«عرين الضوّ».
بعد ساعه كاملة.
صمتٍ وهدوء يقاطعه من الحين للآخر صوت الضوّ يدندن ويغني بصوته الأجش مواويلًا ابتكرها أهل الجبل، بينما كان يُطالع أحوال رجاله وعائلاتهم وتدابير السلاح والغذاء، الأمر الذي اضطره لارتداء نظارة جعلته يبدو أكبر سنًّا.
رأىٰ خطّٰاب علىٰ غير مقربة من يمينه رجالًا يقفون موجعين الأسلحة نحوه، فالتفت ليساره ليرىٰ مشهدًا مماثل للمشهد الأول.
تحرڪ خطّٰاب من مكانه معتدلًا فحسب، فأشار نحوه الضوّ بإصبعه دون أن يرفع عينيه عمَّا كان يطالعه، ومع إشارته سحب كل أولٰئِڪ المحاوطين لـخطّٰاب أجزاء أسلحتهم.
فتجمد خطّٰاب مرة أخرىٰ.
- أنا عارف إن ده لا وقته ولا مكانه، بس أنا جعان!
أغلق الضوّ ما بيده، فرمق خطّٰاب بصمت، فأكد خطّٰاب:
- بما إن الشغل إللي جاي تقيل؛ فأنا محتاج آكل.
- وإنتَ إيه عرفڪ بقىٰ إن الشغل الجاي تقيل؟!
أشار خطّٰاب نحو نفسه بنبرة بديهية:
- مُستبصر!
- هاتوله أكل، وشاي!
ثم قال:
- عشان يبطلوا يقولوا عَٰ المطاريد بلطجية.
***
«دوار الصفاونة».
بنفس التوقيت.
نرىٰ چان تتحرڪ عاقدةً يديها وراء ظهرها ذهابًا وإيابًا أمام چان وجعفر وبعض الرجال، والذين كانوا يفكرون هم كذٰلك في حلٍّ قد يساوموا الضوّ به ليسترجعوا خطّٰاب.
حتىٰ توقفت چان فجأة وقد التفتت لابن عم خطّٰاب، فقالت بنبرة غاضبة متوترة:
- إنتَ إزاي قاعد هادي كدة؟!
- إهدي يا چان، خطّٰاب عارف كويس هوَ بيعمل إيه، وكان عارف إنڪ الواسطة الوحيدة إللي هتدخله للريس ضوّ وتسمحله يتكلم معاه براحته.
قالت:
- وإن عمل فيه حاجة؟
- مش هيحصل، لإنه محتاجه.
فأكمل:
-... ويلّلا إعملولنا الغدا، عشان نعرف نفكر فِ الخطوة الجاية.
***
«عرين الضوّ».
آخر نهار ذات اليوم.
كان خطّٰاب هوَ الوحيد الواقف دون تناول، بينما كان أغلب رجال الضوّ يتناولون غدائهم، وكان الضوّ ينظف أسلحته الشخصية بزاوية ليست ببعيدة.
وأمّا خطّٰاب، فنراه يتأملهم بعيون الحسرة والذل، ينتظر أن ينهون ما بدأوه ليبدأ هوَ، حسب أوامر الريس ضوّ.
- مالڪ يا خطّٰاب؟
قالها الضوّ.
- إنتَ طلبتهم يحضرولي أنا الاكل ده!
- واكتشفت إنهم كل ده لسه متغدوش، إيه، يموتوا مِ الجوع؟!
- مش أحسن ما أموت أنا؟!
ترڪ الريس ضوّ ثم اعتدل بجلسته ليواجه خطّٰاب.
- إنتَ لا هتآكل ولا هتشرب لحد ما تقولّي عرفت منين حوار مريم بنتي!
أدرڪ خطّٰاب كيف أن الأمر قد يخرج عن سيطرته.
-... إنتَ اتأكدت إني مُستبصر ودلّال، عاوز إيه تاني؟
- أعرف مكان بنتي.
- مش هقدر، أنا مبستوحيش إللي بشوفه بنفسي، الوحي هوَ إللي بيختار الزمان والمكان إللي يجولي فيه، بس العامل المشترڪ دايمًا بيكون إني اتغذىٰ كويس وأنام كويس.
مال الضوّ للأمام.
- إنتَ حر! ة هتضطر تموت م الجوع لحد ما يجيلڪ الوحي الجديد.
التفت عنه الضوّ فقال خطّٰاب ما إذا فعل:
- الأقصر!
عاد له الضوّ وكل رجاله بعيونهم المعقودة من التعجب، فسأل الضوّ متعجبًا:
- هيَ في الاقصر؟!
- إنتَ ليڪ عدو هناڪ، هوَ عارف مكانها.
صمت الضوّ متسائلًا، مُشككًا، ثم سأل:
- الوحي ده لسه جايلڪ دلوقتي؟!
- الوحي ده هوَ إللي جابني هنا.
صمت الضوّ، ثم التفت لرجاله عدة مرات بثبات تمثالٍ يخشىٰ أن تستوضح تعابيره، قبل أن يأمرهم:
- إتحرڪ إنتَ وهوَ، جهزولنا سفرية خصوصية للأقصر، عندنا زيارة لسيادة النائب.
ماجد توفيق، أحد أهم النواب المترشحين من الأقصر، وأحد ألد الاعداء الأفاقين للريس ضوّ، الأمر الذي بدأ منذ أن ترڪ الأول تجارة السلاح للتقدم للترشيح، تلاها خلعه لجلبابه واتباعه ثوب البذل المصري -من وجهة نظر أعيان الصعيد-، وكانت تلڪ هيَ القشة..
باتت تربطهما علاقة عداوة مبطونة في نفوس كلًا منهما، والتي بدأت بإبلاغ الأول عن شحنة كبيرة للسلاح كان الثاني مستوردها، الأمر الذي حاول به ماجد توفيق **ب بعض الكروت بالوزارة.
ومن هنا بدأت خطوط العداوة.
***
«قطار الصعيد رقم 112».
الساعة 06:15 مساءً.
الدرجة الأولىٰ هيَ التي اختارها الريس ضوّ علىٰ عادته، فكان هوَ ورجاله الذين تفرقت مقاعدهم يغطون أغلب مقاعد العربة.
في حين اختار الريس ضوّ أن يكون خطّٰاب علىٰ المقعد المواجه له مباشرةً.
-... ممكن اسألڪ سؤال؟
قالها خطّٰاب لذٰلڪ الذي كان شاردًا بالطريق، والذي حمل ملامحًا تؤكد كم كان يحمل بداخله من غضب، فرمقه منتظرًا السؤال:
- إسأل.
- بنتڪ هربت ليه؟
أجاب باستهزاء:
- إنتَ مش بتعلم الغيب؟! إعرفها لوحدڪ.
- مفيش حاجة إسمها كدة، إنتَ معلوماتڪ غلط خالص عن المستبصرين، كل الحكاية إننا بنعرف حاجات ربنا كاتبلنا نعرفها عن طريق دليل شبه مخفي أو وحي من عنده وبإذنه، بس مش غيب، هيَ حاجات غيرنا مبيشوفهاش.
شرد بناظريه بعيدًا، ثم بدأ في السرد:
- مريم كانت كل حياتي، كان لازم أخاف عليها من كل الدنيا، ظباط الشرطة وأعدائي وأي حد ممكن يفكر يئذيني فيها، مكونتش هستحمل ده يحصل..
ثم أكمل:
-... عرفت في مرة إنها حبت! بنت الريس ضوّ تحب؟!.. تحب إزاي وأبوها عمره ما حب؟! ده أنا حتىٰ محبتش أمها.
ص*رت الجملة منه بتناقض بيّن و واضح، وبملامح تحاول منافاة طبيعتها الانسانية، قبل أن يسأله خطّٰاب:
- يعني إنتَ محبيتش چان؟!
- ناوي أتجوزها مصلحة.
كانت صراحته مثيرة للإعجاب.
-... طب وعملت إيه؟
- قتلت حبيبها.
جحظت عيني خطّٰاب، في حين أكمل الضوّ بناظرين يحاولان الهروب من عيني خطّٰاب المواجهتين:
- الواد كان بيلعب بيها، كان من عيلة عادية جدًا حتىٰ مش معاهم يجيبوا شقة ليه، وجاي يحب مريم بنت الريس ضوّ!
واجهه خطّٰاب بالحقيقة التي يحاول الإفلات منها:
- إنتَ مصدق الكلام ده؟!.. وإن كان حقيقي، صح نقتل كل شاب حاول يبص لفوق!
- لمَّٰ تبقىٰ بنت الريس ضوّ يبقىٰ هوَ وأهله يتقتلوا!
قالها بنبرة طاغي ينكر إنسانيته التي حاول أن يقتلها، ثم أكمل بنبرة أقل هجومية:
- أنا يا دوب قتلته هوَ بس!
- جدع! حقيقي مقصرتش.
رمقه ضوّ لثوانِ قبل أن يباغته بإمساڪ فانلته بعنف ليسحبه نحوه بقوة، بالتزامن مع إخراج مسدسه لتوجيهه نحو رقبته بقوة.
- عارف لو ملقيناش مريم عند ماجد توفيق هعمل فيڪ إيه؟!
- أنا مقولتش هنلاقيها هناڪ، أنا قولت هوَ عارف مكانها فين.
أبعده عنه الضوّ بقوة، فقال:
- وآدينا هنشوف!
وكان آخر ما آلت إليه النفوس بينهما هيَ العداء المتوقف علىٰ مصلحة يجب إنجازها.
***
«مكانٍ ما».
توقيتٍ مجهول.
أفاق خطّٰاب من نومه فوجد نفسه مقيدًا علىٰ سرير ترولّي بمشفىٰ قديم مهجور، حاول الإفلات من تلڪ الأغلال ولٰكن الأمر كان مستحيلًا.
وقبل أن ينادي علىٰ من ينقذه فوجئ بالباب الذي أمامه ينفتح، لتتضح مع الباب بعض الرؤية المبنية علىٰ الإضاءة الخارجية.
رأىٰ ظلًّا طويلًا ذي قرنين يقف علىٰ عتبة الباب..
إنه الشيطان!
***
«القطار».
الساعة 02:30 صباحًا.
أفاق من نومه مفزوعًا، وقد تسارعت أنفاسه مع ضربات قلبه علىٰ النيل منه، كان يتصبب من العرق ما يكفي للظهور علىٰ ص*ر فانلّته، وكان يتنفس من فمه من شدة صعوبة التنفس.
التفت يمينه ويساره فوجد أن كل المسافرين بمن فيهم الضوّ قد صبوا في ثباتٍ عميق.
تحرڪ ليغسل وجهه، فأنهىٰ ما كان يفعله بالتزامن مع حدوث خلل بكهرباء القطار، أمرًا غير معهود!
خرج من دورة المياة فانقطعت الكهرباء تمامًا.
أخرج هاتفه ليشعل من الإضافة ما يكفي لجعله يرىٰ، وما إذا فعل حتىٰ تفاجئ بوجهٍ يشبه الذي رآه بمنامه..
رجلًا طويلًا يرتدي جلباب ذو قلنسوة تغطي رأسه، وكان يرتدي قناعًا لجاموس مُحلل، له قرنين!
تراجع خطّٰاب للوراء لا إراديًّا، فقام هذا الشخص برفع فأسًا كان يمسكه، نحو خطّٰاب، فقام بتسديد ضربة غير موفقة نحو رأسه، أصابت باب دورة المياة، فعلقت به.
في حين كان خطّٰاب لا يزال في حالته النفسية من الصدمة، التي لم تدع له مجالًا للتصرف العقلاني.
ولٰكن ليس هناڪ وقت، فقد حاول هذا المقنع تحرير فأسه بمنتهىٰ القوة والعنف، وكأنه سيموت وهوَ يحاول!
فتحرڪ خطّٰاب من مكانه مسرعًا نحو المكان الذي ترڪ به الضوّ، ليتفاجئ بمقنع آخر!
سدد ضربة عنيفة نحوه كادت تشق رأسه لولا أن انحنىٰ بشكلٍ بسيط، فعاد المقنع بالفأس مجددًا نحو خطّٰاب، فكان من السهل الإحكام عليها بيديه، قبل أن يسحبه معه نحو المقنع الآخر.
سحبه ثم دفعه نحو المقنع الآخر، فإذ بهما يصطدمان ببعضهما البعض، بعدها هرول خطّٰاب نحو الضوّ فمد يديه نحو مسدسه ليأخذه...
هنا يستيقظ الضوّ جاحظ العينين، ممسكًا بيدي خطّٰاب بمنتهىٰ القوة، وما إن أدرڪ أنها كانت محاولة للاستيلاء علىٰ سلاحه.. حتىٰ لكمه بعزم قوته، فأودعه أرضًا.
سقط خطّٰاب بناظريه نحو الممر الآخر للعربة، فوجد ثالثًا يقترب منهم بفأسه!
يبدو أنهم كانوا مجموعة كبيرة!
أدرڪ الضوّ سبب محاولة خطّٰاب للاستيلاء علىٰ مسدسه بمجرد رؤيته للمقنعين، فأخرج هوَ مسدسه نحوهما، ولٰكن هذا لم يكن كفيلًا بإيقافهما، والذي اضطره لقتل أولهم.
كانت الطلقة كفيلة بإيقاظ كل المسافرين بالعربة وبالعربات التي تليها، فحدثت حالة من الهرج والمرج، اغتنمها خطّٰاب للسيطرة علىٰ فأس المقنع الثالث.
توقف علىٰ قدميه، فأمسڪ يد الفأس بمنتهىٰ القوة محاولًا السيطرة عليه، بينما قاوم الأخير.
وأمّا الضوّ، فحذر المقنع الآخر:
- أنا مش عاوز أئذيڪ!
كان المقنع صامتًا، يتأمل صاحبه القتيل، فأكد عليه الضوّ:
- إرمي سلاحڪ!
ولٰكن المقنع اختار بلا تردد أن يُقتل علىٰ يدي الضوّ وهوَ يحاول، بعدها مباشرةً التفت الضوّ نحو الآخر، فقتله وهوَ يقاوم خطّٰاب.
التفت له خطّٰاب مذهولًا، فقال:
- أنا إللي كنت ناحيتڪ، إنتَ كنت هتقتلني أنا؟!
- وربنا ستر!
قالها قبل أن يتحرڪ نحو العربة التالية، صائحًا برجاله:
- ورايا يا بغال!
بالفعل، اتبعه خطّٰاب وبقية الرجال أمام باقي المسافرين الذين أخذوا يتأملون هذا العبث الذي يحدث.
كاد يفتح الباب المؤدي للعربة التالية قبل أن يلتقط خطّٰاب يده منبهًا إياه:
- استنىٰ!
ثم قال بهمس:
- سامع؟!
فاقترب الضوّ وباقي الرجال من الباب بآذانهم ليختلسوا السمع، فكانت النتيجة صرخاتٍ مكتومة، وآهاتٍ مبطونة، وضرباتٍ تليها دماءٍ منثورة!
- همَّٰ هناڪ دلوقتي!
قالها الضوّ، فرد خطّٰاب برأسه إيجابًا.
- وإحنا علينا الدور!
- ده علىٰ جتتنا!
قالها الضوّ قبل أن يأمر رجاله بالتجهز، فقام بسحب أجزاء مسدسه محدثًا الصوت الشهير، وما إن فعل حتىٰ تفاجئوا جميعًا بنصل فأسٍ يخترق الباب من الجهة الأخرىٰ.
يبدو أن صاحب الفأس كان يحاول فتح الباب!
رفع الضوّ مسدسه دون تردد، موجهًا إياه نحو الباب، فأطلق ثلاث طلقاتٍ بأماكن مختلفة، ثم فتح الباب.
فرأوا جميعًا العشرات من المقنعين ذوي الفؤوس، يقتّلون ويذبّحون بكل مَن طالت فؤوسهم من المسافرين وسط الظلمات التي تنيرها مصابيح الضوّ ومن معه، صرخاتٍ هنا وهناڪ، ودماءٍ هنا وهناڪ، وأرواحٌ بريئة تحاول التمسڪ بالحياة بكل ما أوتيت من قوة وأمل وترجيٍ للقاتل.
جحظت عيني خطّٰاب لا إراديًّا من المنظر، وكذٰلك الضوّ ومن معه، قبل أن يصيح:
- يا ولاد الوسخة!
نهاية الحلقة الرابعة.