الفصل الاول والثانى
الفصل الأول
إعتدلت سماح فى جلستها وهي تضع هاتفها على أذنها قائلة بلهفة:
-حبييى يامجد ..أخبارك إيه..وصلت بالسلامة؟؟
أشار لها زوجها حسام بال**ت حانقا، واضعا سبابة يده على فمه بينما يشير بيده الأخرى إلى التلفاز الذى يشاهد عليه مباراة اليوم والتى يتابعها منذ برهة ومستغرق فيها بالكامل.. لتشير إليه بيدها بدورها مهدئة وهي تنهض من جواره وتتجه بهاتفها إلى حجرتها تستمع لصوت أخيها مجد وهو يقول:
-الحمد لله وصلت وبكلمك من الشقة كمان.
ولجت إلى الغرفة تغلق بابها خلفها وهي تبتسم قائلة:
-الحمد لله..طمنتنى،قوللى أخبار حسن إيه؟
تن*د قائلا:
-جيت ملقتوش ..وتليفونه كمان مقفول.
قالت سماح بحنق:
-حسن هيفضل حسن،ومش هيتغير..ربنا يهديه بقى..متنساش تقوله يامجد إنى زعلانة منه عشان مبيسألش علية.
إبتسم مجد قائلا:
-حقك علية أنا ياستى ..بس إنتى عارفة حسن،ولسة قايلاها ..مش هيتغير، طول النهار مابين الجامعة والنادى وصحابه..مقضيها بالطول والعرض ولا على باله حد..ده تلاقيه حتى نسي إنى جاي النهاردة..عموما.. أنا جيتله أهو وهظبطه ..متقلقيش.
إتسعت إبتسامة سماح قائلة:
-ربنا يخليك لينا يامجد..وميحرمناش منك.. خد بالك منه.
قال مجد بإبتسامة ظهرت فى صوته:
-فى عيونى ياموحة.
قالت سماح فى حنان:
-تسلملى عيونك ياقلب موحة..قوللى أخبار زوزا إي.....
قطعت كلامها وهي تشهق واضعة يدها على فمها تدرك أنها تُذَكَّره بغباءها بمأساته ..ليؤكد مجد ظنها القاتم ب**ته بدوره ..تدرك أنه ربما الآن يغمض عيناه ألما ويتذكرها..يتذكر صاحبة ذلك الإسم..ويتذكر تلك الأيام التى كانت تنير فيها حياته ..لتقول بهمسة مرتجفة:
-مجد ...
قال مجد بنبرات صوت تخللها الحزن :
-معاكى ياسماح.
أغمضت عينيها بألم تدرك مشاعره الحزينة ..فمن مِن المحيطين بمجد قد يشعر به أكثر منها ؟فلطالما أعدت نفسها كأم ثانية له ولأخواتها جميعا رغم أن فارق السن بينهم ليس كبيرا إلى هذا الحد،إنهم فقط بضع سنوات، ولكنها تحملت مسئوليتهم باكرا بعد وفاة والدتها بأزمة قلبية ثانية بعد تلك تلك الأزمة الأولى والتى تعرضت لها إثر معرفتها بأن والد سماح قد تزوج بالخارج وأنه لن يعود مجددا ،فتركت سماح دراستها الجامعية لتراعيهم ،وهي تدرك أنها ليست فقط أختهم الكبيرة ،بل هي الأم والأب أيضا.. قالت بصوت تهدج ألما:
-أنا آسفة ياحبيبى..سؤال وخرج منى من التعود مش أكتر.
قال مجد بصوت حاول جعله ثابتا قدر الإمكان وهو يلاحظ نبرات أخته الحزينة من أجله ومحاولا إنهاء المكالمة دون ان تشعر بهذا الألم الذى مزق خافقه:
-ولا يهمك ياحبيبتى..أنا لازم أتعود على فكرة إنها مبقتش موجودة فى حياتى،المهم..أنا هروح بقى عشان عايز ألحق أظبط الشقة اللى تحتنا وأفرشها.
قالت سماح بتساؤل:
-هم جايين خلاص الشقة بكرة؟
قال مؤكدا:
-أيوة ،جايين بكرة..متنسيش تسلميلى على مراد وحسام.
قالت سماح :
-حاضر.
ثم إستطردت بنبرات حزينة:
-كان نفسى أبقى معاك دلوقتى ،وأظبط كل حاجة بنفسى ،بس إنت عارف.
إبتسم مجد بحنان قائلا:
-متشيليش نفسك فوق طاقتها ياسماح،ياما شيلتينا وإتحملتى همومنا،جه الوقت اللى تعيشى فيه لنفسك ولجوزك وإبنك ياحبيبتى، وبعدين إحنا عارفين حسام وتحكماته ومقدرين،متقلقيش علينا.. إحنا كبرنا ونقدر نشيل هم نفسنا بنفسنا.
قالت سماح بصوت تخنقه العبرات:
-ربنا يحميكم يارب.
قال مجد بحنان :
-ويخليكى لينا،خدى بالك من نفسك ياموحة،وابقى طمنينى عليكى ،أنا مش هعرف أنزل القاهرة قبل...
قاطعته قائلة برقة:
-عارفة يامجد عارفة،ربنا يعينك.
كاد مجد أن ينهى المكالمة حين قالت سماح بتردد:
-مجد !
عقد مجد حاجبيه وهو يشعر بترددها ليقول بإستفهام:
-خير ياسماح !
قالت سماح:
-حسام مش وحش،هو بس....
**تت لا تدرى كيف تصف زوجها وتعنته فى بعض الأحيان ،بل فى كثير من الأحيان،رفضه القاطع لخروجها للعمل على سبيل المثال أو إيصال طفلها للمدرسة،بل إنه يرفض أن تتواصل مع صديقة طفولتها ماجى ،لمجرد أنها لا تروق له..
فإكتفت سماح مرغمة بإتصالات هاتفية مسترقة وزيارات ماجى لها ،عندما تأتى من الأسكندرية فى إجازة مع زوجها يوسف والتى بالطبع لا يعلم عنها شيئا،أفاقت من أفكارها على صوت مجد الذى قال بهدوء:
-عارف ياسماح،حسام بيحبك وبيخاف ويغير عليكى،كلنا عارفين ياحبيبتى..ومتفهمين وضعه.
غشيت عيونها الدموع قائلة:
-طيب متنساش تسلملى على حسن وتقوله يكلمنى.
قال لها :
-وإنتى كمان سلميلى على سمر وطمنيها انى وصلت اسكندرية، بكلمها بس مع الأسف تليفونها مغلق.
قالت سماح وهي تحاول أن تتمالك نفسها :
-هتلاقيها جوة أوضة العمليات دلوقتى ،متنساش يامجد تاخد بالك من أخت الدكتور هادى،هو رضى إن هاجر تسكن معاكم فى نفس العمارة بس عشان واثق فيكم وفى إنكم هتاخدوا بالكم منها.
قال مجد بثقة:
-متقلقيش ،أخته هاجر هتكون زيكم تمام،وهاخد بالى منها زيك وزي سمر،أنا مش ممكن أنسى جميل الدكتور هادى ووقفته جنبى فى محنتى.
قالت سماح بتأكيد:
-فعلا إنسان نبيل، ربنا يحققله أحلامه.
لتقول فى نفسها بحنق:
-ويلين قلب أختك وترضى عنه،الراجل واضح أوى إنه بيحبها بس هي ولا فى دماغها أساسا.
أفاقت على صوت مجد وهو يقول:
-يارب..لا إله إلا الله .
قالت سماح :
-محمد رسول الله.
ثم أغلقت الهاتف وضمته إلى ص*رها،لتخرج منها تنهيدة حارة عبرت عن شوقها العميق لأخيها منذ الآن،لقد سافر إلى الإسكندرية كما نصحه الطبيب النفسي هادى ليبتعد عن جو القاهرة المشحون بالذكريات المريرة،وذهب يعيش مع أخيهم حسن فى شقتهما الرابضة فى تلك البناية التى يمتلكونها بالإسكندرية ،بعد أن كانوا قد تركوها جميعا ليعيشوا بجوار سماح فى القاهرة عندما تزوجت وإنتقلت إلى القاهرة مع حسام زوجها،حيث كانت هناك شقة فارغة فى نفس البناية التى يقطنون بها فكانت أكثر من مناسبة لكي لا يفترقون عن بعضهم البعض..نقلت سمر دراستها إلى كلية الطب بجامعة القاهرة ثم تخرجت وعملت بتلك المستشفى الخاصة والتى يمتلكها أستاذها فى الجامعة الذى توسم فيها التفوق والمهارة والذكاء والإخلاص فى العمل،فإستقرت سمر بدورها وراقت لها القاهرة كثيرا فلم تفكر فى العودة إلى الأسكندرية مجددا،بينما عاد أخاهم حسن إلى الأسكندرية للدراسة فى جامعتها بعدما مر بتجربة عاطفية سيئة هنا.
أما مجد فتزوج بفتاة تقطن بجوارهم ..بعد قصة حب رائعة وإنتقل للسكن معها فى المبنى المقابل لهم بعد سفر أختها لبلدتهم الصغيرة،وكانت الحياة جميلة ومستقرة حقا لهم جميعا..فكانت سماح إلى جوار أخواتها وكأنها بينهم تماما، تراهم يوميا وتطمئن عليهم فيما عدا حسن الذى تراه فى الإجازات فقط،حتى كانت تلك الحادثة المشئومة،والتى قضت كلية على هذا الذى تُعِدَّهُ دعامتها فى تلك الحياة-أخاها مجد-هذا الذى جعلته تلك الحادثة ظلا لرجل، ليس بميت ولا هو على قيد الحياة .
ولكنها تأمل فى سفره الآن أن يعود الأمل لنبضاته والرغبة مجددا فى تلك الحياة التى إفتقدها مع رحيل (زوزا)-زوجته-وصديقتها الرقيقة الجميلة التى تفتقدها بشدة،نزلت من عيونها دمعة مع تدفق الذكريات،لتترك الهاتف جانبا وهي تمد يدها تمسح دمعتها برقة قبل أن تتن*د مجددا وتخرج من الغرفة،تتجه إلى حيث زوجها...حسام.
********************
جلست سماح بجوار حسام،تبدو حقا وكأنها تشاهد معه المباراة على التلفاز ولكنها كانت شاردة فى عالم آخر،عالم ملئ بذكرياتها التى حاولت أن تواريها فى أعماق النسيان ولكنها تدفقت الآن و لا تدرى سببا لتدفقها...
إنتفضت على صوت حسام وهو يلعن الحكم لإعطاءه خطأ على لاعب الفريق الذى ينتمى إليه زوجها ويكاد يكون متعصبا له،لتنظر إليه وهو يطالع التلفاز بإنتباه شديد وتحفز،ترجوه بعينيها وقلبها أن ينظر إليها مرة واحدة كالماضى ،يرنوا إليها بنظرة عشق تسعد قلب أضناه الزمن وأنهكته الوحدة.
عقدت حاجبيها تتساءل عن فتور علاقتهما سويا بعد أن كان عشقهما بالماضى ملتهبا ،حتى أنها لم تفكر للحظة وهي تتزوجه وتتبعه إلى القاهرة ،فى مكان لا تعرف فيه أحد على الاطلاق،تخاطر بالإبتعاد عن أخواتها من أجله ولولا حظها الحسن الذى سهل إنتقال أخواتها معها لظلت بعيدة عنهم،مجددا من أجله،وتراهم فى المناسبات فقط.
وقد كان هو متيما بها بدوره،لا يفارقها أبدا ،يغمرها بكلمات العشق وهمساته،حتى فى أصعب لحظاتهم وحين كانا يتشاجران بقوة ،كانت تبكى فيقوم بإحتضانها على الفور معتذرا عن تفوهه بكلمات لا يعنيها حقا فيزول غضبها منه وكأنه لم يكن وتنسى حزنها من أفعاله،وتعنته معها فى كل شئ فقط بين أحضانه،لتعود حياتها معه وردية كما كانت،ولكنه فى الآونة الأخيرة لم يعد حقا كما كان .
لقد بات لا مباليا بها..عصبيا،منشغلا عنها بعمله الجديد وحتى عندما يكون بالمنزل،يصبح محور إهتمامه التلفاز وبرامج الرياضة المتنوعة على قنواته،أو هاتفه الذى يضع عيونه على شاشته طوال الوقت،حتى باتت تشعر أنه كزوجة ثانية لها،تغار من هاتفه وبشدة..
رجعت بذاكرتها قليلا إلى الوراء....
لقد تزوجته فى سن الواحدة و العشرون،وعاشت معه قصة حب تتذكرها بأدق تفاصيلها حتى تزوجا وأنجبا مراد ،وحتى بعد إنجابها لطفلها لم تنضب مشاعرهما كما كانت تسمع عن المتزوجون الذين تفتر مشاعرهم بعد الإنجاب،بل ظلا عاشقان رغم كل المشاكل التى كانت تحدث بينهما، فكلمة طيبة منه كانت تمحى كل أحزان قلبها،نعم هي طيبة القلب وربما ساذجة فى علاقتها بحسام كما تدعوها ماجى، ولكن يكفيها أنها بتلك الطيبة كانت تعيش بسعادة مع زوجها، حتى بضعة اعوام مضت،حين قرر زوجها أن يترك وظيفته ويفتتح عمله الحر،ومن وقتها تباعد عنها رويدا رويدا ،تحاول هي بكل جهدها أن تقترب منه فيقابل كل محاولاتها برد فعل سلبي إحتارت فى تفسيره،وها هي على مشارف الثانية والثلاثون،ربما تبدو أصغر من سنها وربما هي حقا مازالت صغيرة السن ولكنها تشعر من داخلها بأنها إمرأة عجوز،إكتفت من الحياة حتى ملتها ،كم كانت لديها من الآمال الكثير،آمال كادت أن تغتيل بقسوة على يد حسام معللا رفضه الدائم لتحقيق آمالها بأنه يحبها ويغار عليها بجنون،لترضخ هي وتتنازل عن أحلامها واحدا تلو الآخر حتى....
إنتفضت مجددا على لعنات زوجها لحارس المرمى التابع لناديه والذى لم يستطع صد هدف من الفريق المنافس،لتدرك أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام فزوجها يظل عابسا حين يخسر ناديه وحين تواسيه ينفجر فيها متهما إياها بالتحيز لفريقها ،و أنها تشجع الفريق المنافس ،وهو الفريق الفائز بالطبع،لذا لابد وأنها لا تشعر به وبما يعانيه،وكأن الكرة هي حياته ،وليست هواية أو رياضة تحتمل الفوز والخسارة ..تبا..كم باتت تكره حتى الرياضة.
أفاقت من أفكارها مجددا على صوت مراد الذى خرج من غرفته متجها إليها،يحمل فى يده كتاب القصة الإنجليزية المقررة عليه فى المدرسة قائلا وهو يشير إلى قطعة فى الكتاب:
-ماما من فضلك مش فاهم الباراجراف ده كله ،كلماته صعبة وتقيلة والمستر مشرحهاش.
كادت أن تقول شيئا،ولكن صوت حسام قاطعها قائلا بحنق:
-قومى ياسماح مع إبنك الله يباركلك وروحوا الأوضة بتاعته ذاكروا،وسيبونى أركز مع الماتش،أنا مش عارف هلاقيها منكم ولا من الحكم ولا من اللاعيبة ولا من الحارس ا****ر ده.
نهضت سماح بسرعة مشيرة لمراد أن يسبقها على الحجرة فذهب على الفور ،لتميل سماح على حسام قائلة بصوت هامس يشوبه الحنق:
-ياريت تهذب ألفاظك شوية أدام الولد ياحسام.
ثم تركته وإتجهت إلى الغرفة يتابعها بعيون حانقة قبل أن يعود بعينيه إلى المباراة حين علا هتاف الجماهير معلنا عن هدف التعادل،ليصفق حسام بقوة متناسيا غضبه من تقريعها له......مؤقتا.
****************
تراجعت سمر فى مقعدها تستند إليه بظهرها وتغمض عيناها بإرتياح،فلقد كانت مجددا وداخل غرفة العمليات ،تنقذ حياة.
لقد كان اليوم رجلا كاد أن يفقد حياته فى حادث سيارة ،ولكنه نجا بفضل الله،ليصارع الحياة مجددا معها فى غرفة العمليات ويكاد ان توافيه المنية أكثر من مرة ولكن إرادة الله وفضله مع إصرارها وبراعتها أبوا أن يدعوه يرحل لينجو مجددا من الموت على يدها فتشكر الله لتسخيره إياها فى إنقاذ حياة إنسان،دائما هي هكذا منذ أن إتخذت الطب مهنة،وعملت بتلك المستشفى.
تشعر أنها فى صراع دائم بين الحياة والموت،غالبا وبفضل الله ماتفوز ولكن عندما تخسر،تفقد جزء من روحها مع تلك الخسارة لتشعر بأنها ربما تكون صغيرة السن ولكن بداخلها تقبع عجوز فى السبعين على وشك الموت ،لا تشعر مجددا بالحياة سوى هناك..فى غرفة العمليات.
أفاقت من أفكارها على صوت طرقات على الباب لتفتح عيونها وتعتدل طالبة من الطارق الدخول،ليطل هادى برأسه مبتسما بهدوء قائلا:
-فاضية شوية؟
إبتسمت بهدوء وهي تومئ برأسها وتشير إليه بالإقتراب..ليدلف إلى الغرفة ثم يغلق الباب خلفه ويتقدم بإتجاهها يلاحظ ملامحها الحزينة دائما والتى أصبحت جزءا منها ،جذبته تلك الملامح الحزينة إليها منذ اليوم الأول لعملها فى تلك المستشفى،ذلك الحزن الذى لاتدرى عنه شيئا ولا تلاحظه فى تلك الإبتسامة التى تعلو ثغرها ولكن لا تصل أبدا إلى عينيها التى يقبع فيهما هذا الحزن،والذى تمنى مع إزدياد مشاعره تجاهها ان يسبر أغواره ويمحيه من تكوينها لتشرق عينيها الجميلتين بالسعادة والحياة..
شعرت سمر بالإرتباك من تأمله الصامت لها،ينتابها إضطراب لا تشعر به سوى فى حضوره تتعجب فى نفسها عن ذلك الإضطراب الذى يعتريها حين يطالعها بنظراته المتأملة ولكنها دائما ما تنفض تساؤلاتها وتخبر نفسها أنها طبيعتها التى تخشى الرجال .
بل وتحمل لهم بعض الشعور بالإزدراء أحيانا ولكنها تستثنى منهم أخواتها وهذا الرجل الذى يقف أمامها والذى رغما عنها تكن له الإحترام وبعض الود خاصة بعد موقفه الأخير معها ومساندة اخاها بكل كيانه،وربما لولاه لتطورت الأمور إلى إنتحار ثان يقضى على حياة أخاها بالكامل....
توقفت عن التفكير وهي تتمالك نفسها قائلة :
-خير يادكتور هادى؟
أفاق من شروده فى ملامحها وهو يعدل نظارته الطبية بحرج قائلا بإرتباك وهو يتقدم بإتجاه المكتب:
-إحمم..الحقيقة أنا كنت جاي أستشيرك فى مسألة كدة..يعنى..تقدر تقولى عليها خاصة.
عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه يجلس أمامها ويطالعها بترقب ،تتعجب من رغبته لتدخلها فى أموره الشخصية ولكنها نحت تعجبها جانبا وهي تقول بجدية:
-خير يادكتور؟إتفضل ..أنا سامعاك.
شعر بالإرتباك أكثر من جديتها فى الحديث..ليسعل بخفة يجلى حلقه واضعا يده على فمه،ثم ناظرا إليها وهو يقول:
-إنتى عارفة إن فرح الدكتور محمود والممرضة حنان بكرة والحقيقة كنت حابب أجيبلهم هدية ،وأنا مليش فى موضوع الهدايا ده إطلاقا واللى كانت بتساعدنى فيه أختى هاجر وللأسف وزي ما إنتى عارفة أختى ..يعنى..سافرت إسكندرية النهاردة عشان دراستها وكدة،فلو وقتك يسمح يعنى..لو ممكن....
و**ت يشعر بالإضطراب لتقول سمر بهدوء:
-عايزنى أجيبلك أنا الهدية ،مش كدة؟تمام مفيش مشكلة،هخلص الشيفت بتاعى وأخرج أختارهالك علطول.
عدل هادى من وضع نظارته الطبية مجددا يشعر بالإضطراب وهو يقول:
-هو يعنى.. لو أمكن.. ممكن نروح مع بعض ..يعنى ممكن أختارها معاكى؟
شعرت بالإضطراب على الفور لإقتراحه ذلك ،وطلبه الخروج معها لإختيار الهدية،لا تدرى سببا لخوفها ،سوى خشيتها التعرف عليه أكثر ،فلم تقترب أبدا من رجل جيدا لتتعرف عليه،كانت تصد جميع محاولاتهم للتعرف إليها،ولكن هذا الطبيب هادى يتسلل إلى حياتها رغما عنها ،تارة من خلال عملها معه فى المستشفى ورؤيتها الدائمة له ،يحيطها بإهتمامه رغم أنها لم تلق بالا بالسابق ،لأنها أدركت أن هذه طبيعته المحبة للإهتمام بالجميع وخاصة أن تلك المستشفى خاصة بعمه وهو المسئول عنها كلية بتفويض منه..وتارة كطبيب نفسي؟فمنذ حادثة أخاها مجد وهي تشعر به يتسلل إلى حياتها أكثر ،يصل لخباياها التى تواريها عن الجميع،يتسلل إلى نفسها التى حرصت على إبعادها عن كل ما يحمل لقب مذكر.
تخشاه حقا..فكلما نظر إليها كما ينظر إليها الآن شعرت بتلك النفس التى تمتلكها عارية أمامه تماما ،يصل لكل أسرارها بيسر،ودون جهد يذكر.
ورغم شعورها ذلك إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن رفض طلبه للذهاب معها ،فبم ستفسر له سبب رفضها؟
طمأنت نفسها القلقة بأن الموضوع لا يستأهل كل هذا القلق،وأنها ستخرج معه تحضر الهدية بهدوء وعملية ثم يفترقان ،هكذا إذا.....
لا إرتباط..لا تقارب..لا شئ مطلقا.
لتهز رأسها موافقة على إقتراحه بهدوء،لتشعر بالندم على الفور وهي ترى أساريره التى إنف*جت وعيونه التى لمعت خلف نظاراته..وهو ينهض قائلا:
-متشكر أوى يادكتورة،هستناكى بإذن الله بعد المستشفى فى العربية،سلام.
قالت بصوت خافت مضطرب:
-سلام.
إتجه إلى خارج الغرفة بخطوات واسعة مغلقا باب الغرفة،لتزفر سمر بقوة ثم تتراجع فى مقعدها تستند مجددا إلى ظهره وتغمض عيناها قائلة بهمس :
-شكلك غلطى ياسمر،بس فات الأوان ومش هتقدرى تتراجعى فى كلمتك اللى إديتيهاله،وشكل ظنك كان فى محله،فحاولى ياسمر،حاولى تقفلى الباب اللى مصر هو يفتحه،حتى لو قفلتيه بالجرح،هيكون جرح بسيط ويقدر يلم بسرعة،لكن لو فضلتى فاتحة الباب ده،هينتهى بجرح خطير وملوش علاج،وآخرته..آخرته هتكون... الموت.
لتفتح عينيها تظهر فيهما نظرة ت**يم رافضة لتلك النهاية،ومصرة على تغييرها .....كلية.
الفصل الثانى
كان هادى يضع يده على مقود السيارة ،يدق بسبابته عليه فى توتر إمتزج بلهفة ،
فبعد دقائق ستكون سمر إلى جواره فى السيارة فى أول لقاء لهم خارج جدران تلك المستشفى،إنه لقاء إنتظره منذ أن تسللت إلى وجدانه وأحبها،وصار يتمناها بكل كيانه....
عملية هي ،ملتزمة ،لا تقبل بأي تجاوز من زملائها،ولا تسمح بأن يكون الحوار بينها وبينهم خارج نطاق العمل.
وهذا ماجذبه إليها كلية وأثار إعجابه بها منذ البداية،ولولا أزمة أخاها الأخيرة ما إقترب منها إنشا واحدا ،ولظل بالنسبة إليها طبيب المستشفى النفسي والمسئول عنها فقط ،تكتفى بتحية مقتضبة منها حين تقا**ه صدفة فى طرقات المستشفى،أو حين يستدعيها لحالة طارئة.
حاول كثيرا أن يلمح لها عن مشاعره فلم يجد منها قط ما قد يمنحه تلك الفرصة، لي**م على خلق تلك الفرص من لاشئ والتعبير لها عن مشاعره،فلم يجد غير زواج زملائهما حجة مناسبة ليبدأ بها.
قاطع أفكاره خروجها من باب المستشفى ليتجمد كلية وتحتبس أنفاسه داخل ص*ره وهي تتقدم من سيارته بخطواتها الرشيقة.
جميلة هي ،يعرف،رائعة الملامح والشخصية،لا تدرك جمال تكوينها الذى يخ*ف أنفاسه ويوقف دقات قلبه ويتركه متوسلا عشقها كي تمنحه الحياة من جديد،أفاق من أفكاره وهو يترجل من سيارته بسرعة يستقبلها بإبتسامة،لتقا**ه بتحية مقتضبة أحبطته، ولكنه أسرع إلى جانب السيارة الآخر يفتح لها الباب برقة، فولجت إلى السيارة بهدوء.
أغلق الباب خلفها وأسرع إلى مكانه خلف المقود قائلا:
-أنا متأسف جدا..عارف ان الوقت متأخر وانتى أكيد تعبانة بس.....
قاطعته قائلة:
-مش مشكلة ،بس ياريت نخلص بسرعة لإن فعلا الوقت متأخر.
أومأ برأسه وهو يقود سيارته بإتجاه ذلك المول التجاري المعروف،يشعر بدقاته تعود إلى الحياة بقوة وتمنحه شعورا رائعا بالسعادة ،فقط لكونها.... بجواره.
بينما كانا غافلين عن عيون رصدت هذا المشهد لتقول صاحبتهما بحقد:
-آل وعاملالى الشريفة العفيفة اللى بتصد كل معجبينها من دكاترة المستشفى،وأتاريها راسمة على تقيل وحاطة عنيها ع الراس الكبيرة،أنا عارفة إيه بس اللى عاجبهم فيها ؟دى حتى كشرية ومعصعصة،ماشى ياست سمر،بكرة تلاقى فضيحتك على كل ل**ن فى المستشفى ،مبقاش أنا تهانى إن ما خليتك تحطى وشك فى الأرض وعينك متجيش فى عينى تانى، ولا تزعقيلى كل شوية على الفاضية والمليانة،ومش بعيد تستقيلى خالص وتريحينا من وشك يادكتورة.
لترتسم إبتسامة خبيثة على وجهها وهي تطالع هذا الفيديو الصغير الذى صورته بعدسة هاتفها،تقوم بإرساله إلى كل العاملين بالمستشفى....بلا إستثناء.
*******************
ألقى مجد نظرة شاملة على الشقة يتأكد من أنه لا شئ ينقصها مطلقا،فقد إختار كل شئ بعناية،تأمل محتويات المكان ليدرك فى ألم أنه إختار كل شئ كما كانت تحبه زوجته تماما،ورتبها كما كانت لترغب بالضبط.
ورغم اعتراضه بالماضى على تدقيقها فى كل الأمور حتى فى ترتيب أثاث المنزل ووجوب أن يكون كل شئ فى مكانه الصحيح،تكاد أن يكون لديها هوسا بذلك..إلا أنه الآن يراه شيئا مميزا بها،فقد أدرك الآن فى حزن أنه حتى هوسها ذلك قد عشقه دون أن يدرى، وها هو الآن يفعل كل ما كانت تفعله راغبا محبا،بعد ان كان معترضا،ولكن للأسف بعد فوات الأوان.
أغمض عينيه متن*دا قبل أن يفتحهما مجددا يلقى نظرة أخيرة على الشقة قبل أن يتجه إلى الباب بخطوات بطيئة ،حزينة .....ونادمة.
********************
كانت سمر تقف فى الركن الخاص بهدايا الزفاف تتنقل عيناها على الهدايا بروية،عاقدة حاجبيها بتركيز بينما يقف هادى بجوارها ينظر فقط إليها،يشعر بقربها الشديد منه لأول مرة،يتسلل إليه عطرها الرقيق فيثير حواسه،يرى تفاصيلها عن قرب لأول مرة.
خصلات شعرها البنية الناعمة والتى يتخللها خصلات ذهبية قليلة،قرنيتها البنية الرائعة يظلل حوافها أيضا ذلك اللون الذهبي اللامع،والذى يلاحظه أيضا لأول مرة،أذنها الصغيرة الناعمة والتى يتدلى منها قرط فضي رقيق تفركه بيدها الآن فى تفكير،لتنظر إليه فجأة وهي تقول:
-إيه رأيك .....
توقفت عن الكلام وهي تراه يطالعها بنظرته تلك والتى أربكت كيانها بالكامل ،ليشعر هو بالخجل لضبطها إياه متلبسا بتأملها،تنحنح وهو يعدل من وضع نظارته الطبية فى حركة باتت تدركها جيدا وتدرك أنه يلجأ إليها فقط حين يشعر بالتوتر او القلق،لينظر بإرتباك إلى الهدايا قائلا بنبرات حاول جعلها ثابتة قدر ما إستطاع:
-رأيى فى إيه؟
تجاهلت سمر مشاعرها المرتبكة فى محاولة منها لتكون عملية كما إعتادت دائما وهي تشير إلى تحفة رائعة على شكل بيانو،يجلس أمامه عازف وسيم..تابع هادى إشارتها ليرى إختيارها، تعجب قليلا من هذا الإختيار ليترجم شعوره إلى كلمات وهو يقول:
-وإشمعنى دى اللى عجبتك؟
هزت سمر كتفيها قائلة:
-مش عارفة،يمكن لأنى عارفة ان الممرضة حنان بتحب الموسيقى والعازف ده شبه دكتور محمود إلى حد ما،فيعنى ..حسيتها تليق بيهم.
تأمل هادى تلك الهدية التى إختارتها قليلا ليدرك أن لديها فعلا وجهة نظر أعجبته ،رغم تلك النيران التى إشتعلت فى خافقه لإدراكها التشابه الفعلي بين ملامح محمود وملامح ذلك العازف،يتساءل ب**ت..
ترى هل يمكنها أن تدرك ملامحه هو أيضا إن رأت شبيه له فى أي شئ حتى لو كان تمثال جامدا كهذا التمثال؟لينفض غيرته وهو يقول بإبتسامة هادئة:
-الحقيقة إختيار موفق جدا؟رغم انى مكنتش متوقع إنك هتختارى هدية رومانسية زي دى،توقعت يعنى تختارى حاجة عملية أكتر.
إعتلت حمرة الخجل وجنتيها ،ربما لأول مرة منذ أن عرفها هادى،ليزداد هو إعجابا بها ..بينما قالت هي بإضطراب:
-فعلا الحقيقة أنا لو بختار لنفسى كنت هختار دى.
تابع إشارتها إلى حافظة أقلام توضع على المكاتب على شكل برج إيفل..ليعود بنظراته إليها وهي تستطرد قائلة:
-بسيطة وعملية زيي بالظبط،بس لما بنختار هدية لازم نفكر فى ذوق اللى هنهاديه بيها ،مش بنكتفى بذوقنا وبس.
أومأ برأسه موافقا،وهو ينظر إليها بإبتسامة أربكتها ..لتقول بإضطراب،تتعجل إفتراقها عنه:
-لو موافق على إختيارى يبقى كدة تمام،تروح تحاسب وأنا همشى..لإنى بجد إتأخرت.
عقد حاجبيه لا يريد رحيلها بتلك السرعة،يقول بلهفة عجز عن إخفاؤها:
-طيب إستنى هوصلك فى طريقى.
قالت بلهجة نافية،قاطعة:
-مش هينفع،إحنا فى منطقة الكل عارف فيها التانى ولو شافونى راجعة مع حضرتك وخصوصا فى الوقت ده،مش هترحم من ل**نهم.
نظر إليها بإحباط يدرك منطقية كلماتها،ولكنه يخشى أن تعود للمنزل فى هذا الوقت المتأخر دون أن يكون معها لحمايتها..لذا قال بهدوء:
-طيب إستنى ،على الأقل هوقفلك تا**ى وهمشى وراكى بالعربية.
كادت أن تقاطعه ليقول فى حزم:
-أنا مصر ،من فضلك مترفضيش.
تن*دت قائلة:
-تمام هستناك برة.
أومأ برأسه موافقا فغادرت بهدوء تتبعها عيناه بقلة حيلة فقد أمل أن يقترب منها أكثر ولكنها مازالت تضع له حواجز وحدود تريد بها أن تصد مشاعره ومازالت تنجح رغم محاولاته ،ولكنه ابدا لن يستسلم وسيحاول بكل قوته أن يزيلها كلها،ليتن*د وهو يمسك بتلك الهدية التى إختارتها للعروسان،قبل أن تلمع عيناه وهو ينظر إلى إختيارها ....هي.
********************
دلف حسن إلى منزله بهدوء مغلقا الباب خلفه لينتفض ملقيا بهذا الكيس الذى يمسكه أرضا حين وصل إليه صوت أخاه مجد الساخر وهو يقول:
-حمد الله على السلامة ياسى حسن،ما لسة بدرى.
نظر حسن إلى مجد الواقف على عتبة حجرته مستندا إلى بابها فى دهشة قائلا:
-مجد !
إقترب مجد منه قائلا بسخرية:
-أيوة مجد،مجد اللى قايلك إنه جاي النهاردة بس إنت ولا على بالك طبعا وأكيد نسيت.
إبتسم حسن وهو يقترب منه قائلا بنبرة آسفة:
-معلش ياأبو الأمجاد حقك علية،أنا فعلا نسيت ..بس والله كان يوم مشحون نسانى حتى إسمى.
إقترب منه يسلم عليه ،راغبا فى أن يأخذه بين أحضانه ليوقفه مجد قائلا بحزم:
-لا هسلم عليك ولا هحضنك قبل ما أعرف كنت فين وإتأخرت ده كله ليه،ولا إنت متعود على كدة بقى وإحنا فى القاهرة نايمين على ودانا.
إتسعت إبتسامة حسن وكتف ذراعيه أمام ص*ره قائلا:
-والله أنا لو متجوز ،مراتى ما هتعاملنى بالشكل ده،ولا هسمحلها أصلا..عموما ياسيدى، لأ ، مش متعود، وكنت مع واحد صاحبى بنتبرع بالدم لوالد واحد تانى من أصحابنا، ولو إنى مش مجبر أبرهنلك بالدليل على كلامى،لإنك المفروض تصدقنى..بس إتفضل ياسيدى.
وأخرج من جيب بنطاله الهاتف ومده بإتجاهه قائلا:
- إتصل بآخر رقم على التليفون ،ده رقم صاحبى اللى اتبرعنا لوالده بالدم..تقدر تتصل بيه وتسأله.
لم يكن فعلا مجد بحاجة لأن يتصل بأحد ليتأكد من صحة كلام أخيه،فإن كان حسن شابا يعيش الحياة بطولها وعرضها إلا أنه أبدا لا يكذب ولا ي**ن ولا يفعل ما يغضب الله من كبائر،فقط بعض الأخطاء الصغيرة والتى سيحرص مجد على تقويمها وحث أخيه على تركها طوال إقامته الجبرية معه،ليبعد مجد يد أخيه الممسكة بالهاتف وهو يحتضن حسن قائلا بحب:
-وحشتنى ياأبو على.
ضمه حسن بدوره قائلا بمزاح ساخر:
-بعد إيه بقى،ما كان من الأول.
وكزه مجد قائلا:
-ماتتلم بقى،مش كفاية نسيتنى، وسبتنى طول اليوم بجهز فى الشقة لوحدى.
خرج حسن من أحضان أخيه يض*ب رأسه بخفة قائلا:
-أيوووه ياجدعان،فى دى عندك حق وأنا غلطان بس والله اللى حصل النهاردة لبخنى،حقك علية يامجد.
وكزه مجد مجددا بخفه فى كتفه قائلا بإبتسامة :
-ولا يهمك ياأبو على.
تفحص حسن ملامح أخاه قائلا:
-إنت كويس يامجد؟
بهتت إبتسامة مجد للحظة قبل أن يقول بثبات:
-هبقى كويس ياحسن ،هبقى كويس.
ربت حسن على كتف أخاه مشجعا،ليربت مجد على يد أخاه يخبره بنظراته أن كل شئ على مايرام..ليومئ حسن برأسه قبل أن يقول :
-ها ..إتعشيت ولا مستنينى؟
تن*د مجد قائلا:
-مليش نفس.
إتسعت عينا حسن قائلا:
-ملكش نفس إيه بس؟ده انت ابن حلال وأنا جايب معايا كباب .
ثم ذهب إلى الكيس الذى ألقاه أرضا وإلتقطه قائلا بحنق:
-هو صحيح بقى كفتة ،بس هيتاكل بعون الله.
ليتقدم بإتجاه أخيه يتوقف أمامه وهو يرفع الكيس أمام وجهه قائلا:
-معايا ولا هض*به لوحدى؟
إبتسم مجد قائلا:
-معاك طبعا،زي بعضه..كفتة كفتة.
إبتسم حسن قائلا:
-إشطة ياكبير ،هو ده الكلام.
ض*به مجد على رأسه بخفة قائلا:
-ما تتعدل فى كلامك بقى،إيه اللى إنت بتقوله ده؟
فرك حسن رأسه قائلا بحنق:
-بهزر معاك ،على فكرة إيدك تقيلة وأنا مش هسكت.
رفع مجد حاجبه الأيسر قائلا بتحدى:
-هتعمل إيه يعنى؟
حرك حسن حاجبيه صعودا وهبوطا قائلا:
-هروح أحضر الأكل طبعا.
ليتقدم بإتجاه الطاولة تتبعه عينا مجد لترتسم على وجهه إبتسامة خالصة لأول مرة.... منذ شهور.
******************
قالت ماجى برقة:
-صباح الورد ياموحة.
إبتسمت موحة بحب قائلة:
-صباح الفل ياقلب موحة،أخبارك إيه ياقلبى؟
قالت ماجى بملل :
-العادى،أنا هتجنن من جيسى والصراع الأبدى ما بين دراستها و***بها الجمباز فى النادى واللى طبعا أهم عندها من المدرسة والمدرسين ومامى ذات نفسها ،ولا حماتى دى كمان.. ربنا يسامحها بقى، لسة بتزن على يوسف عشان تخلينى أجيب بيبى كمان ،ومن يومين سمعتها بتقوله إنى كبرت فى السن ولازم ألحق أخلف قبل ما العضمة تكبر ومقدرش أفرحها بحفيد جديد.
ضحكت سماح بقوة لتستطرد ماجى قائلة:
-إضحكى ياأختى إضحكى،ماهو إنتى معندكيش حما محسساكى إنك خلاص داخلة على سن اليأس ومش هتخلفى تانى.
ظهر الحزن فجأة فى عيون سماح وهي تقول:
-أعذريها يا ماجى ،إحنا فعلا مبقيناش صغيرين وبقينا فى التلاتينات "وفرصنا فى الحمل بتقل.
أغمضت ماجى عيناها تلعن ل**نها الزالف والذى لابد وأنه آلم صديقتها التى تحاول الإنجاب منذ سنوات ،ولكنها لم توفق،فقد حملت فى مراد بمعجزة كما قال الطبيب،رغم أن فحوصات كل من سماح وحسام سليمة وليس بهما اي عيب يمنعهما من الانجاب، ومنذ أن كبر مراد قليلا وهي تحاول الإنجاب دون جدوى،لتقول بصوت نادم:
-أنا آسفة،والله ما خدت بالى...
قاطعتها سماح قائلة:
-عارفة ياميجو،المهم قوليلى يوسف عامل إيه؟
قالت ماجى بتنهيدة:
-يوسف مشغول اليومين دول مع صاحبه اللى قلتلك عليه،بيظبطوا أوراق الشركة اللى هيفتحوها مع بعض..تقريبا مبقتش أشوفه.
قالت سماح بإحباط:
-يعنى مش هتيجوا القاهرة قريب عشان أشوفك؟
قالت ماجى:
-والله لسة مش باين ،بس فيه أوراق هيسافر يوسف القاهرة عشان يخلصها،هحاول أزن عليه **ت مصرية أصيلة عشان يخلينى آجى معاه وساعتها أكيد هشوفك..وإنتى بقى مش ناوية تزنى زيي وتيجى إسكندرية.
تن*دت سماح قائلة:
-والله نفسى وخصوصا عشان عايزة أشوف أخواتى ،بس إنتى عارفة حسام..مبينفعش معاه الزن أبدا.
قالت ماجى بحنق:
-حسام ده مبينفعش معاه حاجة خالص،ربنا يعينك عليه،أنا منساش أبدا رفضه الغريب إنك تكملى تعليمك بعد الجواز..وإحراجه لية لما حاولت أكلمه.
قالت سماح بإبتسامة:
-بس إنتى مستسلمتيش وقدمتيلى من وراه،ورغم إنه قلب الدنيا ساعتها بس لما عرف إنى مش هروح الجامعة..إضطر يوافق،وبقيت أذاكر وأروح الإمتحانات بالعافية.
قالت ماجى بسخرية:
-ما هو من ساعتها مبيطيقش سيرتى وخصوصا إنك إتفوقتى وجبتى تقدير حلو جدا كمان.
قالت سماح بحب:
-كانت خطوة ريحتنى اوى والفضل الوحيد فيها كان ليكى إنتى ياماجى،لولا إيمانك بية وتشجيعك أنا مكنتش أبدا هحقق حلمى ده،ده غير السيديهات اللى بعتهالى لما عرفتى حبى للغات وخليتينى أتعلمها وأنا جوة البيت.
قالت ماجى بصوت متهدج:
-إنتى طيبة ياموحة وتستاهلى كل خير ده غير إنك طموحة وكلنا كنا بنتنبألك بمستقبل حلو أوى،لولا بقى الله يسامحه.
تن*دت سماح قائلة :
-كل شئ قسمة ونصيب وكل واحد بيحب بطريقته ياماجى،ودى طريقة حسام فى الحب،عايزنى بس مهتمش بحاجة فى الدنيا دى غيره ،عايز كل تفكيرى يكون فيه هو وبس،وحواليه هو وبس.
قالت ماجى فى نفسها
"هل تطلقين على الأنانية حبا؟والله ما هذا بحب أبدا..وإن كان ولابد أن نطلق عليه حبا،فالأحرى أن نقول أنه حب التملك،حب مرضي يودى بأطرافه إلى حتفهما"
أفاقت من أفكارها على صوت سماح وهي تقول:
-إنتى لسة معايا ياماجى؟
قالت ماجى بسرعة :
-أيوة معاكى ياحبيبتى بس سيبك من سيرة حسام ،بتقفلى يومى، وقوليلى أخوكى مجد عمل إيه؟
تن*دت سماح قائلة:
-هقولك ياماجى..هقولك.