انتهت (سارة) من عملها وجلست تستريح بعد عمل شاق وجدت الذكريات
تطاردها أمام عينيها...هزت رأسها متن*دة وهي تتعجب من مشوارها الطويل
الذي أوشكت على إنهائه...
لقد عانت طويلًا حتى تصل إلى هذه المرحلة ثم عادت برأسها وأسندتها
على ظهر المقعد...
لترى كيف بدأ حبها للمجال الطبي؟ لقد كان شغفها منذ أن كانت طالبة
بالثانوية العامة دخولها للقسم العلمي حتى تدخل الطب وإجتهادها وذكائها
الخارق أهلها لدخول كلية الطب ولكن هناك من كان يقف عائقًا أمامها...
العائق هو (حسن الأسيوطي) والدها الذي رفض دخولها أي كلية وأن
تكمل دراستها...
(حسن الأسيوطي) لديه مبدأ "أن الفتاة ليس لها إلا أن تتزوج و ترعى أطفالها
هذه رسالتها ليس إلا"
كان رجل قاسي ليس بقلبه ذرة حنان لم تعتز مشاعره لدموع (سارة)
عندما حطم حلمها وإعترضت (سارة) على كلام والدها مدافعة عن حلمها
الذي عاشت لأجله لم ينوبها إلا السب والإهانة حتى صدمت بواقعها المرير
ورضخت لسيطرة أبيها وجبروته وإرتمت في حضن والدتها التي تشعرها
بالأمان و الحنان...
ولكن هناك من كان أثير عند قلب(حسن الأسيوطي)...
إنه(فارس) ش*يقها فبالرغم من رسوبه المستمر في دراسته وفشله الدائم
لم يكن سببًا يجعل والدها ينهره بل النقيض...
كان يصرف عليه بجنون وفي بعض الأحيان كان يقترض المال من أصدقائه
حتى لا يحرم ولده ويحقق له كل ما يتمناه من متطلبات الحياة والرفاهية...
فالذكور عند (حسن الأسيوطي) أهم شيء في الحياة...
و (سارة) كانت الأخت الأكبر وعندما وُلدت (حسن) كان حزينًا وكأنها ماتت
ولم تولد وكم تمنى أن تكون ولدًا وقد هدد والدتها عندما حملت مرة أخرى أنه
إذا لم يأتي الولد هذه المرة فسيطلقها ويرميها هي وابنتها في عرض الطريق...
ولكن شاء الله أن يرزق (حسن) ب(فارس) الولد الذي كان يحلم به...
كان فرح فرحًا شديدًا وكأنه هو الوحيد الذي رُزق بذكر...
(سارة) عندما كانت تقترب من أخيها وتريد اللعب معه كأي أخت تلعب
مع أخيها الصغير كان (حسن) يصرخ فيها بألا تقترب منه خوفًا عليه من أن
توقعه أو تعديه إذا كانت مريضة وكأنها خادمة وليست ش*يقته...
(حسن) كان مجنون بولده (فارس) ولم يكن أب عادل في تعامله مع (سارة)
و(فارس) دائمًا وأبدًا كانت (سارة) وهي طفلة عندما تطلب من والدها شيء
لم يكن بالإيجاب ولو مرة في الحياة لم تحدث قط وإنما الرد الدائم كان إما
بالسب أو صفعة...
فوالدتها هي التي كانت تشتري لها كل ما تريده دون علم زوجها خوفًا من أن
ينهرها أو يهينها كل شيء كانت تفعله ل (سارة) في الخفاء...كانت طفولة
(سارة) قاسية...لم يجعلها تمر عليها ببعض الخير إلا والدتها الحنونة قليلة
الحيلة... ولم يكتفِ والد (سارة) بأن حطم حلمها و**ر قلبها...
بل عندما أتى(عادل زهدي الكافي) رجل في الثلاثينات مساعد دكتور في
جامعة الأسكندرية قسم علم نفس وإجتماع وتقدم لطلب يد (سارة) لإعجابه
بها وبأخلاقها وافق (حسن الأسيوطي) مجرد أن عرف مهر ابنته سال ل**به
ولم يأخذ رأي (سارة)...
وقال لها هو يرمقها بإستهزاء مشيرًا لها: هو إنتي كنتي تحلمي إن حد يدفع فيكي مهر
و شبكة أد كده...
وكأن (سارة) سلعة ليست ابنته من لحمهُ ودمهُ...حاولت والدتها ولكن لا
فائدة كل محاولاتها بائت بالفشل وتمت الزيجة...
كان في زفافها الجميع يهلل وعمت الزغاريد ولكن هي ووالدتها كان بقلبهما حزن
وعزاء ليس له حدود الأم متحسرة على ابنتها الوحيدة التي تتزوج وهي ما زالت
طفلة إنها في الثامنة عشر من عمرها...
ماذا فعلت لكي يحدث لها كل هذا؟
ماذا جنته لكي يفعل فيها والدها ما فعل؟
وقد كانت مثال للفتاة المطيعة الطيبة المتفوقة
(سارة) كانت تري أمام عينيها حلمها وهو يحترق ورمادة كان في شبكتها التي
كان يُلبسها إياها (عادل)...
وفي بيت الزوجية وجدت من حماتها معاملة أسوأ ما يكون وخصوصًا
أنها تريد رؤية حفيدها من ابنها (عادل) وكلما تراها تسألها (إيه فيه حاجة في السكة ما تشدي حيلك بقا؟)كلها كلمات مهينة...
ولكن لم يشأ القدر أن تحمل (سارة)...
و(عادل) كان يعامل (سارة) معاملة حسنة طوال فترة زواجهما ولم يمنعها من
زيارة والدتها المريضة والمبيت عندها كان رحيمًا بها وسخي بشدة ورغم معاملة
حماتها...(عادل) كان يهون عليها ويهدئها ورغم حبه لها...
(سارة) لم تبادله نفس هذا الشعور ولكن كانت تعامله معاملة طيبة وكان
كل ما يضايقها سلبيته في حياته ومع والدته ولم يكن يدافع أو يعلق و لكن لكل
شيء نهاية...
حماتها طلبت من ابنها أن يطلقها لأنها عاقر رغم أن التحاليل الطبية تثبت
ع** ذلك ورفضها الشديد أن العيب من (عادل) ورضخ (عادل) لإرادة والدته
رغم دفاعه المستميت عن حبه لها و لكن (ثنية هانم) كانت قاسية القلب
وباردة المشاعر ووضعت أمام حب (عادل) ل(سارة) عدم رضاها عنه ليوم
الدين...فما كان من (عادل) إلا أن رضخ وطلق (سارة) وأعطاها كل مستحقاتها
وهو يدهس على قلبه مُدعياً البرود وعندما سألته (سارة) عن سبب طلاقه لها...
نظر إليها (عادل) متصنع القسوة: علشان مبتخلفيش...
ولكن(سارة) لم ت**ت قالت في وجههُ: و ليه متقولش ان العيب منك إنتَ؟
(عادل) بغرور و كأنة تقمص دور والدته: عيلتنا مفيهاش عيب...
ثم تركها و هو يبكي بداخله...
ألجمت الصدمة ل**ن (سارة) و رضخت لهذا القرار
والآن...
ماذا إستفادت؟
ماذا **بت؟
فلتقل ماذا خسرت مستقبلها ضاع...
تزوجت تعيسة...لم تحيا مثل أي فتاة تُحب وتَشعر بالحب في قلبها كل شيء
أُجبرت عليه وانتهت مأساتها بطلاقها أصبحت امرأة مطلقة وهي لم تتم العشرون
من عمرها.....
"دكتورة (سارة)..دكتورة (سارة)"...
صوت الممرضة (كيرا) أخرج (سارة) من شرودها وإعتدلت ملتفتة بصوت
مختنق: ها.... أيوه نعم فيه حاجة (كيرا)؟
(كيرا) بتعجب: أيوة عايزينك في قسم الأطفال.
قاطعتها(سارة): أنا لسه في وقت الإستراحة (كيرا)؟
رفعت (كيرا) حاجبيها بدهشة وهي تشير إلى الساعة: دكتورة (سارة) وقت
راحتك خلص من نص ساعة فاتت؟
(سارة) وهي تقوم مسرعة وتعدل في خصلاتها وتلملم أغراضها: حاضر أنا جاية
حالاً....
أغلقت (كيرا) باب الغرفة متعجبة من أفعال (سارة) ولا تدري أن هذه
المسكينة شَردت وأضاعت وقت راحتها في أشياء مؤلمة تطاردها كلما أغلقت
عينيها...
"ألو أيوة يا (حازم) إنتَ فين يا زفت...إنتَ بتهزر صح؟ راحت عليك نومة...يعني أنا واقف نص ساعة مستني سعادتك علشان نروح مع بعض الشغل و سيادتك راحت عليك نومة...إنتَ كداب على فكرة لا شكلك جهزت و لا على باب الشقة من أساسة و شكلك لسة بالبيجامة...يلا إمشي يالاااه"
كان هذا صوت شاب في منتصف العشرينات ب*عر **تنائي لامع بسبب المثبت
ووسيم بملامحه الرجولية وعينيه البنية اللون وأنيقًا ببذلته الكحلية التي
أظهرت جسده الرياضي يضع على كتفه حقيبة حاسوب محمول التي توضح
من هيئته أنه رجل مبيعات و ملامح هذا الشاب يبدو غاضباً من صديقة(حازم)
وهو ذاهب إلى عمله...
دلف إلى شركة(الصفوة لل*قارات والمقاولات) ورأى وجه أنثوي مألوف بالنسبة
إليه فقال وهو يتكأ على طاولة الإستقبال: صباح الخير يا (هاجر)...
نظرت إليه فتاة مظهرها يوحي بمهنة موظفة إستقبال في الشركة بزيها جميلة
الملامح ب*عر أ**د مجعد بطريقة منمقة ومنظار طبي
نظرت اليه بمرح:أهلاً و سهلاً إزيك يا(كريم)...إيه يا عم مالك على الصبح؟
(كريم) وهو يشيح بيده: أرجوكي متفكرنيش يا (هاجر)دا أنا إترزعت نص ساعة على الصبح مستني الحيوان...
ضحكت (هاجر) وهي تضع يدها على فمها: مين الحيوان ده؟
(كريم) بغيظ: هيكون مين غيره يعني (حازم)...
(هاجر) وما زالت تضحك مشيحة بيدها: طب إيه اللي حصل بس؟ بُص
الأستاذ (جمال)لسه مجاش أطلبلك "كابوتشينو"؟
جلس (كريم) بعصبية: يا ريييت أحسن دماغي هتطق...
عندما كان يقص(كريم) على (هاجر) ماحدث دخل (حازم) و (كريم) يُكمل
جملته مع (هاجر):بس يا ستي و الزفت ده رازعني نص ساعة في الشارع و
الشمس أكلت في دماغي و قال إيه راحت عليه نومه...
(حازم) بمرح مصطنعًا السعال: إحم صباح الخير على الصبح و أنا أقول عمال
أكُح كده ليه أتاريك جايب في سيرتي يا واطي...
(كريم) محدجًا إياه بغضب: شوفي البجاحة ليها ناسها أهلاً يا زفت؟
(حازم) وهو يجلس ببرودة أعصاب قبالة (كريم) وكأنه ليس الشخص
المقصود ونظر بعينيه الزيتونية اللون: إيه بس يا (كيمو) ماتكبر دماغك يا
عم بقولك راحت عليا نومة إيه اللي حصل القيامة قامت؟ هتحصل حرب
عالمية ثالثة ولا حاجة يا (هاجر)؟
(هاجر)ساخرة: إنتَ لسه فاكر يا (حازم) إن فيه (هاجر) من أساسُه؟
تنحنح(حازم) منتبهًا بمرح: أه صحيح صباح الخير يا (هاجووورة)...
كادت أن تحرقه (هاجر) بعينيها: ده إيه الصباح ده على الصبح (هاجووورة)؟
لا يا سيدي إندهلي (هاجر) بلاش (هاجوورة) و(بعجووورة) خليلك الدلع
ده للبنات اللي تعرفها بعدد شعر راسك...
(حازم) مازحًا وهو يملس على شعره البني الفاتح بغرور:الله إنتِ بتغيري بقا؟
(كريم) موبخًا إياه: إنتَ ع**ط يا ابني هي(هاجر) إحولت و لا ذوقها باظ تغيير
إيه بس...
(حازم) عابسًا وهو يعقد حاجبيه: ماشي يا سادد نفسي عالطول طب
بذمتك يا (هاجر) هو اللي حصل ده نهاية العالم...
(هاجر) بجدية: لأ طبعاً مش نهاية العالم يا (حازم)...
التفت(حازم)موجهًا حديثة إلى (كريم)وشبح ابتسامة منتصرة
على فاههُ: شُفت أدي (هاجر)....
قاطعته (هاجر) بخبث: بس قلة ذوق...
نظر إليها (حازم) بحنق وإنفجر (كريم) ضاحكًا وهو يصفق بيديه فرحًا
في (حازم): أه بصراحة شفت هاها...
حك(حازم)ذقنه وهو يجس على أسنانه:دلوقتي ضحكت؟ماشي يا (هاجر)
عاجبك كده؟
(هاجر)مشيرة بيدها بقلة حيلة: عادي يا (حازم) أهو (كريم) فَك خلاص
و عمال يضحك...
(كريم) وهو يقوم من مجلسه: أه و الله يا (هاجر) ضحكتيني يلا أما أقوم
بقا علشان عندي كذا عميل يلا يا (زومة)...
نظر إليه (حازم) بإندهاش وهو يلوح بيديه: دلوقتي بقيت (زومة) طب
يلا إمشي أُدامي...
ضحك(كريم) وهو يجلس في مكتبه: ما خلاص يا (زومتي) بقا و علشان تعرف
إني بحبك و جدع و إن إحنا أخر الشهر والتارجيت بتاعك لسه مخلصتوش
عندي ليك كام عميل عايزين يشوفوا الفيلا (واحد و عشرين)و(إتنين و عشرين)
و دول هيقفلولك التارجيت اللي عليك و ليك كوميشن فيها جامد هااا إيه رأيك؟
إتجه(حازم) الى (كريم) مقبلًا رأسه: أحبيبي يا (كيمو) ربنا ما يحرمك مني أبداً....
أبعده عنه(كريم) ضاحكًا: بس ياالا يقولوا علينا إيه لو حد دخل دلوقتي؟
(حازم) وهو يسبل عينيه ويفتحهما بمزاح: إتنين بيحبوا بعضشيهم...
(كريم) موبخًا بمزاح:بس ياض أنا راجل...
(حازم) بمزاح: و أنا أرجل منك
دخل عليهم الأستاذ (جمال) رجل في أواخر الأربعينات وبدا عليه أنه صاحب شركة
( الصفوة) من أناقته ومن ساعة يده الباهظة التي تزين رسغه الأيسر...
ونظر إليهم بأبوة: أخباركم إيه يا رجالة؟عاملين إيه؟ و أخبار الشغل معاكم؟
(كريم) بتبجيل: تمام يا ريس الحمد لله الشغل تمام.
(حازم) مغمغمًا بخفوت: بخير يا ريس.
وجه(جمال)حديثه إلى (حازم) بحزم: إنتَ متأكد يا (حازم)؟ لسه التارجيت
بتاعك متقفلش وأخر الشهر خلاص.
(حازم) متنحنحًا:إحم..عارف يا ريس و عندي معادين هروحهم إنهاردة إن
شاء الله متخافش يا ريس.
ابتسم (جمال) وأحنى قامته مقربًا رأسه من (حازم)هامسًا: أنا عن نفسي مش
خايف يا (زومة) المهم إنتَ اللي متخافش...
ثم خرج من المكتب ضاحكًا وترك (حازم) القلق يأكله...