الثامن عشر

2015 Words
الثامن عشر قلوبنا ليس جهازا إلكترونيا يمكنك برمجته على أى نظام تريد !!... فقد سميت قلوبا من تقلبها وعدم ثباتها على حال فإن أردت المكوث بها طويلا متربعا على عرشها فعليك ان تدفع مهرها ولكن اعلم أن مهرور القلوب لا تُدفع بالذهب ولا بالمال ... بل بنبيل خلقك ..وطيب تعاملك... وفيض اهتمامك القلوب كالطين...كتربة الأرض التى خرجنا منها .. إخلاصك بذورها فإن رويتها واعتنيت بها أنبتت لك أطيب الثمر..وأخرجت لك من زهرها الشذى والطيب... ولكن لا تزرع الصبار ثم تشكو شوكه.. هى زرعتك وهذا حصادك... فى الصباح الباكر استيقظت ماريا على صوت جرس الباب المتواصل فأنتفضت بحيرة من يأتى فى هذا الوقت بكريقة لا تنذر بخير أبدا قامت مسرعة لترتدى إسدالها ثم جرت لتفتح الباب فوجدت ( إسلام) ابن عمها أمامها تظهر على وجهه الكثير من الكدمات والجروح فصاحت بصدمة: إسلام؟!! إيه اللى حصل ؟!! إيه اللى عمل فيك كده؟! فصاح بقلق : مفيش وقت أشرحلك البسى وتعالى معايا بسرعة ..... فصرخت : طيب فهمنى ع...... فقاطعها بنبرة رجاء..البسى وانا هحكيلك في الطريق على كل حاجة كانت هيأته وتعجله لها لا ينذر بخير أبدا فأسرعت تجرى نحو غرفتها مرتدية ملابسها وهى تشعر برجفة مخيفة في قلبها أما هو فقد سبقها إلى السيارة منتظرا نزولها لم تتأخر عليه فقد لحقت به بعد دقائق معدودة اسرع بالانطلاق بسرعة بعد ركوبها مباشرة فصاحت بذعر: احنا راحين فين باإسلام؟؟! فهمنى أرجوك أنا اعصابى مش مستحملة فقال دون ان يلتفت إليها وعيناه مثبتتان على الطريق أمامه : راحين المستشفى... وقبل أن تستفيض فى أسألتها اختصر عليها الطريق مكملا حديثه بتأثر؛ عملنا حادثة كبيرة قوى من يومين واحنا راجعين من الافتتاح وبابا وتيته حالتهم خطيرة ..بالذات بابا هو بقاله يومين فى غيبوبة وفاق الفجر ومن ساعتها وهو بينادى عليكى باستمرار وطلب منى اجيبك يشوفك ضرورى حالا طبعا ماقدرتش اجيلك الفجر ماصدقت النهار طلع وجت لك على طول وآخر ما كانت تتصوره أن تسيل دموعها وتشعر بالحزن على عمها وجدتها التى لم ترَ منهما يوما لمحة من حنان ولكن ربما صدق القدامى حين قالوا : الظفر لا يخرج من اللحم فمهما قسى علينا الأهل لا نملك الا ان نحبهم وحتى لو توهمنا ع** ذلك.... تأتينا المواقف الشديدة لتذيب ما بداخلنا من شحناء فلا يبق الا الود ولا يكون هذا إلا مع أنقياء. القلوب الطيبون الذين يتنفسون السماحة والتسامح بقيت صامتة طول الطريق لا تجد ما تقوله وقد انستها صدمتها وقلقها أن تتصل بهشام لتبلغه بذهابها مع ابن عمها إلى المستشفى للقاء عمها ... .......... أما هو فقد استيقظ فى وقته المعتاد تنفس الصعداء حينما وجد الفراش إلى جواره خاليا منها.. ولكن تذكر أنه الآن برحيلها أصبح فى مشكلة أخرى فكيف سيقضى الليلة مع ماريا وحبيبة وحدها فى البيت؟؟ وفى نفس الوقت لا يريد أن تذهب حبيبة برفقته إلى بيت ماريا فتلاحظ العلاقة الباردة التى بينهما وتعرف انهما ينامان منفصلين ورجوعهما كزوجين مازال قيد وقف التنفيذ يبدو أنه لا يملك خيارا آخر .. فقرر أن يتكلم إليها فى هذا الأمر وهو متيقن أنها سترحب بوجود حبيبة وتفرح بهذا الأمر... قام من فراشه فتوضأ وصلى الصبح ثم توجه لإعداد الفطور له ولأخته ثم طرق باب غرفتها قائلا بمرح: ال**لانة اللى هتروح عليها المحاضرات من كتر. النوم... فوجدها تفتح الباب سريعا ولا يظهر عليها آثر للنوم : صباح الخير يا أبيه..أنا صاحية بدت الدهشة على ملامحه وتسآل: انتى مانمتيش ولا ايه؟؟ حركت رأسها إيجابا بخفوت قائلة: بصراحة آه ماجليش نوم طول الليل بعد الموضوع اللى كلمتنى فيه امبارح فلاش باك.... هشام: فاكرة مستر على اللى كنتى بتاخدى عنده درس في الثانوية العامة؟! ارتبكت لسماعها اسمه فلم تتوقع أن يتواصل مع أخيها بهذه السرعة حركت رأسها إيجابا وهى تقول : آه طبعا فكراه.. سكت برهة ثم سألها بخبث: ماسألتينيش يعنى بسأل عليه ليه؟؟ فأجابته بحياء وخجل : اه ما أنا كنت لسه هسألك _ طيب ياستى مستر على طالب إيدك...رأيك إيه؟!! لم تجد ما ترد فسكتت لبرهه رغم تخمينها للأمر إلا أن وقعه عليها لما سمعته من أخيها كان مختلفا فقال مازحا: السكوت علامه الرضا توكلنا على الله اخليه يجيب اهله ونقرا الفاتحة فصاحت باعتراض: لا طبعا سكوت إيه ورضا مين وفاتحة كمان فاقترب منها مربتا على كتفها بهدوء قائلا: يعنى إنتى رافضة ؟؟ ولا فيه حد تانى فى بالك صارحينى ياحبيبة فحركت رأسها نفيا وقالت: ياأبيه أنا مش رافضة ولا فيه حد فى بالى انا كل اللى عايزة اقوله إنى محتارة ومش عارفة اعمل ايه؟!! أول مرة اتحط فى موقف زى ده ومش عارفة اخد قرار!!! تفهم موقف اخته الشاردة الذهن وأحس انها بحاجة إلى أحد ينصحها ويحتويها... وهو اليوم عاجز عن فعل ذلك فحبيبة تحتاج الآن إلى أم أو اخت كبيرة تشاورها وتأخذ من خبراتها وهنا قرر اللجوء إلى ماريا فى هذا الأمر فهو يعلم مدى حبها لها وتعلقها بها وانها ستسدى لها النصح بكل إخلاص... عودة إلى الحاضر أنهى هو وأخته فطورهما وأصر أن يصطحبها إلى الجامعة بالسيارة واخذ يتجاذب معها أطراف الحديث والمزاح لتخفيف الضغط والتوتر عنها... ثم عاد إلى المطعم وقد تأخر على موعد الحضور اليومى فأصابته الدهشة حينما وجد أن ماريا لم تصل حتى الآن حاول. الاتصال اكثر من مرة ولا مجيب... فأحس بالقلق فذهب إلى البيت فلم يجدها هناك أيضا... فتوجه إلى حارس العمارة وعلم منه أنها خرجت برفقة شاب لا يعرفه فى الصباح الباكر... زاده رد الحارس حيرة وقلقا فوقف مكبلا لا يدرى ماذا يفعل وأين يبحث عنها ومع من رحلت؟!! فعكف محاولا الاتصال بها مرارا وتكرارا ولا فائدة فى المستشفى دخلت غرفة العناية المركزة ومع أول خطوة داخلها ومع أول نظرة لها نحو عمها فى سريره الطبى ورأسه مغطى بالشاش ووجهه مملوء بالجروح والكدمات أحست باختناق شديد... اقتربت منه ببطء كأن الأرض تجذبها للخلف ... أما هو فقد جاهد ليفتح عينيه ملقيا نظرة واهنة نحو الباب فلما رآها تقترب ابتلع ريقه بصعوبة وتعالت أنفاسه... ثم خرج صوته متحشرجا يغلبه الوهن : ماريا إنتى جيتى يابنتى!! بنتى؟!!! لأول مرة تسمعها منه بهذا الصدق وهذا الحنو؟! أكان العم يختزل مشاعره نحوها طيلة حياته ليفيض بها قلبه ول**نه وهو في سكرات الموت؟!! أما رق قلبه مرة لهذه الفتاة اليتيمة التى دهستها الأقدار مرة بعد مرة؟! لا وقت للعتاب ماريا ولا فائدة منه حتى لو أتيح الوقت.... فقد رحل الماضي ولن يعود جلست على الكرسي المجاور للسرير قاومت عقدة ل**نها فهمست بصوت مرتجف : ألف سلامة عليك يا عمى ربنا يشفيك... تبسم إبتسامة يائسة فقد أيقن باقتراب الرحيل وأن موعده مع الحياة الخالدة سيبدأ عما قليل ... كم هانت الدنيا فى عينيه وضئلت على هذا الفراش!!! أما كانت عظيمة عملاقة من قبل؟! أما قطع من أجلها الأرحام ودبر المكائد!!! هى الدنيا معشوقة تذيب البشر بسحرها يفعلون لأجلها أى شىء ولا يدركون أنها خائنة ولا تُعرف حقيقتها إلا على أعتاب الفراق بعد أن نفذ القضاء ... فلا. أنت قادر على العودة لإصلاح ما أفسدته ولا أنت قادر على الانتقام من تلك الخادعة التى أهلكتك.... لا تملك إلا الاستسلام !!! أجابها وعيناه متعلقة بها وص*ره يعلو ويهبط وأنفاسه متقطعة وكأنه يقاوم ليلتقطها : الله يسلمك يابنتى... ثم توجه ببصره إلى ابنه إسلام الذى كان واقفا بالقرب من الباب واجما لا يجد ما يقول فناداه : إسلام... تعالى عايزك في حاجة مهمة فتحرك على الفور متوجها نحو فراش والده فقامت ماريا من كرسيها قائلة : عن إذنكم هروح اطمن على تيتة وب... فقاطعها راغب قائلا باعتراض: لا ..خليكى ياماريا ماتخرجيش أنا عايزك إنتى كمان تكونى موجودة... جذب إسلام كرسيا وجلس بالقرب من سريره وتسآل بحيرة : خير بابابا ؟؟ حضرتك عايزنا في إيه؟! فأجابه برجاء : فلوس المطعم اللى ادهتهالك تعمل بيها مشروعك دين فى رقبتك لبنت عمك أول ما ربنا يكرمك وتقف على رجليك ترجع لها حقها... وقبل أن يجيبه إسلام بادرت ماريا بالحديث قائلة : أنا مش عايزة حاجة وبعدين ده حقكم من ورث بابا الله يرحمه فرد بلهجة إصرار يحيطها الندم : لا يابنتى مكنش يحق لنا ناخد حاجة من ورث شاكر أخويا بعد اللى عملته فيه تساقطت الدموع من عينيه وتحشرج صوته وهو يقول : أنا السبب في المشاكل بين شاكر وبابا الله يرحمه أنا اللى خدت الفلوس من العربية بعد الحادثة ... ربنا يسامحنى...ادعوا لى ربنا يسامحنى... لم يستطع تمالك نفسه وبدأ يبكى وانسابت دموعه على وسادته ولم تكن أفضل منه حالا فقد دخلت في نوبة بكاء مرير ... قام إسلام من مكانه وهتف محاولا التخفيف عن والده قائلا: اهدى يابابا عشان خاطري كل اللى حضرتك عايزه هنفذه ...بس اهدى وفى هذه اللحظة دخل الطبيب لمتابعة حالته وطلب من ماريا وإسلام مغادرة الغرفة على الفور لأن حالته لم تكن تسمح له بالحديث الطويل وبالفعل غادرا متوجهين إلى غرفة جدتهما للاطمئنان عليها هى الأخرى... اقتربت الساعة من الواحدة ظهرا وهو على نفس الحال يحاول الإتصال بها مرة بعد مرة والنتيجة واحدة....لا مجيب فيزداد قلقا على قلق ترى أين هي كل هذا الوقت ولماذا لم تخبره؟؟ .. بعد أن اطمأنت على حالة جدتها وابنة عمها جلست في الاستراحة قليلا تذكرت أنها قد نسيت تماما أن تتصل بهشام لتخبره بما حدث فتحت حقيبتها بحثا عن هاتفها فلم تجده ربما أنساها استعجالها فى الحضور أن تضعه في الحقيبة وجدت إسلام قادما نحوها معه كيسا بلاستيكيا به بعض العصائر والأطعمة الخفيفة... حتى وصل إليها فجلس إلى جوارها ثم مد إليها يده بالكيس قائلا : اتفضلى ...إنتى من الصبح ماأكلتيش حاجة... كانت بالفعل جوعى ف*ناولته من يده وشكرته وقبل أن تأكل فتحت له عبوة العصير وقطعة من الفطائر .. وقالت له: إنت كمان ماأكلتش افطر معايا... تناولا الطعام صامتين... ثم التفت اليها قائلا ؛ إنتى طيبة قوى وجدعة يابنت عمي... وانا عايز اعتذر لك بالنيابة عننا كلنا وعنى أنا بالذات عشان اللى عملته معاكى تبسمت بخفوت ثم قالت : إنت متأكد إن إنت إسلام؟؟ ولا واحد شبهه لم يجبها بل تسآل مباشرة: عاملة ايه فى حياتك ياماريا؟! هشام عامل معاكى إيه؟؟! هشااام رباه للمرة الثانية تذكرت أنها حتى اللحظة لم تتصل به فصاحت : إسلام ممكن فونك أعمل مكالمة بسرعة أصلى نسيت الفون في البيت؟؟! فأخرج هاتفه على الفور وهو يقول: طبعا... اتفضلى.. قامت من مكانها ثم خطت بضع خطوات فى الممر وهى تحاول تذكر رقم هاتفه أخطأت ثلاث مرات في تذكره وطلبت أرقاما خاطئة فى الرابعة أسعدها الحظ بتذكر الرقم ولكن لم يسعدها ردة فعل هشام الغاضبة للغاية وخاصة عندما علم بما حدث وأن الشخص الذي غادرت إليه كان عمها صاحب القلب القاسي الذى تآمر عليها ليلا ونهارا ليخرب مطعمها وحياتها كلها والشخص الذي غادرت معه صباحا كان ابن عمها إسلام الذى سبق و اعتدى عليها ض*با بوحشية لماذا سامحتهم بهذه السرعة؟!! وجرت لهفة إليهم وقد انقطع تدفق سيل تسامحها عنه؟! وأبت أن يشمله عفوها ؟!! أخذ منها عنوان المستشفى وأخبرها أنه قادم حالا ليأخذها إلى البيت... أغلقت المكالمة واستدارت عائدة نحو المقاعد التى كانت تجلس عليها مع إسلام فلم تجده جالسا في مكانه كما تركته... فجلست تنتظره وهى ترتشف من العصير الذى أحضره لها قبل قليل.. مرت دقائق ثم. لمحته قادما من أول الممر متغير الوجه .. ظلت تنظر إليه حتى وصل إليها فسألته بقلق: إسلام ...فى حاجة عمو كويس؟؟ فأجابها بصوت قلق: بابا زى ما شفتيه مفيش تحسن... فتسآلت مجددا: أمال انت ليه مشيت فأجابها وهو يجلس على أحد المقاعد: بابا طلبنى وقعد يوصينى ويقولى كلام غريب جدا أول مرة أسمعه ...ووصانى عليكى كتير قوى ياماريا لم تتوقع سماع جملته الأخيرة أيعقل بعد كل ما حدث بينها وبين عمها أن يورد ذكرها في وصيته الاخيرة قبل الرحيل؟! ساد ال**ت بينهما لثوان ثم التفت إليها قائلا بحزن: أنا قلبى مش مطمن ..كلام بابا ونظراته مليانة وداع حاولت أن تخفف عنه فهمست بنبرة تفاؤل: إن شاء الله بخف ويبقى كويس مفيش حاجه بعيدة على ربنا مدت له يدها بالهاتف وقالت: الفون بتاعك أهوه.. معلش بقى أنا عملت بدل المكالمة أربعة لانى مكنتش فاكرة الرقم تناوله من يدها وهو يقول: ولا يهمك الموضوع بسيط. أقبلت أخته إيمان بعيون باكية فنهض الإثنان من مكانهما بفزع من هيئتها التى لا تنذر بخير صاح بها إسلام مرتعبا: بابا جراله حاجه؟؟ فانفجرت باكية وهى تقول: بابا شكله بيموت ياإسلام .. ثم التفتت نحو ماريا قائلة برجاء: روحى له ياماريا طالب يشوفك ضرورى دلوقتي حالا أسرعت ماريا وخطت مسرعة نحو غرفة عمها حاول إسلام اللحاق بها فأوقفته أخته قائلة بابا طلب ماريا لوحدها وقال محدش يدخل عليهم... فتراجع إسلام واخذ بيد أخته وجلسا سويا على أحد المقاعد وحالتهما بالغة الصعوبة.. أطالت لديه الجلوس ولم يدرِ أحد ما سر هذه الجلسة الطويلة... وما دار بينهما من حديث خلالها... خرجت أخيرا متورمة العين من البكاء.. وفى هذه اللحظة كان هشام قد حضر إلى المشفى وصدم لرؤيتها على هذه الحالة وهذا الانهيار فأخذ يربت على كتفيها مواسيا... أقبل إسلام نحوه فسلم عليه بفتور ثم أمسك بيدها واستعدا للرحيل ودعته ماريا قائلة: بكرة الصبح إن شاء الله هعدى اطمن على عمو وتيتة حرك رأسه بتفهم وأجابها: إن شاء الله مع السلامة... سارا سويا إلى نهاية الممر حتى المصعد وفجأة وهما فى انتظار وصول المصعد سمعا إيمان تصرخ بأعلى صوتها : بابا مات ياإسلاااام.... يتبع.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD