اتاه صوت رجولي حاد يقول بلهجة قوية :
_ اللي بتدور عليها موجود في الوادي الجديد بمركز الخارجة بقرية ( ... )
هم بأن يجيب عليه بصوت مرعب ومندهش ولكن انقطع الخط فورًا ولم يدعه يقول أي شيء وكأنه مكلف بأخباره بمكانه فقط لا أكثر !! ، فأنزل الهاتف من على أذنيه في ذهول مما سمعه للتو ، وأصابته الشكوك في أن يكون هذا فخ نُصب له أو لهم بالأصح ، ولكنه ظل واقفًا لدقائق بصدمة يتذكر كلماته ويفكر بالأمر في عقلانية بدون تسرع .
على الجانب الآخر قد نهضت مريم مع زوجها لينفردوا بمكان لهم بمفردهم بعيدًا عن الباقية ، وجلس هو على أريكة صغيرة في مكان ما بعيد عن أعينهم نوعًا ما ، بينما هي فظلت واقفة تنظر لها ب**ت امتزج بالحياء ، فرفع هو نظره لها وانتصب في جلسته هامسًا وهو يشير إلى جواره :
_ ماتقعدي يابنتي مالك متصنمة كدا !!
اخفضت نظرها أرضًا في استحياء وهمست بتوتر :
_ روح على آخر الكنبة طيب
نظر إلى المكان المتبقي لها وهو كان يشير لها بالجلوس عليه فوجده أنه مناسب لحجمها فتمتم مستنكرًا :
_ هو ده مش هيكفيكي ولا إيه ؟!!
_ لا مش هيفكيني يلا روح على الآخر
فهم أخيرًا ماذا تقصد ، فذلك المكان يسيعها ولكنها ستكون مقتربة وملتصقة به ، فابتسم لها بمكر وأفسح لها بنظرات شيطانية كما طلبت ، فرمقته هي بتردد من نظرته ثم جلست على مضض ، وهي تختلس إليه النظرات في خجل بسيط ، فتصنع هو انشغاله بأي شيء حتى يلهيها عنه وعندما نظرت إلى ما ينظر له شعرت به فورًا يخ*ف المسافة التي بينهم بقفزة واحدة ليلتصق بها وتعود المسافة كما كان يريدها من البداية ! ، فباغتته بنظرة نارية منها وهمست بتحذير :
_ ارجع مكانك ياشريف !
تجاهل ما قالته تمامًا وتمتم ببرود :
_ قوليلي صح قالك إيه تميم إمبارح بعد ما كلمته ؟
شعرت وكأن حبات العرق ستبدأ بالظهور على جبينها من قربه ، وعندما ذكَّرها بأخيها التفتت خلفها بسرعة تتأكد من عدم وجوده أو رؤيته لهم وقالت بارتباك واضح :
_ شريف بقولك أبعد قبل ما تميم يشوفنا
ابتسم لها ببرود مماثل لبرودها الذي كانت تستخدمه معه دومًا وتجعله يستشيط غيظًا منها ، وكأن الفرصة سنحت له ليأخذ ثأره منها ويذيقها من نفس الكأس ، اتسعت ابتسامته الخبيثة وهو يقول ببساطة :
_ طاب ما يشوفنا يعني اللي خلاني احضنك قدامه بعد كتب الكتاب مش هقعد جمبك دلوقتي
_ أد*ك قولت حضنتني قدامه ، لكن دلوقتي احنا مش قدامه !
لوى فمه بضيق بسيط والتفت خلفه يصيح مناديًا عليه فوضعت هي يدها على فمه بزعر قائلة :
_ بتعمل إيه ؟!
أبعد يدها عن فمه وهو يقول بانزعاج واضح :
_ بنادي عليه عشان ياجي يشوفنا ونبقى قدامه ، ولو حابة كمان نخليه يقعد وسطينا ، حلو كدا !!
أردفت متعجبة من طريقته الصارمة :
_ إنت مالك اتعصبت كدا ليه !
ابتعد عنها واتسعت المسافة التي بينهم فأصبح هناك فاصل بينهم وقال بخنق صادق :
_ ما لازم اتعصب يا مريم إنتي مفيش مرة كدا بنكون فيها مع بعض إلا وتنكدي علينا حتى يوم كتب كتابنا ! ، قولتيلي خروجنا مع بعض ومن غير مِحرم حرام ومعرفش إيه وحتى كلامنا في الموبايل بالسعات ، قولتلك ماشي وهنكتب كتب الكتاب عشان ميبقاش في حاجة بنعملها حرام ولا غلط وتبقي مراتي وحلالي ودلوقتي مش عايزاني أقعد جمبك ! ، أنا بقيت خايف بعد كدا يوم الفرح تخليني أنام في أوضة وإنتي في أوضة
ابتسمت رغمًا عنها في حزن عليه ، فهي تعرف جيدًا أنه سعى كثيرًا لكي يصل لذلك الوقت وهذه اللحظة التي ستكون فيها زوجته .. سعى لكي يقترب منها ويحظى بوقت ممتع معها بدون حواجز أو حدود مثلما كانوا في فترة الخطوبة التي كانت لمسة يده ليدها فقط حرام ويرتكب ذنب . فقررت هي إصلاح الأمر بطريقتها الرقيقة والجميلة وهي تقترب منه لتقلص المسافة التي صنعها بينهم وهمت بأن تتحدث لولا نبرته الحازمة وهو يشير لها بعينه :
_ ارجعي مكانك متقعديش جمبي
هزت رأسها نافية في أعين بريئة وهي تقصد النظر بها حتى تثير تعاطفه معها ثم تمتمت باعتذار :
_ خلاص معلش بقى متزعلش مني ، متبقاش قفوش كدا متخليش القعدة باردة
_ أنا اللي مخليش القعدة باردة برضوا !! ، قولي لنفسك مش ليا
ساد ال**ت بينهم للحظات طويلة وهي تفكر لطريقة تجعله يعود لمرحه من جديد وتزيل غضبه عنه ، فقالت ضاحكة وهي تتطلع له :
_ لا بس إنت كان منظرك مسخرة لما جيت تحضني فأنا قولتلك إنت بتعمل إيه أنا مش موافقة على الجواز ده أساسًا !!
اظهر تكشيرة وجهه المستنكرة والساخرة وهو يجيبها بخنق :
_ مفيش حاجة تضحك على فكرة
استندت بذراعيها على كتفه متناسية خجلها منه تمامًا وتقول بطريقة مرحة وساحرة :
_ تنكر إن وشك جاب ألوان الطيف كلها في لحظة واحدة لما قولتلك مش موافقة
رفع حاجبه بلؤم عندما وجدها بهذه الوضعية بقربه وتطالعه بنظرتها الساحرة هذه ، فأحست وكأن ماسًا كهربائي أصابها وابتعدت فورًا في خجل جلي فبدون أن يشعر صعدت الابتسامة لتأخذ طريقها إلى شفتيه على خجلها ؛ مما جعلها تبتسم أيضًا بانتصار قائلة :
_ أهو خليتك تضحك ولا لا ؟!
_ والله أنا في البداية كنت ناوي أحرق دمك زي ما كنتي بتعملي معايا ، بس إنتي تدخلي موسوعة جينيس في تعكير المزاج وعصبتيني أنا ، بس هتروحي مني فين لسا الأيام جاية كتير ياجميل وهخليكي تقولي حقي برقبتي
ض*بته على كتفه بخفة ضاحكة باستمتاع لمناوشتهم لبعض ولكن هذا لا يمنع امتزاج الضحكة ببعض الاستحياء منه ! ، فباغتها هو فجأة بلف ذراعه حول كتفها وضامًا إياها إلى ص*ره مقبلًا أعلى جبينها وهامسًا بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا :
_ ربنا يحفظك ليا لغاية ما ياجي اليوم اللي تبقي فيه في بيتي
تلون وجهها بحمرة الخجل والتزمت ال**ت حتى لا تفسد تلك اللحظة الجميلة والراقية ! .
***
انتظرت هي ذهاب ذلك الرجل المسخ كما تراه ، ودخول أبيها وأخيها إلى المنزل ، فعزمت قوتها وشجاعتها ونزلت لهم كالوحش الهائج ثم دخلت عليهم المكتب مقتحمة الغرفة وهي توجه كلامها لأبيها بغضب جلي :
_ بابا إنت هتخلي الراجل ده يمشي معايا ويوصلني !!
أجابها أبيها بنظرات حانية في حب :
_ يابنتي الراجل كويس ومحترم ولو كنت شايف فيه حاجة كنت عمري ما هخليكي تخطي خطوة واحدة وهو بيحرسك
_ ما أنا فعلًا مش هخطي خطوة واحدة برا البيت لو هيكون الراجل ده بيحرسني ، أصل من الواضح إنك والأستاذ عمرو بتقرروا من غير ما تاخدوا رأي حتى
تحولت نظرة ونبرة أبيه من الحنية إلى الحزم في قوله :
_ زهرة لما تتكلمي معايا تتكلمي باحترام وصوتك ميعلاش على أبوكي وأخوكي الكبير يامحترمة
فقدت عقلها تمامًا وهي غير مكترثة لأي شيء وغير واعية أن الذي أمامها هو أبيها وأخيها الذي لم ترفع صوتها عليهم ولو لمرة واحدة وتكمل صياحها الفظ بهم قائلة :
_ وإنتوا عملتوا ليا احترام لما جبتوه ، عشان أعملكم أنا احترام ؟!
طفح الكيل واستنفد عمرو كل طاقته للبقاء هادئًا أمامها فهو بالفعل توعد لها بعقاب عسير وهي جاءت لعقابها بنفسها لكي تتلقاه منه بأب*ع الطرق ، فهب واقفًا واقترب منها ليصفعها على وجنتها اليسار بقوة ثم جذبها من ذراعها بعنف ويقول بأعين متقدة ومخيفة :
_ مش كنتي بتقوليلي هوريك بنت زولا هتعمل إيه ، يلا وريني عشان سعتها أنا أوريكي ابنها هيعمل إيه صح معاكي وإذا كان عيارك فلت أنا عارف همسكه إزاي ، إنتي مش محتاجة أقولك ببقى إزاي لما بفقد أعصابي يازهرة ، وشجاعتك اللي فرحانة بيها دي ول**نك الطويل ده أنا ممكن اقطعهولك بقلب ميت فاهمة ولا لا !! ، وتاني مرة لما تتكلمي معايا أو مع أبوكي صوتك ميعلاش وإلا مخليش فيكي صوت خالص والله
سمع صراخ أبيه به في غضب هادر :
_ عمرو إنت اتجنيت ، إيه اللي بتعمله مع أختك ده !
دفع ذراعها بعنف رامقًا إياها شرزًا بينما هي فطالعته بصدمة من صفعته لها وقسوته وكأنها ترى وحشًا لا تعرفه أمامها وليس أخيها التي اعتادت عليه وعلى حنانه معها ، تجمعت الدموع بعيناها وسقطت غزيرة فسحبت نفسها ببطء من بين مجلسهم ثم ركضت لأعلى فورًا باكية ، أما ناجي فقد تطلع إلى ابنه صائحًا به :
_ إيه اللي عملته ده !
قال بجفاء وبياض عيناه يعطي لونًا أحمر من فرط الغضب :
_ دي عايزة تتربي من أول وجديد ، مشوفتهاش إنت وهي بتهددني وبتقولي لو ممشيش الراجل ده همشيه بطريقتي ، لا وقال إنت عارف بنت زولا ممكن تعمل إيه ، وأهي شافت ابنها ممكن يعملها إيه لو تخطت حدودها
_ إيه ياعمرو مالك إيه الجنان ده ، إنت عارف إنها عصبية كدا وبتطلع وتنزل على مفيش مكنش له لزمة اللي عملته ده
أجابه بنفاذ صبر :
_ هقول إيه ماهي ماما السبب هي اللي خلتها كدا بدلعها ليها ومن كتر ما عاشت معاها في القصر أخدت من طباع الكل هناك ومبقيش يهمها حد ، إنت مش شايفها بتزعق فينا إزاي ومش عاملة حساب لأي حد
استطرد بنبرة هادئة ورزينة :
_ مهما كان متوصلش لدرجة إنك تمد إيدك عليها ، أول وآخر مرة ياعمرو فاهم ، روح صالحها يلا
قال ساخرًا في عناد :
_ لا والله كمان هي اللي غلطانة وأروح أنا أصالحها وأحب على راسها !! ، خليها تتفلق نصين عشان تحترم نفسها بعد كدا ، وأنا عارف هي هتهدى وهتاجي بنفسها تعتذر منك ولغاية ما تعتذر مفيش بيني وبينها كلام يابابا
تنفس ناجي الصعداء بضيق وهو يراه يغادر الغُرفة غاضبًا ويستشيط غيظًا من شقيقته ، نعم فربما هو يشعر ببعض الندم لما فعله معها ولكن هذا لم يكن من شعوره بالارتياح النفسي لإخماد نيرانه التي اشتعلتها به بكلامها الفظ والغير لائق تمامًا .
***
انتهى مساء اليوم المشحوب بجو التوتر والغضب ، فقد كان البعض نائمًا سعيدًا ومرتاحًا ، والبعض الآخر لم يذق للنوم طعمًا الليل كله ، والبعض نام بعد عناء ودموعه تملأ وجنتيه . ولكن في النهاية أشرقت شمس يوم جديد ربما تكون البداية وربما النهاية ، ولكن أي كانت فهي ستكون مختلفة حتمًا ! .
دلفت الوالدة على ابنها فوجدته يرتدي ملابسه ويضع الملابس في حقيبته وكأنه يستعد للرحيل ، فتصلبت بأرضها وقالت باندهاش :
_ إيه ياتميم بتعمل إيه ؟
تطلع إلى أمه ثم اقترب منه وعانقها متمتمًا بنعومة :
_ إمبارح بليل جالي تلفون يا أمي ولازم أرجع حالًا
_ تلفون يخص المهمة اللي قولتلي عليها ؟
أماء لها بالإيجاب فأكملت في قلق وضح على محياها :
_ يعني إنت هتبدأ المأمورية من النهردا ؟!
_ مش عارف يا أمي ، احتمال آه واحتمال لا ، بس في كلتا الحالتين أنا لازم أرجع ، صحيلي مريم بس عشان أسلم عليها قبل ما أمشي
تمتمت في تذمر و ترجي :
_ بس هتفطر معانا قبل ما تمشي !
قال بهدوء مغلوبًا على أمره من ترجيها :
_ حاضر
رحلت فورًا لتقوم بتحضير الأفطار بسرعة لكي يشاركهم إياه قبل رحيله ، أما هو فانتهى من كل شيء في دقائق قليلة ونزل لكي يفطر معهم ثم ودع كل من شقيقته وأمه لآخر مرة وغادر على عجالة مستقلًا بسيارته ليكي يقود بها طريق السفر الطويل ، كان في التجهيز التام لأي هجوم من الممكن أن يقا**ه في طريق العودة رابطًا ذلك الهجوم باتصال الأمس واعتقاده بأن هناك نسبة ولو قليلة أن يكون فخ له ويريدون استدراجه ، ولكنه كان دائمًا في المرصاد ! .
وأخيرًا بعد سعات قليلة توقف أمام قسم الشرطة وترجل من سيارته وقاد خطواته نحو الداخل وسط ترحيب بعض زملائه به ، وطلب من أحد العساكر أن يقول لأنس أنه بانتظاره في مكتب " سامي باشا " .
فتح الباب بعدما طرق عدة طرقات خفيفة وسمح له بالدخول ، فدخل وألقى عليه التحية المعتادة فقطب سامي حاجبيه قائلًا في دهشة :
_ تميم !! ، إيه اللي جابك
ثوانٍ ودخل أنس هو الآخر ثم أغلق الباب وهو يطالع صديقه بدهشة لا تختلف عن سامي وطرح عليه نفس السؤال فأجابهم هو بثبات ونبرة خشنة :
_ إمبارح بليل واحد اتصل بيا وقالي اللي بِدَور عليه قاعد في مركز الخارجة بقرية (... ) وقفل علطول
هب سامي واقفًا في عدم استيعاب وأردف :
_ إيه اللي بتقوله ده يا تميم فهمنا براحة وبهدوء كدا
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يعود ويكمل بطريقة أكثر وضوحًا :
_ ياباشا في واحد كلمني إمبارح معرفش هو عرف رقمي منين أساسًا بس قالي على مكان زعيم ا****عة وقفل علطول حتى ملحقتش أرد عليه ، حاولت أفكر وأقول إنه ممكن يكون واحد منهم بس هما معندهمش عادة الخيانة دي ومبيخنوش بعض ، وفكرت بأنه ممكن يكون فخ أو حاجة بس مفيش حاجة برضوا ، فكان لازم أرجع
تحدث أنس هنا بجدية مماثلة له وقال بهدوء :
_ معتقدش أنه بيكدب ، لإن من خلال تعقباتنا لواحد منهم كان آخر حاجة في الخارجة بس فين بظبط لسا معرفناش وكنت ناوي أجي أقول لحضرتك يافندم بس تميم سبقني
جلس على مكتبه من جديد وهو يدور بالكرسي يمينًا ويسارًا يفكر بالأمر ، وبعد لحظات من التفكير الذي أرهق أعصاب الجميع استطرد بشيء من الصلابة :
_ احنا مش عايزين نضيع وقت وخلاص ، فخلينا الأول نتعقب رقم الشخص اللي اتصل بيك ده ونجيبه وبعدين نقرر هنعمل إيه وإذا كنا هنبدأ ولا لا !
خرج صوت تميم محتجًا :
_ سامي باشا زي ما قولت مش عايزين نضيع وقت ، فالحل الأمثل هي إني ابدأ المأمورية في القرية دي لإن باحتمال 90% ممكن يكون مستخبي فيها بالفعل وزي ما بيقول أنس
_ إنت سمعت قولت إيه يا تميم ولا أعيد تاني ، ثم إنك مش إنت اللي هتقرر هنعمل إيه ومنعملش إيه ياحضرة الرائد ، اتفضل على شغلك يلا ولما توصلوا للراجل ده بلغوني
لاحظ أنس انزعاجه فأماء له بالموافقة وقبض على ذراع تميم وسحبه معه للخارج ، فدفع تميم يده مغتاظًا وسار أمامه نحو مكتبه وهو يلحق به ، فدخلا وأغلق أنس الباب هاتفًا بتعجب :
_ في إيه ياتميم ما تهدى !
صاح تميم منفعلًا :
_ أنا مش غ*ي لدرجة إني ممكن أصدق كلام أي حد بسهولة يا أنس ، وبعد اللي قولته إنت اتأكدت أنه في القرية دي فعلًا ، أصل إيه اللي هيخلي واحد يتصل بيا ويقولي الكلمتين دول ويفصل ، وفكرت فيها إنه لو كان فخ فالواحد بيفضح نفسه بكلامه مكنش هيقول الكلمتين ويفصل كان هيجاريني في الكلام لكن أنه يفصل دي اللي فيها السر ، زي واحد بيبلغ رسالة بس مش أكتر ومش عايز يكتر في الكلام من خوفه !
أحس أنه على حق فيما قاله ولكنه قال أيضًا برزانة :
_ طيب بس برضوا خلينا نصبر لغاية ما نعرف مكان الراجل ده وتعقب الموبايل مش حاجة صعبة يعني ممكن في كام ساعة نعرف مكانه بالظبط
مسح على وجهه متأففًا بخنق ثم تناول زجاجة الماء الموضوعة فوق سطح المكتب وشرب وارتوى جزء كبير منها ، وأنس يطالعه متعجبًا فهناك توتر وإرهاق بادي على ملامحه يجعله أكثر فعالية للعصبية والانفعال السريع وهذا ليس من طبيعته ، ولكنه لا يعرف أن هذا شيء طبيعي لشخص لا ينام ، وإن حاول النوم فتلاحقه الأحلام المزعجة وتلك الفتاة التي ستسلبه عقله عن قريب !! .
***
فتحت بوادر الباب ودخلت خلفها والدتها واقتربوا منه لتجلس كل واحدة على ناحية وهو بينهما في النصف فقال متسغربًا :
_ إيه في إيه مالكم كدا !
أخرجت بوادر هاتفها وفتحته على صورة تجمعها مع إحدى الفتيات ووضعتها أمامه قائلة في حماس :
_ إيه رأيك ؟
دقق النظر في الصورة حتى قال متوقعًا :
_ مش دي بنت يوسف أبو العز اللي اسمها تقريبًا سميرة ولا سعاد معرفش إيه ؟
اختفت الابتسامة من على وجهها وقالت بق*ف :
_ إسراء يا فارس إسراء !
_ آه إسراء ، أيوة ومالها يعني عندها حاجة لقدر الله جالتها الحصبة ولا حاجة ؟!
نظرت بوادر إلى أمها وهي توشك على الانفجار من الغيظ ، وتشير بعينها إلى أمها أن تتحدث معه هي قبل أن تفقد أعصابها ، فقالت أمه بحنان وصوت ناعمًا :
_ يابني البنت أخلاق والله وتنحط على الجرح يشفى ، وأبوها وعيلتها كلهم ماشاء سمعتهم سبقاهم وصحبة أختك وبوادر عارفاها عن قرب وعمرها ما شافت منها حاجة غلط ، وأنا بشوفها دايمًا ما شاء الله أدب وأخلاق ولبسها كله خمارات ومحترم وفضفاض و .......
قاطعها بنفاذ صبر قائلًا بسخرية :
_ ما خلاص يا ست الكل إنتي شوية وهتقوليلي بتلبس جزمة شكلها إيه ، في إيه براحة على نفسكم كدا داخلين حامي عليا !!
أكملت بنفس النبرة السابقة :
_ طيب مش بقولك عليها ، بعدين هتناسبك والله يافارس وهادية وإنت مبتحبش البنات العنيدة لكن دي اللي هتقولها عليه هتعمله ، ده غير ما شاء الله ربنا يقوي إيمانها حافظة القرآن وبتدي دروس حفظ قرآن للأطفال في المقرئة اللي في القرية هنا يعني هتبقى حسن الأم الصالحة لأولادكم والزوجة ليك
**تت لبرهة قبل أن تقول ساخرة بحقد وضيق :
_ وأهي أحسن من زهرة اللي ماسك فيها بإيدك وسنانك وهي منشفة راسها كأنها آخر واحدة في البنات ، تربية البشوات والملوك دي بنت زولا !
رأت في عيناه نظرة صارمة وغاضبة بشدة عندما ذكرت أسمها بهذا الشكل ، فنظرت لها بوادر معاتبة وطلبت منها الرحيل وهي ستتحدث معه على انفراد ، فنهضت على مضض ورحلت أما بوادر فرتبت على كتف أخيها متمتمة بأسى :
_ إنت عارف ماما مدايقة من زهرة بسبب أنها كانت بترفض ده غير إن علاقتها كانت بمرات عمي الله يرحمها مش حلوة أوي يعني ، متخدش على كلامها وقولي دلوقتي إنت موافق ولا لا ؟
أص*ر زفيرًا حارًا في امتعاض مجيبًا :
_ هصلي استخارة يابوادر وأرد عليكي
تمتمت بصوت رخيم ومهتم :
_ فارس أنا آه عايزاك تتجوز وتبص لحياتك بس ميبقاش على حساب بنت الناس اللي هتكون من نصيبك يعني لو شايف نفسك إنك لسا مش جاهز ومش هتقدر تتأقلم معاها وهتظلمها معاك يبقى ملوش لزمة ونصبر
_ متقلقيش ، أنا لو عارف نفسي إني ممكن أظلمها معايا كنت مستحيل أوافق أصلًا إنكم تشوفولي عروسة
صعدت الابتسامة الجميلة إلى شفتيها وشعرت بالارتياح لكلامه هذا ، ثم نهضت من جواره وغادرت الغرفة .
***
كانت بيدها نفس الصورة تحدق بها ودموعها تتساقط في **ت ، متذكرة كل لحظة لها معها أو مع عائلتها التي انقطعت عنهم منذ وفاتها ولم يتبقى سوى جدها وخالها وابن خالها الذي يتصلون بهم دومًا ليطمئنوا على أحوالهم ، فهي اشتاقت لكل شيء وأمها كانت في المقدمة ، فهي لا تريد شيء سواها ولكنها الآن هي في مكان أفضل وذهبت لرحمة الخالق الذي سيكون رحيمًا عليها أكثر من أي شخص من عباده .
ضمت صورتها إلى ص*رها وهي تبكي بحرارة مكررة تلك الجملة ثلاث مرات في حرقة :
_ إيجو تيروكويري ( اشتقت لكِ )
تذكرت فجأة تلك اللحظة التي استفاقت فيها في المستشفى بعد الحادثة الأليمة لها ولوالدتها فوجدت كل من أبيها وأخيها بجوارها يتطلعون لها بأسى ، كيف كانت داخل صدمة مريرة كلما تستيقظ تصرخ بأسم والدتها ، صراخ هيستري فيعطيها الطبيب حقنة مهدئة فتغيب لساعات عن الوعي ، استمر الوضع هكذا ثلاث أيام حتى في ذلك الوقت استيقظت وكان وضعها هادئًا قليلًا ، وتذكرت هذه المرة ما حدث معها وفي وجهها فوثبت واقفة من الفراش واسرعت نحو المرآة تنظر إلى وجهها ، فكانت صدمتها قوية لدرجة جعلتها جامدة لا تذرف دمعة واحدة وتتأمل وجهها الذي تش*ه في لحظة وأصبحت أشبه بدميمة ، وظلت لدقائق تتحسس وجنتها اليسار أمام المرآة في جمود مخيف لهم ؛ مما جعل أبيها ينهض ويمسك بكتفيها من الخلف ويهمس بحنو :
_ الدكتور كان مستنيكي تهدي بس وتطلعي من الصدمة اللي إنتي فيها وهيعملك عملية تجميل وكل حاجة هترجع زي ما كانت
استعجبوا بشدة عندما رأو الابتسامة الساخرة تأخذ طريقها إلى شفتيها ، تضحك على كلام أبيها بدون وعي كالذي فقد عقله وبات مجنونًا لا حرج عليه أو على كلامه ، التفتت إلى أبيها وقالت بابتسامة مستهزئة وبداخلها تحمل لمسة المرارة :
_ كل حاجة هترجع زي ما كانت !! ، لو تعرف ترجعلي ماما تاني يا بابا سعتها فعلًا ممكن كل حاجة ترجع زي ما كانت لكن غير كدا لا ! ، إنت فاكرني زعلانة عشان خسرت شكلي بالع** عادي جدًا ، أنا خسرت اللي أغلى منه فمش فارقة معايا أساسًا ! ، مش هعمل العملية عارف ليه ؟ ، عشان اللي في وشي ده كل ما ابص في المرايا كل ساعة وكل يوم هيفكرني بماما وأنا مش عايزة أنساها ولو لحظة واحدة يابابا
هم بأن يجيبها معترضًا فشعر بيد ابنه على كتفه يشير له بعينه أن يتركها وكأنه يخبره بلغة الإشارة بالعيون " أتركها وعندما تهدأ سنتحدث معها بهدوء " .. تركها ورحل بعد أن ضمها وقبَّلها برقة على جبينها ، وبمجرد رحليهم جثت على الأرض تكمل بكائها الذي لم يتوقف منذ ذلك اليوم الفظيع على الجميع والذي ترك آثارًا لن يستطيع الزمن محوها مهما مر عليهم من سنوات العمر .
عادت من عالم ذكرياتها الحزينة ودموعها على وجنتيها وتحاول منع نفسها من الانخراط في نوبة بكاء عنيفة فتجعل الجميع يأتي مفزوعًا على أثر صراخها وبكائها ! .
***
غابت الشمس وارتفع القمر في السماء وكانت مازالت الأوضاع هادئة ليس هناك أي جديد ، حتى دخل " سامي " مكتب تميم فهب هو واقفًا بتعجب وقبل أن ينطق ببنت شفة كان يقول بلهجة آمرة وحادة :
_ جهز نفسك يا تميم مأموريتك هتبدأ من بكرا الصبح
الجمت الدهشة ل**نه فلم يتمكن من الرد عليه حتى فأكمل سامي بنفس اللهجة :
_ هتمشي دلوقتي على شقتك وتلم هدومك وتجهز حاجتك عشان تمشي بكرا الصبح بدري ، مفيش وقت نضيعه ، وهتروح القرية دي على إنك واحد من أهلها وبمجرد ما تدخل هناك هتلاقي واحد تبعنا مستنيك هيدَّلك على الشقة اللي هتقعد فيها ، الشقة دي شقة واحد ومراته ماتوا وكان معاهم ابن بس مسافر برا مصر ومات هناك في حادث فأنت هتكون ابن الراجل والست دول وأي حد هيسألك هتقوله كدا والباقي عليك إنت بقى تحبَّك القصة زي ما حابب ، ومش محتاج أوصيك طبعًا إنك تكون حذر في كل حاجة سواء كلامك أو افعالك عشان محدش يعرف إنك ظابط وإلا كل حاجة عملناها هتروح في الأرض ، وطبعًا كل ثانية هتاخدها هناك هتكون بتستغلها لصالحك إنك تدور عليه وتلاقيه لإن القرية دي كبيرة شوية فمش بسهولة هتقدر تلاقيه ومن غير ما يهرب ، أنا معتمد عليك ياتميم وواثق فيك ، واعتقد إنك عارف مدى خطورة الراجل ده وا****عة دي
كاد يجن أمامه وهو يقص عليه ما سيفعله بدون أن يفهم شيء فقال مصدومًا :
_ ياباشا براحة عليا بالله عليك فهمني أنا مش فاهم حاجة وبعدين إيه اللي خلاك تغير رأيك كدا حصل إيه فهمني !!؟
_ بعد ما قولتلي الصبح عملت علطول تعقيب لرقم الراجل فأتضح إنه متصل من تلفون كشك في الشارع وبعديها علطول جاتلنا إشارة بإن كان في محاولة تفجير في إحدى القرى بكنيسة صغيرة مبنية جديد بس لحقوا القنبلة وأتضح إن القرية دي هي القرية اللي قولتلي عليها ، بالحركة الغ*ية دي منهم وقعوا نفسهم في الفخ
ظل صامتًا للحظات ثم قال بالموافقة :
_ تمام ياباشا هجهز نفسي للسفر بكرا
رتب على كتفه مبتسمًا بافتخار وثقة ثم اتجه نحو الباب ليرحل ولكنه توقف وقال متذكرًا شيء مهم :
_ آه نسيت أقولك ، إنت متجوز قدام الكل هناك ومراتك سبتها هناك وإنت جيت عشان موضوع شغل وراجع تاني ، لإن الناس كلها عارفة إن ابنهم عايش في الكويت ومتجوز ، وإنت كنت شغال مدرس هناك
_ متجوز !! ، طيب وهما مش عارفين شكل الواد ده يعني !
_ لا مش عارفين ، لإن أساسًا الأب والأم كانوا عايشين في الكويت ورجعوا مصر وسابوا ابنهم هناك لما اتجوز واستقر يعني محدش شاف الأبن ولا يعرف عنه حاجة غير اللي قولتهولك ده إنه متجوز وعايش في الكويت وشغال مدرس
مسح تميم على وجهه متأففًا وهو سينفجر من التوتر فقبض على ذراعه قبل ان يرحل متمتمًا في نبرة شبه مرحة :
_ ياباشا إنت مستعجل كدا ليه ، أقعد بس كدا وهجبلك كوباية شاي عشان نتكلم على رواق وتفهمني كل حاجة لإن في حجات كتير عايز أسأل عنها
ضحك سامي بخفة وأجابه باسمًا :
_ أنا مش فاضي للشاي دلوقتي ، قول إنت عايز تسأل عن إيه وأنا هقولك ؟
_ هو ابنهم ده معهوش ولاد لا إيه بما إنك بتقول إنه كان متجوز ، واسم الراجل والست إيه ولا أنا هروح على إني ابنهم ومش عارف اسمهم إيه حتى ولا عارف حاجة عنهم !!
_ تصدق نسيت ما أقولك النقطة دي !!
أردف مبتسمًا وكأنه يقول له أنه على حق :
_ شوفت بقى يا باشا إن إنت متوتر ووترتني معاك
تن*د بعمق قبل أن يبدأ ويقول بوضوح أكثر :
_ ابنهم معاه بنت واسمها زينب ، والراجل اسمه حامد النجار ، والنجار ده مش اسم عيلته ولا حاجة لا دي شهرته لإنه كان نجار ، أما مراته فكان اسمها اسماء ومفيش معلومات تاني عنهم لإنهم بعد ماجم مصر وسنكوا في القرية دي سنة بالظبط اتوفوا في حادث قطر . بس في حاجة تاني عايز تسأل عنها ؟
**ت لبرهة من الوقت يفكر إذا كان شيء آخر يريد أن يسأل عنه فلم يجد فقال بعد ارتاح قليلًا :
_ لا حتى الآن مفيش ولو في حاجة فيما بعد حبيت أسأل عنها هتصل بحضرتك
ض*ب على ذراعه بخفة قائلًا بابتسامة قبل أن يرحل :
_ تمام يلا وريني كفاءتك بقى ، سيادة اللواء سليم بكري الله يرحمه مكنش بيطلع مهمة هو وفي سنك إلا ويرجع وهو محقق الهدف اللي راح عشانه ، وأنا واثق إن اللي خلَّف مماتش
انتصب تميم في وقفته ووقف انتباه رافعًا يده إلى رأسه قائلًا بثقة تامة :
_ اطمن ياباشا ، سيبها على الله ثم على العبد الفقير وإن شاء الله هتكون نهايتهم على إيدي
بادله الابتسامة الواثقة ثم رحل على عجالة فلملم هو أشيائه وغادر فورًا لكي يجهز نفسه في السعات القليلة المتبقية على شروق شمس يوم جديد ! .
***
كانت ترتدي ملابسها في صباح اليوم التالي وتستعد للخروج ، كالعادة ولكن هذه المرة لم تكن تقصد المزرعة نهائي بل كانت تقصد مكان كان شبه محزورًا ، ولم يهمها شيء سوى فقط أنها تريد البقاء بمفرودها بعيدًا عن البشر أجمعهم .
خرجت من غرفتها وبحثت في المنزل عن أبيها أو أخيها فلم تجدهم ، فخرجت لتجد ذلك الرجل يقف على بوابة المنزل وكأنه ينتظرها ، فبالتأكيد أبيها أخبره بخروجها كل يوم في ذلك الوقت ، فأخفت السكين الحادة الخاصة بها خلف ظهرهت وسارت باتجاه الباب فاستوقفها صوته قائلًا :
_ يا أنسة رايحة فين ؟
تطلعت إلى وجهه متق*فة منه وهي تقول باستهزاء :
_ أنسة !! ، رايحة مكان ما رايحة إنت مالك بيا لتكون ولي أمري
_ الأوامر إني أحرسك مكان ما تروحي
أخرجت السكين من خلف ظهرها فجأة ومدتها أمام وجهه تقول في نظرات مخيفة وأعين متقدة :
_ طيب اسمع بقى طلاما إنت مش عايز تمشي خليك بس إنك تفكر إنك ممكن تمشي معايا وتحرسني أنسى ولو لقيتك ماشي ورايا مش هقولك هعمل فيك إيه بالسكينة دي فهخليك زي الشاطر كدا هنا وأنا هروح وأرجع أساسًا قبل ما بابا وعمرو ياجوا
قطب حاجبيها بذهول فمن تلك الفتاة التي تجرأ على رفع سكين في وجه رجل وتهدده بجأش قوي لا يخشى أحد ، لولا أنه هنا فقط لكي يحمي نفسه من بطش الشرطة إلى حين رحليه خارج البلاد نهائي ، لكان لم يسمح لامرأة بأن تحادثه بهذه الوقاحة ولكنه تحامل على نفسه وبقى صامتًا حتى وجدها رحلت من أمامه . أما على الجانب الآخر كان تميم قد وصل إلى القرية منذ ساعات قليلة وبدل ملابسه وأخذ حمامًا دافئًا في تلك الشقة التي كانت لهذين الزوجين ، كان منزل بسيط يحتوي على غرفتين فقط .. غرفة نوم وغرفة للجلوس والصالة بها أريكتين أمام بعضهم والشرفة أمامهم وعلى الجانب جهاز التلفاز الذي كان من الزمن القديم وليس شاشات التلفاز الحديثة .. كانت الحوائط ذات لون أصفر باهت وبها بعض التشققات في السقف ، والأرضية بلاط يبدو أنه مر عليه زمن . المنزل بأكمله كان من الطراز الكلاسيكي حتى في الأثاث ولكنه كان متسخ جدًا وهذا سيتطلب منه مجهود ووقت طويل لكي ينظفها وتبصح صالحة للعيش بها .
ارتدي بنطال جينيز أزرق ويعلوه قميصه الأ**د وارتدي حذائه ثم غادر المنزل ، وظل يسير في القرية متفقدًا كل جزء ومنطقة بها فهذا اليوم سيكون لتفقد هذه القرية فقط ومعرفة كل مكان بها ، مرت نصف ساعة وهو يتجول بها حتى وصل إلى مكان كان خلف المنازل يحتوي على نخيل فقط يبدو أن النخيل ماهو إلا للزينة فلم يكن به عنقود بلح واحد ، كان كثيرًا جدًا ولكن يعطي منظر جميل مع شعاع الشمس الذي يتخلخل إلى الأرض من خلاله ، فأخرج هاتفه عندما سمع رنينه وأجاب وهو يتعمق للدخول إلى الداخل أكثر :
_ أيوة يا أنس
_ إيه ياتميم وصلت ؟
أجابه بإيجاب :
_ آه وصلت من بدري وقاعد بلف شوية في القرية
قال أنس ضاحكًا :
_ طيب خلي بالك يا فكيك لأحسن تتوه ومتعرفش ترجع البيت تاني
بالدله الضحك قائلًا بسخرية :
_ لا خفة ! ، الغباء موصلش للمرحلة دي عندي يعني لسا ، أكيد عارف إزاي هرجع
تسمر بأرضه في هذه اللحظة وكأن صاعقة نزلت فوق رأسه عندما رأى نفس الفتاة تقف وتوليه ظهرها على مسافة بعيدة منه ، بنفس اللباس الأ**د ونفس الطول وكل شيء فازدرد ريقه بتوتر وهمس في الهاتف :
_ طيب هكلمك بعدين يا أنس سلام
أنهى الأتصال معه دون أن ينتظر منه أجابة وهو يتطلع بها مندهشًا ، ها هي ظهرت له على الحقيقة لتزيده جنونًا ، تركته في أحلامه منذ أمس وقررت الظهور له على أرض الواقع ، ولكنه أعطي أمل لنفسه أنه من الممكن أن تكون واحدة غيرها ، فاقترب منها بحذر وخطواط واثبة حتى وقف خلفها يتطلع لها من أسفلها لأعلاها ووضع يده على كتفها ، فالتفتت زهرة في هذه اللحظة مفزوعة على أثر لمسته وطالعته بزعر وخوف ، أما هو فكان يقول في نفسه " ليتك لم تستديري ولم أرى هذه العيون مجددًا " ، فقد كانت نفس العينان التي جعلته يقف مبهورًا بها في الحلم ، يراها الآن على الواقع ، كيف لعينان أن تكون بكل هذا الجمال ، وقد وزادها جمالًا أشعة الشمس الذي ض*بت بهم ، كان متيقن أن يتخيلها لا أكثر من فرط تفكيره بها ، ولم يكن أمامه سوى حل واحد ليتأكد من ظنونه وهو أن يفعل كما فعل بالحلم فإن اختفت أو تبدلت عيناها فسيدرك وقتها أنه يحلم وأما إن لم يحدث فستكون الحقيقة صادمة ، فلف ذراعه حول خصرها وجذبها إلى ص*ره كما فعل بالضبط ، ولكن لم يكن يتوقع أن النتيجة ستكون أكثر من مجرد نظرة مخيفة فالواقع دومًا يختلف عن عالم الخيال والأحلام ، أدركت هي الوضع بعد ثلاث ثواني فدفعته بعنف بعيدًا عنها وكانت صفعتها له أقوي من صدمته بها ، حيث نزلت بها بكامل القوة التي استجمعتها لديها برغم خوفها وقلقها من ذلك الرجل الغريب الذي تراه لأول مرة في قريتهم ويتجرأ على الاقتراب منها !! .
_ يتبع ............