الفصل الثالث

3983 Words
وقف أمامه مباشرة وقال في ابتسامة واسعة : _ أنس عارف بس هو ملوش دخل بيها ، المأمورية دي خاصة بيك إنت ، يعني إنت اللي هتتولى مهمتها بنفسك وهتكون فيها وحدك !! ثمة ملامح شبه مندهشة ، امتزجت مع بعض الفضول والجهل ، وهو يسمع كلماته ولا يفهم أي شيء من مايقوله ، فقطع ذلك الفضول قائلًا : _ أنا مش فاهم حاجة ياباشا ، مأمورية إيه دي وليه أكون فيها وحدي !! عاد مجددًا ليجلس على مقعده متمتمًا برسمية : _ إمبارح بليل قدرنا نوصل لواحد منهم ومسكناه ، وبعد معناة معاه عرفنا منه زعيمهم فينه لم يهمه آخر جملة قالها ولكن ما أثار دهشته اعترافه على زعيمهم وقال مندهشًا : _ واعترف إزاي ، اللي أعرفه إن الإرهابيين محدش منهم بيعترف على التاني وعندهم استعداد يقتلوا نفسهم ولا إنهم يعترفوا على بعض لاحت ابتسامة خبيثة على شفتيه وتمتم بمكر : _ طلع عنده اللي يخاف عليه برا لم يفهم ما يقصده ولكن لم يهتم له وتجاهل الأمر ثم أتجه للأمر الأهم قائلًا بنبرة خشنة : _ وقالكم مكانه فيه ! _ في طريقه للوادي الجديد ، وقريب جدًا هنعرف هيستقر فين في الوادي الجديد لإننا شددنا التفتيش على كل عربية بتعدي على أي كمين ، عشان كدا جهز نفسك لإن في أي لحظة ممكن تبدأ مهمتك **ت لبرهة من الوقت يفكر ، ويحاول فهم سبب اختياره له بالأخص ، فعض وجنته من الداخل قبل أن يتمتم متساءلًا بحيرة : _ طيب واشمعنى أنا بذات اللي اخترتني ياباشا هب واقفًا من مكانه مجددًا واقترب منه ثم رتب على كتفه بيد قوية هاتفًا بصوت غليظ : _ عشان إنت الوحيد ياتميم اللي هسلمك المهمة دي واعتمد عليك وأنا عارف كويس إنك مش هتفشل فيها .. يلا جهز نفسك وهد*ك يومين أجازة تزور فيهم أهلك وتريح نفسك ودماغك شوية عشان تستعد بعديها لاحت في عيناه نظرات الثبات والقوة ، مع مزيج من الغضب والثأر ، فهو بالفعل كان اختياره صائبًا حينما اختاره هو ، فطالما عزم على الثأر لتلك الارواح التي خسرت حياتها عبثًا بدون ذنب والآن حانت له الفرصة للثأر ولكي يشبع غريزته المتوحشة بالنيل منهم ، وسيكون مرحب بشدة أن يكون له الشرف في الإمساك بهم . أماء رأسه بالموافقة له ثم رفع يده لرأسه مجددًا كدليل على أن أوامره تنفذ ثم غادر . *** خرج شاذلي من المنزل ثم أجرى اتصال بأحدهم ليجيبه بصوت أجشَّ : _ إيه ياشاذلي فينك ده كله ! _ أعذرني يامولانا مكنتش فاضي إنت فين دلوقتي ؟ _ أنا خلاص تقريبًا على مدخل الوادي الجديد ، عملت إيه في اللي قولتلك عليه ؟! ابتسم بمكر جلي ثم نظر حوله بحذر قبل أن يقول : _ متقلقش يامولانا البوليس مش هيعرف يوصلنا بعد اللي هعمله ده ، انتظر مني إشارة بس على بكرا كدا ! أماء الآخر رأسه بنظرات شيطانية وشرسة ثم يقول : _ تمام هكون في انتظار اتصالك ، بس شَهِل لإن كل تأخيرة بيكون فيها خطر عليا وعلى باقية ا****عة انهى معه الاتصال ثم أعطى الهاتف للرجل الجالس بجواره في السيارة والذي كان يطالعه باستغراب ، فقطع تفكيره بصوته الصارم : _ شكرًا على المكالمة تناول الرجل منه الهاتف ومازالت نظراته تتفحصه بشك ولكن لم يهتم للأمر كثيرًا !! . *** تقف وتتلفت حولها ، تتفحص ذلك المكان بدقة تتذكر كل لحظة مرت عليها فيه ، كم شهدت من الألم به ، ذلك المكان الذي شهد على كل معاناتها التي طالما تعيشيها حتى الآن . استدارت للخلف متتطلعة إلى قطعة معينة فتقترب منها وتنحني ملتقطة رماد ملابسها ، فتزداد نيران قلبها المشتعلة وهي تتذكر المشهد كاملًا أمامها وكأنها تعيشه مجددًا . ولكن هبت واقفة حينما سمعت خطواط أحدهم من خلفها ، فانتصبت في وقفتها حينما رأته وتحولت تلك العينان الزرقاء إلى حمراء في لحظة غضب ، ورأت بيده سيف يحمله ويدعوها للقتال وهو لا يعرف ماذا ستكون عواقب ذلك القتال ، فتطلعت أسفلها لتجد سيف أسفل قدمها ، فانحنت والتقطته ، وقد كانت ترتدي ملابس خاصة بالقتال وترفع شعرها البنى لأعلى وتثبته بشيء ، وكأنها تقصد إظهار ماهو يزين وجنتها اليسار .. نظرت إلى السيف ومررته على يدها بخفة فتجده حاد بإمكانه تقطيعه إلى أشلاء،ثم رفعته لأعلى وأتخذت وضع القتال في الوقوف وكذلك هو ، وثوانٍ قصيرة وبدأ القتال بينهم العنيف ، وقد كانت هي ماهرة في القتال بالسيف تتخطى هجماته بمهارة وخفة ،ولكن استطاع سيفه النيل منها حيث جرحها في ذراعها وأسقطها أرضًا ، فازداد أحمرار عيناها وهي تراه يعتليها ويتطلع لها بتشفي ، فرفعت سيفها على فجأة لتترك ب**تها على وجنته اليسار كما تركها عليها فيسقط هو أرضًا صارخًا بألم ،فتقف على قدميها من جديد وتطالعه بانتصار ثم ترفع يديها في الهواء وتنزل بسيفها نحوه بعنف غارزة إياه داخل أحشائه بعدم رحمة هامسة بنبرة ملؤها الانتقام والثأر : _ اُكينيم زولا !( هذا لأجل زولا ) فتحت عيناها وتطلعت حولها فأدركت أنها كانت تحلم ولكن كان حلم دومًا تمنته أن يحدث بالحقيقة ، وإن سنحت لها الفرصة في الحقيقة أن تفعله لفعلت ألف مرة ! . وجدت الباب يفتح وتدلف من خلفه ابنة عمها وهي تطالعها بوجه بشوش قائلة : _ إيه الناس اللي نايمة للضهر دي ابتسمت لها بعذوبة قبل ان تجيب بعفوية : _ أنا صحيت من بدري وروحت المزرعة شوية ، وبعدين جيت ونمت من غير ما أحس ، إنتي جاية وحدك ؟ توجهت نحوها وجلست بجوارها مغمغمة : _ آه جيت أتكلم معاكي شوية وأشوف رأيك في حاجة قطبت حاجبيها بريبة وأبعدت خصلات شعرها المائل إلى الناري مع ضوء الشمس ، تحسها على التكلم ، فتقول بحماس : _ إيه رأيك نروح أنا وإنتي وعمرو وفارس فسحة كدا ، لإني بصراحة زهقانة وعايزة أخرج وإنتي عارفة هنا عندنا مفيش أماكن حلوة للفسح **تت لبرهة من الوقت ، بعد أن أعتقدت أن الفكرة صاحبها " فارس " وأنه يحاول خلق جو معها بأي طريقة ، وكأن الأخرى قرأت أفكارها وعرفت ما يدور بذهنها فقالت مسرعة في صدق : _ عارفة بتفكري في إيه ، بس فارس ملوش دعوة والله دي فكرتي أنا حتى هو ميعرفش بالموضوع ولسا مقولتلهوش وقولت لما أشوف رأيك الأول _ طيب ، بس بجد أنا مليش مزاج لفسح ولا غيره صدقيني يابوادر ، يعني الفترة دي أنا أعصابي تعبانة شوية تكلمت بمرارة وخنق فتجيبها بوادر بوجه بشوش ومرح : _ عارفة بس فكي عن نفسك شوية يازهرة ياحبيبتي وبعدين عمرو هيروح معانا ، وعمرو ماشاء الله بيعرف يفرفشك وهيعرف يعملك جو رومانسي كأنه حبيبك مش أخوكي أماءت لها بسخرية باسمة ثم تمتمت في خنق : _ اكتمي يا بوادر متشلنيش ، بلا عمرو بلا بتاع قهقهت الأخرى بقوة ثم قالت مستسلمة : _ كنت عارفة إنك فقرية والله ، قومي طيب يلا اغسلي وشك ياختي وفوقي نهضت من فراشها ب**ت وجمود وقادت خطواتها نحو الحمام لتغسل وجهها وتتوضأ لتصلي فرضها . *** في أحد المطاعم ....... كانت تجلس مريم بصحبة شريف وتتطلع هي إلى المكان بتفحص ، تارة تحدق في السقف وتارة تتأمل الناس وبالإخص إن كان رجل وامرأة ويبدو عليكم إنهم في بداية حياتهم الزوجية أو عاقدين خطبتهم منذ فترة قريبة ، وتارة أخرى تتأمل أثاث المطعم والأرضية والحوائط والطاولات ، كانت تنظر في كل شيء إلا وجهه كطفل صغير طفولي ينظر لكل شيء بتفحص وفضول ، وهي لم تدرك أنها على هذا الوضع تقريبًا حوالي خمسة عشر دقيقة ، حتى أوشك هو على الانفجار من الغيظ والخنق ، يحك ذقنه النامية ويخلخل أصابعه بس خصلات شعره في محاولة لتهدئة نفسه من برودها الذي سيجعله يتحول لجمرة نيران مشتعلة ، لولا قلبه الذي يرغمه على حبها وعشقها ، ولا يستطيع الابتعاد عنها لكان تركها فورًا ، فهو ينتظر زواجهم بفارغ الصبر حتى يشعرها بما تشعره دومًا . لم يتحمل ال**ت أكثر من ذلك وإلا لثانية أخرى ستجد إنسان مستذئب أمامها ! ، انحنى بجزعة للأمام على الطاولة واستند على سطحها بمرفقيه هاتفًا بصوت يحمل الحدة : _ تحبي امشي يا أنسة مريم عشان ترتاحي أكتر التفتت له برأسها وقالت بعفوية أصابته بالجنون : _ ليه تمشي ما احنا قاعدين أهو ، دي حتى القعدة حلوة جدًا جز على أسنانه ضاغطًا على يده ويجيبها بابتسامة صفرا محاولًا الظهور بنفس البرود التي هي فيه : _ لا أصل أنا حاسس إني جايبك هنا عشان تتف*جي على الناس وتتأملي في المطعم ، وأنا أقعد زي الكرسي اللي قاعد عليه بتف*ج على سيادتك وإنتي بتتأملي في الخلق أكمل بنفس العفوية والحماس : _ أعمل إيه يعني زهقانة ، وهما اتأخرو معرفش ليه مجبوش الأكل لغاية دلوقتي ، يعجبك يعني أطق يعني من الزهق فقولت اسلي نفسي أمسك برأسه هامسًا بنفاذ صبر : _ يارب طاب أعمل معاها إيه دي ، اقتلها وأخلص منها يعني ! _ مالك ياشريف إنت تعبان ولا إيه !؟ عض شفاه السفلى قائلًا باغتياظ : _ تعبان ! ، لا إنتي كمان عشر دقايق وهتجبيلي كرسي متحرك عشان تاخديني عليه ! وضعت يدها على فمها مانعة صوت ضحكتها من الانطلاق بين العامة فيغضب هو عليها أكثر ، ثم أكملت بضحك بسيط : _ وليه ده كله ! وجدت عيناه تحولت فجأة وكأنه سيوشك على التحول وهو يردف : _ يابنت الناس أنا جايبك عشان تاكلي ولا نتكلم مع بعض !؟ _ عشان آكل ! جحظ عيناه بدهشة فهي مصرة على جعله وحشًا دمويًا ثم استطرد : _ طاب إيه رأيك يامريم المرة الجاية هاخدك كافيه مفهوش غير المشاريب بس عشان ارتاح منك ، ها هتعملي إيه سعتها ! مرت ثوانٍ وهي صامتة تفكر بماذا تجيبه وعندما وجدت الرد قالت ببرود مستفز : _ عادي مش هطلع معاك أصلًا ! _ آه قولي كدا إنتي طالعة معايا عشان تاكلي ! كتمت ضحكتها عندما وجدت نفسها نجحت في إثارة جنونه بالفعل ، فهي دومًا تفعل هذا معه ، تعزم على إشعال نيران غضبه ، قد يبدو هذا غريبًا قليلًا ولكنها تزداد عشقًا له أكثر كلما تراه مغتاظًا وغاضبًا من أفعالها معه ، وهذا ما يجعلها تفعل معه هكذا باستمرار ! . أجابته أخيرًا ضاحكة : _ والله إنت اللي حظك وحش معايا ياشريف دايما بتقولي يلا نتطلع لما أكون جعانة ، وإنت عارفني مش بعرف أفكر لما أكون جعانة أحمر بياض عيناه ، وهذا يوحي لها بأنه وصل لأقصى درجات الغضب وإن استمرت فيما تفعله سينقلب السحر على الساحر ، فابتلعت ريقها بتوتر عندما سمعت همسه المحذر : _ مريم متعصبنيش بلاش حركاتك المستفزة دي ، وإلا والله هتشوفي وشي التاني اللي إنتي عارفاه ، لإن برودك وصل لدرجة مش هستحملها فعلًا ، مش عايزة تتنيلي تخرجي معايا قولي قبل ما نتزفت لكن منخرجش وتحرقي في دمي وتخليني أفقد أعصابي ، أنا مش طالع معاكي عشان اتعكنن شعرت بالندم قليلًا وأدركت أنها أغضبته كثيرًا بأفعالها هذه المرة فأطرقت أرضًا في خزي هامسة : _ عندك حق أنا آسفة زفر باحتقان وغضب هادر فقد أوصلته لدرجة لا يريدها من السخط ، ظل يمسح على وجهه مستغفرًا ربه ثم نظر لها فوجدها مطرقة أرضًا بضيق ، ليس منه ولكن منها لإن بغبائها المفرط أفسدت وقتهم ، فطالعها هو باشفاق عندما ظن أنها تدايقت من غضبه عليها فشعرت بيده توضع على يدها بسطحية في مشاعر بريئة منه لم تقصد أي شيء خاطئ ولكنها ارتجفت من لمسته وسحبت يدها فورًا رامقة إياه بأعين شرسة ثم قالت بغضب حقيقي هذه المرة : _ شريف مش هحذرك تاني صدقني ، دي آخر مرة لو حاولت بعد كدا تلمس إيدي تاني هتحصل مشاكل كبيرة بينا أدرك خطأه مسرعًا وقال معتذرًا بصدق : _ حاضر أنا آسف ، أنا من غير ما أحس والله لقيت نفسي بعمل كدا ، أوعدك آخر مرة اكملت وهي تفض شحنة عضبها به قائلة : _ مش كفاية طالعة معاك من غير مِحرم قطب حاجبيها باستغراب وقال بانزعاج بسيط : _ وليه هو إنا هأزيكي يامريم يعني ، ولا هعمل فيكي حاجة احنا لينا سنتين مخطوبين ، بتقوليها في وشي كدا مِحرم كإنك خايفة مني لأعملك حاجة وإنتي طالعة معايا ! ازدادت نبرتها أكثر قسوة وحدة وهي تجيبه : _ أد*ك قولت مخطوبين ! ، يعني إنت زيك زي أي حد غريب عني في الشارع مفيش حاجة بتربطني بيك غير الدبلة اللي في إيدي دي ، لا إنت جوزي ولا أخويا ولا عمي ولا خالي ، ثم إني مقولتش إنك هتأذيني ياشريف وعمري ما فكرت في كدا بس ده الصح إني لما أخرج معاك يكون معانا مِحرم لإن مينفعش أخرج معاك وحدي أساسًا ، وأكبر دليل إني بثق فيك أنا وتميم مش زي ما بتقول إني طالعة معاك وحدي بحجم ما دايقته طريقتها القاسية في الحديث معه وقولها بأنه كأي شخص يمر بالشارع من جوارها لا يعني لها بأي شيء ، على مقدار إدراكه أنها على حق فيما قالته وجعلته يشعر ببعض الراحة والفرحة لأنها في كل مرة تثبت له اختياره الصحيح لها ، همس في شيء من الضيق بسيط : _ ماشي يامريم ، اعتبري دي آخر مرة هنخرج فيها مع بعض لغاية ما نكتب الكتاب ، وإن شاء الله لما ياجي تميم أنا هكلمه وأقوله إني عايز أكتب الكتاب من دلوقتي لغاية الفرح عشان سعتها متقوليش كلامك ده وتحسي إنك بترتكبي ذنب إنك خارجة معايا ، ونبقى أنا وإنتي مطمنين إننا منعملش حاجة غلط ولا تغضب ربنا ، تمام كدا ؟! هدأت ثورتها وقالت بارتياح مبتسمة : _ تمام أوي أوي كمان ، وأنا كمان هكلم تميم وهقنعه إنه يوافق قطع كلامهم قدوم النادل وهو يضع الطعام أمامهم ثم يرحل ، فأمسكت هي بالشوكة والسكين وبدأت في تناول الطعام ، ولكن توقفت عندما وجدته صامتًا لا يتحرك ولا يأكل وعلى محياه علامات الانزعاج الشامل ، فتركت ما بيدها متن*دة بعمق هامسة بصوت رقيق : _ مش هتاكل !؟ _ لا ، كلي إنتي بالهنا والشفى ! اص*رت زفيرًا حارًا في حزن ، فهي لم تقصد مدايقته بكلامها ، فقط أرادت أن توعيه بالحقيقة التي لا يجب على أي منهم نسيانها .. أرادت أن تخبره بأنها تخشى عليهم ما أن يقعا في خطأ لا يمكن اصلاحه فينع** أثاره فيما بعد على حياتهم ، وتكون عواقبه وخيمة ! . همست بصوت هادئ هذه المرة يحمل في جوفه الاهتمام : _ شريف أنا مقصدش أدايقك والله ، أنا مش عايزة حياتنا تبقى من البداية غلط ونبقى بنغضب ربنا ، لإن صدقني لو تغالفنا عن الحقيقة دي ونسينا نفسنا وإن في رب موجود وشايفنا ، مش هيباركلنا أبدًا بعد كدا في حياتنا لا في عيالنا ولا بيتنا ولا في علاقتنا مع بعض ، لكن لما نراعي ربنا من البداية خالص ونطلع السلم وحدة وحدة من غير أي خطأ ، ربنا هيباركلنا في جوازنا بعدين وجدته يطالعها ب**ت وكأنه اقتنع بكلامها بالفعل وأعجبه فابتسمت بعذوبة وقالت في خفوت : _ يلا كُل بقى ، عشان في حجات عايزة أتكلم معاك فيها بخصوص الشقة نتهد برفق وبادلها الابتسامة ثم بدأ في تناول الطعام وهم يتحدثون بجدية عن أمور التجهيز لزواجهم الذي اقترب ، فيقترح هو عليها أفكار وهي ترفض أحيانًا فتعود وتقترح هي عليه فيرفض ملثها عندما لا تعجبه الأفكار وظلوا طوال تناول طعامهم يتحدثون هكذا تارة هي تغضب من إصراره على فعل شيء ما وتكاد تنفعل وينشب شجار بينهم ، وتارة هو من يغضب من عنادها ! ، وكان الجدال لا يخلو من السخرية والمزاح الذي كان في نطاق الحدود والتجهيزات فيعودوا ويبتسموا من جديد على مزاحهم ! . *** كانت تجلس في حديقة منزلهم الذي يعد من أكبر المنازل في القرية وأفخمها ، تمسك بيدها سيفها وتتذكر ذلك الحلم ، وتمرر السيف على يدها ببطء وفي عقلها تعيد جميع الأحداث في عقلها .. تذكرها للحظاتها التي تجمعها مع أمها وهي تعلمها كيفية المحاربة بالسيف ، كما تعلمتها هي ، فقد كانت والدتها مولعة بالطابع المملوكي و حياة الملوك من حروب وركوب الخيل واستخدام السيف ، وكيفية تعاملهم لبعض ، فأنشبت فيها هي وأخيها نفس الطابع ، جعلتهم يعيشون نفس الطابع بالفعل ، كانت بنظر الجميع كالملكة التي تربعت على عرش قلبهم ، وكان أبيها ينعتها أحيانًا بملكتي ، أو أميرتي ، كانت تستحق اللقب بجدارة ، فهي كالملكات تمتلك شخصية قوية ، شجاعة لا تخشى شيئًا ، تحمل الوقار والشموخ في كل شيء فيها ، وقفتها ، طريقة سيرها ، لهجتها عندما تتحدث بصرامة ، وفوق هذا فقد كانت فائقة الجمال ، شيء لا يمكن وصفه سوى أنها كانت تسيل ل**ب أي رجل يراها ولكنها لا تعيرهم أهتمام ، حتى جاء اليوم الذي سقطت في حب أبيها ، كانت عندما تستمع منها لما كانوا يفعلونه وعن حبهم لبعض كانت تندهش فهي لم يسبق لها أن ترى قصة حب بكل هذا الرقي والجمال ، وكانت دومًا تسأل الله أن يجعل حظها مثل حظ أمها في الحياة . عكر مزاجها تذكرها لذلك الحلم من جديد ووجه ذلك الرجل الذي يستحق أكثر مما فعلته به ، ولكي تستطيع نسيان الأمر ابعدت السيف عن يدها ورشقته في الأرض بقوة وكأنها هكذا ستخرج شحنة السخط التي استحوذت عليها ، ولكن سمعت صوت أخيها وهو يقف أمامها هامسًا بمرح أضحكها قبل أن يلف ذراعه خلف ظهره وينحني ليعطيها تحية الملوك قائلًا بلغة خاصة بهم : _ مولاتي ! علت ابتسامتها وجهها ولكن غامت عيناها بالعبارات لتذكرها لتلك التحية التي كانوا دائمًا يلقونها على أمهم كشيء من المزاح والمرح ، فتجيبهم هي بمزاح مماثل لهم متقمصين الدور بجدارة متحدثين بنفس اللغة ! ، رأى الدموع في عيناها فجلس فورًا بجوارها وقبَّل رأسها في حنان أخوي امتزج بمزاحه : _ بقى أنا بقولك مولاتي وعاملك تحية الملوك وإنتي بتبكي يانكدية ! ضحكت من بين بكائها مجيبة بمرارة : _ افتكرت ماما ياعمرو ، وحشتني أوي رأت في عيناه الأسي أيضًا عندما ذكرته بها ، ولم يكن عساه سوى احتضانها فيرمي كلاهما أحزانهم في ص*ر الآخر ، وتمتم بصوت مختنق : _ وأنا كمان ولله ، ربنا يرحمها ادعيلها بالرحمة زاد صوت بكائها وارتفع وهي تشهق بحرقة قائلة : _ مش قادرة أنسى منظرها ياعمرو ، أنا تقريبًا بصحى كل يوم من كابوس شكل ، صوت صريخها لسا في ودني مش قادرة أنساه هو لم يكن موجودًا ولكن تخيله للمشهد كان كافي لجعل النيران تتأجج في داخله ، لو أمكن له لأخرج ذلك الو*د من تربته وفعل بها كما فعل في أمه وجعلَّه يذوق نفس العذاب ، ولم يكن ليأخذ حق أمه فقط بل لشقيقته أيضًا و كان سيجعل في كل جزء من جسده علامة مختلفة ، ولكنه ذهب لعقاب الواحد الأحد الذي سيكون أشد آلاف المرات من ت***به له . قبَّل شعرها ثم قال بمزاح لكي يخرجها من حالتها بعد أن أخرج هاتفه وفتح لها صورة لها أخذها لها بدون أن تشعر عندما كانوا يتناولون الطعام وقال ضاحكًا : _ بقى في بنوتة رقيقة تاكل بالطريقة دي يازهرة كانت تمتلك قلب كالقشة يفرح سريعًل ويحزن سريعًا وعندما أراها صورتها جذبت الهاتف من يده وابتعدت عنه صارخة به باغتياظ : _ عارف ياعمرو لو الصورة متمسحتش هشرب من دمك والله ، ياحقير إزاى تصورني كدا والله لأقول لبابا ! آخر جملة قالتها جعلته ينفجر ضاحكًا بقوة مجيبًا إياها من بين ضحكاته بعد أن جذب الهاتف من يدها وأغلقه : _ لا مش همسحها عشان أزلك بيها كل شوية ! قالت بغيظ : _ ماشي ياعمرو والله هوريك ، أنا تصورني صورة قذرة زي دي _ ماهي دي حقيقتك المؤلمة للأسف ! ، هي دايمًا الحقيقة كدا بتوجع ! ظلت تطالعه ب**ت وتكاد تخرج دخان من أذناها ، ولكنه ببرود نهض وفعل حركته الذي يفعلها كل أخ لأخته الصغيرة !! ، وض*بها بخفة على عنقها ثم بعثر شعرها وهو يقول بابتسامة متصنعة : _ تصبحي على خير عندما وجدها صامتة فقط تطالعه بشراسة فأكمل استفزازه لها وهو يهز رأسها بطريقة مستفزة ويزيد من بعثرة شعرها ، فصرخت به في غضب عارم : _ عمرو !! كتم ضحكته ثم استدار وغادر بعد أن لوح لها بيده مودعًا قاصدًا اغاظتها أكثر ، وهي بالفعل كانت تزداد غيظٌا واشتعالًا وتتمتم ببعض الكلمات في همس التي تشتمه بها ! . *** في صباح اليوم التالي بالقاهرة بالتحديد ..... ترجل من سيارته أمام منزلهم وبمجرد أن رآه الحارس هب واقفًا احترامًا وقال بسعادة : _ تميم باشا ، نورت البيت ياباشا والله حمدلله على السلامة رتب على كتفه بابتسامة صافية مجيبًا بامتنان : _ الله يسلمك ياعم محمد حمل حقيبة ملابسه الصغيرة التي تحتوي على ملابس كافية لقضاء يومين لا أكثر ! ، سار داخل الحديقة المؤدية للمنزل ثم وقف أمام الباب ووضع سبابته على جرس المنزل ولم يرفعه حتى سمع صوت والدته تصرخ على الطارق بعصبية وتتوجه مسرعة لترى من ذلك المستفز ، وعندما فتحت الباب ورأته يقف مبتسمًا تصلبت بأرضها بدهشة للحظات وسرعان ما هتفت بسعادة وهي تضمه معانقة إياه بصوت جميل : _ تميم ، وحشتني والله ياحبيبي .. عامل إيه يابني ؟ أبعدها عنه وقبَّل جبينها متمتمًا : _ أنا كويس الحمدلله ياست الكل متقلقيش افسحت له الطريق بالدخول ، ليدخل ويجلس على الأريكة باسطًا ذراعيه على حافتها من أعلى ليقابل نظرات أمه المنزعجة وهي تقول : _ بقى كدا ياتميم تاجي من غير ما تقولنا إنك جاي _ والله ياماما أنا مكنتش هاجي أصلًا بس الأيام الجاية احتمال مكنش موجود هنا ولا في شغلي حتى ، واحتمال اروح الوادي الجديد في مهمة هناك وهقعد فيها فترة فسامي باشا إمبارح أداني الأذن أجي آخد يومين معاكم ، يعني الموضوع جه بسرعة ومكنش في وقت اكلمكم وأقولكم إني جاي جلست بجواره فورًا وقد تمركزت قسمات القلق على محياها عند سماعها لسفره وقالت بخفوت : _ مهمة إيه دي ياتميم ؟ لاحت ابتسامة جانبية على شفتيه قائلًا : _ متقلقيش مفيهاش خطر ولا حاجة ، بعدين أنا ميتخافش عليا خدي كلامي ثقة قال آخر جملة بمزاح فض*بته على كتفه مغتاظة وقالت : _ انا مفقوعة منك أساسًا ده أنا حتى معملتلكش أكل وإنت جاي من سفر وتعبان برقة وصوت هادئ : _ إنتي عارفة يا أمي مبيفرقش معايا الأكل أي حاجة هلاقيها هاكلها ، وزي ما قولتي أنا جاي تعبان أساسًا فهطلع أريح جسمي وأنام شوية ولو م**مة تعمليلي أكل براحتك أعملي ولما أصحى أبقى أكله **ت قليلًا ثم قال متذكرًا : _ صحيح فين البت مريم ؟! _ نايمة حضرتها بتقعد نايمة للضهر كدا كل يوم _ لولا إني معنديش حيل للمناهتة وتعبان كنت جبتها من شعرها وصحيتها غصب عنها ، بس حظها حلو إني مرهق ضحكت بخفة ثم رتبت على كتفه بحنان أمومي مغمغمة : _ قوم نام ياحبيبي وريح جسمك أماء لها بالموافقة ثم نهض وتوجه نحو غرفته فوجدها كما تركها آخر مرة فقد كانت تقوم والدته بتتظيفها كل فترة صغيرة ، لم يتنبه لكل هذا جيدًا فقد كان ألمه الجسدي أقوى من أن يجعله يركز تنبيهه على شيء ، فوضع حقيبة ملابسه على الأرض بجانب الخزانة ونزع سترته وقميصه ثم دخل الحمام ليأخذ حمامًا دافئ ينعش جسده قليلًا وعندما خرج ارتدي تيشيرت قطنيًا خفيفًا للغاية وبنطال منزلي معاصر ، وهو غير مبالي لدرجة الحرارة المنخفضة حيث أنهم في فصل الشتاء ، وترك شعره بدون أن يجففه حتى وقطرات الماء تتساقط على ملابسه وجسده ، فزاد على كل هذا تشغيله للمروحة على درجة متوسطة وتسطحه على الفراش مستسلمًا لإرهاق جسده تاركًا لسلطان نومه يبحر به في عالم مليئ بالاحلام . فعاد نفس الحلم من جديد بعد أن كاد ينسى الأمر ، وكأنه عاد ليذكره به من جديد ، حيث كان لا يختلف عن السابق ، يخرج من حمام منزله بنفس الوضعية عاريًا الص*ر يضع المنشفة على رأسه ، ولكن كانت الصدمة هذه المرة أقل عندما وجد نفس الشخص يقف على باب غرفته يوليه ظهره ، فتسمر في أرضه تلك المرة ولم يتحرك خلفه كالمرة السابقة ظل واقفًا وكأنه يترقب ماسيحدث فيما بعد ، واستغرق لثواني وهو واقفًا وكذلك الشخص حتى فجأة وجده اختفى وسمع همسات في كل جهة من جهات الغرفة تهمس بنفس الكلمة المجهولة ، كان ثابتًا تمامًا يرفع رأسه لمص*ر الصوت القادم من أركان الغرفة ، ولكن أيضًا توقف ذلك الصوت وسمع الهمس في أذنه من خلفه يقول بصوت أشبه بفحيح الأفعى يحمل بداخله معاني كثيرًا وقدأدرك الآن أن الصوت ليس لرجل كما كان يظن بل كان امرأة صوتها شرس وقوي ورغم هذا استشعر لمسة الرقة في نبرتها التي جعلته يتصلب بأرضه لا يقدر حتى على الالتفات ومواجهتها ، ولكن كلمتها التي همست بها في أذنه " تيروريسموس " جعلته يثور ويلتفت بدون تردد فيقابل شيء غامض أمامه لا تظهر منه سوى عينان ، تلك العينان لم تكن كما رآها عن بُعد في الظلام التي كانت تشبه عينان شبح ، فهي شيء خيالي وبمجرد نظره لعيناها ألقت عليه تعويذتها وجعلت منه مسحورًا ليس لديه عقل فقط يتطلع لها بانبهار ، ويتساءل كيف خشى تلك العينان أول مرة رآهم فيها ، ولكن رأى عيناها تحولت فجأة من الشراسة الي الضعف والألم عندما شعرت بطعنة أحدهم لها في ظهرها من الخلف ، فرفع رأسه للرجل الذي يقف خلفها ويتطلع إلى خنجره الذي امتلأ بدمائها ، وكادت هي تسقط لولا أنه جذبها إليه قبل أن تسقط لتستقر بين ذراعيه وفي أحضانه ، ولكن حدث ما لم يكن يتوقعه مطلقًا منها بعد أن أطمئن بأنها شيء لطيف وليس شبح كما اعتقد ، رأى عيناها الزرقاء تحولت إلى حمراء وعادت كما رآها في أول مرة كالاشباح ، وكل هذا فقط لأنه اقترب منها ولامست يداه جسدها فجعلها تثور من جديد وتتحول هكذا !! ، فتركها فورًا في زعر من منظرها لتسقط على الأرض وتختفي من أمامه ، وفي تلك اللحظة يستيقظ مفزوعًا أكثر من المرة السابقة وزاد زعره عندما سمع صوت الصراخ القادم من الأسفل فوثب واقفًا في هلع ........... _ يتبع ..........
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD