( 3 )
_ مبادئ ! _
وقفت في الإنتظار، بعد أن دقت جرس الباب، و بالفعل كان يغمرها الشعور بالحنين و الشوق لهذا البيت، حيث أنها نشأت هنا، و كبرت، و قضت أسعد فترات حياتها، هنا تشتم عبق ذكرياتها الجميلة الطيبة، قبل أن يدنسها العالم.. و يحيل قلبها إلى قطعة من صخر !
و فُتح الباب في هذه اللحظة ...
-ماما ! .. قالتها "يمنى" الإبنة الثانية لـ"يارا"، و توأم شقيقتها "يسرا"
-آ أهلاً بحضرتك. إنتي أكيد جاية عشاني صح ؟ ماكنش في داعي تتعبي نفسك و تيجي تاخديني أنا كنت هاتغدا مع تيتة و أروح علطول
كانت تتحدث بإرتباك واضح، بينما ترمقها "يارا" بنظراتها الفاترة، و سرعان ما تجاوزتها و مرت للداخل و هي تقول بلهجة تنم عن سخرية :
-أولاً أنا ماجتش عشانك يا قطتي. ثانياً إنتي فاكرة إن البيت بيتك يعني و واقفة تحققي معايا على الباب ؟ ده كان بيتي قبلك على فكرة !
-و بيتي أنا قبل ما عينك تشوف النور يا ست هانم !
جمد صوت "ميرڤيت" كل شيء للحظات، إلتفتت "يارا" نحو مص*ر الصوت، لتجد أمها العجوز، تجلس هنا بحجرة المعيشة أمام طاولة الغداء، كانت تجلس فوق الكرسي المتحرك بالطبع
لوهلة إهتزت دفاعاتها، و إنتابتها رغبة قوية في الإنطلاق صوب أمها و الإرتماء بين ذراعيها ثم البكاء حتى تجف عينيها... لكن ليت الأمر بهذه البساطة، ليته بيدها
فرغم كل شيء، هي قد وعدت نفسها بأنها لن تضعف أبداً، مهما حدث لها، لن تسمح للتخاذل بالتمكن منها، و لو رأت الموت أمامها... ستظل قوية و متجبرة حتى النهاية !
-إيه إللي جابك ؟ إنتي رجلك خدت على هنا. أنا مش قولتلك مش عايزة أشوف وشك تاني ؟!!
تجاهلت "يارا" حديث أمها الحاد، خاطبت إبنتها بحزم دون أن تحيد عن "ميرڤت" :
-يمنى. إدخلي جوا شوية. عايزة أتكلم مع جدتك لوحدنا
-مافيش كلام بينا يا هانم. و إتفضلي منغير مطرود
-يمنى ! .. كررت "يارا" بهدوء حازم
و في الأخير إضطرت الفتاة للإذعان لأمر أمها، رمقت جدتها بنظرة إعتذار و فرت نحو الداخل، حيث غرفتها المخصوصة و التي كانت بيوم من الأيام تخص أمها ...
-يعني لازم أرجعلك جثة عشان تسامحيني و ترضي عني ؟!
تساءلت "يارا" و هي تجلس مقابل والدتها ثابتة على موقفها القوي.. تطلعت "ميرڤت" إليها، عبست قائلة بقساوة :
-ياريت كنتي رجعتي جثة من زمان. أحسن ما كان يجي عليكي اليوم إللي تبقي فيه مجرمة و قاتلة !
-أنا كنت باخد حقــي ! .. صاحت "يارا" بإنفعال شديد
و هكذا تملك منها الغضب فجأة رغم أنها لم تكن تود ذلك... صوّبت نحو أمها نظراتها المحتقنة و هي تستطرد بصوت خشن :
-شكلك نسيتي أنا إتعمل فيا إيه.. نسيتي إنك أول واحدة رمتيني في النار. بعتيني و كل ده عشان الفلوس. و في الأخر **بنا إيه ؟!!!
ميرڤت بغضب : إخرسي يابت إنتي. من دي إللي باعتك ؟ هو كل أم تدور على مصلحة بنتها تبقى باعتها ؟؟!!
يارا بتهكم لاذع :
-و كانت مصلحة زي الفل. إتجوزت س**ح. قتل عمه و إخواته. و لما مات بقدرة قادر يختفي كل دليل يثبت إني كنت متجوزاه. حتى عمي إللي شهد على جوازنا بنته إشترته بالفلوس و خلته ينفي حكاية جوازي منه بمنتهى البرود و الوقاحة. حتى إبني الحاجة الوحيدة إللي كنت حاطة عليها كل أملي.. راح. كلكوا بعتوني. و دلوقتي جاية تحاسبيني ؟ على إيـه ؟؟؟
و هنا **تت "ميرڤت".. بعد أن نجحت "يارا" في إخماد ثورة هجومها، و هذا ما ظنته "يارا"، أنها لن تبادر لمهاجمتها مرةً أخرى، لكن خاب ظنها عندما قالت الأم محدقة فيها بنظرات حادة :
-و جوزك أبو بناتك.. ذنبه إيه ؟ غدرتي بيه و ظلمتيه ليه ؟ ده ماعملش فيكي حاجة وحشة. كان منى عينه يسعدك و يعيشك في هنا طول عمرك. ده جزاؤه ؟
يارا بغلظة : رؤوف موته كان طبيعي. أنا ماليش يد فيه. ماينفعش تقولي عليا قاتلة بسبب حاجة مش بإيدي !
ميرڤت بإستنكار : تسرقي فلوسه و أملاكه و تطرديه من بيته و تخلعيه.. و جاية تقولي مالكيش يد في موته ؟ الراجل إتشرد و مات بحسرته. و كل ده بسببك. إنتي السبب يا يارا. سامعة ؟ إنتي السبب
-خلاص بقـى !! .. هتفت بعصبية
-قولتلك ده قدره. محدش بيموت ناقص عمر
رمقتها "ميرڤت" بنظرة مشفقة، لتقول "يارا" بنفاذ صبر و هي تقوم ممسكة بحقيبة يدها :
-ماما.. أنا عملت إللي عليا و جيتلك للمرة الألف. خليكي فاكرة بس إنك في كل مرة كنتي بتقفلي بابك في وشي. سلام !
و إستدارت مغادرة
-ربنا يهد*كي يابنتي ! .. تمتمت "ميرڤت" بخفوت و هي تراقب رحيلها
ما أن سمعت باب الشقة و قد أُغلق، حتى سمحت لدموعها الحبيسة بالإنهمار.. دموع الحزن و الحسرة على إبنتها الوحيدة، متى تعود إليها ؟ هل يأتي اليوم و تعود "يارا" الحقيقية ؟ إنها تحيا على هذا الأمل ....
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
فرغ "سفيان" أخيراً من توقيع الإهداءات العديدة للمعجبين، تنفس الصعداء حين إبتعدوا جميعاً عنه، أشار للحراسة خاصته بالإبتعاد قليلاً هم أيضاً
و الآن يستطيع أن يسترخي لبعض الوقت حتى تصل تلك الفاتنة الرقيقة ...
شرع بإحتساء فنجان قهوته الذي نهلت منه بعض البرودة، لكن لا بأس لو إرتشف القليل منه، نظر في ساعة يده من جديد ثم نظر بالصدفة تجاه باب المطعم الفخم
كادت القهوة تنسكب على ملابسه و يده، فها هو يراها تلج عبر الباب الضخم في كامل أناقتها.. بصعوبة إستطاع تفادي حادث الإنسكاب هذا، وضع القهوة مكانها فوق الطاولة و قام ليستقبلها
.لم يحيد عنها للحظة، كان يشملها كلها بنظرات فاحصة متلهفة، رباه !
ما هذا الجمال الذي تتمتع به تلك المخلوقة الرائعة !!
و ما هذا الرداء الجميل الذي يصف و يشف روعة قوامها... رغم جرآة ما ترتديه إلا أنها بدت في غاية البراءة، رغم حدة زينتها و خاصةً طلاء شفاهها الناري، إلا أنها لا تزال رقيقة، كزهرة ربيع في طور التبرعم !
-أهلاً أهلاً. أخيراً جيتي ! .. قالها "سفيان" و هو يقبل عليها مبتسماً
يارا و هي ترد له الإبتسامة :
-مساء الخير يا سفيان. إزيك ؟!
-بقيت كويس جداً لما شوفتك .. و أخذ يدها و رفعها لفمه حتى يقبلها
يارا بصوتها الرقيق :
-ميرسي. You're so kind !
رمقها بنظرة شغوفة، و مضى ليسحب لها الكرسي لتجلس :
-إتفضلي إقعدي !
جلست "يارا" و هي تشكره ثانيةً، و جلس بدوره أمامها و هو يقول متذمراً :
-أنا جيت في معادي بالظبط. بس إنتي إللي إتأخرتي شوية
إبتسمت "يارا" و ردت بلهجتها المغناجة التي أذابته منذ الوهلة الأولى لسماع صوتها :
-آسفة و الله يا سفيان. الطريق كان زحمة أوي في وسط البلد. لحد ما أقدرت أوصل كان فات كتير. و أنا قلت أجيبك في مكان محدش يضايقك فيه. ما أنا عارفة إنك Star مشهور و كده !
سفيان عابساً : هو من ناحية المضايقة خلاص حصلت. أنا سلمت على كل الموجودين حوالينا تقريباً حتى صاحب المكان جه يسلم عليا و يتصور معايا.. ثم قال بإبتسامة :
-بس خلاص طالما جيتي في الأخر يبقى كله يهون عشانك
-Thank you بجد
-تشربي إيه بقى ؟ و لا أطلب العشا الأول ؟
-لأ يا حبيبي أنا مابتعشاش. ممكن أي Fresh Juice بس
إزدرد "سفيان" ل**به بتوتر و هو يتابع حركة شفاهها المرنة و رفرفة أجفانها المثيرة، تفاصيل تقتله في ال**يم، و بالكاد إستطاع إستدعاء النادل و أملا عليه طلباتهما ...
عاد يركز معها مرةً أخرى، وجد ل**نه ينطق من تلقاء حاله :
-مش هاتقوليلي بقى إنتي عايزة مني إيه ؟!
يارا بهدوء رصين :
-إنت إللي عاوز يا نجم. مش أنا
سفيان بدهشة : أنا !!
أومأت له : آه.. أنا لحد إمبارح كنت مجرد معجبة عادية زي كل معجباتك. غصبتك تتصل بيا ؟
-لأ !
-جبتك تقابلني بالعافية ؟ و لا إنت إللي طلبت ؟!
-أنا إللي طلبت.. بس إنتي ...
-أنا إيه !
عثر "سفيان" على كلماته بصعوبة و قال :
-إنتي ذكية. دلوقتي بترمي الكرة في ملعبي بعد ما نجحتي في لفت نظري ليكي. عايزاني أقولك إيه دلوقتي ؟؟!!
هزت كتفيها قائلة :
-قول إللي إنت عايزه طبعاً. قول إللي إنت حاسس بيه.. إنت حاسس بإيه دلوقتي يا سفيان ؟
أجابها بدون تفكير :
-أنا كمان معجب بيكي. من فترة كبيرة. يمكن من أول مرة شوفتك فيها. حاجة فيكي شدتني مش عارف إيه هي !!
إبتسمت مجدداً و هي تقول :
-حلو. أدينا متفقين على حاجة.. بس تفتكر أخر الإعجاب ده إيه ؟!
عبس حائراً : مش فاهم !!
و هنا جاء النادل، وضع المشروبات الطازجة أمامهما و رحل سريعاً... لتخاطبه "يارا" الآن على نحو جدي تماماً :
-بص يا نجم. أنا ست حرة آه. مستقلة بنفسي و محدش واصي عليا. بس في نفس الوقت عندي مبادئ مش ممكن أغيرها
-و إيه إللي ممكن يغيرها من ناحيتي يعني ؟
قالت بصراحة أكثر :
-أنا مش برافق حد. لا عمري عملتها و لا عمري هاعملها. و لو حقيقي إنت معجب بيا و عايزني معاك بإستمرار فلازم ده يحصل في شكل رسمي
-رسمي إزاي ؟ أكتر من كده ؟ ما إحنا مع بعض أهو قدام كل الناس
يارا بجمود : مش هانستمر على الوضع. لو عايزني معاك علطول كده مش هاينفع. أنا كمان واحدة معروفة و ليا سمعتي
إزدادت حيرته بالفعل، فسألها بجدية :
-طيب أنا ممكن أعمل إيه ؟ أنا مش في نيتي أبعد عنك. زي ما قولتلك أنا فعلاً معجب بيكي جداً و عايز أقرب منك أكتر و أتعرف عليكي أكتر
عادت البسمة إلى وجهها من جديد و قالت :
-يبقى مافيش غير حل واحد عشان أسمحلك بكل ده !
سفيان بتلهف : إيه هو ؟!
**تت لبرهة، ثم قالت :
-نتجوز !
-نتجوز ! .. لم يقلها على سبيل المفاجأة، بل قالها بصيغة الموافقة
رفعت حاجبيها قائلة بدهشة :
-معقول وافقت بالسرعة دي ؟ مش عايز تسأل عني الأول و لا تاخد رأي أهلك حتى ؟!!
سفيان بجدية : أنا مش عايز غيرك إنتي. مش عارف إنتي عملتيلي إيه بس كل إللي أعرفه إني مستعد أعمل كتير عشان إبقى جمبك. مش هبالغ لو قولتلك إني يمكن أكون حبيتك يا يارا !
-معقولة ! حبتني بالسهولة دي ؟ ده إنت ماتعرفش عني إلا إسمي بس. سني حتى ماتعرفوش.. و أكملت بمكر :
-يمكن لو عرفته تغير رأيك !
-لا طبعاً مش هاتوصل لكده. أنا عارف إني جمبك أبان صغير شوية. بس ده لأني فعلاً صغير. أنا ماكملتش 24 سنة. لكن إنتي بردو جميلة جداً. و جمالك يد*كي كذا عمر. وشك مش محدد سنك أبداً
-طيب و إنت ؟ تديني كام سنة يعني ؟! .. تمتمت مبتسمة و هي تميل صوبه بدلال
قبض "سفيان" على حافة الطاولة بيداه و هو يتآمل جمالها الآخاذ بنظرات إعجاب واضحة، ثم قال بصوت أكثر توتراً :
-مجرد تخمين.. مش أكتر من 32 سنة. و أنا آسف لو طلعت غلط إنتي شكلك صغيرة أصلاً !
و حبس أنفاسه حين إنفجرت ضاحكة بقوة، إرتبك و هو يتطلع حوله ليرى رواد المطعم جميعاً ينظرون نحوهم... نظر لها مجدداً
فكفت عن الضحك بصعوبة و هي تقول :
-الله يحفظك يابني و الله.. معلش هاخيب ظنك بقى. الشهر إللي فات تميت 48 سنة
و عادت للضحك، بينما جمد هو من الصدمة... بذهلت جهد كبير لتهدئة نفسها، ثم نظرت إليه قائلة بإبتسامة عريضة :
-أنا مقدرة شعورك دلوقتي. عشان كده مش بطلب منك أي رد. و لو ماردتش خالص. مش هاكون زعلانة أبداً. كفاية إني شوفتك و إتكلمت معاك !
نظر لها عاجزاً عن الكلام، فأردفت و هي تقوم مستعدة للرحيل :
-كانت فرصة سعيدة أوي يا نجم. و هاتفضل My Best Idol . على فكرة.. و غمزت له
ثم رحلت
إنما بقى هو بمكانه، لم يتحرك أبداً، و لا يزال تحت تأثير الصدمة ....... !!!!!!!!!!!!
يتبـــع ...