قبل حوالي 24 ساعة.
«محافظة حضرموت - اليمن».
مع الرنة الأولىٰ لمنبهها نرىٰ يدها الخمرية المغمورة بالا**سوارات النوبية تُمد لتغلقه، بعدها تعتدل تلڪ الفتاة العشرينية النوبية، ذات الشعر المجعد والمُضفر والمصبوغ بغرارٍ لن تراه كل يوم، إلا إن كنت من النوبة.
كذٰلك نراها متزينةً بالا**سوارات النوبية، إما الحِلقان أو الحظاظات أو الخواتم أو القلادات والسلاسل أو حتىٰ الخلاخيل، كانت أيضًا تمتلڪ رسمتين أو أكثر كأوشام، علىٰ مناطق مختلفة، ظاهرية من جسدها، وأمّا تعريف الماكياچ بالنسبة لها.. فكان متلخصًا في تكحيل العينين.
كانت رفيعة الجسد، عريضة الجبين، ذات حاجبين كثيفين، لها شفتين ضخمتين، وأنفٍ صغير، وعينين سوداوتين غلبت علىٰ إحداهن طفرة اللون الأزرق تبعًا لتغاير تلون القزحتين، وأما ملامحها فكانت في غاية الجمال.
وِدْ، لم يكن مجرد إسمٍ وُلدت به، فبمُجرد أن بحثت عن معنىٰ الإسم علىٰ مؤشر البحث، حتىٰ بات الأمر أسلوبًا تتبعه لحياتها، مع كل من تعرفهم، وهذا ما يُميز تلڪ الجميلة الخمرية ذات الوجنتين الغنيتين.
-... يا بنتي نامي، حد ينزل دلوقتي برضه؟!
ص*رت من ذٰلڪ الجالس بمواجهة سريرها، شابًا نحيلًا، وكان كل ما يفعله هوَ مطالعة الكتب الموجودة علىٰ مكتبها.
تجاوزت تلڪ الجميلة عنه، فتحركت دون أن ترد أو حتىٰ تعره اهتمام، متوجهةً نحو الحمام لتغسل وجهها، وأمّا عن الشاب فكان رد فعله غريبًا علىٰ هذا التجاهل، إذ تعالت ضحكاته كما لو سمع دعابة.
غسلت وجهها بثبات ثم قامت بتغيير ملابسها، بالحمام، بعدها قامت بربط شعرها بنهاية رأسها باستخدام بعض الأدوات البلاستيكية الملونة.
خرجت للمطبخ فأعدت لنفسها كوبًا من الشاي الممتزج باللبن، تناولته وهيَ تطالع صحيفة اليوم اليمنية، ثم تجهزت للنزول بوضعها بعض العطور النوبية التي لا تنفڪ تعدها منذ سنتين، تحديدًا، وقت أن خطت قدمها هيَ وجدتها حضرموت لأول مرة.
***
«محل نوبيان - وسط البلد».
بعد نصف ساعة من التحرڪ.
لم يكن من السهل أن تجد وِدْ مكانًا مناسبًا لبيع عطورها التي تعدها، وأدواتها الفخارية والخوصية الملونة تلڪ التي تصنعها بالبيت، وبسعرٍ ممتاز للإيجار، ولٰكن هذا كان قبل أن تتعرف علىٰ صهيب.
كان شابًا ثلاثينيًّا، يمتلڪ من العمل مع والده ثروة تؤهله أن يبتاع أفخم المطاعم لحسابه، ولٰكنه لم يكن يبالي البتة بثروته.
وأمّا بالنسبة لعمل والده الغامض الذي كان يربحه تلڪ الثروة الغريبة، فلم يكن يحدث أحدهم عنه قط، حتىٰ أنه لم يكن ليسمح لأحدهم أن يفاتحه بتلڪ السيرة!
وبالرغم من أن وِدْ تعتبر بمكانة خاصة لدىٰ هذا الشاب، إلا أنه لم يكن يترڪ مجالًا بالحوار لتسأله عن أصل عمله أو عمل والده.
- صباح الخير!
«يأتي القط مع سيرته!».. لم تكمل وِدْ أكثر من عشر دقائق بتوضيب المكان إلا وكان صهيب واقفًا أمامها، فاردًا ص*ره العريض، ممشوق الطول، واضعًا إحدىٰ يديه بجيبه، وتعتلي وجهه ابتسامة عريضة.
- صباح النور! كيفك يا صهيب.
- الحمد لله، في فضل!
أخذ يطالع الأدوات الموجودة يمينًا ويسارًا كعادته دون الخوض بموضوعٍ معين، وأمّا وِدْ، فلم يكن لديها مشكلة بوجوده أبدًا، كانت تتعامل مع وجوده وكأنه زبونًا يفكر بما سيشتريه.
وقبل أن يفكر بما سيكون موضوعه معها، فاجئهما باب المحل ينفتح من الخارج لتدخل شروق!
شروق هيَ الأنسة الوحيدة المصرية التي تعرفها وِدْ بالمدينة، الأمر الذي ربط بينهن علاقة ترابط قوية، سمحت لكلتاهن بزيارة بعضهن البعض بأي وقت؛ وصولًا إلىٰ العادات الغريبة التي كانت تربطهن.
- صباح الفل يا صاپو!
كانت تعني صهيب، إذ دلفت المحل قبل أن تضربه علىٰ ظهره بخفة، ثم توجهت مباشرةً بنفس سرعة خطواتها نحو وِدْ لتهمهم لها بخبرٍ جديد.
- عاملة إيه يا شوشو؟
- فاضية النهاردة بالليل؟
ابتسمت وِدْ، فهيَ تعلم صاحبتها جيدًا، وتعلم أن السر وراء هذا السؤال يكمن في مغامرة جديدة.
- العادي يعني.
- طيب، حضري نفسڪ، هعدي عليكي الساعة 10.
- عال!
ثم خرجت وهيَ تنعته بنفس الإسم.
- عاوز حاجة يا صاپو؟
دون حتىٰ انتظار ردٍّ منه.
- بخلاف إن مش عاجبني دماغ صاحبتڪ المجنونة ديه، بس بصراحة، بحب طريقة تفكيرها.
- شروق من أعز الناس إللي عرفتهم! الوحيدة إللي وقفت جنبي أنا وسِتي لمَّٰ مكانش في حد يعرفنا عشان يقف جنبنا في البلد ديه.
هنا اقترب صهيب مسافة إنشَين، عاقدًا يديه أمام ص*ره، ليسألها:
- ممكن اسألڪ سؤال عمري ما سألته؟
ردت بتلقائية:
- طبعًا.
- إنتي ليه سيبتي مصر وجيتي هنا إنتي وجدتڪ؟
بدت تعابير الضيق علىٰ وجهها مما ذكر، ويبدو أنه لاحظ تلڪ التعابير، فأبىٰ ردها:
- خلاص، مترديش، أنا بس كنت عاوز أقولڪ حاجة..
فرمقته انتظار أن يكمل.
-... أنا في خلال سفرياتي الكتير لمصر أنا ووالدي، وتعاملي مع المصريين علىٰ مدار السنين إللي فاتت ديه كلها، أحب أقولڪ إنڪ مختلفة.
- إحنا في مصر كلنا كويسين يا صهيب.
- تؤ، أنا مش قصدي عَٰ المصريين، إنتي عمومًا مختلفة!
ابتسمت.
- متشكرة، بس برضه كلنا كويسين.
ضحڪ.
- عمومًا، أنا هسيبڪ تشوفي شغلڪ، مش هعطلڪ، عاوزة حاجة؟
- لأ، متشكرة!
وبالفعل، تركها لتستكمل عملها..
ما كادت تفعل، حتىٰ دلف المحل شخصًا غريبًا، شديد الطول، نحيل العرض، رفيع الوجه، كان يتجول بالمكان محدثًا إزعاج من تجوله وعبثه بالأشياء.
لاحظته وِدْ، ولٰكنها لم تخاطبه، ولا حتىٰ ناظرته أو انتظرت أن ترىٰ ماذا سيفعل، بل أكملت عملها بالرغم من عبثه، حتىٰ أنه كان يطلق ضحكة هيستيرية من الوقت للآخر دون مبرر غير أنه مجنون!
تن*دت وِدْ، ثم أكمل ما لديها.
***
عادت وِدْ بعد إنهاء دوامها الذي ينتهي بإطلاق أذان المغرب، لتجد جدتها الست ألماظ جالسة علىٰ أريكتها، تصنع لحفيدتها بلوڤر من الصوف.
أمّا الست ألماظ، فلم تكن مختلفة المظهر كثيرًا عن وصف وِدْ العام، الظفائر ذاتها، والإ**سوارات، وغرار الماكياچ، وحتىٰ الأوشام.
- مساء الخير يا سِتي!
قالتها قبل أن تنحني لتقبل إحدىٰ يديها، وكأنه السلام، فانتظرت الجدة انتهاء تقبيل اليد، قبل أن تقول معاتبة:
- مصحتينيش ليه النهاردة الصبح أشرب معاكي الشاي بلبن، مش إتفقنا تصحيني؟!
- يا روح قلبي الدكتور قال ترتاحي!
- ولو، ديه هيَ الساعة إللي بلحق أقعدها معاكي، باقي اليوم بتنامي أو في الشغل أو مع صاحبتڪ المجنونة ديه!
ضحكت وِدْ وهيَ لا تزال جالسة بوضع القرفصاء، أمام قدمي جدتها، تلڪ التي لا تزال تمسڪ يديها، ثم قالت:
- خلاص براحتڪ، مترجعيش تعيطي بقىٰ وتقوليلي عاوزة أنام، معلش سيبيني أنام شوية، والكلام ده.
- ده بُعدڪ يا بت إنتي!
ضحكت مرة أخرىٰ.
- أنا هقوم أحضرلنا الغدا.
- ماشي يا حبيبتي، ربنا يعينڪ!
***
عشاء ذات اليوم، أفاقت وِدْ علىٰ صاحبتها التي تنام بجوارها علىٰ السرير، بغرفتها، في بيتها، دون صوت أو حركة، غير أنها كانت تتأمل ملامحها فحسب.
- إيه يا شروق، بتعملي إيه بس؟
قالت بنفس تعابيرها التي تطالعها بها:
- عاوزة أشوفڪ بتنامي عادي زينا، ولّلا بتعملي حاجات غريبة وإنتي نايمة.
ترجلت وِدْ عن سريرها متوجهةً نحو خزانة ملابسها، مرددة:
- يعني إيه بعمل حاجات غريبة يا بنتي، إنتي تعبانة ولّلا إيه؟!
- طب إجهزي يلّلا، أنا مستنياكي برة مع حبيبتي العجوزة ديه!
- ديه بتحبڪ حُب!
- هتقوليلي؟! زيها زي كُل إللي حواليَّا.
***
بالفعل، ارتدت وِدْ ما ارتدته، ثم اتبعت تلڪ التي كانت تنتظرها بالصالون، ودعت جدتها ثم خرجت مع صاحبتها متوجهتان لوجهتهن، أولًا استقلتا معًا مواصلة قصيرة لأطراف المدينة، ومنها استقلتا عربة لخارج المدينة، وبالطريق...
- هاه، في جديد في مغامرة النهاردة؟
قالتها وِدْ لصاحبتها التي بادرت بتجهز أدوات التصوير الخاصة بها، قبل أن ترد:
- معبد بيُقال إن عبدة الشياطين كانوا بييجوا يتبعوا طقوسهم فيه.
- ولسه في حد بييجي؟
- لأ، علىٰ حد علمي بطلوا من ييجي خمس سنين.
صمتت وِدْ لتفكر، قبل أن تستخلص من تفكيرها سؤالًا مهم، وهوَ:
- عرفتي الموقع ده منين طيب؟
- حد بعتلي عَٰ الفيس.
- والله أنا ما بقلق غير من صحاب الفيس الغامضين بتوعڪ دول!
- متبقيش أوڤر بقىٰ يا ودُّودي!.. الموقع حلو وهنشوف فيه حاجات خطيرة بإذن الله، والمرة ديه هنصور يعني هنصور!
كانت تلڪ هيَ الهواية المفضلة لـشروق، فمنذ أن تمت العاشرة من عمرها وهيَ تستشغف كل ما هوَ ما ورائي وغريب، الأمر الذي جعلها تعتبر من وِدْ تميمة الحظ الخاصة بها منذ يوم أن عرفت بموهبتها الخاصة.
ولٰكن، ترىٰ ما هيَ تلڪ الموهبة؟
***
لقد مر أكثر من خمسة عشر دقيقة علىٰ هذا الوقف المروري، الطريق ذهابًا إلىٰ وجهتهن يأبىٰ أن يُفتح، وكأن حادثًا قد أصاب آخره.
الأمر الذي دفع شروق أن تتحدث:
- في إيه يا اسطىٰ؟
- ما بعرف، بس تقريبًا فيه حادث!
فمالت وِدْ علىٰ صاحبتها همسًا:
- خلاص، مفيش نصيب، يلّلا نروّح!
- بالع**، تعالي نشوف الحادثة ديه.
- إزاي يا بنتي؟ الطريق واقف قدامڪ.
التفتت شروق للسائق ممددةً إياه الأجرة.
- متشكرين يا اسطىٰ هننزل هنا.
بالفعل، غلبت شخصيتها القوية، وعقلها المدبر، شخصية وِدْ المتنازلة أغلب الوقت، ابتغاء راحة البال وعدم الإزعاج أو الإلحاح.
***
بالوصول إلىٰ أقرب نقطة بالطريق من مكان سقوط طائرة الرحلة 201 من القاهرة لليمن، فرأت كلتاهن مكان الحادث، كيف كان عبثيًّا.
- أوف! إيه إللي حصل ده؟!
- ديه حادثة طيارة يا وِدْ!
- يا ستار يا رب!
- يلّلا نقرب، بسرعة قبل ما تيجي الحكومة!
وقبل أن تتحرڪ معها وِدْ رأت العشرات والعشرات من الظلال السوداء النحيلة، تهرول نحوهن، فتجمدت مكانها، جاحظة العينين، وقد لاحظت شروق هذا التجمد، دون أن تلتفت ولو لرمقة نحوه ما كانت تراه وِدْ، وكأنها كانت تراه لوحدها..!
- شروق!
- أيوة يا وِدْ، أنا جنبڪ.
دعتها وِدْ دون أن تزحزح عينيها نحو هذا المشهد المهيب، وكأنها قوات من فرسان المشاة، تشعل معركةٍ ما، بحقبة زمنية سابقة.
فلڪ أن تتخيل وِدْ وهيَ ترىٰ ما ترىٰ!
كان المشهد صعب التحمل، وكانت وِدْ تراه لوحدها، وكأنها بالمكان دون شروق، كان هذا يصعب من الأمر عليها.
-... المكان مش آمن هنا يا شروق!
- شايفة إيه؟
لا تزال ملامحها مذهولة مما تراه، ولٰكنها ردت رغم هذا تمالكت نفسها ولسانها، فردت:
- ناس كتير قوي ماتت هنا!
وحتىٰ وصلت تلڪ الظلال للمكان الموجدة به وِدْ وشروق، فهرولوا متجاوزينهن وكأنهن لم يكن المشكلة الشاغلة لهم الآن.
- أكيد يا وِدْ، ديه حادثة طيارة، أكيد ده إللي حصل!
- مناظرهم بشعة!
- طب يلّلا نكمل.
***
أكملت معها وِدْ إلىٰ مكان الحادث الممتلئ ببقايا المعادن المحترقة، فمنها خمدت نارهُ، ومنها لم تخمد بعد، كان المكان يملئه كذٰلك من الجثث ما يكفي لسد مدخل طوارئ عيادتان كاملتان.
وضعت وِدْ يديها علىٰ فمها من المنظر، في حين رغبت شروق بالمزيد، وكأن هذا لا يكفيها.
- مش مكفيكي المنظر ده؟!
- يلّلا بس نكمل.
بالفعل، سحبتها معها لاستكمال تلڪ المغامرة الدموية، إلىٰ أن قاطعهن صوت تبادل أطراف الحديث التهديدي بين طرفين بالقرب من المكان.
- هش.. هششت! سامعة؟!
قالتها شروق بملامح فتاة مهووسة، فأومئت لها وِدْ برأسها علامة الإيجاب بصمت، فسحبتها معها الأولىٰ لمكان الصوت، بخطواتٍ متسللة.
إلىٰ أن وصلا لساتر يفصلهن عن المكان الذي كان به كلًّا من الضوّ وخطّٰاب، فنرىٰ الأول مشهرًا مسدسه، مصوبًا إياه نحو الثاني.
- إزاي كدة؟!
قالتها شروق، فسألت وِدْ:
- في إيه؟
- دول معندهومش خدش واحد!
دققت وِدْ بهما أكثر، لتجد صدق ما قالته صاحبتها، فتعجبت هذا للغاية، ولٰكنها علىٰ الع** من صاحبتها، بدأت تبحث بالمكان عمّا قد يكون سبب هذا العبث الذي يحدث هنا.
-... ضوّ، إللي إنت بتعمله ده غلط، إعقل!
- أنا أبقىٰ مجنون لو معملتش كدة، إنتَ إللي وصلتنا للنقطة ديه، كنت عارف كويس ومظبط خطتڪ إنها تمشي كدة.
- إنتَ مجنون!
- أنا أبقىٰ مجنون فعلًا لو سيبتڪ تعدي بعملتڪ، إنطق ياض، عاوز توصل لإيه؟
هنا همهمت شروق لـوِدْ بمنتهىٰ الحماسة وقد التقطت إحدىٰ يديها بقوة:
- يلّلا نساعده.
أوقفتها وِدْ بمنتهىٰ القوة بيديها:
- إنتي اتهبلتي؟! نساعد مين فيهم، الأول حسب كلام صاحبه هوَ السبب ورا وقوع الطيارة، والتاني نجىٰ بأعجوبة تخلينا نشڪ فيه أصلًا، وتقوليلي نساعد؟!
- ما إحنا مينفعش نسيبهم يقتلوا بعض!
وبينما كانت شروق تجادل وِدْ بالقرار، فاجئهن ظهور رجلًا طويل البنيان، عريض القامة، قوي الجسم والرقبة، شعره مربوط بنهاية رأسه، له ذقنًا تركية كثيفة سوداء تمامًا كشعر رأسه، بشرته بيضاء، له عينين ثاقبتين.
كان يرتدي معطفًا طويلًا له قلنسوة عريضة تواري رقبته، وأمّا المعطف فكان يواري سواد ما يرتديه من تحته.
اقترب هذا الرجل من ظهر الضوّ من دون أن يلاحظه الأخير، وكأنه من العدم ظهر، وما إن وصل إليه.. حتىٰ قام برفع إحدىٰ يديه نحوه بمنتهىٰ السرعة أمام كلًّا من وِدْ وشروق وحتىٰ خطّٰاب الذي لم يكد ينطق..
فصرخت شروق كحركة تلقائية منها عمَّا سيحدث، ولٰكن الصرخة كانت متأخرة، إذ تلقىٰ الضوّ الضربة العنيفة، والتي أفقدته وعيه في الحال.
كتمت وِدْ فم شروق قبل ثوانِ من سحبها إياه ركضًا للهرب من المكان..
لم يكن هناڪ وقتًا حتىٰ لرؤية ما إذا كان الغريب قد رآهن أم لا، ليس هناڪ وقت سوىٰ للهرب!
***
«الشقة المأجورة للست ألماظ».
بعد حوالي ساعة.
دخلت وِدْ الشقة مهرولة، ومن حسن حظها أن السِت ألماظ الآن في ثباتها السابع، فمن طبعها أن النظرة كافية لمعرفة ما يطويه ص*ر تلڪ الفتاة الخمرية المخضرمة جسديًّا.
وما إن اغلقت الباب حتىٰ التقطت أنفاسها، كان الأمر وكأنها تخوض سباق كتم الأنفاس بأسفل الماء، ولٰكنها تعافت علىٰ نفسها قدر المستطاع، قبل أن تخرج هاتفها لتطلب صاحبتها.
-... مسمعش كلمة واحدة في إللي حصل النهاردة تاني، فاهمة؟
قالتها وِدْ.
- إنتي مش المفروض بتشوفي الجن والعفاريت؟!.. ده إيه؟
- بقولڪ مسمعش كلمة!
- يا وِدْ بالله عليكي!
- يا شروق ده مش جن ولا عفريت!
- إزاي يعني!.. أومال إيه إللي شوفناه ده؟
- ما المشكلة إن معرفش، ده حاجة أكبر، حاجة معدتش عليَّٰ قبل كدة، وده إللي مخوفني!.. فبعد إذنڪ، يا ريت منفتحش سيرة إللي حصل النهاردة تاني، ممكن؟
- حاضر يا وِدْ، حاضر!
***
ذات اليوم.
تمام الساعة 02:00 صباحًا.
تقلبت وِدْ علىٰ سريرها لساعاتٍ متواصلة، تحاول عبثًا طرد ما رأته من مخيلتها، ولٰكن الأمر كان مستحيلًا، كانت الصور تتخطف تارة والأصوات تارة أخرىٰ، الأمر الذي كاد يصيبها بالجنون، والذي أصابها بالأرق رغم ذٰلڪ.
وبينما كانت تحاول طُرق باب غرفتها، لعلّها جدتها، بالفعل قامت وِدْ لاستجابة الطرقة، ولٰكن أحدًا لم يكن بالخارج!
خرجت تتجول بالأرجاء عساها تكون جدتها، ولٰكنها كانت نائمة بغرفتها لم تتحرڪ!
ما هذا..؟!
ما الذي يحدث هنا..؟!
التفتت لغرفتها لتتفاجئ به يقف بمواجهتها مباشرةً!
نهاية الحلقة العاشرة.