أما درة فقد انتبهت الى أن الهاتف لا يزال مفتوحا فزمت شفتيها و رفعت الهاتف الى أذنها قائلة بلهجة انتقامٍ واضحة و هي تنظر في عمق عيني سلوان
آه عفوا يا دكتور عامر فضرتي كانت تتنصت الى باب غرفتي , و على الأرجح يرجع السبب لرغبتها في معرفة سبب اتصالك بي و عدم اتصالك بها مؤكدا عليها عرض العمل
شهقت سلوان بجنون و هي تضع كفيها فوق وجنتيها المحمرتين بشدة متسعة العينين ثم لم تلبث أن جن جنونها فهتفت همسا بارتياع و هي تض*بها في كتفها بقبضتها
تبا لكِ يا غ*ية ما هذا الذي تفعلينه أمام الرجل ؟!
الا أن درة صرخت فيها بحنق
ما أفعله أنا أم ما تفعلينه أنتِ , لقد سئمت اسلوبك هذا , لم أعد أمتلك أي مساحة من الخصوصية في بيتي أنتِ تتدخلين في حياتي تتنصتين إلى مكالماتي , تسقطين ملابسي من الشرفات لم أشعر يوما أنني منتهكة الخصوصية الى هذه الدرجة
هتفت سلوان بغضبٍ مرتعش
توقفي عن افتعال الفضائح أمامه , أنا لست بمثل هذه الصورة التي تصورينها له كي يتراجع عن عرض العمل ., أنتِ خبيثة النفس و كلما حاولت الصفاء لكِ يتبين لي خبث مقاصدك
و على الجانب الآخر كان عامر قد تناول دفتره و أخذ يكتب فيه بصبرٍ واضعا الهاتف على أذنه منتظرا
و ما أن ساد ال**ت قليلا حتى تكلم رافعا أحد حاجبيه
درة ألا زلتما هنا ؟!
أجابته درة بحنقٍ مكبوت
أنا هنا هلا تابعنا اتصالنا بعد قليل رجاءًا
رد عليها عامر قائلا بلطف
اعذريني سأثقل عليكِ مرة أخرى هلا مررتِ الهاتف الى سلوان رجاءًا
هتفت درة باستياء
أنا لست السكرتيرة الخاصة بك لما لا تهاتفها على هاتفها ؟!
أجابها عامر بهدوء قائلا
في الواقع من **يم عملك في الدار أنكِ ستكونين بمثابة , مديرة أعمالي الكتابية , و من أحد
صلاحياتك الرد على الاتصالات و تمريرها , لذا رجاءًا و للمرة الثانية هلا مررتِ الهاتف الي السيدة ستقوم بالطبخ في بيت علام داشاي فكلتاكما تعد موظفة لدي الآن
أظلمت عينا درة للحظةٍ الا أنها قالت بعصبية
لن تستطيع موظفتك أن تجيبك الآن فهي مستندة الى إحدى الزوايا تبكي بسبب الضرة الشريرة
شعر عامر في تلك اللحظة ب*عورٍ غريب من التعاطف معها مع سلوان !
الى اي درجة لا تزال هشة على الرغم من أن ابنتها باتت تقاربها طولا !
تذكر رسالة يارا التي تقول فيها
أسمعها تبكي كل يومٍ فجرا و هي تظن أن لا أحد يراها
و الآن بدأت دموع الخفاء في الظهور الى العلن و على أتفه المواقف
ابتسم عامر مسندا وجنته الى كفه وهو يرسم بعض زهور الياسمين حول عنوان قصيدةٍ لنزار قباني
طوق الياسمين
لم يشأ أن يحرجها بإجبارها على الكلام و هي تبكي , لذا أخبر درة قائلا بهدوء
أبلغي سلوان رجاءًا أننا في انتظارها غدا فلا تتأخر سأتصل بكِ لاحقا
أغلقت درة الخط ثم نظرت الى سلوان الباكية مخفية وجهها ثم قالت بجمود غير قادرة على المواساة و التدليل حاليا
يبلغك أنه ينتظرك غدا فلا تتأخري
لم تجبها سلوان فزفرت درة و دخلت غرفتها صافقة الباب خلفها بقوة أما سلوان فقد أغمضت عينيها مستسلمة للبكاء و كأنما حررت فيه كل ضغوطها
.....
حين استقلت المصعد صباحا بأعصابٍ مهتزة نظرت الى المرآة محاولة تقييم منظرها للمرة العاشرة لكنها الآن لم تتمكن من فعل الكثير خاصة و هي تحمل روان معها !
ترى ماذا سيكون موقفهم وهم يرونها تدخل البيت بطفلة في الثانية من عمرها !
روان عادة هادئة لا تفتعل أي مشاكل أو تص*ر ازعاج , لكن من يعلم لربما ضايق وجودها أهل البيت
عامة هي لا تملك الكثير لتفعله , فدرة لا تزال نائمة وبما أن الخصام لا يزال بينهما , فلم تحاول أن تعرض مجالسة روان لذا اصطحبتها معها مسلمة أمرها لله
نظرت سلوان عفويا الى الورقة البيضاء الملصقة على مرآة المصعد و قد كتب فيها تحذيرا شديد اللهجة !
اقتربت سلوان بوجهها من الورقة تقرأها و هي حاملة روان
السادة المحترمين سكان البناية لاحظ الكثير منكم الغرض الخاص المتروك في المصعد طوال اليوم دون أن يتبرع أحد بأخذه , و قد استاء الجميع لذا قمنا بأخذه وهو لدى السيدة الفاضلة زوجة رئيس اتحاد الملاك على من يرغب في استعادته التوجه اليها مع الحفاظ مستقبلا على مظهرنا العام أمام الزوار و الباعة و عمال التوصيل و شكرا
شهقت سلوان و هي تض*ب وجنتها هامسة بذعر
يا لفضيحة ! يا لفضيحة ! لقد أصبحنا شبهة البناية بسببها
ثم انتزعت الورقة بالقوة و جعدتها لتضعها في حقيبتها زافرة بعنف متسائلة إن كان عبد الفضيل قد باح بهوية مالكة الغرض الخاص أم تكتم الامر والله لو تكتم الأمر فلن يكفيه طبقا كاملا من حلوى الزلابية التي تعدها
......
لم تتخيل في أقصى أحلامها جنونا أن يكون بيت علام داشاي بمثل هذه الفخامة !
صحيح أن البيت قديما جدا , الا أنه شديد الفخامة و العراقة و كأنه من البيوت الأثرية الفنية القديمة
شحب لون سلوان بعد خروجها من سيارة الأجرة ووقوفها أمام بوابة البيت الضخمة تنظر اليه بهلع !
هل يعقل أن عامر يسكن هذا البيت ؟! صحيح أن الرقي يبدو عليه بوضوح لكن بساطته في التعامل تغلب المظاهر ! لكن الآن بعد رؤيتها البيت شعرت بحجم ضآلتها
ابتلعت ريقها و شعرت لسببٍ ما مجهول ببعض المرارة في حلقها , الا أنها تجاهلتها و قامت بتعديل روان بين ذراعيها مقتربة من حارس الأمن فأعطته اسمها بخفوت قلق و احراج شديد كأول مرة في حياتها كاملة تتوجه الى عمل
سارع الرجل منفذا أمرا مسبقا لديه بإدخالها مباشرة و رافقها حتى باب البيت ثم تركها و عاد للبوابة بينما بقت سلوان وحدها في مواجهة البيت الضخم و أصحابه
مع فخامة البيت توقعت أن يفتح لها أحد الخدم , لكن و من الأشياء التي لم تتوقعها أن يفتح لها عامر بنفسه !
ارتبكت سلوان بشدة و توردت وجنتاها و تراجعت للخلف خطوة و هي تراه واقفا أمامها مبتسما ابتسامة عريضة مشرقة كإشراقة الصباح بجوه الصحو اليوم
حتى مع الكدمات الواضحة حول أنفه و التي تحولت الى اللون الأزرق و البنفسجي
الا أنها لم تسرق من جاذبيته شيئا حين ظلت صامتة غير قادرة على الرد تطوع عامر وهو يقول بهدوءٍ مرحباً
مرحبا بالجميلة التي اشتقت اليها و لبهاء ملامحها الشبيهة برقة الياسمين
فغرت سلوان فمها بصدمة و تراجعت خطوة أخرى , الا أن عامر تقدم منها و مد كفيه أمام عينيها الجاحظتين ليسحب منها روان ببساطة يقذفها قليلا في الهواء حتى ضحكت عاليا , ثم توجه الى داخل البيت و حين لاحظ تسمرها مكانها التفت اليها قائلا بمودة
أهلا سلوان تفضلي و اغلقي الباب
للحظات ظلت سلوان مكانها تستوعب انخفاض درجة حرارتها الشديد و فرار الدم من عروقها و انتفاض ذلك العضو الخامل في ص*رها منذ فترة طويلة
و ما أن تمكنت من جر ساقيها الى داخل البيت و أغلاق الباب خلفها كما أمر , حتى أخبرها ببساطة و ابتسامة لطيفة
تلك الباقة على الطاولة تخصك للترحيب بك , أردت أن أعطيكِ إياها بنفسك , الا أنني أحمل روان لذا خذيها بنفسك لو سمحتِ
عقدت سلوان حاجبيها مفكرة
عن أي باقة يتحدث ؟!
و حين نظرت حيث أشار وجدت باقة كبيرة من الورود البيضاء مزينة بزهور الياسمين بينها و ملتفة بنسيجٍ خشن أخضر
للمرة الثانية تنسى فمها مفتوحا و هي تقترب من الباقة تتأكد من وجودها بالفعل و كانت هناك بطاقة مثبتة عليها و الكلمات شديدة الوضوح
مرحبا بكِ فردا جديدا من أفراد بيت داشاي عامر
رفع سلوان عينيها الفاتحتين الى عينيه و سألته هامسة بعدم تصديق و هي تحمل الباقة بين ذراعيها تضمها الى ص*رها
هل هذه الباقة لي فعلا ؟!
سألها عامر وهو ينظر الى عينيها البريئتين و قد خبت ابتسامته قليلا أمامهما
لمن تكون إن لم تكن لكِ ؟!
و قبل أن تتمكن سلوان من الرد و قد طال بهما النظر كلا الى عيني الآخر سمعا صوت أقدامٍ ثابتةٍ تقترب منهما فالتفتت سلوان مسرعة و هي ترى أمامها رجلا شديد الهيبة و الوقار ينظر اليها بمعالم متجهمة تثير الخوف في النفس خاصة وهو ينقل عينيه منها الى باقة الورد التي تحملها ثم الى عامر الذي يحمل بين ذراعيه طفلة صغيرة مجهولة
فتطوع عامر يعرفها به قائلا بنبرة غريبة بها بعض التشفي الغامض
أعرفك بوالدي يا سلوان
ارتبكت سلوان بشدة و همست بخضوع مظهرة الولاء
تشرفت بمعرفتك يا حاج
و كأنما قد صفعته فارتفع حاجباه عاليا وهو يرجع رأسه للخلف متفاجئا و قد عم ال**ت المكان لم يقطعه سوى ضحكة أفلتت من بين شفتي عامر ثم همس لها وهو يميل برأسه مقربا فمه من أذنها
يفضل أن تخاطبيه بلقب الدكتور علام
مطت سلوان شفتيها بحيرة و هي تهز رأسها هامسة بقنوط من هذا الصلف المحيط بالرجل
رزقنا الله و اياكم زيارة بيته الكريم
......
أربع و عشرون ساعة من يظن أن تلك الساعات قد تقلب حياة شخص رأسا على عقب , فيصبح من يراه في المرآة انسانا آخر تماما عمن رآه في نفس المرآة منذ أربعة و عشرين ساعة !
التنازل الثاني
أرجع خاطر رأسه للخلف ناظرا للسقف , جالسا في متجر سعيد منتظرا الجواب ... بينما سعيد يقف خارجه يتكلم في الهاتف مطولا بنظرة واحدة لملامح سعيد عرف أن الموضوع لن يتم ... و بصراحة لم يتفاجأ كثيرا , فالحظ لم يكن حليفا له السنوات الأخيرة , فلماذا يخطب وده الآن !
لقد سمح لنفسه بالحلم طويلا خلال الساعات الماضية حلم بحياة جديدة في عالمٍ آخر
بعد أن ينتهي هذا التنازل المرير المهين تجاوز التفكير في هذه المرحلة و تخطاها الى المرحلة التي تليها
حياة تحقيق المتبقي من الأحلام و ربما يكن شيئا أو على الأقل انسانا
و الآن وهو يرى اجهاض الفرصة قبل أن ترى نور الحياة , لم يندم على الأقل ربح الحلم ولو للحظات
دخل سعيد الى المتجر متجهما وهو يلقي بهاتفه فوق واجهة العرض ... بينما راقبه خاطر بملامح جامدة تماما , و حين تعمد سعيد عدم مواجهته , بادره خاطر سائلا بسخرية
فشل الأمر أليس كذلك ؟!
رفع سعيد وجهه ال**بس و نظر الى خاطر طويلا قبل أن يجيب باقتضاب
شاب آخر اغتنم الفرصة لتأخرنا في الرد
ضحك خاطر ضحكة قصيرة ساخرة , الا أنها سرعان ما اختفت , فباتت السخرية نفسها مؤلمة لذا مال الى الأمام مسندا رأسه بكفيه متن*دا بصوتٍ عالٍ قانط
راقبه سعيد زاما شفتيه بأسف ثم أجاب بصوتٍ غير واثق
ليست النهاية لقد وعدني بالتواصل قريبا ما أن يجد فرصة أخرى مناسبة
الا أنه لم يقدر على منع اظهار احباطه وهو يقول بغيظ
ولو أنني كنت أفضل السيدة التي تكلم عنها , فهي كبيرة في السن حياتها خالية من العلاقات تماما ... قد يهون هذا من صعوبة الأمر بالنسبة لك
لم يرد خاطر و لم يرفع رأسه و كأنه لم يعد يأبه بشيء آخر فأطرق سعيد برأسه متجهما لا يجد الكثير من الأمل كي يمد صديقه به , بينما قال خاطر فجأة دون أن يرفع رأسه
الشركة التي كنت أعمل لديها , تريد تحصيل مبلغ إيصال الأمانة
عقد سعيد حاجبيه , ثم هتف حانقا
لا تهتم ولو بمثقال ذرة هذا مجرد تصرف يحسِنون به من مظهرهم أمام العميل الذي فقد ساعته , نظرا لأنهم تغاضوا عن التأمين كما أنهم لم يوفروا لك المواصلات المناسبة و الخطأ خطأهم دون شك و يريدون أن تتحمل المسؤولية وحدك مجرد أن تسافر , فلتنس الأمر تماما , لن يتمكنوا حتى الإقدام على أي جراء قانوني بهذا الإيصال , فليزينوا به الحائط ستكون أ**قا لو فكرت في سداد قرشا منه
لوح خاطر بكفيه قائلا ببساطة
حتى لو أردت السداد سيكون هذا عبر النوايا الطيبة و التمنيات السعيدة
تلك الليلة و أثناء استدعاءه من غرفته في الدار , الى غرفة عبد الرحيم فقد تصلب جسده في نوبة تشنج مفاجئة و قام بالتقيؤ فوق السرير .
فتوجه اليه خاطر و قام بعمله بحرص وهو يرفع الرجل , يساعده في ذلك جسده الفتي و ما يمتلك من قوةٍ عضلية يكتسبها من الشقاء الطويل و كانت هناك عاملة تنظيف تقوم على تغيير الشراشف أما هو فتولى أمر تنظيف عبد الرحيم و تغيير ملابسه في الحمام الملحق بالغرفة و كان الرجل طائعا تماما , ساكن النظرات , لا يشعر بمن حوله , فسأله خاطر هامسا
الا يحضر أي من أهلك لزيارتك ؟! حتى الآن تمكنت من التعرف على معظم الزائرين , الا زائريك فهل أنت ممن نبذهم أبنائهم ؟! ربما لو كنت قادرا على الكلام لتمكنت من الوصول اليهم و اقناعهم
انتهى خاطر وهو يجلس الرجل في مقعده المتحرك . ثم وجد نفسه يجلس أرضا أمامه مستندا الى المغطس ممددا ساقا رافعا الأخرى ثم ابتسم قائلا بسخرية
من لديه طبع يستحيل أن يتخلى عنه , فقد سبق و أقسمت الا أتدخل مجددا محاولا استدعاء ضمير أحد الأبناء و ها أنا أعود للتدخل من جديد , كحامي حمى البر بالوالدين
لم يرد الرجل وهو يبادل النظر بعينين مجعدتي الزوايا و ملامح فاقدة للروح سمع خاطر صوت رسالة تصله عبر هاتفه , فأخرجه من جيبه ينظر اليه كانت رسالة نصية منها بعد أن تنازل و منحها رقم هاتفه كي تتواصل معه عبر الرسائل .
أرجع خاطر رأسه للخلف قليلا مبتسما دون مرح , ثم قال مخاطبا الرجل بصوتٍ خافت
هذه رسالة من فتاة . تأبى الخروج من حياتي بينما أحاول ابعادها
أخفض وجهه ناظرا الى الرجل , ثم تابع قائلا بسخرية
العبارة تبدو في ظاهرها فخرا لأي رجل لكن للواقع رأي آخر
**ت للحظة ثم غمز للرجل قائلا بابتسامة عابثة
اسمها شغف .هل هناك اسم أجمل من هذا تسمى به فتاة تطاردك ؟!