2. الغريب

1591 Words
«مخزن دوار الصفاونة». بعد دقائق من التحقيق مع مازن. عادوا لـخطّٰاب، فهلل من مكانه: - يا ألف أهلًا وسهلًا، معلش يا رجالة مش هعرف أقدملكم حاجة، بس اتفضلوا! قالت السيدة چان بحدة: - إنتَ محمَّٰد خطّٰاب بتاع اليوتيوب؟ - عرفتي لوحدڪ، ولّلا مازن قالڪ؟! صاح به جعفر قبل أن ينقض عليه مجددًا: - اتكلم مع الكبيرة عدل بدل ما أعدلڪ! أوقفته چان عمّا كاد يفعله، ثم رمقت خطّٰاب بنفس حال ثباتها: - لسانڪ ده إللي خلانا نمد إيدينا عليڪ، إنتَ كان زمانڪ قاعد بتشرب معايا شاي دلوقتي. - ماليش تُقل عليه. - رد، جاي بلدنا تعمل إيه؟ رمق حاله، ثم قال: - كدة، من غير ما تعزميني علىٰ حاجة؟! فرمقها جعفر منتظرًا الإذن ليضربه، ولٰكنها علاوةً علىٰ ذٰلڪ أمرته بأن يفڪ وثاقه، فصاح به خطّٰاب: - لأ، إتلحلح! مش هنقضي اليوم كله هنا. *** «صالون دوار الصفاونة». بعد نصف ساعة. أنهىٰ خطّٰاب فنجان قهوته أمام تأمل كافة رجال الست چان، في حين كان مازن ينتظر منها الإذن لهما بالحديث، والذي لم يحدث حتىٰ أنهىٰ خطّٰاب ما معه. -... هااح، دُنيا! تعجب الجميع مناسبة تلڪ الجملة، وقد اعوجت ملامحهم إثر هذا التعجب، إلىٰ أن قال هوَ: - بقىٰ تتعاونوا مع الساحر الشاب إللي جاي ينبش قبوركوا عشان عاوزين تعرفوا فين مكان بنت الكبيرة؟! رمق أغلبهم چان متعجبين.. أنىٰ له أن يعلم مثل تلڪ المعلومة الخطيرة؟ -... إنتَ جيبت الكلام ده منين؟ قالتها چان بملامح متعالية علىٰ الحزن والقلق، وأمام مازن الذي ابتسم فخرًا بقدرات قريبه، نرىٰ خطّٰاب يضع قدمًا علىٰ الأخرىٰ، فيقول: - نتعشىٰ، وأهو يبقىٰ عيش وملح. للأسف، لم يطلب خطّٰاب أمرًا صعبًا ولا مستحيلًا، في النهاية طلب أن تُكرم ضيافته هوَ وقريبه، كتعويضًا عمَّا أصابهما. *** نراهم الآن جالسان علىٰ يمين السيدة چان، يتناولان الطعام بشراهة، وكأنهما لم يأكلان منذ سنين، في حين كان رجال السيدة چان يجلسون علىٰ طول مقاعد يسارها. لم يحرڪ أحدهم ملعقة من مكانها، كانوا فقط يتأملون شراهة خطّٰاب ومَن معه في التناول، قبل أن يتمتم الأول لرفيقه: - أول مرة أعرف إن الخطف بيجوَّع كدة! - إحنا المفروض وآكلين من كام ساعة. - حصل. قالت السيدة چان: - ممكن بقىٰ نعرف إنتوا مين بالظبط؟ توقف مازن عن تناول الطعام، وكاد يجيبها: - إحنا يا ستي... إلىٰ أن قاطعته بقوة: - مش منڪ، أنا عاوزة أعرف من صاحبڪ. كان خطّٰاب يغمس لقمة من العيش بصحن شوربة الملوخية، فرفعها عاليًا مُحدثًا صوت طفل يحاول تقليد الطائرات قبل أن تنفلت منه ضحكة بسيطة أمام كل المتأملين. - وييي.. آههه! تفاجئ خطّٰاب بهم يتأملونه، فتبدلت ملامحه للجد وكأن أدرڪ مكانه فجأة، فتناول اللقمة بسرعة. - الحقيقة، الأكل تحفة، تسلم إيد الخدامة. قالها خطّٰاب بعد أن مسح فمه، فعدلت السيدة چان علىٰ قوله بثبات وجمود: - إحنا معندناش خدامة. وما إن سمع تلڪ الجملة حتىٰ التفت لـجعفر بنظرة مُتخابثة، تشڪ بأمرٍ ما، ثم ابتسم قائلًا: - آه يا خلبوص! وعاملّي فيها شيخ الغفر؟!.. يلّلا قولّي، مين علّمڪ الطبخ؟ ضرب جعفر منضدة السفرة قبل أن يتوقف متوجهًا نحو خطّٰاب ليلقنه درس مخاطبة الكبار، قبل أن تصيح به چان ليجلس: - بس، إقعد يا جعفر! توقف جعفر مكانه أمام كل مَن أُهينت كرامته أمامهم، فاعترض علىٰ أوامرها: - يا كبيرة دول نصابين! - عاوزة أعرف إللي عندهم الأول. تن*د جعفر نفسٍ حار، ثم توجه نحو مقعده ليجلس، في حين التفتت چان لـخطّٰاب، فقالت: - أنا إللي طبخت، ومُتشكرة يا سيدي علىٰ ملاحظاتڪ، ممكن بقىٰ تفهمني حكايتك إيه، وعرفت منين بموضوع بنتي؟ قال: - بشرط. لا تُفضل چان مثلها كمثل أيٍّ من رجالها لغة التهديد بالحوار، ولٰكنها رغم ذٰلڪ كانت تحتاج لما لديه. - قول. - إوعي تسأليني عرفت منين، ولا تقوليلي كداب؛ اتفقنا؟ شرطًا بسيطًا بالمقارنة مع خطورة ما لديه، فوافقت في الحال: - موافقة. مال للأمام مستندًا علىٰ السفرة. - من كذا سنة كنتوا علىٰ عداء مع الراجل إللي بتسمّوه الشيخ دقاق، عشان إنتي وجوزڪ كنتوا مش مؤمنين بنظرياته عن «الإلَٰه الأحمر»، وإللي بلغة الدقاق إسمه الشيطان.. ثم أكمل: - وبما إنكوا عبدة الشيطان، أو «الإلَٰه الأحمر» زي ما بتسمّوه، دقاق سلّط رجالته من الجن إنهم يدمروا حياتكوا، واحدة واحدة بقيتوا بتشوفوا هلاوس، واحدة واحدة خسرتوا فلوسكوا، لغاية ما جت الضربة الأكبر والأخيرة في حياة جوزڪ.. رفع ذقنه قائلًا: - بنتكم هربت! كان الجميع ينصت لهذا بذهول، ومنهم بتكذيب، ومنهم بإيمان. - جوزڪ ليلتها انتحر، وإنتي بعدتي عن الطريق ده، بس حاولتي ترجعي أمجاده في قرية الصفاونة، وجمعتي رجالتكوا تاني، عشان تنتقموا من الدجاج الدقاق. ثم قال: - بس للأسف، ملحقتيش، لإنه اتقتل في ليلتها. قالت چان: - إتقتل إزاي؟! أنا سمعت إنه مات عادي. - بقىٰ معقولة، هوَ إللي زي الدقاق دول بيموتوا عادي؟! فسألت بقوة: - مين إللي قتله يا خطّٰاب؟ توتر مازن لا إراديًّا، فقال خطّٰاب: - حد من برة القريتين. هنا تدخل جعفر: - إنتي قولتيلنا إن بنتڪ اتخطفت يا كبيرة! - كنت عاوزني أقولڪ إيه؟.. بنتي اتهبلت وبقت بتساعد الرهبان إللي مسمّيين نفسهم «أنصار الدقاق»؟!.. دينا بقت عبدة شيطان زيهم. فقال خطّٰاب: - مَن شابه أباه فما ظلم! التفتت له بنظراتٍ نادمة، قبل أن تزفر: - أنا غلطانة، وعارفة إن ربنا عمره ما هيغفرلي، بس في نفس الوقت إنتَ مشوفتش القوة إللي كان وآصلّها صفوان، كان بيذل رجالة بشنبات تحت رجليه من غير ما يفتح بوقه، أكيد مش أنا إللي هقف قصاده! قال خطّٰاب: - وآدي النتيجة! -... صفوان انتحر لمَّٰ طلب من ربه يرجع دينا وهوَ معرفش، ساعتها عرف قد إيه كفّتنا كانت ضعيفة. وكأن خطّٰاب يصطاد بالماء العكر: - طول عمركوا! حدقته بناظرين غضبين، ثم أمرت رجالها قبل أن تتحرڪ تاركةً المكان، ليلحق بها ذراعها الأيمن؛ جعفر: - الاتنين دول هيباتوا معانا النهاردة، وبكرة هشوف هنتصرف معاهم إزاي. وما إن رحلت، توقف الرجال أمام خطّٰاب ومازن، كان أقصرهم يزيد طوله عنهما، فقال خطّٰاب: - هوَ.. بعد إذنكوا يا رجالة.. إحنا هنبات فين بالظبط؟ *** «إحدىٰ غُرف الدوار». الساعة 04:00 فجرًا. مشهدًا مُعلقًا من السقف يوضح الغرفة بشكلٍ أوضح، فنرىٰ كيف كانت مهندمة، بها من الأثاث المريح منه والباهظ، يتوسطها سريران يستلقي علىٰ كلًا منهما خطّٰاب ومازن. واضعان يديهما تحت رأسيهما، يتأملان السقف بهدوء دون النطق بحرف، حتىٰ دقت الدقيقة الأولىٰ بعد الرابعة، فسأل خطّٰاب: - جايلڪ نوم؟ - تؤ. فاعتدل خطّٰاب في نيمته، ملتفتًا لـمازن: - طب إيه رأيڪ؟ - بطل غرور يا خطّٰاب! - تؤ، يا عم أنا مش بقول إيه رأيڪ فِ إللي أنا عملته، أنا بسألڪ في الموقف العام؛ إيه رأيڪ؟ صمت مازن ليفكر، قبل أن يرد: - رأيي إن الست دي مش هتسيبنا في حالنا، ومش هنعرف نكمل شغلنا هنا. قال خطّٰاب مُعارضًا بعد أن طقطق: - تؤ، أنا بقىٰ شايف إن الست ديه هيَ إللي بتخطف الناس عشان تقدمهم للـ«إلَٰه الأحمر»! سأل مازن: - جَتلڪ رؤية بالكلام ده؟ - تؤ، بس حاسس، مش مرتاحلها. هنا قال مازن بعد أن تدلىٰ عن السرير متوجهًا نحو الباب بخطواتٍ متسللة، وبنبرة هامسة: - طب بقولڪ إيه، تعالىٰ كدة. تحرڪ معه بالفعل خطّٰاب حتىٰ وصلا لباب الغرفة، فمال مازن عليه ليختلس السمع، فكانت النتيجة أن الرجلان المكلفان بحراستهما لا يزالان بالخارج، يتناقشان بأمرٍ مهم. تراجع مازن بأملٍ خائب للوراء: - تؤ، لسه برة! - استنىٰ بس! قالها خطّٰاب وهوَ لا يزال بمكانه يختلس السمع. -... وتفتكر الكلام ده هيعدي كدة؟! - إشمعنىٰ يعني؟ - رجالة الريس ضوّ مش هتسكت. - مالڪ بقيت خفيف كدة يا عطا؟!.. إحنا قدهم! - إنتَ بتضحڪ عليَّٰ ولّلا بتضحڪ علىٰ نفسڪ؟! - متخافش، الكبيرة وآخدة ميثاق مع رجالة الضوّ. - وهوَ في أكتر منهم في خلف المواثيق؟! تراجع كلًا من خطّٰاب ومازن بعد أن سمعا آخر ما سمعاه، فقال الثاني للأول: - مين الريس ضوّ ده؟ - معرفش. - طب ما تحاول تركز، جايز تشوف حاجة. أومأ برأسه علامة النفي: - أنا منمتش كويس يا مازن، مش هعرف أركز. - طب خلاص، تعالىٰ ننام وبكرة يحلها حلّال! *** صباح اليوم التالي. أفاق خطّٰاب ليجد جعفر واقفًا بجوار سريره مباشرةً، فاعتدل في جلسته مفزوعًا، برد فعلٍ مبالغ، وقال: - إيه الاصطباحة ديه؟! - الكبيرة مستنياكوا تحت. - الفطار جاهز؟ قالها خطّٰاب بعد أن هدأ قليلًا وتمالڪ نفسه، بتلقائية، فأخرج جعفر مسدسه من لدنه، قام بتوجيهه نحو خطّٰاب بهدوء، في حين تجمدت ملامح الأخير تمامًا: - شوف، أنا مش هسمحلڪ تقلل مني تاني قدام الكبيرة، وإن حصل.. اعتبر نفسڪ جار جديد للدقاق في تربته! - السلاح يطول يا جعفر، متنساش إن كبيرتك محتاجاني. - أنا ماليش كبير! قالها بانفعال، قبل أن يدخل مسدسه ببنطاله مرة أخرىٰ، ثم ترڪ المكان. تنفس صاحبنا الصعداء، ثم تن*د بغضب مناديًا علىٰ صاحبه الذي كان لا يزال نائمًا، لا يكترث البتة: - يا عم!! *** «صالون الدوار». بعد ساعة كاملة. أنهت چان مشاهدة اعتراف الست سوسن، بينما كان خطّٰاب يعاير السكر بأكواب الموجودين، ليقاطع جدية الموقف العام بجملته: - عاملكوا شوية شاي إنما إيه؛ ميتشربوش! قالت چان لـمازن: - عشان كدة إنتوا كنتوا في المقابر؟ - أيوة. - وكنتوا متوقعين تلاقوا إيه يعني؟ أومأ برأسه أن: «لا أعلم!»، ثم قال: - بس كان لازم نساعدها، لازم نلاقي أي دليل علىٰ مكان إبنها، إن شالّلا جُثته! قام خطّٰاب بتمرير أكواب الشاي علىٰ الموجودين، حتىٰ وصل الدور إلىٰ جعفر، فقال: - زيادة؟ - سادة. - معلش بقىٰ، اتلخبط. ثم توجه نحو چان بكوبها قائلًا، أمام غيظ جعفر: - المسألة كانت إنسانية أكتر من أي هدف تاني يا مدام چان، وده بالمناسبة إللي خلّانا منهربش إمبارح.. ثم أحضر كوبه، فجلس به قائلًا: - قوم إنتَ هات كوبايتك! ثم أكمل لها: -... إحنا كُنا قادرين نهرب، بس الحقيقة لمَّٰ فكرت شوية لقيت إني محتاج أحل قضيتڪ إنتي كمان. ثم قال: - عشان كدة، استسمحڪ تديلنا حاجاتنا عشان نعمل معاكي لقاء. أمرت چان جعفر بإحضار أدواتهما، ثم قالت لـخطّٰاب: - لو رجعتلي بنتي زي الأول أنا هكون مُمتنة ليڪ جدًا يا خطّٰاب! رأىٰ صاحبنا التأثر بعينها لأول مرة، رأىٰ وكأنه يحدث سيدة أخرىٰ مختلفة تمامًا عن چان التي يعرفها، فأدرڪ مدىٰ أهمية الأمر بالنسبة لها. -... يبقىٰ نبدأ. *** لنا من النار آبارًا وعيون ولنا في الأرض كنوزًا من الماس تابعًا لنا إن طالڪ أهل العلم قالوا ساحر ومجنون وتجنبڪ المتجنبون وتوحدت لنفسڪ عن الناس تتعلم لدينا الثبات والحركة والتجمُّد والسكون وكُنا لڪ أهلًا وأُخوة وعشيرة وحُراس نهاية الحلقة الثانية.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD