1. تكليف

3171 Words
«بإحدىٰ قرىٰ الشرقية». الساعه 08:09 مساءً. ظلت بالقرب من باب البيت العائلي تردد تمتماتها، داعيةً الله أن يتلطف بها وبولدها وبزوجها، كانت تمسڪ ص*رها بحُرقة وهيَ تتحرڪ يمينًا ويسارًا، بملامحها الهالعة من هول ما قد يصيبها. كانت ضربات قلبها مسموعة، وأنفاسها متصاعدة لدرجة ملحوظة، وكان جافًا من كثرة الدعاء. - يا رب سلّم، يا رب سلّم! بعد ثوانِ قاطعها ركلة قوية من الخارج علىٰ باب البيت المعدني، أخرستها تمامًا، فالتفتت للباب بنظرة أكثر هلعًا. - يا رب، يا رب! كانت تُهمهم بما لم يسمعه أحد. وبعد ثانيتين، أتت الركلة الثانية! - إنجدني يا رب، يا رب إنجدني! *** «إحدىٰ المقاهي- حيّ الدقي». عصر اليوم التالي. - لا لا لا.. أنا ميلزمنيش عرضڪ ده يا حاج غالي!.. إنتَ غالي آه، بس الشغل شغل. قالها قبل أن يلتقط ذراع الشيشة ليضع الـ«لَيّ» بفمه دون تعقيبٍ آخر، الأمر الذي استفز الحاج غالي. - يا مادو السوق كله كدة، أنا مضحكتش عليڪ. - تقوم بايع البضاعة لتاجر يمني قبل ما أنا استلمها بيومين؟! أعمل إيه أنا في طلبات الـ«أونلاين» إللي جيالي؟! قال الحاج غالي بنبرة مُجارية: - كلمة شرف، هعوضڪ الخسارة إللي حصلت. -... مالڪ مُتمسڪ بيَّٰ المرة ديه يا حاج غالي! - للأسف، اكتشفت من فترة إني محتاجلڪ. ابتسم خطّٰاب بغرور، ثم قال: - طول عمرڪ يا راجل يا عجوز، بس إشمعنىٰ؟ - إنتَ أخف «براند» بينزل المحافظات، وإحنا محتاجين الشغل ده عَٰ المدىٰ الطويل... ثم التقط كوبه لتناول آخر ما به. - المهم، شوف محتاج مني كمية قد إيه من صنف كُل تيشيرت وابعتهوملي علىٰ جروب الـ«واتس». - حصل يا راجل يا عجوز. بالفعل، رحل الحاج غالي، ليترڪ محمَّٰد خطّٰاب، الشاب القوقازي البالغ من العمر السادس بعد العشرون عامًا، ذو الشعر المطلوق مؤخرًا، والمربوط بنهاية الرأس، كان كذٰلك قد أطلق ذقنه، إلا أنها لم تنبت لا بطول ولا بكثافة شعره. نحن نتحدث عن شابٍ يمتلڪ من القدرات الخارقة ما قد يؤهله للاستهزاء من شيطانٍ بمحض الصدفة! أكمل تدخينه للشيشة قبل أن يرن هاتفه من رقمٍ مجهول.. - ألو..! - أيوة يا خطّٰاب، أنا مازن ابن عمڪ. - الرقم ده جديد! - آه، تليفوني اتسرق إمبارح، المهم.. في شغل جديد في الشرقية. ارتسمت اساريره من بعد هذا الخبر الذي طال، فقال مستبشرًا الخير فيما لديه: - هاه، إشجيني. - قرية حبيبڪ؛ الدقاق. يعلم خطّٰاب جيدًا هذا الإسم، فهو يُذكره بالأيام الغابرة، تلڪ التي كان يتقاضىٰ بها أجرًا مقابل خدماته الروحانية، يوم تصدىٰ لذٰلڪ اللعين المدعو الدقاق؛ والذي كان يدّعي كل أهل قريته بكراماته غير المحدودة. كان مازن يعلم بهذا كله.. - مالها القرية يا مازن؟ - شغل الأبالسة اشتغل فيها من كام شهر، وفي ناس اشتكت للقنوات وعَٰ النت، ومفيش فايدة. راجع خطّٰاب الأمر برأسه، ثم قال: - ممكن يكون رجع تاني. - رجع إزاي؟! هوَ المفروض مات. - متأكدتش بنفسي إنه مات يا مازن! صمت مازن ليفكر، ثم قال: - هنتحرڪ بكرة؟ - حضر نفسڪ. *** «أحد فنادق الشرقية». صباح اليوم التالي. -... أوضتين لو سمحت. قالها مازن، والذي كان يكبر خطّٰاب بالعمر حوالي خمسة أعوام، والذي كان يزيد عليه بالطول كذٰلك، وأمّا الشعر فكان قصيرًا كحال الذقن، فذهب موظف الاستقبال لتلبية النداء، بينما كان خطّٰاب يتأمل الأركان.. حصر خطّٰاب أزماتٍ فنية عدة، ومشاكل بالتنظيف، فقال لـمازن بالتزامن مع حضور موظف الاستقبال بمفتاح الغرفة: - الله أكبر، المكان زبالة قوي!.. هوَ ده إللي هيساعدني اشتغل. ولم يبالي للموظف الذي كان يتأمله بغيظ، والذي بعدها رمق مازن انتظار أن يرد، ولٰكنه عوضًا عن ذٰلڪ رفع يديه عاليًا كأن: «ليس لي شأن!». *** -... هنريح شوية الأول ولّلا ننزل علىٰ طول؟ قالها خطّٰاب، فردَّ عليه مازن: - مفيش وقت، إحنا هنآكل طبقين الكشري دول ونلحق قبل ما الليل يهجم علينا. - طب طلع الكشري يلّلا. *** يبدأ المشهد بتحركما وصولًا لأحد الشوارع الضيقى قبل أن يوقفهما مازن وقد مال علىٰ ركبتيه مستندًا عليهما بتألم، مص*رًا تأوه بسيط مع بعض الإيماءات المضحكة بوجهه، والتي من المفترض أنها نتاج وجع ركبتيه. ليتوقف معه خطّٰاب متلفتًا يمينه ويساره للبحث عن أي وسيلة للترفيه بتلڪ القرية، والتي فشل في إيجادها علىٰ مدار ساعة كاملة من البحث بجوار مازن، كان الأمر مُحبطًا بحق. - يعني إيه مفيش سينما ولا مول في القرية، همَّٰ رجعوا للجاهلية هنا ولّلا إيه؟! - متنساش إن الناس هنا آخرها النت، مالهومش بقىٰ في جو المهرجانات والعربيات، ده حتىٰ المواصلات مُقتصرة علىٰ الميكروباص إللي جابنا لهنا من الفندق. لا يزال خطّٰاب يشيح بناظريه بعيدًا، عساه يجد ما يبحث عنه، ومع انتهاء صاحبه لما لديه يرد: - يعني إيه؟!.. يعني مش هنلاقي حد نسأله عن إللي بيحصل في القرية! - تعالىٰ بس نقعد عَٰ أي قهوة وحياة أبوڪ، أنا رُكبي هتقتلني، وبعدين نريح شوية. *** «أحد المقاهي». بعد نصف ساعة. حضر النادل ليحمل كوبي الشاي المنتهيان، ومع رفعه للكوبين يسأل خطّٰاب: - بقولڪ إيه، إنتَ من هنا؟ - طبعًا، عشرين سنة. - ما شاء الله، إنتَ معلّق لوا دلوقتي! رمقه النادل متعجبًا، قبل أن يتعرف عليه، الأمر الذي تبدلت له ملامحه تدريجيًّا للإنبساط، ارتفع حاجبيه، وارتسمت أساريره، وجحظت عينيه، ليصيح: - إنتَ محمَّٰد خطّٰاب؟! ابتسم خطّٰاب بعينين مغمضين، ثم فتح يديه: - بشحمي! - أنا متابعڪ من زمان علىٰ فكرة! - حبيبي، فوق راسي! - بس إنتَ الحلقات إللي بتعرضها ديه مش حقيقية. تتبدل ملامح خطّٰاب لرجل يستاء لرأي ناقده، فيقول: - كدة؟!.. أنا علمتكم كدة برضه؟! - أصلها حاجة متدخلش عقل الصراحة. يتدخل مازن: - طب وإيه قولڪ في لعنة مُتمثلة في صقر بينتقم من أهل قرية مُعينة؟ بدا علىٰ مطلع وجه النادل أنه يعلم جيدًا عمَّا يتحدث عنه مازن، فازدرد ريقه، وانغلق نصف عينيه فزعًا بعد أن فُتح فمه لا إراديًّا. - إنتوا هنا عشان الهاربي؟! - عليڪ رحمة ونور، هوَ الهاربي إللي جابنا؛ شوفت بقىٰ إنڪ ظلمت عمو خطّٰاب! كانت من خطّٰاب بنبرة مستهزءة إمّا بالنادل أو بالهاربي، وكلتاهما يحملان نفس العاقبة. رد النادل بتوزيع ناظريه علىٰ كليهما: - إنتوا جايين هنا عشان حوادث الخطف والقتل؟ - تؤ، عاوزين نعرف بدأت منين. قالها خطّٰاب، فرد النادل: - البيت القديم، في آخر القرية، ألف من هيدلّڪ عليه، وعن إذنكوا.. أنا ورايا شغل. رحل النادل، فعقب خطّٰاب بعدها مباشرةً: - الجبان!.. مش تربيتي، بس مصلحة؛ بينا قبل ما يفتكر الحساب. وكانت الميزة تلڪ المرة في معرفتهما أين سيبحثان بالضبط، علىٰ خلاف المرة السابقة. *** «بالقرب من البيت القديم». مسافة الوصول. يقول خطّٰاب في مذكراته: «وما إن لامسته عيوني حتىٰ أدركت مدىٰ الإحباط واليأس الواصلة إليه أهله، وسواد الحال وضنكه، بيتًا بُني علىٰ تلًّا عالية لتراه أعين الذاهب والآيب، ضخمًا علىٰ غير العادة، مكون من طابقين، تحاوطه الأشجار التي بات يسكنها أعشاش الخفافيش، له مدخلًا يوحي إليڪ أنڪ هالڪًا لا محالة!». وبالرغم من الشعور الذي راود خطّٰاب مع رؤيته للبيت لأول مرة، إلّا أنه قاطع صمت وهدوء الجو المُحيط بهما بالطريق: - يا أخي مش عارف ليه جُعت فجأة! - يلّلا بينا يا خطّٰاب. كانت من مازن الذي لا ينفڪ يتعامل مع الموقف العام بجديته. وصولًا لأمام البيت القديم، والذي بات متهالكًا من أثر الزمن عليه، حيث رفع مازن يده ليطرق، لولا ان أمسكها خطّٰاب بقوة وبمنتهىٰ السرعة، ولمَّٰ رمقه مازن وجد ناظرين جادين قلقين للغاية. - في إيه يا خطّٰاب؟ هنا ضحڪ خطّٰاب.. - بهزر معاڪ، خبط مفيش حاجة! وكأن الأجواء العامة كانت تنتظر مثل تلڪ المزحة السخيفة، ترىٰ بماذا يفكر هذا الشاب المستبصر..؟ طرق مرتين.. انتظرا أن يُفتح.. حتىٰ ص*ر صوت قدمين لأحدهم يقترب من الباب، وكأنه يجر قدمين من المعدن الثقيل، يُحدث وقوعه هذا الصوت الواضح. - سامع؟! كانت همهمة من خطّٰاب، فأومأ مازن برأسه علامة الإيجاب: - وهوَ ده طبيعي؟ مالا معًا نحو الباب ليسمعا أكثر غياب صوت القدمين تدريجيًّا، وكأن صاحب الصوت يبتعد. - هوَ راح فين؟ فاجئهما أن فُتح الباب بلحظتها، فكاد هاذين الشابين يسقطان من طولهما بعد صدمة غير متوقعة كتلك. انتصب طول كُلًّا منهما أمام سيدة البيت العجوز، والتي رأت في تصنتهما أمرًا غير لائق بالرغم من عمريها.. كانت ترتدي جلبابًا أ**د ثقيل، وكان يغطي رأسها العجوز حجابًا ليس مُحكم اللفاف، وأمّا الماكياچ الذي كانت تضعه فكان كُحل عينيها الثقيل، ليس إلا. وكانت عجوزًا طال بها العُمر! - آء.. أنا آسف جدًا، الحقيقة مش عارف اعتذرلڪ إزاي يا أمي، إحنا مقصدناش حاجة. كانت من مازن بتلجلج، إلىٰ أن قاطعته العجوز: - إنتوا مين؟ - أعرف بينا، أنا مازن محمد، وده ابن عمي محمَّٰد خطّٰاب، إحنا جايين بخصوص حادثة الاختفاء إللي حصل هنا يا أمي. سألت بحدة، بملامحها الثابتة: - ما ياما حكينا للصحافة والتلفزيون! - لأ، صحافة إيه!.. الناس دول بيبقوا قابضين فلوس عشان يلاقوا حاجة يقولوها وميطلعوش فاضيين! قالت بجد: - وإيه الفرق بينكم وبينهم؟ قال خطّٰاب: - إحنا دافعين من جيبنا فلوس عشان نيجي هنا ونسألڪ عن إللي حصل يا أمي! هنا اقتنعت العجوز بما لديهما من حسن نية، فقالت أن تدخلهما قبل أن يراهما أحد أولٰئِڪ الذين تسببوا لها بأزمتها منذ سنين. - طب إدخلوا..! *** قدمت لهما السيدة العجوز الشاي الدافئ علىٰ صانية معدنية، فحمل كلًّا منهما كوبًا قبل أن يشكرها عليه، بعدها توجهت السيدة العجوز علىٰ كرسيًّا هزاز بالقرب من إحدىٰ زوايا الصالون. لم يكن البيت من الداخل بهذا السوء، كان منظفًا مثله كمثل أي منزل تحيا به سيدة عجوز لحالها. بيد أن السبب وراء عدم تنظيف البيت من الخارج كان في عدم وجود من يعاونها علىٰ ذٰلڪ.. منطقيّ! - إحنا حقيقي آسفين عَٰ الإزعاج يا ست سوسن! - ديه تالت مرة تعتذر يا ابني، مالهوش لزوم كُتر الاعتذار. فانكتم مازن، قبل أن يُتمتم خطّٰاب: - ممكن تكتم بقىٰ؟ ثم التفت لها بابتسامة بشوشة، قائلًا: - ست سوسن، عندڪ مشكلة نوثق المُقابلة للقناة بتاعتي؟ - خالص، بالع**، أنا قبلت أقابلكم لإني حسيت قد إيه إنتوا ممكن تكونوا قريبين من الشباب ونبضهم. صمت خطّٰاب متعاليًا بنظراته علىٰ فشل مازن، ثم بادر بإخراج معدات التصوير من حقيبة ظهره التي لم تفارقه منذ بدأ الرحلة. وبينما فعل، كان مازن يستوضح الأمر أكتر منها: - الموضوع بدأ بجوز حضرتڪ ولّلا إبنڪ؟ - الموضوع بدأ بحبيب قلب أمه علي، ضنايا ونور عيوني! تجهز خطّٰاب، فمرر الكاميرا لـمازن الذي تعامل معها يدويًّا نظرًا لخبرته بتلڪ المعدات، والتي كانت تفوق خطّٰاب بمراحل. - 3.. 2.. 1.. جاهز. قالها مازن، فهمَّ خطّٰاب بسؤاله: - إيه إللي حصل بالظبط يا ست سوسن؟ *** «اليوم المشئوم». الساعه 11:01 مساءً. مشهدًا سينيمائيًّا لطفل يلهو مع رفيقه، يؤديان قواعد. لعبة «السبع بلاطات» بمنتهىٰ الجدية، وكأنما سينالون جائزة ما من ورائها. وما إن لاحظ الطفل الأول أن رفيقه كان يؤديها بشكلٍ خاطئ، حتىٰ نهره بشده: - غلط، إنتَ بتلعبها غلط يا عصام، بُص.. وبدأ يوضح له ما الخطأ بشكلٍ مفصل، فلاحظ عصام وقتها وهوَ منتبهًا مع زميله تغيُّرًا عامًا في الأجواء. - علي! توقف علي عمّا كان يفعل مستجيبًا لصاحبه، والذي قال بهمسٍ وتمتمة: - الدنيا هديت قوي، صح؟ - الناس زمانهم نايمين دلوقتي. - عندڪ حق. وما كاد يكمل كلًا منهما ما كانا يفعلانه، حتىٰ باغتهما صوت أجنحةٍ تُفرد لترفرف، فالتفتا بشتىٰ الاتجاهات للبحث عن المص*ر. لم يجد علي شيء، حتىٰ سمع صاحبه عصام يهمس بنبرة ترتجف: - علي!! التفت ليجده ينظر فوق أحد منازل القرية القصيرة التي لم تكن بعيدة عنهما، بعينين جاحظتين، مُشيرًا بإصبعه. وسرعان ما التفت علي للوجهة، فوجده صقرًا كبيرًا، يقف بثباتٍ عجيب! كان الصقر ضخمًا لدرجة لا تُصدق، وكان هذا هوَ سر رهبة الطفلان منه، علىٰ الرغم من تأمله وتدقيقه بهما، والذي بالمناسبة كان خارقًا للعادة. - أول ما اقول إجري، هنجري إحنا الاتنين! قالها علي مهمهمًا لصاحبه، فأومأ صاحبه برأسه علامة النفي عدة مرات، فأكد عليه علي: - مفيش وقت يا عصام، هيجري ورانا لو متحركناش! نحن نتحدث عن طفلين بالعاشرة من عمرهما، بالتالي كان من الطبيعي أن تكن تلڪ هيَ طريقة تفكيرهما. - جاهز؟ - أنا خايف يا علي! - متخافش، لو سمعت كلامي هتبات النهاردة في بيتڪ، بس إسمع كلامي. أومأ برأسه علامة الإيجاب. وبعد خمس ثوانِ... - إجري!! صاح بها علي بعزم صوته، فلبّىٰ عصام النداء ولم يُكذب مسمعًا، ومع إطلاقهما للعنان لقدميهما تنطلق أجنحة الـ«هاربێ» مُلاحقةً بهما بمنتهىٰ السرعة. وبالرغم من الدهاليز التي كانا يتبعانها كنوع من أنواع التضليل لذٰلڪ الطائر الشيطاني، إلّا أن صوت اتباعه لهما كانت لا تزال قائمة. من حارة لأخرىٰ.. ومن طريقٍ لآخر.. حتىٰ نسيا كيف يعودان، وبات الطريق مؤديًا لنهاية واحدة؛ مقابر القرية، تلڪ التي دُفن بها الشيخ الدقاق منذ أيام! توقف عصام بمكانه مذهولًا.. كيف أودت به الطريق إلىٰ هذه الوجهة؟ - عصاام..!! التفت نحو مص*ر الصوت، وهرول ليلحق بصاحبه، إلىٰ أن وصل لأحد الشوارع المظلمة تلڪ التي كانت تشعلها مشعلتين في منتصف الشارع.. ما تلڪ النار، ومَن تراه أشعلها؟ اقترب عصام أكثر ليتضح له أنها كان مشعلة يُمسكها رجلان يرتديان زيًّا موحدًا مكونًا من جلباب أحمر له قلنسوة تغطي وجه كلًا منهما. كان أحدهما مُمسكًا بـعلي الذي كان يقاوم بشدة، والآخر كان وكأنه يؤمن الأجواء! - علي! صرخ مناديًا عليه، فالتفت له أحد الراهبان، والذي رمق صاحبه كإشارة منه لإحضار هذا الطفل. ولم يتردد الأخير للإنصياع، فهرول نحو عصام بمنتهىٰ السرعة، بصورة أرغمت عصام علىٰ الركض بالجهة الوحيدة المتاحة أمامه.. مقابر القرية! من دهليزٍ لآخر، ومن ممرٍ لممر، إلىٰ أن انتهىٰ به الحال أمام مقبرة عائلته، والتي كانت مواجهةً لمقبرة الدقاق، القابضة، المُقبصة، الكئيبة! همَّ بتسلق سور المقبرة لدخولها والاحتماء وراء جدرانها من هؤلاء الشياطين! وظل بمكانه لأكثر من عشر دقائق.. حتىٰ رأىٰ ضوء المشعلة التي كان يحملها الراهب تقترب من الخارج، فأخذ يدعو الله أن ينجيه. كتم أنفاسه بيديه كي لا يسمعها الراهب، وبينما كانت المشعلة لا تزال بالخارج سمع عصام صوت الراهب يردد قولًا غريبًا باللاتينية.. ولٰكن لمن؟ لم يكن هناڪ أحدٌ بالخارج! بعدها اختفت المشعلة عن ناظري عصام، فقرر التحرڪ في الحال. *** «بيت أهل عصام». مسافة وصوله. طرقاتٍ مشوشة وغير منتظمة تُطرق علىٰ الباب بمنتهىٰ العنف من الخارج، لم تتوقف حتىٰ فُتح الباب، لتجد والدة عصام ولدها وقد ارتمىٰ بأحضانها بعد أن صفق الباب بعنف. - خبيني منهم يا ماما، خبيني! - إيه يا حبيبي بس، مالڪ؟ - أخدوا علي، وعاوزين يآخدوني! صمتت الوالدة قليلًا لتفكر بما يقوله، ثم ربتت علىٰ ظهره قائلة: - طب إهدىٰ بس، علي فين دلوقتي؟ كانت أنفاسه غير متزنة بسبب بكاءه، وكانت تنهيدات تغلب علىٰ كلامه من صعوبة تنفسه. - خطفوه! تبدلت ملامح الأم تمامًا. *** «البيت القديم». بعد عشر دقائق من السرد. نرىٰ كيف كان خطّٰاب ومازن منتبهان لما يُقال، وكيف تأثرا به للغاية، ولا تزال الست سوسن تسرد ما لديها: -... أبو عصام جه بلغنا بإللي حصل، وجوزي راح يدوّر علىٰ علي في نفس الليلة، مع إن الليلة ديه كان شوم.. أنا كنت عارفة! سأل خطّٰاب: - ليه شؤم يا ست سوسن؟ - عشان كانت الأربعين بتاع الشيخ الدقاق. يا لهذا اللعين! أتلاحق سيرته كل لعنات أهل القرية؟ هنا أنهت سوسن قولها بجملة: - كنت عارفة إنهم مش هيرجعوا، كنت عارفة! كادت تبكي لولا تمالكها وتماسكها، فسأل خطّٰاب: - بلغتوا يا ست سوسن؟ - بلغنا، بس لا الواد ولا أبوه رجعولي؛ ولا حتىٰ جُثث أدفنها. وجد خطّٰاب أن هذا يكفي، فأمر مازن بإنهاء التسجيل، ثم توقف علىٰ قدميه ليتوجه نحوها، فقام بتقبيل رأسها، ثم قال: - بصراحة، أنا كنت جاي بس عشان ألحق السبق الصحفي عن إللي بيحصل عندكوا، بس دلوقتي أنا بوعدڪ إني أجيب إللي عملوا كدة، ولو كان إبنڪ عايش.. بإذن الله هرجعه لحضنڪ تاني! - تسلم يا إبني، ربنا يكفيك كل شر! - آمين! *** «بالقرب من مقابر القرية». قبل سواد الليل بساعة. -... مقولتليش، إيه رأيڪ؟ - حلو، بس فرع المهندسين أحلىٰ. قالها خطّٰاب وهوَ يتناول من سندويش الشاورما الذي طلباه منذ قليل، والذي كان قد بدأ بالتهامه بجوار مازن الذي كان يُراجع ما تم تسجيله للمرة الثانية. التفت لمازن لـخطّٰاب، فقال بملامح متعجبة: - هوَ إيه ده؟ - أبو ماجد السوري. - إنتَ بتهزر يا خطّٰاب؟! - أقولڪ إيه طيب، مانتا عارف إني كنت هعيط من كلام الست سوسن، ولّلا لازم تسمعها مني بنفسڪ؟! هنا تن*د مازن، ثم تناول قطمة من سندويشه قبل أن يجيب: - هيَ كلامها مؤثر جدًا الصراحة، بس في النهاية عاوزين نتأكد من الكلام ده من عصام نفسه. - ده عيل صغير، فكك!.. إحنا هنا عشان حلقة الوصل ليها علاقة بمقبرة الدقاق، هوَ أُس الخراب إللي في القرية ديه. قال مازن: - تفتكر؟ - طبعًا، خلص بس أكلك وهنتحرڪ. * ** «بالقرب من مقبرة الدقاق». بعد حوالي نصف ساعة. -... يا خطّٰاب قولّي عَٰ إللي في دماغڪ، إحنا بقالنا بنلف حوالين المقبرة زي إللي بيطوفوا ييجي أكتر من تلت مرات! لم يرد خطّٰاب، فقط كان يتأمل ويركز بالمقبرة، وكأنها يستدعي وحيًا خاص به، فسأل مازن مرة أخرىٰ: - إنتَ بتستحضر حالة استبصار؟! أومأ برأسه علامة الإيجاب، فتركه مازن لموهبته المتوارثة، وبعد حوالي دقيقة نرىٰ خطّٰاب متجمدًا بمكانه، مغمض العينين بقوة، صامت الحركة تمامًا.. - ركز، هاتلي إللي حصل هنا من شهر! فتح عينيه فرأىٰ مشهدًا لمقاطع متسارعة تتراجع للوراء، منها المهم ومنها لا، إلىٰ أن وصل لوقت الليلة المشئومة.. حيث ظهر الراهب وقد توقف بمشعلته فعلًا أمام قبر الدقاق، كما ذكرت الست سوسن، فالتفت للمقبرة وأخذ يردد صلٰواتٍ غريبة، بأقاويلٍ أغرب.. ورحل بعدها الراهب! والجدير بالذكر كان أن حدث هذا لأكثر من مرة بأكثر من يوم، وبرهبانٍ مختلفة.. يبدو أن الأمر مرتبطًا بمنظمة شيطانية من نوعٍ ما! كاد خطّٰاب يوقف استبصاره حتىٰ رأىٰ بأم عينيه لأول مرة كائن الـ«هاربێ»..! طائرًا أضخم من النعام، له ريشًا أقتم من الغراب، وقدمين قويتين وعريضتين، ذات أظافر تشبه المخالب، سوداء كذٰلك، وأمّا رأسه فكان ي**وها الشعر لا الريش، الأمر الذي بدا عجيبًا بالنسبة لـخطّٰاب.. كان يقف علىٰ حافة سطح أحد المقابر المجاورة لمقبرة الدقاق، يتأمل الأجواء دون تدخل، وكأنه يترقب حدوث أمرٍ ما.. وما إن رأىٰ الـ«هاربێ» أحد الرهبان حتىٰ فتح جناحيه بمنتهىٰ القوة، وكأنه سينقض عليه.. وكاد خطّٰاب يستكمل رؤياه، حتىٰ فوجئ بضربة قوية عنيفة علىٰ مؤخرة رأسه، أسقطته أرضًا.. التفت خطّٰاب، فكان آخر ما رآه سيارتين تحاوطانه هوَ وابن عمه، ومجموعة من الرجال، موحدين الزي، والذين أقبضوا علىٰ مازن كذٰلك. قبل أن يفقد خطّٰاب وعيه. *** «مكانٍ ما - دوار الصفاونة». وقتٍ غير معلوم. أفاق خطّٰاب من غفلته ليجد نفسه معلقًا علىٰ الع**، بقدميه من الأعلىٰ ورأسه من الأسفل، دون أن يُقيَّد اليدين. كان ما فعله أن التفت عدة مرات ليرىٰ خصائص المكان الذي هوَ فيه، والذي كان مخزن الدوار، إذا كان صادق الظن. التفت من جديد فرأىٰ رجالًا يحاوطون سيدة خمرية في الثلاثينات من عمرها، غرار عباءتها عرباويّ، لا يواري حجابها مقدمة شعرها الأ**د، لها نظرة جريئة تسحر الرجال أيًّا من كانوا، مُكحلة العينين، تضع من الماكياچ ما يكفي لعدم مواراة جمال وجهها الطبيعي، وما يزيد للشعر بيت، كان قوامها الممشوق، وطولها المُتفرع. كانت تقف بثبات بمقدمة رجالها، فقالت بعد أن أدركت أن خطّٰاب بوعيه: - جايين تنبشوا قبور عيلة الصفاونة؟! صمت مماطلًا، ثم سأل: - عندكوا توكة؟.. عاوز أربط شعري عشان مضايقني. ابتسمت، قبل أن تشير لذراعها اليمين، والذي يدعي جعفر، فتوجه نحو خطّٰاب بلكمة عنيفة نحو بطنه، تسببت بتآوهه. - هسأل تاني، جايين تنبشوا قبور عيلة الصفاونة؟! أومأ برأسه علامة الإيجاب: - أصلها تُرب فراعنة. فأشارت لـجعفر أن يعيد الكرة، وكانت تلڪ المرة أكثر عنفًا، بعدها مباشرةً سألت السيدة: - جايين تدفنوا أعمال ولّلا تسرقوا جُثث؟ أشار لحاله. - ده منظر طالب في طب؟!.. أكيد جايين ندفن أعمال! مال أحد رجالها ليهمس إليها: - يا كبيرة، مستحيل الواد ده يبقىٰ ساحر؛ ده توتو قوي عَٰ الشغلانة! أشار نحو خطّٰاب: - بالظبط، أنا توتو، بس يا سيدي اعتبرني ساحر تحت الإنشاء، أو أقولڪ.. ساحر مساعد. أشارت لـجعفر بتسديد ضربة أخرىٰ نحوه، ففعل، بعدها أمرت رجالها باللحاق بها لعقد اجتماع. -... طب بلاش ساحر، مشوها معيد في كلية طب. ثم ضحڪ، قبل أن تؤلمه ضلوعه إثر الضرب. *** «بالإجتماع». بعد دقائق. يقول أحد الرجال مجادلًا: - يا كبيرة محدش بيروح المقابر خالص، لا من القرية ولا من براها، خصوصًا، بعد الإشاعات إللي بتطلع والأساطير وخلافه! قال آخر: - دول مش من قرية الدقاق يا كبيرة، يعني مكانوش يعرفوا إللي هيقابلهم هناڪ. قال الأول: - ده بيؤيد فكرة إنهم مش جايين في سلام، وإنهم كانوا ناويين فعلًا إمّا يسرقوا حاجة او يزرعوا عمل. قال قائلًا منهم: - إحنا نبلغ الشرطة، ونخلي ذمتنا منهم. لتتدخل الكبيرة، الست چان: - عشان يف*جوا عنهم؟! الشرطة في البلد ديه مبتؤمنش بعمل يتفڪ ويتزرع والكلام ده، إحنا هنحقق معاهم بنفسنا لغاية ما نشوف بيعملوا إيه عندنا. وكان الإجماع علىٰ ما قالته. -... صاحبه فاق! - من شوية يا كبيرة. - طب ورايا. نهاية الحلقة الأولىٰ. هاربي.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD