3. قبر

1401 Words
«صالون دوار صفوان». الساعة 01:05 صباحًا. خطواتٍ رقيقة تخطو علىٰ الأرض، حتمًا هيَ لفتاة بسن المراهقة، متوجهةً بذٰلڪ الوقت لمطبخ الدوار. وبين أصوات الأمطار والرعد الضارب، وأضواء البرق الخاطف التي كانت تُفزعها من الحين للآخر، وأضواء المكان الضئيلة.. تصل دينا أخيرًا لباب الثلاجة، فتحته لتُخرج زجاجة ماءٍ تروي عطشها. ولم تكن منتبهةً لمن كان يتحرڪ ورائها.. ارتوت فأعادت الجاجة لمكانها، فالتفتت لترىٰ ظلًا طويلًا ذي قرنين، يقف بالزاوية المجاورة لمخرج المطبخ! لم تكن الإضاءة تسمح لها بأن ترىٰ ملامح ذٰاڪ الظل، الأمر الذي جحظت له عيناها، كما تسارعت أنفاسها بقوة للدرجة التي أرغمتها علىٰ التنفس من فمها. - دينــا.. دينـــا! كان هذا الظل يناديها، وكانت تلڪ هيَ القشة! - أمـــي!! *** «دوار الصفاونة». بالوقت الراهن. أجواءً هادئة، تخلو من رجالها الذين باتوا روتينًا مُعتادًا عليها اتباعه أينما ذهبت، كانت تلڪ هيَ الأجواء التي باحت بها چان، وكأنما وُلدت من جديد، شخصيةً أخرىٰ غير تلڪ التي ترسمها عليهم. حتىٰ أنها بكت وهيَ تتحدث مرتين! -... كنت بتناقش كتير مع صفوان في إللي بنتنا بتشوفه، وإن مش طبيعي بنت عندها 18 سنه تشوف الكلام ده، كان بيقولّي إن «الإلَٰه الأحمر» وعده.. وإنه مبيخلفش وعدُه! فسأل خطّٰاب أمام الكاميرا التي كانت تسجل كل هذا: - ليه محاولتيش تبلّغي البوليس؟ رمقته بنظرة مذهولة من مجرد الفكرة: - يا نهار إسود!.. إنتَ عاوزني أبلّغ عن أبو بنتي البوليس يا خطّٰاب؟! ومين هيربّي البنت من بعده؟ كان لديه جوابًا منطقيًّا يتلخص في: «وأين هيَ ابنتڪ الآن؟» ولٰكن كانت الكاميرا عائقًا أمامه لطرح السؤال، فقال: - وحصل إيه بعد كدة؟ - زي ما يكون الزفت إللي إسمه الدقاق ده بينتقم مننا عشان إللي قتله، وأهو «مِن جاور الحداد ينكوي بنارُه!» في نفس الليلة البنت اتغيرت في المعاملة معانا ومع غيرنا.. ثم قالت: - لحد ما بعدها بيومين دخلت أوضتها عشان أصحيها للمدرسة، لقيتها معلقة علىٰ حيطان أوضتها صُلبان مقلوبة، وطبعًا إنتوا عارفين ده معناه إيه؟ يعلمان جيدًا أنها إشارة علىٰ رفض الأديان وتقبُّل الشيطان إلٰهًا. - وبعدين؟ - أنا وصفوان قعدنا معاها عشان نوعّيها عن الطريق ده، ونسألها إذا كان في حد شدّها ليه، بس هيَ مكانتش بتسمع، ومكمّلتش يوم.. وكإن فصّ ملح وداب! ثم قالت: - قلبنا عليها الدوار بالقرية كلها، ومسيبناش كمان قرية الدقاق، دوَّرنا في كل حتة.. أكملت: -... لغاية ما جالنا خبر إن آخر مرة إتشافت كانت من تُربي المقابر، عند مقبرة الدقاق. سأل خطّٰاب: - كانت بتعمل إيه هناڪ؟ - قال إنها أول ما شافته جريت. أشار خطّٰاب لـمازن بأن: «كفىٰ!»، ثم التفت لـچان قائلًا، وقد اتبع بجسده جلسةً جادة تتناسب مع الأجواء العامة: -... چان، أنا محتاج منڪ تكوني صريحة معايا أكتر، إنتي لسه بتتبعي «الإلَٰه الأحمر»؟ صمتت قليلًا، ثم سألت: - ده له علاقة بإللي حصل لـدينا؟ - جاوبي لو سمحتي. فقالت بنبرة هادئة من**رة: - أيوة... قبل أن توضح: -... بس والله لإنه قالّي بنفسه إنه هيرجع دينا. واجهها خطّٰاب بقوله الحاد: - وهوَ لو قادر يرجعها مش كان رجعها لـصفوان أولىٰ؟! - لأ، لإن صفوان مكانش عبد مُخلص. يتدخل مازن مستنتجًا: - وطبعًا الإخلاص ده المقصود بيه الأُضحية إللي بتتقدم، وإللي كنتي بتقدميها بالناس إللي بتخطفيهم! قال خطّٰاب: - چان، إنتي بتشوفي «الإلَٰه الأحمر»؟ أومئت برأسها علامة الإيجاب. - بس والله ما قدمتله الأُضحية لغاية دلوقتي، هوَ أصلًا مطلبش مني غير بنت بِكر واحدة بس. قال خطّٰاب: - الظاهر إنه عامل دايت! أكمل مازن: - هيَ بتبدأ كدة يا چان، بأُضحية واحدة، وبعد كدة بتبقىٰ كل خطوة بأُضحية. توقف خطّٰاب فجأة وبدون مقدمات. - أنا آسف! بس إحنا مش هنقدر نساعدڪ طول مانتي مش عارفة إنتي عاوزة أنهي طريق هيوصلڪ لبنتڪ. وبالرغم من كبريائها.. - لأ، استنىٰ! التفت لها بتلكؤ. -... أنا بس عاوزة بنتي يا خطّٰاب! لا تزال نبرة التأثر بلسانها قائمة، وكان هذا يؤثر بـخطّٰاب رغمًا عنه. - طيب، إطلعي إجهزي عشان عندنا طَلعة. رمقه مازن قبل چان بتعجب، قبل أن تسأله بنبرة ينتابها الفضول: - علىٰ فين؟ - دوار الريس ضوّ. - «دوار»؟! دوار إيه.. دول مطاريد! وبعدين إنتَ عرفت منين بحوار الريس ضوّ؟ أجاب: - رجالتڪ رغايين قوي، يلّلا قومي إلبسي! *** «أرض الريس ضوّ». بعد حوالي ساعة. كثرت الأساطير والحكاوي بقرية الدقاق والقرىٰ التي جاورتها، منها كان الحقيقي ومنها الوهمي، منها المُؤهل للتصديق، ومنها ما لم يكن يصدقه عقل، وكانت من ضمن تلڪ الأساطير أسطورة الريس ضوّ. كان الريس ضوّ مشهورًا بين النواب وأعيان الشرقية، وحتىٰ أنه يقال أن محافظ الشرقية الأسبقةقد زاره في واقعةٍ غير مسبوقة، لسببٍ مجهول، فمن الناس يقول أنه قد خطف ابنة المحافظ، ومنهم يقول أنه جمعتهما تجارة سيئة السُمعة من التي اشتهر الريس ضوّ بممارستها، ومنهم قال.. ومنهم قال.. في النهاية، بقيت سيرة الريس ضوّ، والذي كوّن لنفسه امبراطورية بالضفة الغربية من جبل قرية الدقاق، منبعًا للأقاويل والحواديث. وصل موكب السيدة چان إلىٰ بوابة القرية، فأوقفها رجال الريس ضوّ المُسلحين بالأسلحة الآلية. اقترب أحد رجال البوابة من عربة السيدة چان، تلڪ التي كانت ثاني عربات الموكب، فمال علىٰ السائق لينظر عبر نافذته لمن يجلس بجواره، والذي تصادف أن يكون خطّٰاب. حدثه الحارس وكأنه المسئول هنا: - جاي لمين يا باشا؟ ردت چان عن خطّٰاب، تلڪ التي كانت تجلس بالأريكة الخلفية، بجوار مازن: - قول للريس ضوّ الكبيرة چان عاوزاه في موضوع مهم. لاحظ خطّٰاب كيف تبدلت ملامح الحارس من سماعه اسمها، ولٰكنه لم يعقب، حتىٰ رأوا الحارس وهوَ يتحرڪ نحو البوابة. التفت خطّٰاب لـچان قائلًا: - إنتوا في بينكوا وبين بعض مشاكل؟! - من زمان، من أيام ما كان هوَ وصفوان علىٰ خلاف العمودية، ومين الأحق منهم بيها، وحتىٰ بعد ما مات صفوان، رفضت أقبل منه عزاه. - ليه؟ رمقته چان بجرأة. - لإنه كان هيطلب إيدي. أمرٌا عجيب! -... كان بيحاول يستغل إنڪ مراة العمدة عشان يكوّش علىٰ ورثه. ثم سأل: - طب مشكّيتيش فيه يكون هوَ إللي خطف دينا؟! - وإنتَ هنا بتعمل إيه! - يعني شكّيتي وجاية تتأكدي؟ - أنا متأكدة إنه إللي عملها، بس لا الرجالة ولا السلاح يقدروا عليه؛ ده الريس ضوّ! ازدرد خطّٰاب ريقه قليلًا من مبالغتها في وصف ذٰلڪ الكائن الأسطوري الذي هُم علىٰ وشڪ مقابلته. فُتحت تلڪ البوابة والتي كانت عبارة عن مدخلًا كبيرًا معدني يعتمد في أطرافه علىٰ مضيقٍ لا يُدخل إلا من خلاله، فتحرڪ الموكب للداخل بهدوء. وصولًا إلىٰ نقطة التوقف، فخرج رجال چان من عرباتهم، وتحركوا جميعًا في وسط رجال الريس ضوّ، حتىٰ وصلوا إلىٰ كهفٍ عريض المدخل، طويل الفتحة، يحرسه رجال وعربات نصف نقل تحمل علىٰ ظهورها أسلحة نصف بوصة. أكملوا للداخل اكثر، ليتفاجئ خطّٰاب ومازن بأدواتٍ تسمح للعيش هنا مدىٰ الحياة، مثيل مولدات الطاقة والحرارة، والمولدات الإلكترونية وغيرها. كانت امبراطورية بحق! وحتىٰ وصلوا إلىٰ الركن الأخير من الكهف والذي أطلقوا عليه عرين الضوّ. حتىٰ رآه خطّٰ لأول مرة.. رجلًا طويل البنيان وعريض المنكبين، اعتاد علىٰ ارتداء الجلبان السوداء، وكان يغطيها بسترة بدوية سوداء كذٰلك، وأمّا عن شعره فكان طويل، وأما ذقنه فهيَ كذٰلك، وكان له شاربًا كثيفًا مُتكحل كحال عينيه، كان يحاوط رقبته بعمامة سوداء، أحيانًا يغطي بها رأسه من عواصف الجبل. توقف مكانه منتصب الظهر والص*ر، بملامحه الجامدة التي لم تناظر أحدًا سوىٰ چان. كان سعيدًا من داخله بوصولها إليه الآن، وأمّا جعفر فبالرغم من عدم وجود علاقة عاطفية بينه وچان، إلا أن هذا قد أثار غيرته. -... يا مليون مرحبا، نورتوا عرين الضوّ، إتفضلوا! قالها، فردت عليه چان بحدة: - إحنا مش جايين نضايف يا ريس ضوّ. - وماله، برضه المكان يتشرف بيكوا. وصلوا لأمام الريس ضوّ مباشرةً، فقال متأملًا ملامحه التي لم تنفڪ كما هيَ منذ آخر مرة رآها بها. - لسه زي مانتي يا چان. - أعرفڪ محمَّٰد خطّٰاب ومازن محمد، جايين من مصر. رمقهما الضوّ بملامح متبلّدة، ثم سأل بنبرة تخلو من الذوق: - أفندم؟ - إحنا جايين عشان مراتڪ يا ريس ضوّ. اِضيقَّ ما بين حاجبي الريس ضوّ تعجبًا من تلڪ السيرة، وحتىٰ أغلب الموجودين لم يكونوا يتوقعون هذا. - «بنتي»؟! أومأ خطّٰاب برأسه علامة الإيجاب مبتسمًا، فالتفت عنه الضوّ متوجهًا نحو مكتبه الذي كان بنهاية المكان، فالتقط من طبق الفاكهة الذي كان علىٰ مكتبة ثمرة تفاح، قطم منها قطمة معقبًا: - أنا معنديش بنات! - إزاي بقىٰ، ده هيَ بنفسها إللي قايلالي! توقف عن مضغ ما بفمه لوهلة، ثم أكمل: - شوف مين بتضحڪ عليڪ يا أخ خطّٰاب، نوّرتوني! لم يتحرڪ أهم انتظار أن يُكمل خطّٰاب لعبته، وبالفعل، تحرڪ خطّٰاب بثبات نحو المكتب أمام عيني ضوّ ورجاله الذين كادوا يتحركون نحوه لولا منع الضوّ لهذا؛ كان يريد أن يرىٰ ما لديه. التقط خطّٰاب قلادة كانت مُخبئة تحت أحد الكتب الموجودة علىٰ المكتب، فرفعها للعيان. - ومين إللي في الصورة ديه؟ تبدلت ملامح الضوّ تمامًا، فتوقف عن الأكل. - إنتَ دلّال؟! قالها الضوّ بذهول، فردَّ خطّٰاب: - خلينا في موضوعنا، إنتَ خلفت بنت وسميتها مريم، وبقت هيَ حياتڪ خصوصًا لإن أمها ماتت وهيَ بتولدها. -... قولتلي بقىٰ إسمڪ خطّٰاب! أومأ خطّٰاب برأسه علامة الإيجاب، فأومأ الضوّ برأسه متفهمًا، ثم قال لرجاله: - جميل! طلعولي بقىٰ كل الرجالة دول برة، وهاتوا الواد ده ورايا! عمَّ الصمت والذهول فجأة! نهاية الحلقة الثالثة.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD