الفصل الثاني

4975 Words
بعد نصف ساعة، خرج عادل يحمل حذاءه الرياضي بيده مزامنة مع خروج تولين من غرفتها وقد لبست ثوبا ساتر باللون الأزرق وحجابا أبيض أضاء ملامحها الفتية، فلوح لها بحذائه فاقتربت تأخذه من يده وتقول "ألاحظ أنك منذ فترة لا تنحني لترتدي حذاءك، هل تشتكي من آلام في ظهرك وتحاول أن تخفي الأمر؟" نظر لها بابتسامة عريضة وقال "لا، هذا اسمه تبادل خدمات، أنا صففت لك شعرك وأنت تلبسيني حذائي أم لد*ك مانع؟" انحنت لتلبسه الحذاء وهي تقول "أيها الاستغلالي، لن ألجأ إليك مرة ثانية، فأنت لا تمرر لي شيئا أبدا بل تحاسبني أولا بأول" ركز على أصابعها وهي تلف رباط حذائه باهتمام وقال "لن تتأخري عليّ اليوم، أليس كذلك" وقفت وبدأت تتأكد من أناقة هندامه وهي تقول "بإذن الله لن أتأخر، ثم …...كم مرة أخبرتك أن تنتبه لكيفية إغلاق أزرار القميص لكي يكون مفرودا أسفل الكنزة؟ كنت أظن أن الأمر أصبح سهلا عليك بعد جلسات التهيئة التي تلقيتها" قال لها بسخرية "الحمد لله، اطمئني، لقد هيؤوني جيدا لكي أتعايش مع عجزي، ورغم ذلك أريدك أن تلبسيني حذائي" ردت عليه تولين بغضب "لا أحب أن تتحدث بهذه الطريقة، لماذا لا تتوقف عن إزعاجي؟" أغمض عينيه للحظات فوقفت بغضب وهمت بالابتعاد عنه ليمسك رسغها بقوة ويقول بهدوء "أنا آسف" ردت عليه بلوم "عادل، كلي أملٌ أنك يوما ما ستقف بجانبي وتمنحني الثقة لنكمل هذا الطريق، لن تخذلني مهما حدث فأنا لن أرضى بذلك، سنتابع طريق علاجك حتى النهاية ومن الغد سأبدأ بالبحث عن طبيب آخر لحالتك وسنذهب إليه" توسعت عيناه وأسرع يقول "لا داعي لذلك فأنا مرتاح مع طبيبي، آسف إن كنت قد أزعجتك، أشعر أن الدواء يجعل مزاجي متقلبا" هدأت ونظرت له برجاء فمال يقبل باطن كفها ثم أغلق أصابعها على قبلته وقال بابتسامة "احتفظي بها بجانب أخواتها" رفعت رأسها بحركة تمثيلية وقربت يدها من حقيبتها وكأنه تضع بها قبلته وقالت "لا تقلق كل قبلاتك بأمان، فانا أجيد الاحتفاظ بالأشياء، هيا بنا لأننا تأخرنا على الفتيات جدا" تحرك عادل بكرسيه للخارج ووقف أمام باب المصعد فتبعته تولين وأغلقت باب الشقة، وقفا ب**ت ينتظران وصول المصعد، لحظات **ت كانت كفيلة بأن تعيد عادل لذلك اليوم الذي دخل فيه المستشفى بحالة صحية حرجة بعد أن ظهر أخواله في الصورة مجددا وأصبحت التهديدات تتوالى على رأسه، ضاقت به الأرض بما رحبت فشعر كأنه فأر أُحكمت عليه المصيدة ولا أمل من نجاته فالموت قادم إما على أيديهم أو على يد المرض الذي ينهش عظامه، يومها زارته حور والفتيات صباحا ومعهن سيد وفرحة وعند انتهاء موعد الزيارة رحل الجميع وتركوه لدوامة قهره ليتفاجأ بها تفتح باب غرفته قبل منتصف الليل منهارة بالكاد تتوازن ولا ترى أمامها من شدة البكاء، منظرها أرعبه وجعل خلاياه تحتج على عجزه وقلبه يبكي بقهر لتأتي الطامة حين طلبت منه الزواج، مازالت كلماتها ترن بأذنيه "كن لي عائلة وسأكون لك بالمثل، احمني من القادم ولا تتخلَّ عني" لا يعلم يومها ماذا حدث لها وجعلها هكذا، كل ما يعلمه أنها حين مدت له يدها أمسكها وبقوة فكانت له طوق النجاة ….. بعد قليل كان يجلس في السيارة الكبيرة التي اشتراها من العم حميدة ومازال يسدد ثمنها على أقساط، فأغلب أمواله ضاعت بين تأسيسه للمكتب و شراء منزل الحج اسماعيل حين عرضه رضا للبيع بعد وفاة والده ….المنزل مكون من طابقين فيهما أربع شقق ويقع في قلب الحارة حيث أقنعته حور أنه أأمن مكان ليعيشا به وسط هذه الروح وهذا التشابك فبمجرد دخول أي غريب للحارة يكون تحت الضوء ولا يخلو من تحقيق أهلها عنه وعن مقصده، ومن بعدها ولسنة كاملة ظلت تحاول إقناع طاهر وسيد بالانتقال إلى المنزل حتى تحقق لها ما أرادت وخلال أسابيع سيكون المنزل ممتلئا بالصخب والأصدقاء لعلها تكون سعيدة…….انطلق زامور السيارة بقوة وصرخت تولين وهي تتحدث عبر الهاتف "سارة، أنت ذاهبة إلى الجامعة، دعي استعداداتك الأولية هذه للحفل إلى المساء وأسرعي" كانت سارة تنزل بسرعة على سلالم منزلها الجديد الذي تسكنه منذ عامين وهي تقول "أقسم لك أنني أنزل السلم، هل تسمعين صوت أقدامي؟" قالت تولين بضيق "لا يهم، أسرعي" أغلقت تولين الهاتف وقالت بحنق "وأنا كنت أظن أننا تأخرنا عليها، لا أحد مظلوم في هذا الوضع سوى ملاك، مؤكد تنتظرنا منذ مدة" ابتسم عادل على حنقها الذي يتبخر بمجرد كلمة حلوة ويذهب أدراج الرياح ...رفع رأسه ينظر لباب منزل سارة فوجد كرم يقف وكأنه ينتظر أحدا …. كانت سارة تنزل السلم بسرعة عندما تذكرت أنها لم تحضر إيصال حجز المطعم لتأكيد الحجز ودفع بقية المبلغ، فعادت تصعد بسرعة ودخلت الشقة كالإعصار نحو غرفتها لتسحبه من درج مكتبها وغصبا عنها قادتها قدماها إلى المرآة التي لم تفارقها سوى منذ ثواني فوقفت باستقامة تضبط حقيبتها وطرف حجابها وتبتسم بطريقة تمثيلية لتظهر غمازتها فتمط شفتيها بدلال قبل أن تسرع لتخرج فحور تكره الانتظار ولا تكف عن التوبيخ، انطلقت تنزل السلم وعقلها يعمل بسرعة ألف حصان، تفكر في المحاضرات وإنهاء حسابات المكتب وتأكيد حجز المطعم واستلام الثوب الذي سترتديه ليلا من المحل الذي حجزته به في الأمس، وفي لجة بئر أفكارها السحيق لم تلاحظ الواقف أمام باب المنزل فهمت بالاقتراب من السيارة ليسد عليها بجسده الطريق وبمجرد أن وقعت عيناها عليه سقط قلبها ولكنها نظرت له ببرود وقالت "أهلا يا كرم، لماذا تقف هكذا؟" نظر لها نظرة صقرية كأنه يريد نهش أعماقها ليعرف الحقيقة ولكن عن أي حقيقة يبحث؟ لقد تأخر جدا جدا، رد عليها بصوت أجش "كنت أريد سلطان، أهو في الأعلى؟" رفعت حاجبها وقالت "لا، إنه في عمله منذ الأمس، يمكنك مهاتفته، بعد إذنك لقد تأخرت" تحركت بهدوء وركبت بجانب تولين التي لم تفكر قبل أن تنطلق نحو منزل ملاك مخلفةً وراءها غضبا بدائيا لا يعرف سوى الوحشية حتى في أفكاره …… وقفت ملاك بهدوئها الذي يلائم ملامحها البريئة تنظر لساعة يدها بتوتر فهي لا تحبذ الوقوف في شارع الحارة لوقت طويل، تشعر بالتوتر وكأن هناك من يراقبها، هناك أعين تخترقها ولكن أين لا تعلم، شعور يكتنفها منذ مدة ولا تجد له تفسيرا وجسدها ينتفض بدون سبب وبداخلها هاجس أن هناك أحدا ينظر لها بطريقة غريبة ويراقبها بعيون سوداء تحمل ظلاما لا نهاية له …….جنون... كل ما يحدث لها جنون تعلم ذلك لكن من أين تأتي لها هذه الأفكار؟؟؟؟ فهي لا تملك وقت فراغ حتى ما بين المكتب والجامعة والاهتمام بأمور إخوتها بعد أن رُفعت سلطة عمها وظلمه عنهم بأمر من مؤيد، والحمد لله العمل في المكتب يوفر لها ولأسرتها حياة كريمة نوعا ما، لن تنكر أنها في بعض الأحيان تحرم نفسها من أشياء كثيرة لكن الحرمان أرحم من الا*****د، لمحت سيارة حور تقترب فأسرعت تطوي المسافات بزيها العملي المكون من تنورة سوداء واسعة يعلوها قميص أبيض و سترة سوداء وحجاب نبيذي اللون، فتحت باب السيارة وقالت لتولين بغضب "أخبرتكم أكثر من مرة ألا تتركوني أقف في الشارع كثيرا" ردت عليها سارة "آسفون يا ملاك فأنا سبب التأخير كالعادة، صباح العسل" ابتسمت ملاك بهدوء والتفتت لعادل تقول له "صباح الخير سيدي الرئيس" وضع يده على خده وقال "صباح الخير آنسة ملاك، هل أنت مستعدة ليوم طويل في المكتب لن يكون به سوانا أنا وأنت فقط؟" توسعت عيناها وسألت "والبقية؟ أين سيذهبن؟" نظرت له تولين بلوم وقالت "كنزي لا أعرف ما ظروفها اليوم، وسارة ستتأخر قليلا، وأنا سأحاول القدوم" قالت ملاك "حسنا، خلفكن رجال لكن ليكن هناك تعويض عن هذا المجهود" ردت سارة بابتسامة وقالت "سأعوضكِ ليلا لا تقلقي، فالمطعم الذي حجزت به رائع بكل المقاييس، ستُذهلين يا حور عندما تشاهدين نظام الد*كور وفكرته وغير هذا وذاك الخدمة هناك على مستوى عالي وجميع أنواع الطعام متوفرة، وهناك يوم خاص للمأكولات الشعبية فقط وركن للأطفال، أحضري طيف معك ليلا يا ملاك" قالت ملاك "حسنا، سأحضرها وأستعد للتعويض، أليس كذلك سيدي الرئيس؟" كان عادل ينظر لحور بغموض لكنه حاد بعينيه لملاك وقال بابتسامة "بالطبع وإذا لم يعجبنا المكان سيكون هناك تعويض مضاعف" ضحكت حور وقالت لسارة "وقعتِ بيد من لا يرحم" نظرت سارة لعادل وقالت "اطمئن، فالمكان على مستوي عالي وصاحبه رجل محترم جدا، لقد أبرمت معه صفقة منذ أيام لكي تكون أغلب لقاءاتنا بالعملاء في مطعمه مقابل خ** خاص" قالت ملاك بتفكير "هذا جيد، من أين تأتين بهذه الأفكار؟" ضحكت سارة وقالت "دراسة إدارة الأعمال ستجعلك تفهمين كيف أفكر كما أن كنزي مهدت لي الأمر حين تشاجرت مع أحد العاملين هناك فاضطر صاحب المكان للتدخل رغم أنه لا يخرج من مكتبه إلا قليلا" ضحكت حور وقالت "أخشى أن تكون هذه الليلة فخا من مالك المطعم لكي يرهبنا من الذهاب إلى هناك مجددا" أوقفت تولين السيارة أمام المكتب وترجلت تساعد عادل على النزول وعندما أوصلته إلى المكتب قالت له "سأظل على تواصل معك طوال الوقت خطوة بخطوة وإذا شعرت بأي تعب أخبرني، سأترك كل شيء وآتي إليك" ابتسم لها وقال "لا تقلقي، أنا وملاك هنا وبعد قليل سيحضر البقية ولن أكون بمفردي وسأبقى معك على الهاتف، فقط انتبهي للطريق ولا تتأخري ….لا إله إلا الله" لوحت له وهي تبتعد قائلة "محمد رسول الله" خرجت تولين من المكتب فشيعها بأعين تدعو الله أن يحفظها أينما ذهبت……... انقضت الأعوام وهي كالممثل المحترف قررت أن تكمل دورها بكل إتقان وثبات، لا تنكر أن الحظ حالفها كثيرا ولكنها أيضا لن تنكر أنها تقف أحيانا أمام المرآة وتنظر لملامحها ثم تنحني احتراما لنفسها التي احترفت التمثيل فباتت تأخذ وضع الاستعداد في أي وقت وأمام أي أحد، لن تنكر أن قلبها بداخله جروح متقيحة لا علاج لها سوى الكيّ ولكن هل كان الكيّ بالنار سهلا منذ سنوات لتفعله الآن؟ لا، لم يكن ولن يكون يوما سهلا ولكن طالما الشمس تشرق ستظل تحارب لتنسى ما مضى وخاصة …...هو أوقفت سيارتها التي لا ترتاح في قيادتها وهي بمفردها فهي تبدو كبيرة جدا لكن طالما أنها السيارة الوحيدة التي تتلاءم مع الوضع فعليها التأقلم معها وتقبل الأمر الواقع فليس كل ما نرتاح له يصلح لنا، هذا ما فكرت به وهي تسير لتبتعد عن المكان الخاص بوقوف السيارات في المركز التجاري حين رن هاتفها ووصلها صوت كنزي تقول "حور، اصعدي إلى الطابق الثالث، أول محل بالاتجاه الأيمن، أنا هناك، أسرعي" قالت لها حور بحنق "ماذا تفعلين هنا يا كنزي؟ ألم تخبريني أنك ستنهين عملك وتسلمينه للمكتب اليوم، لا أحب هذا الاستهتار وخصوصا أنه لا يصح أن نخرج للتسوق ونترك البقية للعمل، أنا لدي مناسبة ليلا لذلك جئت للتسوق وأنت ماذا تفعلين هنا؟" زفرت كنزي بملل وهي تنظر للسقف تنتظر حور أن تنهي وصلة توبيخها ثم قالت "سأحضر نفس المناسبة أيتها الذكية، والآن أسرعي لقد وجدت الثوب المنشود" همت تولين بالاعتراض لكن كنزي أسرعت تغلق الخط فهي تعلم أن حور لن تكف عن المجادلة والتوبيخ ……...دخلت تولين من باب المحل تبحث عن كنزي بعينيها حتى وجدتها فهزت رأسها بيأس حين لمحت ما ترتديه فهذه الفتاة ستصيبها بسكتة قلبية يوما ما بأثوابها القصيرة جدا وأشكالها الغريبة كأنها أثواب طفلة لم تكمل عاما واحدا من عمرها بعد، اقتربت منها تقول "أريد أن أعلم بماذا تفكرين وأنتِ تنتقين ملابسك" التفتت لها كنزي بابتسامة وقالت "أفكر في أن أكون الفتاة الأنيقة داخل هذه الشلة الكئيبة، ما بها ثيابي؟ إنها جميلة" اقتربت كنزي تضم تولين وتقبلها فبادلتها تولين السلام الذي يبرز ما بداخلهما من محبة وهي تقول "فعلا جميلة لدرجة أن نهايتك ستكون على يد متحرش أعماه جمال سيقانك" ضحكت كنزي بمرح وقالت "لا تقلقي بنت الجوهري لم تعد كما كانت، أشعر أنني أصبحت لا أُهزم" رفعت تولين حاجبها وقالت "كنزي توقفي عن طفوليتك هذه فمجرد درس دفاع عن النفس لن يجعك في أمان" تن*دت كنزي وقالت "المدرب الخاص بي هو من سيجعلني بأمان، هل رأيتِه يا حور؟ واثق الخُطا يمشي ملكا" ردت عليها تولين بانفعال "كنت أعلم أنك لست من هواة الرياضة لكنني قلت لعل وعسى والآن ظهر الحق، اعترفي، بماذا تفكرين؟" ضحكت كنزي وقالت "أنتظر أن يحدث بيننا نظرة فابتسامة... فسلام ...فكلام .. فموعد ….فلقاء" تخصرت تولين وقالت بحنق "وماذا سيحدث بعد اللقاء يا بنت الجوهري؟" وضعت كنزي يدها على قلبها وقالت "سنوزع الشربات، ونأتي ببنين وبنات ونعيش في ثبات ونبات" ض*بتها تولين وهي تقول "هل وصل الأمر بك للنبات والحشائش؟ أليس هذا نفس الكلام الذي قلتِه عن الأربعة الذين سبقوه؟ يا كنزي أخشى أن تقعي بيد رجل لا يقدر عواطفك الجياشة هذه ويسيئ الظن بك" أمالت كنزي رأسها ونظرت لعيون صديقتها بنوع من التواصل وقالت "أنا فقط أبحث عن فارس أحلامي، ما المشكلة أن أبدأ بالبحث عنه والسعي نحوه؟ مادام خُلق لأجلي، ما المشكلة؟" زفرت تولين بيأس من عقل صديقتها التي لم تتخطَّ زواج رضا أبدا، كأنها أصبحت لا تتوقف عن التخبط من وقتها وفكرة البحث عن حبها الضائع تسيطر عليها كأنها علقت في مشاعر مراهقتها ولم تتجاوزها أبدا، وقالت "ألا تظني أنه من الأفضل أن تتأني في سعيك هذا؟ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" مطت كنزي شفتيها بدلال وقالت "حسنا، سأحاول ولكن لا أعدك بشيء، المهم الآن لقد وجدت ثوب أحلامك كما أردتِه تماما، إنه معروض بهذا الاتجاه" تقدمت تولين بجانب كنزي نحو الثوب وعندما رأته وقفت ب**ت تتأمله، هذا ما كان ظاهرا لكنزي لكن الحقيقة أنها وقفت بثبات تحارب مركز الذكريات في عقلها والذي كان يأمر كلَّ ما دفنته بعيدا أن يخرج ليحتل ساحة تفكيرها مجددا، أغمضت عينيها وقالت "إنه رائع لنأخذه ونرحل لا أريد أن أتأخر" ألقت كنزي الثوب عليها وهي تقول "ارتديه أولا لعل قياسه ليس مناسبا وأخرجي أمر المكتب اليوم من رأسك، فلا أنا ولا أنت سنذهب" همت تولين بالتحدث فدفعتها كنزي نحو غرفة قياس الملابس وأغلقت عليها الباب، صوت غلق الباب وهذه الغرفة الصغيرة فتحا عليها أبواب الجحيم، وقفت تنظر في المرآة وما عادت تسيطر على الماضي الذي عاد بصور متلاحقة يض*ب وعيها بسياط مؤلمة من الذكريات، عادت لذلك اليوم، يوم الملحمة، تذكر تفاصيله منذ عودتها صباحا مع والدها حتى فارقت الروحُ والديها دفاعا عنها، تذكر الصفعة التي وجهتها له صباحا لتذوب بين يديه كطفلة حين احتواها بمشاعره ليلا، تتذكر كيف وعدها بالزواج وأمسك يدها بامتلاك وأرسل لقلبها سعادة لم تذقها من قبل، كان يملك قلبها، كانت تحب كل شيء وأي شيء إذا أحبه …..بشر …...إنه الجرح العميق الذي خلّف من بعده حزنا مهما حاولت لا ينجلي، إنه من احتل طفولتها ومراهقتها وشبابها أسوء احتلال ……..إنه ا****ة ….أجمل لعنة ….بل أصعب لعنة ...جرحها منه بعمق محيطات العالم عميق واسع لا نهاية له وفي قاعه رواسب تؤذي مشاعرها على الدوام …...أُجفلت من طرق كنزي على الباب تسألها "هل انتهيت؟" أسرعت تمسح دموعها التي لا تذكر متى تساقطت وقالت "أعطني دقيقة" أسرعت ترتدي الثوب لتكمل طعن روحها الأبية فلسنوات كانت تظن أن الأبيض يعني بشر ولا أحد سواه. بعد قليل كانت تجلس بأحد المقاهي المركز التجاري يجاورها ثوبها وتجلس أمامها كنزي التي تتفحصها بعيون مهتمة وبعد **ت سألتها "حور هل أنت بخير؟ لماذا أشعر أنك دخلتِ غرفة الثياب بشكل وخرجتِ بشكل آخر؟ حتى عينيك ….كأنك تريدين البكاء" تن*دت تولين وأخذت نفسا قويا لعله يساعدها في إيقاف الدموع التي على وشك السقوط وقالت "أنا بخير فقط أصبحت أتأثر بسرعة، لقد مر عامان على زواجي من عادل، أكاد لا أصدق" أمالت كنزي رأسها بتدقيق وسألتها "أنت سعيدة معه أليس كذلك؟" غامت عيون تولين وقالت "أنت لا تعرفين عادل جيدا، إنه انسان مراعي لأبعد حد، لم لكن لأجد رجلا مثله مهما فعلت" اندفعت كنزي تقول بمزاح "بل أعلم كم هو رائع وكنت أخطط للإيقاع به لكنك سبقتِني وفزتِ بالوسيم" قالت لها تولين بلوم "أنت تعلمين أن زواجي من عادل كان أفضل حل، يكفي ما حدث، لم أكن لأخسر سارة أبدا" أسرعت كنزي تقول "لم يكن لكِ ذنب بما حدث" هزت تولين رأسها وقالت "اليوم الذي تقدم فيه كرم لخطبتي شعرتُ أنني على وشك الانتهاء، كأن هناك شيئا لا أفهمه وكأن الحرب قد اندلعت بين أبناء العطار، غضب سلطان العارم وتدخل مؤيد، شعرت يومها أنني السبب في كل ما حدث رغم أنني لم أفهم أبعاده" أمسكت كنزي بيدها وقالت "حور، لا داعي لهذا الكلام الآن، الأهم أنك سعيدة وما مضى قد مضى، فلنفكر بالقادم" أغمضت تولين عينيها تقاوم رغبة عنيفة في البكاء وقالت "نعم فلنفكر بالقادم" رن هاتف كنزي فأجابت قائلة "أهلا يا أخي" قال لها مؤيد "أهلا يا قلب أخيك، أين أنت؟" أجابته بحماس "أنا وحور في المركز التجاري القريب من الشركة لنتسوق فلدينا الليلة مناسبة سعيدة" وصلها صوته الوقور قائلا "هذا رائع، هل يمكنكما القدوم إليّ؟ لدي عمل لكما وهذه المرة رشحت مكتبكم لرجل أعمال معروف جدا" وقفت كنزي تقول بسعادة "مسافة الطريق وسأكون عندك، يمكنك أن تطلب لي كأس عصير ريثما أصل" أنهت حديثها وأغلقت الهاتف وقالت لتولين "مؤيد لديه عمل جديد من أجلنا" ردت تولين "حسنا، فلتذهبي إليه وأنا سأعود إلى المكتب فعادل بدأ بإرسال رسائل تعبر عن قلقه ولن يهدأ حتى أعود" جذبتها كنزي من يدها وقالت "أخبرتك أنه لا مكتب اليوم، سنذهب إلى مؤيد وبعدها سآخذك إلى مركز التجميل لكي نتدلل قليلا" همت تولين بالرفض فهادنتها كنزي قائلة "ألا تشعرين أنك تحتاجين إلى الاسترخاء قليلا؟ إنه مجرد يوم لا أكثر وأنا سأتكلم مع عادل وأقنعه" **تت تولين فهي حقا تحتاج للاسترخاء والاستعداد للمساء، سارت بجانب كنزي تحمل ثوبها وعيناها تجريان بشرود بكل مكان وإحساس بالغربة يداهمها لكنها أنكرته بسرعة وهي تسأل كنزي "كيف حال سيادة؟ لم أرها منذ فترة" غمزت لها كنزي بشقاوة وهي تفتح باب السيارة وقالت "أشعر أن هناك ما يحدث بينها وبين مؤيد، مؤكد سنقا**ها في المكتب، لو كنت أعلم أنها من ستحرك أخي المتحجر لأخذتك إلى قصر الشافعية منذ زمن لتنقذيها" ردت تولين بتفكير "لا أظن أنني من أنقذها، أنا مجرد سبب لخروجها من هذا الجحيم كما خرجتُ أنا قبل سنوات من سيارة والدي دون أن يصيبني خدش، إنها دوائر يا كنزي وتدور بنا وكلنا أسباب والأقدار بيد الله…..**تت قليلا ثم أكملت "على كل حال لا أشعر أن هناك شيئا بينها وبين مؤيد، أنت فقط لا تكفين عن تخيل قصص الحب" انطلقت ضحكة كنزي ملفتة لها أنظار المارة وخصوصا الرجال وقالت "هل أنا يائسة إلى هذه الدرجة؟ لقد جرحتِ كبريائي" صعدت تولين للسيارة وهو تقول "إنها الحقيقة ولكن لعل هناك شيئا بينهما، فأنا أؤمن أن أجمل القصص تولد تحت الضغط" أخذت كنزي مكانها خلف المقود وقالت "ومؤيد ليس أي ضغط بل إنه خط توتر عالي" نظرت تولين في مرآة السيارة الخارجية إلى الطريق الذي يُنهب تحت عجلاتها وعقلها يستكين في إشارة ملحة منه بالخضوع لقلبها الذي أجج نيران شوقٍ ليس هذا وقتها بتاتا …… عندما تكون بعيدا تسير حياتي برتابةٍ مملة حتى أنفاسي تخرج وتدخل ببطء كأنها تخبرني أن استمرارها مؤلم، ففراقك يجعلها مضطربة أحيانا وعنيفة أحيانا أخرى، وأحيانا تأخذ القرار بالبعد مثلك فأموت لألتقطها مجددا...... غرفة اجتماعات مغلقة يبدو بداخلها الوضع متوترا لأبعد حد تضم خمسة رجال يحاولون إيجاد حل للمعضلة التي تواجههم، ض*ب أسد بيده على الطاولة بعصبية وقال "سمراء لن تسكت أبدا، لقد طلبت مني جميع التعاقدات لمراجعتها وعندما حاولت التملص منها بخصوص عقدك معي أكدت على أنها ستمهلني وقتا لإرساله وإلا ستخبر بشر" رفع ليل حاجبه وقال "لا تذكر اسمه أمامي، فأنا أشعر أنه رأس المصائب، هل بيننا وبينه ثأر؟ ثلاث سنوات طويلة كطول عمري لا أستطيع الوصول إليها" صرخ به أسد "تكلم بأدب أفضل لك، ثم أليس هذا نتاج أفكارك؟ كنت تظن نفسك جيمس بوند تراقب وتحاصر الجميع حتى ورطتني معك، ما ذنبي بجنونك هذا؟ لقد تحولت لمهرج أمام بشر فقط ليدعني أرى عزيزة يوم وفاة والدها ولم يوافق، بل لم يتركني لأقضي ليلتي في القصر وقال لي بكل برود إنها أمانة بعنقه وعليه أن يحافظ عليها" توحشت عيون ليل وقال "على الأقل أنا حاولت فعل شيء، ماذا فعلت أنت؟" انتفض أسد واقفا وقال بغضب "غامرت ومضيتُ معك عقدا بخمس سنوات وحاليا أنا مهدد بسببه وكلي أمل أن يكون جنونك حلا لهذه المعضلة، أعمل طوال العام كا****ر لكي أسلم جميع أموالي آخر العام للشيخ جعفر لتأجيل الزفاف وعندما أصرَّ العام الماضي كدتُ أموتُ بحادث وبقيت في المشفى لشهر وحينها فقط قرر أن يعفو ويصفح، الأمور تزداد تعقيدا ولولا أن نزار يساعدني أغلب الوقت ما كنت لأعلم ماذا أفعل، وموت عمي كانت القشة التي ق**ت ظهر البعير، فأنا أشعر أن هناك ما حدث قبل وفاته وجعل بشر يتعنت لهذه الدرجة" زفر ليل بغضب وقال "إذا كنت تتواصل معها أخبرها أن ال*قد لي ولننهِ هذه المشكلة، على أي حال أظن أن ذهابي لأرض العزايزة أصبح قريبا جدا فقد قررت أن أتواصل مع أبي عله يمد لي يد العون" نظر له أسد بسخرية وقال "والدك الذي لا تعلم أين هو أليس كذلك؟ ليل أنت طلبت ثقتي منذ ثلاث سنوات وأنا فعلت كل ما باستطاعتي لمساعدتك، والآن حان دورك لتنهي هذه المهزلة وإياك أن تتخلى عني أو تتراجع كالفأر المذعور" رفع ليل يديه إلى رأسه يمرر أصابعه ب*عره بعنف وقال "حسنا، لن*دأ لنستطيع التحدث" التفت للثلاثة الواقفين بعيدا يراقبون ما يحدث بوجوم وقال "فلتقتربوا لنجد حلا لهذه ا****ة" قال إياد بامتعاض "لم نشأ أن نقاطع حديثكما الودي" نظر له ليل بغضب فتدخل فخر قائلا "فلنجلس جميعنا لنناقش الأمر معا، فعلى ما أعتقد أن هناك حلا لكل شيء" صرخ أسد بصوت أفزعهم "تعتقد ؟ ا****ة عليك وعلى أخيك سأفقد الفتاة، أقسم أن أقتلكم واحدا واحدا حتى أنت" أشار إلى أمير الذي كان يمسك بملف ويشاهد ما يحدث باستنكار فقال "وما ذنبي أنا؟ من الأساس وجودي بينكم خطأٌ يجب أن أُحاسب عليه، أقسم إنني ندمت أشد الندم على القدوم لكنني كنت أظن أنني أستطيع مساعدتكم" هدأ الجميع فجأة فسأل فخر "ماذا تقصد؟" تنحنح أمير وقال "إياد أخبرني عن فرع الشركة الذي طلب بشر تجهيزه في المدينة الساحلية وقد طلب أكثر من مكتب للمقاولات مقابل إنهائه مبالغ مهولة، لذلك جئت لكم بهذا المكتب الذي وافق على إنهاء العمل ولكن بسعر سيوفر لنا المبلغ الذي سيحتاجه ليل" أمسك أسد بيده كأنه يقبض عليه وقال "أقسم لي أن هذا صحيح؟" سحب أمير يده بفزع وقال" أقسم لك وهذه تقارير مبدئية عن خطة عملهم وصور ثلاثية الأبعاد عن توقعهم للمكان" قدم الملف لأسد الذي صار يتفحص الأوراق باهتمام ويمررها لليل ثم قال بشك "هذا المكتب لم أسمع به من قبل، كما أنني أشعر بالقلق من موافقتهم على هذا السعر، مؤكد هناك احتيال بالأمر" تن*د أمير وقال "الفكرة أن جميع من بهذا المكتب شباب في بداية حياتهم المهنية لذلك هدفهم جذب العملاء، لم تصبح أغراضهم مادية بحتة بعد" صرخ به ليل "هل ستسلم الأمور لبضعة أطفال؟" وقف أمير بغضب وقال "توقفوا عن الصراخ قليلا، أنا لست طفلا لكي تظنوا أنني معتوه سيتم اللعب بعقلي بسهولة، عميد الكلية من رشح لي هذا المكتب على ضمانته الشخصية وأخبرني أن به نخبة من أمهر الشباب ولكن من يديره أربع فتيات وزوج واحدة منهن" ابتسم إياد بخبث وقال "واحدة فقط متزوجة! هكذا يتبقى ثلاث، أنا موافق جدا" نظر أمير إلى أخيه بحنق وقال "أريدكم فقط أن تعلموا أن المكتب يستعين باستشارة أكبر المهندسين في البلاد في فكرة هم الأوائل بإحداثها، كان المكتب قائما على دعم الشباب والمشاريع الصغيرة ولكن كفاءتهم جعلت عميد الكلية يعرض عليّ صفقة تبادل خدمات، هم سينجزون المشروع بمبلغ أقل من الميزانية المتوقعة مقابل أن يكون الفرع دعاية لهم وهذا سيكون شكلا من أشكال الدعم للدولة وأنتم تعلمون كيف سيعود هذا علينا" عم ال**ت والجميع يفكر في أبعاد الموضوع فقال أسد "أظن أن علينا التفكير مرة أخرى وخصوصا أنني أشعر أني على وشك اختلاس مال إخوتي، وهذا صعب" ضم ليل قبضته بقوة وقال بقهر "أخبرتك أنني سأضمن لك حقك بأي طريقة تناسبك، لا داعي لهذا الكلام" تدخل فخر قائلا "لماذا لا تحاول مع أبي مجددا يا ليل؟ فأنا أرى أنك فعلت خلال السنوات الماضية كل ما تستطيع فعله خصوصا وأن الشركة كانت قد وصلت للحضيض" ض*ب ليل قبضته بالطاولة وهو يقول "أحاول أن أجده، لا أكفّ عن البحث عنه لكن …..." **ت ليل لكي لا يأتي باسم والدته للحديث، ثم أكمل قائلا "لكن كما ترى كأن الأرض انشقت وابتلعته، أكثر من ثلاث سنوات أحفر في الصخر ولم أصل لشيء، أين الرحمة؟" قال أسد بعصبية "لم أقصد أن أحبطك لكنني أشعر أن ما أنا مقدم عليه محض جنون ونتائجه ستكون سلبية للغاية" حاول أمير تهدئة الوضع فقال "لا داعي للتوتر بشأن المكتب فلتعتبروه على ضمانتي، يكفي أن أخبرك أن إحدى الفتيات اللواتي يديرن المشروع تكون كنزي ثروت الجوهري" توسعت عينا إياد وقال "أخت مؤيد الجوهري؟" قال أمير بهدوء "تماما، إنها هي" وقف إياد وقال موجها حديثه لأسد "بعيدا عما تفكر به أنت وليل، أنا موافق على التعامل معهم ففي النهاية أنا شريك ولا أريد غير المصلحة العامة، هل تعلم ماذا يعني توفير هذه الميزانية؟ إنها صفقة لا تعوض" قال فخر باستغراب "ما هذا الحماس المفاجئ؟ الرجل يحاول إقناعكم منذ فترة، من هو مؤيد الجوهري؟" رد إياد بحماس "رجل أعمال معروف جدا بعقليته الفذة وقوة بأسه في المضاربة في السوق، إنه حوت ولكن الحق يقال معروف بطريقه السليم واستقامته" قال ليل باهتمام "أرى أن علينا أن نتعرف عليه عن قرب لعلنا ن**به كعميل لنا، أما قراركم بخصوص فرع الشركة الجديد فهو قرار خاص بك أنت وأسد ولا أعتقد أن هناك ما يمنع أن تتعاملوا مع هذا المكتب" تن*د أسد بقوة وأعاد رأسه للخلف بإرهاق يكتنفه منذ متى لا يعلم، ربما منذ سنوات أصبح لا يعدها، فلماذا يعد الأيام إذا كانت بعيدا عنها؟ لماذا يهتم بالوقت إذا كان يزيد البعد؟ …..أطلق آهة مسموعة ثم قال "أعتقد أنه لا بأس بالتعامل معهم لكن لا تنسَ أنك وأنا مسؤولان أمام بشر عن كل شيء، لا أريد خطأً واحدا، حدد موعدا معهم وأخبرني" نظر إياد لأمير فرد أخيه على سؤاله الصامت وقال "سأتواصل معهم غدا وأحدد موعدا" قال أسد "هذا جيد، هل هناك ما غفلنا عنه في هذا الاجتماع الكئيب؟" فتح فخر حاسوبه المحمول وقال "هناك بضعة حسابات علينا إنهاؤها و……." **ت فخر ينظر في وجه أسد ثم ينتقل لوجه أخيه بوجل وأكمل قائلا "في الحقيقة وصلتني رسالة من فترة من شاب اسمه ظافر العزايزي يريد أن يقابلكما بأمر هام لم يكشف عنه لكنه أمر بعنجهية أنه يحتاج للاجتماع بكما بأسرع وقت" توسعت عينا أسد وقال باستغراب "من أي طرف من العائلة هو؟ اسمه ليس غريبا عليّ" قال فخر "لا أعرف، ظننت أنك تعرفه" هز أسد رأسه بنفي فتدخل ليل قائلا "اذا كان يريد لقاءنا فليأتي إلينا، نحن لا نذهب إلى أحد" رد عليه أخوه بنظرة يعلمها جيدا "حسنا يا أخي لك هذا، سأخبره بردك" زفر ليل ووقف كالمكبل يقترب من نافذة الغرفة ب**ت ….يشاهد الزحام الذي ملأ الشوارع كزحام روحه التي امتلأت بالفراق حتى أضناها، ثلاث سنوات تلاعبنا الحياة على أحبالها كالمهرجين، أليس هناك نهاية لذلك أم أن قدره أن يظل معلقا بين السماء والأرض؟.... درجة الحرارة عالية جدا رغم أنه فصل الخريف حيث الشجن في كل مكان تصحبه الغيوم الكثيفة أوراق الشجر المتساقطة ووجوه البشر الهائمة، تجلس على ركبتيها بملابسها التي امتلأت بألوان غريبة وتُلصق على الحائط أشكالا كرتونية جميلة بنظرة حالمة وكلما انحنت لتحمل شكلا آخر سقطت نظارتها العملية فوق أنفها فتزفر بحنق وهي تعيدها بظهر يدها، سحبت صندوقا قريبا منها وفتحته تُخرج منه بعض الأشكال القابلة للتعليق في زوايا الغرفة تتأملهم بهدوء ثم تنظر بأرجاء الغرفة وتفكر في المكان المناسب لوضعهم، مدت يدها تخرج باقي الأل**ب من الصندوق فالتقطت يدها دمية صغيرة معلقة بسلسال صغير بنهايته دائرة لوضع المفاتيح، كانت الدمية جميلة ومصنوعة يدويا فنظرت لها فيما عيناها تذكران أول مرة رأتها، كان هذا اليوم منذ ثلاث سنوات حين عادت إلى الغرفة التي تسكن بها بعد أن أعطت مؤمن موافقتها على الزواج، لا تعرف كيف وصلت إليها لكن كالعادة حدس الأنثى الذي لا يفارق أي فتاة صوّر لها بأنها هدية وداع وكالعادة لا تأكيد على هذا، مرت الأيام والسنوات وبداخلها هناك في بعد مظلم شعور دفين يجعلها تتوق لمقابلة من أهداها هذه الدمية ربما لمرة أخيرة، لا تعلم ماذا ستفعل إذا رأته، تسارعت دقات قلبها بقوة مسببة ألما بص*رها فتمتمت "ربما لأعتذر" جاءها صوت مؤمن الذي دخل الغرفة بهدوء وتسلل يجلس على ركبتيه خلفها ويحيط خصرها بيد والأخرى تجمع شعرها الفوضوي باتجاه واحد ويقول "تعتذرين عن ماذا؟" أراحت رأسها على ص*ره وقالت "عن إهمالي لك في الفترة الأخيرة، آسفة جدا ولكن كما ترى" وضع ذقنه على كتفها وقال "لا أحد مهمل هنا غيري فأنا لم أدلك منذ فترة" التفتت بين يديه وقالت بعاطفة "لا تقل هذا أبدا فأنا لم أعرف الدلال إلا بين يد*ك" نظر لعينيها بسعادة وهمس قائلا "هذا شرف لي يا ف*نتي المبجلة، اشتقت إليك" قبلت فكه بخفة وهي تسأله "هل أحضرت الطعام؟" أشار بعينيه نحو عدة أكياس موضوعة بجانب الباب وقال "أحضرت لكِ غداءً معتبرا من محل المشويات الواقع أول الطريق، وأخبرته أننا سنصبح زبائنه" نظرت للأكياس وحاولت التملص من بين يديه، لكنه دفعها لص*ره أكثر وشدد ذراعيه حولها قائلا "لماذا تتملصين مني؟ إلى أين تظنين أنك ذاهبة؟" مطت شفتيها وقالت "جائعة" نظر لشفتيها وقال "وأنا أيضا مشتاق وعندي لوعة" ض*بته على كتفه بخفة وقالت "مؤمن، لسنا في منزلنا" نظر للمكان حوله وقال "أظن أنه من الجيد تجربة مكان جديد من فترة لأخرى، ما رأيك أن نستقر هنا؟" ردت عليه باستنكار "أيها المجنون، العمال على وشك الوصول، تعال لنأكل وبعدها نفكر في قرارك الغريب" اقترب منها وهو يقول بمرح "لم يكن هناك داعي لتجهيز هذه الغرفة فأظن أن لدينا من الغرف ما يكفي" حملت الطعام وجلست أمامه وهي تقول "كنت أرى أن وجود غرف خاصة بالأطفال سيكون شيئا مميزا، ماذا فعلت بأمر الترخيص؟" ساعدها في إخراج الطعام وقال "كل شيء على ما يرام، فكرة العودة لمصر كانت تخيفني لكنني أظن أن الأمر أصبح ممتعا، وخاصة عندما بدأت بجمع فريق من الأطباء للعمل هنا ورأيت روح الحماس التي تملأ الجميع، مجرد اختيارك لهذا الأمر يشعرني بالسعادة والكمال، يكفيني أنك هنا" امتلأت عيناها بالدموع وقالت "أحيانا أشعر أنك أكثر مما أستحق، كماء فرات في يوم حار، مجرد نظري لوجهك يجعلني أشعر بالراحة" مال يقبل وجنتها وهو يقول "وأنا لست طامعا بأكثر من هذا، من أين أحضرت ِ كل هذه الدمى؟" قالت له وهي تأكل بنهم "أنت من أحضرهن" قال باستنكار "أنا؟ لم يحدث هذا، هل تخططين لهز صورتي أمام العاملين هنا؟ ألا يكفي أن طبيبا بحجمي يجلس على الأرض لتناول المشويات مع زوجته التي لا تريده أن يغازلها؟" رفعت قطعة من اللحم ووضعتها بفمه بقوة وهي تقول "مؤمن، ألا تشعر بالندم لأنك بعد هذه السنوات لم تعد إلى أهلك ورافقتني إلى هذا المكان النائي لنؤسس معا هذا المركز الطبي؟" حقا كانت الأحاسيس في هذا الوقت تتوافد من كل مكان حتى من جدران الغرفة، فهو لسنوات رأى بعينيها تعلقا ولكن ليس حبا، احتياجا و ليس انجذابا، ورغم ذلك كانت خطاه تجاهها ثابتة فما للمحب من حيلة، يعلم أنها تحبه ولكن بشكل آخر، حبها له ليس كحب العشاق بل إنه حب عقلاني هادئ وهو متقبل لهذا ولا يطمع سوى ببقائها بجانبه فالحياة أفضل بكثير مادام يستيقظ ليجدها تغفو بجواره فتثير في نفسه زوابع لا حد لها، قرب وجهه من وجهها وعيناه مسلطتان على جانب فمها الملطخ بالطعام كأنها طفلة صغيرة حين تجوع لا تتبع قواعد تناول الطعام بل تأخذ راحتها لأبعد حد وهذا يسعده، وهمس بصوت عميق "لا أعلم كيف تظنين أنني سأندم على لحظة تمر وأنا معك، من الممكن أنني استغربت اختيارك للمكان كونه مكان نائي" همست بارتجاف "هنا مسقط رأس أمي" مد أصابعه يمسح بو**ي الطعام من جانب فمها فازداد ارتجافها و أغمضت عينيها تقول "كنت ….أنتظرك لتساعدني في تعليق الزينة والدمى" نظر لوجهها وقال "أيتها القصيرة الماكرة، لا تكوني كالقطة المطيعة هكذا إلا لو كان لك طلب" توسعت عيناها بفزع وقالت "ألم أحذرك من أن تصفني بالقطة؟ ثم أنا لست دنيئة لهذا الحد ولم أعد أريد منك شيئا" عادت تأكل بغضب فابتسم بسعادة وقال " أنهي طعامك وأنا تحت أمرك لكن هلّا تركتِ لي أي شيء لآكله" جذبت الطعام نحوها وقالت وفمها مليء بالطعام "جهز الزينة وأحضر السلم حتى أنتهي، فأنا امرأة وضعيفة ويجب أن أتغذى لكن أنت …..." **تت تحدجه بنظره شرسة فوقف يقول "لكن أنا الرجل القوي الذي تستغله زوجته في الأعمال المرهقة نهارا ….وليلا" تضرجت وجنتاها خجلا فتلفتت حولها تبحث عن شيء تقذفه به فلم تجد سوى الدمى فسحبت إحداها وقذفتها نحوه بقوة فتلقفها بين يديه وهو يتأوه بصوت ضاحك وعندما زاد عبوسها اندفع يضحك وهو ينظر لها بأعين لامعة مملوءة بحب أبدا لن ينتهي ..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD