"الفصل الثاني."
كان جسدها يتصبب عرقًا، وتنتفض بقوة مع انتفاضة السماء من قوة الرعد وتشقق قلبها مع ضوء البرق الذي يعصف، ليلة شتوية مخيفة تقتحم القلوب وتعصف بها، هذه الليلة لم يحدث لها مثيل، اليوم فقط حلت الكارثة، كأنها تنبأ بعاصفة ساحقة تهدد الأرض وساكنيها، تقتلع الأخضر واليابس ولا ترحم القلوب.
بحديقة بيتها القديم، بيت والدها رحمه اللّٰه، تجلس في مكانها المفضل حيث المزروعات التي تعتني بها كأنها ابنتها، برق وجهها ببسمة متسعة مسرورة بالزهور التي نبتت وتفتحت أوراقها بزهو، تفتخر بجمالها، وقد ع**ت توردها على وجه الجالسة تطالعهم بحب كبير.
_ أنا مبسوطة أوي إنكم بتطلعوا بسرعة كدا.
مالت على زهرة تستنشق عبيرها لتحتجزه برئتيها، يافعة مثلها وحنون، تطلق الحب والحنان بلا مقابل.
حادت بنظرتها الشغوفة لباقي الزهور، خشت حتى أن تتلمسهم حتى لا يخبو توهجهم، فهم لديها كابنائها..
جاء ريح شديد محمل بالتراب، لم يكن تراب رمل، بل حجارة صغيرة ملتهبة، عصفت بزهراتها، قطعت سيقانهم ووقعت أوراقهم، لحظات تلبدت السماء باللون الأحمر الدامي، لم يكن شفق الشمس، بل نحرها، كأنها نحرت بغروبها وانبثقت الدماء تغرق السماء، تناثرت الدماء من حولها وقد خ*فتها تلك اللحظات الدامية التي طلت قلبها بالخوف السحيق وقطعت أنفاسها وما كادت تأخذهم بعدما عادت السماء للونها الطبيعي تدرجًا حتى فزعت وصرخت وهي تجد زهراتها تحولن لحية تسعى تبتلعها.
_ أشهد أن لا إله إلا اللّٰه. لا حول ولا قوة إلا باللّٰه.
قالت كلماتها بتضرع وقلب يخفق بقسوة حتى كاد التوقف، أنفاسها تفارقها رويدًا رويدًا، حتى لم تستطع أن تنادي على ابنها الذي تسمع خطواته بجوار غرفتها، فلم يكن أمامها إلا إنها مالت على المنضدة بجانبها في صعوبة ودفعتها لتقع بما عليها.
ركض حمزة تجاه غرفة والدته فوجدها تكاد أن تختنق، فأحضر كوبًا من الماء وقربه لفيها لترتشف منه بتقطع ويده تربت على ظهرها برفق وقلق ينبث من عينيه الدامعة خوفًا على حبيبته.
_ مالك ياما؟
كانت قد هدأت قليلًا وعادت أنفاسها التي هربت منها من دقائق، فردت ببحة صوتها وحشرجته إثر اختناقها:
_ كابوس يا حمزة، كابوس خد روحي وقلبي يا بني.
حوقل حمزة بهدوء مزيف، وعدل من وضع والدته وأراحها على الفراش خلفها وهو يقول بترقب:
_ كابوس أي دا ياما؟ احكيلي.
هزت رأسها رافضة وهي تقول تطمأنه بابتسامة واهنة وجلة:
_ متشغلش بالك يا بني، أنا بس مشغولة بجوازة أختك وشايلة همها زايدة عن اللزوم.
احتل مكانه بجانبها وسحب كفها يلثمه برقة وقال بابتسامة مطمئنة:
_ متقلقيش يام حمزة، كل حاجة هتتعدل، وبكرة بإذن اللّٰه هتلاقي كل حاجتها جاهزة وكاملة، هو أنا عندي كام ملك وأم ملك.
ظللت بسمة صادقة قلب أمه، فقد اطمئنت بوجود سند لها، رجل لا يهتز، مسحت وجهه بكفها الحاني وتمتمت بدعاء صادق:
_ ربنا يكرمك يا بني وأفرح بيك قريب.
_ قريب ياما.
التمعت عيناه بوميض مبهج ونبض قلبه بلهفة للقاء آخر مع تلك الفاتنة.. فاتن.
خفق قلبه بثوران فقط من اسمها الذي لاح على ذهنه.
أص*رت والدته ضحكة ماكرة ولاعبت حاجبيها له وهي تقول:
_ ربنا يفرح قلبك يا بني، بس عرفني عليها.
**ى الإحباط وجهه وتن*د قائلًا:
_ لسه فـ المدرسة ياما، فـ الثانوية.
طبعًا لم يخف عنه شيء، فبعد أن أوصلها استوقف أحد الجيران وسألهم عن المنزل الذي دخلت به وأخبره باستفاضة قصتهم.
_ يلا قومي يا ست الكل، صلي الفجر وأدعيلي، وأدعي كمان لعامر دي آخر سنة ليه فـ ثانوي ربنا يكرمه.
_ بدعيلكم يا بني من غير ما تقول واللّٰه.
__________________________________
حول مائدة الطعام الصغيرة، كانوا يتناولون طعام الإفطار، حتى طرق الباب بعنف عقبه دخول الصغيرة العنيف التي ركضت بسرعة تجاههم وهي تصيح حتى اصتدمت بساق حمزة، فحملها على ساقه وهو يزجرها بقوله:
_ مش هتتهدي بقا، وقعتِ قلبنا بخبطك دا.
ضحكت ملء شدقيها ورفعت حاجبيها وهي تقول بشقاوة أدهشته:
_ عملت كدا قاصدة عشان تتخض وتموت عشان تعرف تسبني تاني وتجري ورا البنت البيضة..
كمم فاها سريعًا وهو يلكزها برفق في كتفها هادرًا من بين أسنانه:
_ اخرسي يا مصيبة.
تعالت ضحكات أخويه الجالسين بجوار بعضهما في حين غمزه حازم بمشا**ة:
_ أه دا الموضوع فيه حاجات حلوة وأنا مكنتش أعرف، مين دي بقا يا برو؟
عض حمزة على شفته وطرف إليها شزرًا:
_ عاجبك كدا؟
_ اللّٰه وأنا مالي، هو كنت أنا اللي قلتلك أجري وراها.
قالتها بتذمر من زمجرته وتوبيخه لها ونزلت من حجره غاضبة، فهو خطأه بالأساس، بينما علق حازم بمزاحه:
_ دا الموضوع طلع فيه جري كمان، قوليلي بقا يا فرح، مين البت دي؟
_ وأنت مالك؟
أحرجته بقولها الوقح، فابتسم حازم بتوتر وقال:
_ آه، خلاص عرفتها، تشكري يا ست فرح.
وقف عامر مرة واحدة مما جذب انتباه الجميع وتوقفوا عن الضحك، فسألته والدته:
_ مالك يا عامر قُمت كدا مرة واحدة؟ أقعد كمل فطارك يا حبيبي.
حاول الابتسام بوجه والدته وهو يقول بعجلة:
_ كلت ياما، اتأخرت على المدرسة ومش فاضي للعك دا.
فهمت والدته مقصده جيدًا، فهو يمثل الحزن من أخيه حمزة لأنه رفض إعطاءه المال الذي طلبه حتى يخرج في رحلة مع أصدقائه، ولكن حمزة محق، فالاختبارات على الأبواب ويريده أن ينتبه لدراسته فقط.
لاحظ حمزة الجو المشحون ولذلك نهض هو الآخر وقال موجهًا حديثه لحازم:
_ قوم يلا يا حازم عشان أوصلكم وأنا رايح شغلي.
تذمر حازم بطفولية وهو يقول:
_ لا، أنا لسه مخلصتش أكل.
أشار حمزة بعينيه تجاه عامر وملامحه المتجهمة ووقف على مضض وهتف:
_ يلا.
استدار حمزة لتلك الصغيرة التي احتلت كرسيه وأخذت تأكل بنهم، فقال بصوت مرتفع قاصدًا إخافتها:
_ فرح.
فزعت فرح وانتفض جسدها وهي تصرخ ومن خوفها أوقعت اللقمة من فمها، فضحك حمزة وشاركه حازم في حين بوخته والدته:
_ عيب عليك يا حمزة خضيت البت.
_ قومي يا أختي هاتي شنطتك عشان أوصلك في طريقي.
عادت لطعامها وكأنه لم يوجه لها حديث، تأكل بسرعة، ولكنها ردت بكلمة واحدة باردة:
_ جعانة.
توجه لها حمزة ورفعها من ملابسها وأنزلها على الأرض وقال:
_ اطلعي هاتي شنطتك وأمي هتعملك سندوتشات، يلا بسرعة.
بوجه ممتقع ركضت لشقتهم وهي تتمتم بنزق.
بعدما خرجوا من البناية قال عامر بغضب حاول مدارته أمام والدته، فهي حتمًا ستوبخه من أجل حبيبها حمزة.
_ علفكرة أحنا مش صغيرين عشان توصلنا يا أستاذ حمزة، شكرًا على خدماتك.
رد عليه حمزة بهدوء اكتسبه حتى لا يزيد اشتعال أخيه الصغير:
_ وأنا مش بوصلكم عشان أنتوا صغيرين يا عامر، بوصلكم عشان أنا حابب دا، حابب أكون فـ حياتكم وفـ كل لحظة وخطوة فيها.
أخفى عامر تأثره بقول أخيه الصادق، غضبه أعماه عن حقيقة ما يفعله أخاه من أجلهم، فهو ترك مدرسته رغم تفوقه بها ليعمل حتى يسد مصاريف مدارسهم وما يحتاجونه في حياتهم.
مد بخطواته يسبقهم في حين حاول حازم تلطيف الجو المشحون بالتوتر بقوله ال**بث:
_ الكلام اللي أنت قولته دا ما أقنعنيش خالص، أصلي شامم ريحة حلوة كدا، ريحة تتحب.
دفعه حمزة بكتفه في ضيق وهو يقول:
_ بطل لماضة ياض وكلام فاضي واهتم بدروسك.
مش كفاية دخلت أدبي مش علمي زي عامر.
_ لا يا عم أنا مليش فـ السكة دي، أنا أخري محامي على مكتب حد اللّٰه بينا وبين الطب.
كان قد وصل حمزة وحازم لمدرسته الثانوية، فدخل حازم وهو يلوح لفرح من بعيد، فأحادت بوجهها للجهة الأخرى في ضيق تضم شنطتها لص*رها بقوة، أما حمزة فوقف قليلًا ينتظرها، فعلى حسب ما توصل له أنها هنا في هذه المدرسة وقد انتقلت حديثًا إليها.
ها هي، قد تجلت بحسنها، تتهادى في خطواتها، ليست بالبطيئة ولا المسرعة، خطوات ثابتة خجولة بعض الشيء، لمح نظرتها المندهشة التي وقعت عليه وسرعان ما أخفت وجهها وتجاهلت وجوده، فسار تجاهها وقد لاحظت هي ذلك فركضت سريعًا لداخل المدرسة هاربة منه.
لفظ من تحديقه بطيفها هزة فرح لبنطاله من الأسفل، فتحول لها بنظره وأخذ بكفها ليوصلها مدرستها التي لم تكن تبتعد كثيرًا عن هنا.
قبل أن تدخل أشارت له لينزل لمستواها، ففعل مبتسمًا بهدوء راق لها، فوضعت قبلة صغيرة على صدغه وابتعدت سريعًا وهي تقول:
_ متزعلش من عامر.. هو عيل بارد أساسًا.
ضحك على ما تفوهت به، فهي تحاول مرضاته وبذات الوقت تسب عامر، كانت تريد الإصلاح وفشلت بطول ل**نها.
_ طيب ادخلي.
كادت أن تتحرك لوجهتها ولكنها عادت لتقول بتذمر:
_ احلق دقنك دي وجعتني.
للمرة المئة تفاجئه بردودها، تركته غارقًا في ضحكاته على شقاوة هذه الصغيرة.
_____________________________________
اليوم حفل الحناء لأخته الكبرى "ملك" تلك الفتاة التي يلتمس بها حنان أمه وطيبتها، لم يصدق للآن أنه يراها عروسًا أمامه، فقد أرتدت فستان الزفاف لأنها لن تقيم حفلًا هنا؛ لأنها ستسافر مع زوجها لبلد غربي، رغم توترها كانت فرحة بانتقالها لبلد أخر مع رجل أحبته.
لثم جبينها وهو يقول موصيًا:
_ خلي بالك من نفسك يا ملك، وأوعي تنسينا يا حبيبتي، افتكري ديمًا إني فـ ضهرك، مفيش مسافات قادرة تبعدنا، ماشي؟
هزت رأسها مُبتسمة بدموع غامرة تنهال على وجهها، فأزاح أدمعها بيده قائلًا بحنان:
_ متعيطيش يا ملك.
احتضنته بكل قوة لديها، احتضنته لفترة طويلة لم تستطع جزم كم هي، فقط ألقت بما في قلبها من قلق وهو تقبله بص*ر رحب، امتص خوفها واضطرابها.
ابتعدت عنه، وفي ابتعادها أحس بأن قطعة من جسده اجتثت منه، أنه لم يعد كما سابق من بعد هذا الحضن، شيء ما سرق منه ولن يستطيع استرداده.
بحث بعينيه عن أمه فلم يجدها من بين المحاطين بالمكان، فقلق عليها، ولذلك توجه حيث غرفتها، ليجدها تبكي بأحضان ابنها عامر.
هلع قلبه وركض تجاهها ليدفع عامر قليلًا عنها ويحتجزها هو بأحضانه وهدأها قائلًا:
_ بتعيطي ليه يا ست الكل؟ دي هتتجوز ودا اليوم اللي كلنا بنستناه مش كدا؟
هزت رأسها وحاولت إزالة دموعها دون جدوى، فكرة فراق ابنتها عنها تذ*حها، تريق دماءها.
_ كدا يا بني، بس دي هتبعد عني، هتبعد عن حضني يا حمزة، مش هشوفها غير كل فين وفين.
لم يستطع الكذب هذه المرة ويخبرها بأنه الهاتف سيفي بالغرض، لأن لا شيء يعادل وجود الجسد حي أمام ناظريك، تحتضنه متى تشاء وكيف تشاء، الهاتف لا يوصل نبضات قلوبنا الجارفة عشقًا، لا تبث تلك الرعشة الفرحة عندما تضم أحدهم.
اكتفى بال**ت، ولا شيء غيره، ماذا يخبرها؟ بأنه أيضًا يتألم لفراق ش*يقته.
_ خلاص بقا يا ست الكل، لو دخلت ملك هتحلف ما هي متجوزة، وهتقعد على قلبنا وأحنا ما صدقنا طلعت.
ابتسمت أمه من محاولته التهوين عنها، فابتعدت عن ذراعيه وكفكفت دموعها، ونقلت نظراتها على ابنها عامر الواقف بملامح عابسة متأثرة، ومن ثم وجهتها لحمزة ففهم عليها واقترب من عامر وربت على كتفه وهو يقول:
_ أي يا باشا هتزعل من كتير كدا؟
أحاد بوجهه للجهة الأخرى ف*نهد حمزة وأدار وجهه له وقال بلين:
_ عامر، أنا مش بتحكم فيكم زي ما بتقول، أنا بخاف عليكم وبحبكم يا عامر.
صوب عامر له نظرة مستنكرة بملامح ضائقة وهو يقول:
_ مش شايف كدا يا حمزة، شايفك بتتحكم فينا جامد، ونعمل دا وما نعملش دا، وبتمنع عننا كتير.
تعصب حمزة، فأخيه لن يفهمه مطلقًا مهما حاول، ولكنه لن يتركه بجهله.
يخشى أن تتسع الفجوة التي بينهم لحد لا يستطيع السيطرة عليه أبدًا.
_ يا عامر يا حبيبي، أنا رفضت الرحلة عشان الإمتحانات قربت مش أكتر، لكن مش بمنعك بشكل عام، وعلشان كدا يا سيدي..
سكت ليخرج مالًا من جيبه ووضعهم بيد عامر وهو يستأنف حديثه:
_ أدى تمن الرحلة فـ أيدك، بس مش هتطلع غير بعد الإمتحانات عشان دا ميأثرش على دراستك.
تلألأت الفرحة بعين أخيه وهذا ما أراحه جزئيًا، رغم عدم رضاه عن ما حدث، ولكنه مجبرًا حتى لا يفقد حب أخيه له ويظل محتفظًا بحقده داخله.
_ مرضي كدا يابا..
قاطعه ضمة غامرة من أخيه عامر وهو يشكره وسرعان ما خرج ركضًا ليخبر صديقه، في حين استدار حمزة ليصدم بمقلتي أمه الدامعة والتي قالت سريعًا:
_ ربنا يخليك ليهم يا حمزة وتفضلوا ديمًا قصاد عيني، لو واحد بس بعد قلبي تتقطع منه حتة.
______________________________________
في خضم الاحتفال الفرحة تنبع من القلب وتعلو الوجوه، البيت في حالة من الابتهاج بزواج الابنة الكبرى التي أخذت حيزًا ضخمًا من القلوب لنقاء قلبها وصفاءه، كانت ترقص مع صديقاتها غير دموعها التي تخونها بين كل لحظة وأختها، دموع فرح وقلق وخوف، فراق يهدد قلبها ولكنه قدرها.. تبتعد عن محبيها كل تلك المسافة.
كانت تقف مبتعدة عن الجمع السافر، تقف بخجل لوحدها وقد أحست بيد تسحبها بعيدًا، حيث المطبخ، لم تستعب ما حدث إلا عندما أدخلها حمزة المطبخ واحتجزها بينه وبين الباب بعد أن أغلقه عليهما.
اختطفها من وسط الحفل ليحدثها، لأنه اشتاقها، في تلك الفترة السابقة لم تغب عن عينيه ولو لحظة، أصبح متيمًا بتلك الفاتنة.. فاتن.
أف*جت عن شفتيها لتهتف به زاجرة إياه على فعلته ولكنه أوقفها عندما سمعته يقول:
_ وحشتيني.
شهقة ص*رت منها لتعبر عن ذهولها البالغ، فهو جريء لحد لم تتوقعه، وكان ردها دفعة صغيرة من قبضتيها حتى يبتعد عنها، ولكنه اقترب أكثر وهو يقول بعبث:
_ هو دا ردك يعني؟ بدل ما تقولي وأنت كمان وحشتني.
_ عايز أي يا حمزة؟
سؤالها الص**ح أعجبه بقدر ما أربكه، فهو لا يعرف ما يريده حرفًا، ولكنه أحبها ولا ينكر هذا ولذا كان رده تلقائيًا وهو يقول:
_ بحبك.
اضطرب قلبها وتلجلجت في وقفتها وقد نبتت حبيبات من العرق على جبينها يبلج كم توترها في هذه اللحظة، فهي حظيت بأول اعتراف للحب.
هي أيضًا أحبت ذلك الشاب الذي رأت منه حب وحنان كبير يقبع بعينيه لها، رأت شهامته واحترام الجميع له، حمزة رجل بحق.
_ وبعدين؟
سؤال كان لابد منه، ربما رأها باردة جلفة حتى ترد رد كهذا، ولكنها متحفظة من ناحية مشاعرها، فمشاعرها الشيء الوحيد الصادق الذي تمتلكه، زوجة أبيها تتحكم بكل شيء يخصها إلا مشاعرها فهي لها، وقد أحبته.
بحنان ازداد وصال العيون واشتركت النبضات بخفقات واحدة وحب واحد قال:
_ وبعدين يا ستي هستناكِ ولو لآخر العمر، أنا معاكِ يا فاتن، وطول ما أنا معاكِ متخافيش أبدًا ودا وعد مني.
تلك الوعود التي نلقيها في غمرة حماستنا محاسبون عليها، نحمل وزرها، فهي قد بنت أعمارًا فوق أعمارنا، أعطتنا حيوات على حياتنا، وبنقض تلك الوعود نوقع قلوب لم يكن خطأها إلا الوثوق بنا.
"ساكنة القلب والروح."
# مُنى_عيد.
يتبع..