤدي إلى الطابق العلوي.
صعد درجات السلم المغبرة ببطء.
كل خطوة كانت تُص*ر صدى وكأنها توقظ شيئًا نائمًا في أعماق الجدران.
وعند باب الغرفة الأخيرة، توقّف.
كانت مفتوحة، وستائرها تتحرك برقة، مع هواء لا يشعر به.
دخل… وهناك، رآها.
كانت تقف أمام النافذة، ب*عر أ**د طويل يمتد حتى خصرها، وفستان أبيض نقيّ يلمع تحت ضوء القمر، وظهرها له، تغني بـأسلوب موسيقى الأوبرا القديمة مع ألحان كئيبة.
كانت ألحانها الكئيبة تبدو و كأنها حاول قص حكايات دفنت تحت تراب النزل.
لم تلتفت حين دخل.
ولم تتحرّك.
قال بصوت خافت: "نايلا؟"
فهمست، بصوت لم يشبه صوت أي فتاة سمعه من قبل:
"لقد تأخرتَ يا ريان... كنت أعدّ الثواني."
استدار قلبه للحظة.
كان في صوتها دفء لا يتماشى مع كل ما سمعه عنها…
لكن هناك شيء آخر… شيء بارد، يختبئ خلف تلك النبرة الهادئة.
اقترب خطوة.
فهمست مجددًا:
"هل أنت مستعد لتكون عريسي؟ أم أنك، مثل مَن سبقك، ستحاول الهرب؟"
همس بصوت مرتجف:
"ما أنتِ؟"
استدارت إليه بهدوء.
وابتسمت.
لكن تلك الابتسامة… لم تكن إنسانية بالكامل.