صورة الطين (قصة ساخرة)

2429 Words
بالعلم والعقل نستعين وليحيا المنطق التنويري العظيم جلس الطفل الصغير أمام جده الكبير الطّاعن في السن وأخذ الطفل في ذهول وإعجاب يتأمل جده وهو منشغل بعمل تمثال من الطين .فقد كان جده يعمل طيّانا بمعنى فخراني يصنع الثماثيل والأشكال وكل الأواني الفخّارية بأشكال جميلة وبديعة ويبيعها في الأسواق والمعارض وكانت دائما تلقى رواجا وإعجابا من الناس وعلى الدوام مطلوبة ومرغوبة ومحبوبة لأنها ذات أشكال وزخارف فنية وتعاريج وإلتواءات زجزاجيّة فنية لافتة للنظر .وفي يوم من الأيام جلس الطفل أمام جده يتأمله وهو يصنع تمثالا عجيبا لرجل وبجانبه إمرأة تبدو وكأنها جزء صغيرمن جسد هذا الرجل وكأنّما هي نبعت من إحدى ضلوعه أو من جزء في جسده الضخم القوي كما صوره وجسّده التمثال .فسأل الصبي جده في دهشة غزتها وإقتحمتها جيوش الحيرة والتساؤلات أكثر من الإعجاب والإنبهار قائلا : لماذا ياجدي أرى المرأة تبدو في حجم صغير وضعيف بجانب هذا الرجل؟ اليس كلاهما تمثالين متطابقين في النوع واالحجم ؟ فنظرا اليه جده بإبتسامة عريضة تحمل قدرا من التهكم والسخرية ممزوجا بالإهتمام وقطرات الطين تقطرمن بين أصابعة التي يلفها حول التمثال وكأنماهي قطرات دماء تقطرمن جسد قتيل او خنجر عرز لتوّه في جسد ذبيح وتنهّد الجد قائلا : إنها الطبيعة ياولدي تتغلّب عل الأشياء فالمرأة أصغر وأقل.وللرجل السطوة والقوة أمّا هي فضعيفة ! فعلى الفور رد الصبي وقد علت الدهشة وجهه البرئ قائلا: هل تقصد ياجدي أنها أقل شأنا ومكانة منه ؟ ف*نهد الجد وقد شعربملل : يالك من صبي كثيرالتساؤل وكثيرالكلام .الن تمتنع عن كثرةالسؤال والإستفسار. -- لكنني أريد أن أفهم ياجدّي .اليس من حقي أن فكّر وأستوضح لكل ماتقولونه لي وتخبرونني به أو تلقّنوني إيّاه . ألايجوز لكم أنتم الكبار أن تخطئوا او تنسوا مثلا .الستم بشرا أم أنكم معصومين من هذاالأمر؟ --- يابني لاتكن كثير الجدال والنّقاش وقلّل من تساؤلاتك فليس كل شئ في هذه الحياة لابد أن نفهمه ..فهناك الكثيرمن الأمور من الأفضل لناان لانعلمها وعلمها عند ربّي .المهم لنا ومايعنينا هو فقط طاعته وعبادته في **ت وخشوع .لننال رضاه ولايجوز لكل واحد منا ان يتبع تفكيره أوهواه .ثم إنه خلق الرجل على هذه الطبيعة ليكون قويّا وليحمي المرأة ولذلك عليها ان تطيعه وت**ب رضاه بعد الإله . علت الدهشة وجه الطفل وهو يتساءل بتعجّب!!!! قائلا : خلق!!! مامعنى هذة الكلمة ياجديّ ؟ !!هل هي تدل على ان هناك شئ لم يكن موجود من الأساس وإنشاؤه من الفراغ او العدم؟ - بتعجب وغيظ مكتوم تساءل الجد قائلا : من الذي أدخل في رأسك هذه الكلمات ايها الولد الشقي التعيس .إنها ليست كلماتك . --انه مدرس العلوم في المدرسة قال لي هذا الكلام بعدما تشاجرت مع زميل لي في الصف وجه لي المدرس بعدها اللوم قائلا أنّني أنا من خلقت مشكلة لم تكن موجودة من الأصل .وعندما سألته مامعنى ( خلقت )؟ قال لي أنه كان يسأل مثل هذه الأسئلة لأباه وأمه ومعلمّيه وهو في مثل عمري لكنه لم يحظى بإجابة شافية من أي منهم , وظل حائرا في إيجاد الإجابة حتّى الآن . ولكنه يحاول القراءة في كتب علمية وأنه ينوي عمل أبحاث ودراسات عليا في هذا المجال .وعندما سألته لماذا يريد أن يبحث في هذا الشأن بالذات ..قال : كي أكتشف عظمة هذا الخلق والخالق وكيف أوجدنا من لاشئ ..ياله من ت**يم ذكي ومتين وقوي!!!. لكني على الفور عندما صرخت كلماته في أذني تذكّرت عامل المدرسة المسكين الذي غصّ أثناء الطعام في بضع حبّات او حبتين أرز على الأكثروعندما حاول شرب بعض الماءالتصقت حبة الأرز بحنجرته وإختنقت أنفاسه فمات عل الفور , وأيضا تذكّرت مدرستي التي أحيلت على المعاش في العام الماضي وقدّمت إسقالتها من التدريس لأنّها أصيبت بتأكل في الغضاريف في العامود الفقري لمجرّد أنها كانت تحمل أشياء ثقيلة أثناء ترتيب وتنظيف منزلها ولم تكن كذلك ولكن بعد فترة من الزمن سمعت أنه حدث تآكل في فقرات عامودها الفقري .فكيف يكون هذا دليلا على القوة والمتانه!ّ؟؟؟ لابد أنّ العيب ليس في الت**يم الذكي لابد انّهم هم الأغ*ياء امّا الت**يم ف حاشاه وكلاّ ان يكون ضعيفا او هشّا إنه من لدن الخبير العليم . ف*نهّد الجد بنظرات ساخطة غاضبة إمتزجت فيها الحيرة بالدهشة من تساؤلات هذا الصبي كثير الجدال والأسئلة . ولكن الصبي زاد من حيرته وسخطه عليه أكثر عندما باغته بكلماته قائلا : أتعلم ياجدي انني قارنت بين صناعة الهاتف المحمول الألماني الذي أهديته أنت لي في العام الماضي لتفوّقي في دراستي لأني كنت الأول على المدرسة فقارنت بين صناعتة ومدي تحمّلة للصدمات والسقطات والإرتطام بالأرض او الأسطح الجامدة وبين صناعة الجوّال الصيني من الدرجة الثالثة فوجدت الفارق شاسع .فعلا إن ت**يم الجوّال الألماني ذكي وقوي بحيث يتحمل كل شئ الي أقصى درجة اما الجوّال الصيني من الدرجة الثانية أو الثالثة لم يكن بهذه الدرجة من المتانة وقوّة التحمّل وكان يضعف ويتأثّر من أي مجهود وهذا بالطبع لأنّه ليس من لدن خبير عليم ولا خالق عفوا صانع ذكي حكيم كالصانع الألماني او الياباني مثلا ..ولكني بعدما علمت بما حدث مع عامل المدرسة الشقي المسكين الذي ترك وراءه أسرة فقيرة ولم يفعل شئ سوى أنه غصّ في حبة أرز . ومدرستي التي إستقالت وتقاعدت بسبب تآكل ظهرها لمجرّد رفع أشياء ثقيلة عدة مرات بالرغم من أنها لم تكن تعاني من مشكلة سابقا قلت لنفسي وتساءلت هل عامل المدرسة ومعلمتي المستقيلة ضعفاء الى هذا الحد كالمنتج الصيني او الجوّال الصيني ام أن أجسادهم ليست بجودة المنتج الألماني والياباني أو الأمريكي ؟؟؟!!!! وهنا طار صواب الجد وإنطلقت نظرة نارية محدقة في الصبي وإستشاط غضبه وحنقه على الصبي المجادل كثير النقاش والتساؤلات وأمسك بتلابييه قائلا : لقد تجاوزت كل حد أيها اللعين , لقد كنت أتجاوز عن كثرة أسئلتك وجدالك فيما مضى على إعتبار أنك مازلت طفلا ولاتدرك أو تعي شيئا ممّا يدور حولك ومازال فهمك محدود للأشياء .ولكنّني متأكّد أن هذه التساؤلات وهذه الكلمات ليست لك , أنه مدرس العلوم اللعين الغ*ي هذا .الآن علمت ان إدارة المدرسة كانت على حق عندما حوّلته للتحقيق أكثر من مرّة لأفكارة الغريبة المريضة وضعف الوازع الديني لديه , وبلهجة حازمة آمرة وهومازال يمسك بياقة قميص الصبي مستكملا حديثه : أني آمرك أن لاتتحدّث مع هذا المعلم الخرف مرّة أخرى وإلاّ ستنال عقابا قاسيا منّي ,,أفهمت , إنه رجل قد أسلم عقله للشيطان وصادقة منذ زمان ومازال الشيطان يتلاعب بعقل هذا المعلّم الغ*ي يمينا وشمالا حتّي يسلمه لطريق الهلاك فهو هالك ضل الطريق لامحالة . وفي محاولة لتهدئة الجد أربت الطفل بحنان على يد جدّه وهو يبعدها عن رقبته التي أحاطها الجد وأطبق عليها بأصابعه التي غطّها الطين قائلا : أنا لازلت صغيرا في السن كما تقول ياجدّي وبكل تأكيد أنا لا أدرك كل ماأقوله وكلامي ليس أكثر من محاولة للفهم والتفسير عل قدر عقل طفل صغير , وبالنسبة لمعلمي إنّه يفكّر جديّا في السفر للخارج لأنه على حد قوله يعاني من الإضطهاد والإقصاء هنا . --- هذا أفضل له ولنا بكثير , فليرحل قبل أن يفسد عقلك الصغير بترّاهاته وخزعبلاته الخرفة , فيأخذ شرّه معه ويرحل ليريح ويستريح . ثم أردف الجد قائلا : لقد حان وقت طعام الغداء سمعت أمّك تنادي علينا ,هيا بنا , وأمسك الجد بيد الصبي الصغير وجذبها بسرعة متّجها لغرفة الطعام وكأنه سهم إنطلق من قوسه أوعقاله في التو , وكأنّما هو يحاول ملء فم الصبي بالطعام ليسكت عن الأسئلة والجدال . وفي أحد الأيّام دخل الجد فجأة الى ورشة العمل الخاصة به فوجد الصبي واقفا يتأمّل في تمثال الطين الذي صنعه جده وهو يحاول أن يغرز أصابعه في جسد التمثال المصنوع من الطين وكأنه يريد أن يستخرج منه شيئا ما وهو ينظر لأطراف أصابعه فلايجد بها سوى الطين , فوقف الجد مندهشا متعجبا من محاولات الطفل اليائسة ثم أقترب الجد من حفيده متسائلا : ماذا تفعل يابني هل جننت؟!! وبسرعة ولهفة وقد جرت الكلمات على شفتية فبدت كأنّها لكمات صاعقة وجّهها لجدّه قائلا : ألم تقل لي ياجدّي أنّ هذين التمثالين هما أصل الخلق والخليقة وأنهما يجسدان أوّل أب وأوّل أم للبشريّة جميعها يعني أنهما كانا أوّل بشر,وأيضا ألم تقل لي ياجدّي أن البشر مخلوق من سلالة الطين . -نعم بالفعل إنه أصل نشأتنا وخلقنا كبشر. ---إذن لماذا عندما يجرح إصبعي لا أرى شيئا يخرج منه سوى قطرات الدماء , أين الطين حاولت أن أخرجه من جسدي لم يخرج ثم إنتظرت أن يخرج مع الدماء طين لكنني لم أرى ذلك يحدث أبدا!!! مع أن أستاذ مادة الدين أكّد لنا ذلك وشرحة وفسّره في حصة (الدين ) أفضل تفسير حتّى إقتنعنا تماما وصدّقنا كل ماقاله لنا ولقّننا إيّاه . لكني في حصّة العلوم وجدت معلّمي قد قال لنا ذات مرّة أنه قرأ في أبحاث علميّة عن التطور البيولوجي لجسم الإنسان حقيقة علميّة راسخة وهي أن التطورالبيولوجي لم يذكر به أبدا قصّة الطين هذه ولا الخلق من طين , وأن مادة السليكا والألومنيوم الموجودة في الطين والتراب تختلف تماما عن مكونات جسم الإنسان التي درسناها في مادة العلوم !!! صحيح ان معلمي تعرض للتحقيق معه من إدارة المدرسة وعوقب على ماقاله ومنذ ذالك اليوم حدثت قطيعة كبرى بينه وبين معلّم مادة (الدين ) في مدرستنا .وكل هذا الخصام بينهما سببه أن معلّم الدين يرفض الإعتقاد ا والتصديق لأي فكرة أو مقولة تتعارض مع معتقداته ومع مادته ودائما يتّهم أستاذ العلوم بأنه يحاول أن يقلّل من شأنه أمام تلاميذه ويتعمّد إحراجه لأنه يحقد عليه ويتأمرعليه بكل الوسائل لطرده من المدرسة , وللأسف دائما ماكنت أجدهما يختلفان ويحتد أستاذ مادة (الدين ) على أستاذ العلوم إذا شعرأنه سينتصر عليه في النقاش او يحرجة ببحث علمي مثبت ومدعّم بالتجارب والأوراق العلمية فيهرع مدرس (الدين ) فورا الى محاولة ربط وإعادة تدوير معتقداته ومقدسّاته للتتماشى مع العلم الذي يطرحه أستاذ العلوم أمامه ! وفي النهاية ينتهي النقاش بينهما بحدة ويذهب كل منهما في طريق مختلف ليكونا خطّان متوازيين لايلتقيان أبدا في نقطة واحدة تجمعهما . نهض الجد العجوزفورسماعه هذه الكلمات من الصبي كثير الجدال والنقاش ومشى بخطوات عصبية مزدجرة وإقترب ببطئ متثاقل من كرسيه وبدأ يحرك قدمية حول الأله التي يلفّها حول الطين ليصنع منها تماثيله وأوانيه الطينيّة الفخّارية وثم وإذا به يقوم من مكانه بعد أن قذف بأحد الأواني الفخّارية على الحائط ف**ره الى نصفين ثم إقترب في غضب نحو الصبي قائلا وبحزم : صدّق أستاذ (الدين ) إنه رجل مؤمن صادق يخشى ربّه ويريد أن يزرع فيكم الإيمان وخشية الخالق عزّ وجل . أمّا أستاذ العلوم هذا فقد ذل وضل , وللمرّة الألف أقول لك لاتسلم عقلك لأفكاره الشيطانيّة أنه من الهالكين . -بكل تأكيد ياجدي العزيز أنت على حق , فأنا ولله الحمد لم ولن أسلّم عقلي أبدا للشيطان اللعين عليه لعنة الهالكين , لأن الشيطان بطبيعته حقود شرّير لئيم يريد هلاك وإهلاك بني البشر فقط من بين كل الكائنات الحيّة لم يختارهذا الليئم سوانا نحن البشر لندخل الحجيم وليصبّ علينا غضب الرحمن الرحيم ! ليتني كنت حيوانا أو نباتا أوحتّى جمادا جامدا ساكنا لأنجو فقط من شرّه المستطير ,, حتّى لا أكون من المتمرّدين الهالكين وهم والعياذ بالله الكافرين ,أرأيت ياجدي الحبيب إلى أي درجة وصل شر وحقد هذا الشيطان الرجيم الذي يستحق العذاب الأليم , ومع أنّني لا أدري ولا أعقل لماذا فعل هذا الشيطان الغ*ي بنفسه مافعل؟؟!!! ولماذا يؤذي نفسه ويحكم عليها بالإعدام المؤبّد ويلقي بنفسه في الجحيم الأبدي ويخالف الأوامر إذا كان يعلم نتيجة فعلته الشنيعة مقدّما ومسبقا ؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! لابد أنه غالبا معتوه أو مريض نفسي أو ربّما عقلي ولذلك ليس على المريض عتب أو حرج , وبالتالي هذا طبعا طبعا ليس معناه أن نصاحب اونسلّم عقلنا وتفكيرنا لهذا المريض الشيطاني أوهذا الشيطان المرضي , لكنّني ومع ذلك أجد أن أستاذ العلوم لايحقد على أحد ولايضمرشرّا لأحد كما يتّهمه معلم مادة (الدين) هو فقط يصدّق ويثق بما ماتوصّل له العلم بالأبحاث والأدلّة المنطقية العلمية المدعومة بالتجارب والأبحاث كما عوّدنا أن يشرح ويحلّل لنا في حصص العلوم وفي معمل التجارب المعمليّة .على ع** ماأرى في أستاذ (الدين ) الذي يلقنّنا كل مايسكبه في رأسنا بأقاويل وحكايات يحكيها من من سمعها منهم ولايسمح لنا بنقاش في شئ بدعوى أنّنا لابد أن نسمع ونطيع ولانجادل ولانناقش لأن المقدسات أكبر من فهمنا وليس لها حدود فهي فوق المنطق والعلم المحدود ! ولكنني ياجدي الحبيب أشعر عندما أحاول تنفيذ كلامه الذي يلقنّنا إيّاه كل يوم أشعرأنّني حرفيّا كالأعمى الذي يمد لمرشد كلتا يداه ليريه الطريق الصحيح ويسلم له يداه وتفكيره بدون نقاش . ثم وضع الصبي كلتا يداه على عينيه قائلا بنبرة لاتخلو من السخرية : أنا على أتم إستعداد لأن أكون أعمي من أجل إرضائك ياجدي العزيز .ثم إقترب بهدوء خطوتين من جدّه متسائلا :هل تريدني أن أكون أعمى أم مبصرا ياجدّي ؟ وإذاكنت تفضل لي ا***ى كي تريح عقلي وتبعدني عن الأشرار اللذين يصادقون الشيطان فلامانع عندي من ذلك ,,ولأكتفي بما قيل وليس من داعي لأن أهتم بما يفعل !, فالأقوال في هذه الحالة أكثرأمانا وبكل تأكيد أفضل من الأفعال ! وسواء كانت أقوال وحكايات مدرس (الدين ) ومايلقنّه لنا صادقة ام خاطئة وسواء كانت أفعال أستاذ العلوم المدعمة بالدليل القاطع والبرهان خاطئة أم لا!!!!!!!! فلنترك حقيقة الموضوع كله لعلم الغيب وعلاّم الغيب فهو ( لايسأل عمّا يفعل) ونحن في نهاية المطاف لازالت عقولنا قاصرة عن فهم حكمتة جل وعلا وعن إدراك رحمته (جلا جلا ) . - لقد قلبت عقلي رأسا عل عقب أيّها الولد الشقي , وأصبتني بالدهشة من عقلك والحيرة في أمرك ! 0-ربما شعرت بهذا ياجدي لأنك رجل عجوز من زمن قديم ولم تتلقّى علوما ولم تجد أمامك سوى ماكان يلقى على عقلك من أساطيروحكايات لتفسّر بها مايحدث حولك حسب مالقنه لك أباك وأمك وشيخ الكتاّب حتّى لوكانت ترّاهات . - الجد غاضبا : ماذا تقصد أيّها الشقي ؟ هل تقصد أنّني جاهل وأفكاري قديمة وغير منطقيّة ولاحقيقيّة كما تدّعي أنت ؟ - العفو ياجدي لم أعني ذلك مطلقا وأعتذر عن ماقلته , وتذكّر أنّني قلت لك منذ لحظات أنني لابد ان أدع الأمر للغيب .لأن عقولنا مهماعلا شأنها فهي قاصرة والعلم محدود مهما إتّسعت مداركه . - - إذن فأذهب لأمك وأحضر كوبا من الشاي الثقيل او فنجانا مركّزا من القهوة من صنع يدها . فقد أصاب الصداع رأسي من جرّاء حديثك وجدالك أيّها الأ**ق الصغير. - -حسنا ياجدي سمعا وطاعة .ومشى الصبي إلى خارج ورشة جدّه بضع خطوات وعندما وصل الى الباب التفت لجدّه قائلا له: لي عندك طلبا ورجاء ياجدي الحبيب. - -قل بسرعة ماذا تريد بعد ؟ - قال بنظرات تأمّل فاحصة لتمثال الطين للرجل والمرأة يجانبه : أريد أن تعطيني هذا التمثال لأضعه أمامي على مكتبي وأنا أذاكر فأنا دائما أراه في مخيّلتي حتّى لو فكّرت به قبل نومي أراه في أحلامي. - التفت الجد نحو التمثال ومد يده بهدوء وحمله ثم إقترب من الطفل وأعطاه له وهو يربت بحنان عل كتفه قائلا : خذه ياحفيدي الغالي وتذكّردائما وأبدا كلماتي وأنت تتأمّله لعلّها تكون عبرة وعظة لك , ونصيحتي لك أن تبتعد عن طريق الأشرار والشياطين ولاتصاحب الشيطان فهذا مايريده لك , أن يبعدك عن الإيمان ورضا الرحمن فتصبح من الهالكين وممّن غضب عليهم ربّ العالمين . ثم مرّت بعد ذلك الأيّام والسنين وكبر الغلام وأصبح فيزيائيا وعالما في العلوم والأبحاث العلميّة .ولكنّه كان دائما ماينظر الى التمثال الفخاري وهو ممسكا بصورة جده المتوفّي منذ بضع سنين وطالما تذكّر أخرماقاله له جده وهو على فراش الموت قائلا:- إنّني سأموت يابني وأفنى وتنتهي وتندثر حرفتي ومهنتي التي طالما أحبّها الناس وأقبلوا عليها وستختفي كل حكاياتي وأساطيري كما كنت تسمّيها ياحفيدي الغالي وأنا أعلم يقينا انك لن تعمل بمهنتي فلم تعد تناسبك , يابني , اناالغادي وأنت القادم لامحالة .انا الذّاهب وأنت الآتي , والقادم سيكون لك أنت . ثم يبتسم العالم الفيزيائي في هدوء ممزوج بحزن كلما تذكّر كلمات جدّه . ولكن ياترى هل صاحب الصبي الشيطان وصادقه ؟
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD