الثانية عشر بالدقيقة، منتصف الليل تماماً ...
كانت ساحة الحفل ممتلئة عن أخرها، جميع الرواد هنا من فئة الشباب و المراهقين، المسرح العريض معتم الآن، و الكل في إنتظار لحظة البدء الموعودة
سكون لا يحركه سوى بعض الهمهمات المنخفضة، إلى أن حانت اللحظة المنتظرة... أضأت الأنوار فجأة، و طل المغني المشهور، إبن الثالثة و العشرون ربيعاً، إنفجر الصياح و الهتاف من كل مكان، إنما بقيت أصوات الفتيات واضحة كالعادة و هن يصرخن بإسمه بمنتهى الحرارة
بالطبع، فهو غير أنه شاب ينحدر من عائلة ثرية ذائعة الصيت في الكثير من المجالات و الأعمال التجارية و الإستثمارية الضخمة، إلا أن صوته الرائع الآخاذ و وسامته منقطعة النظير كلها أشياء مهدت له طريق النجومية و التألق في عالم الغناء الذي لطالما كان ينشده
ها هو... "سُفيان عز الدين"، في حفله المهيب، بين جماهيره العريضة، يمسك بـ"المايك" أمام مستوى فمه، لينساب صوته بأنغام ساحرة عبر المكبرات المستحدثة الضخمة، كانت كافة الأعين عليه و نظرات الفتيات الهائمة تكتنفه من كل حدبٍ و صوب، إنما بقيت عيناه عليها هي فقط، تلك التي ترتاد حفلاته بإستمرار منذ بدأ
نظره لا يخطئها أبداً، المجهولة الجميلة، تقف في الصفوف الأولى كالمعتاد... إنها شديدة الحسن، ربما تكون قد جاوزت الثلاثين من عمرها، لا يوحي شكلها بأكثر من ذلك.. ليته يتعرف إليها، ليته يعرف إسمها فقط، ليتها هي تعلم أنه لم يكن يغني الليلة إلا لها وحدها، هي دون غيرها !
من بين آلاف الفتيات الحسناوات اللاتي تعثر بهن خلال سنوات عمره السالفة، لم تلفت إنتباهه أخرى سواها، لا يعلم السر، حقاً لا يعلم.. لعله الغموض في عينيها الجميلتين، أو الثقة في إبتسامتها البسيطة، أو حضورها الهادئ دائماً
أو لعله رحيلها المفاجئ في كل مرة، قبل إنتهاء الحفل !!!
إمتقع وجهه و تجلى حزناً شديداً في عينيه و هو يلحقها بنظراته الآن، أخذت تعدو و تبتعد، حتى تلاشت تماماً.. عندها إنتابه نفس الشعور الذي يراوده كلما ذهبت بهذه الطريقة
فقد رغبته في الغناء هذه الليلة، و سرعان ما أنهى غنوته و أدار ظهره إلى جمهوره الصادح، كان مساعده ينتظره وراء الكواليس، سار خلفه حتى غرفته الخاصة و هو يقول :
-يا نجم ميرا هانم إتصلت أكتر من مرة. بتقول عايزاك ضروري ! .. و مد له الهاتف
تآفف "سفيان" و هو يخلع سترته الجلدية و يلقيها فوق أحد المقاعد بإهمال قائلاً :
-مأمون. 100 مرة أقولك مابحبش أرد على تليفونات بعد أي حفلة. رد عليها إنت شوفها عايزة إيه
مأمون: ماينفعش حضرتك. أخر مرة رديت بهدلتني و إنت عارف. هي عايزاك إنت
-إفففففف هات يا أخي ! .. و أخذ منه الهاتف
أجرى الإتصال بوالدته، و فوراً أتاه صوتها الناعم الذي لا يخلو من الغضب دوماً :
-خلصت يا باشا ؟!
سفيان بضيق: ماما. خير يا حبيبتي حصل حاجة ؟
-إنت فين يا سفيان ؟؟
-ما أنا قولتلك إن عندي حفلة إنهاردة !
-و خلصت ؟ تعالالي حالاً عايزاك
زفر "سفيان" بنفاذ صبر و قال :
-حاضر. هاخلص إللي ورايا و جايلك. باي ! .. و أغلق الخط
أعطى الهاتف للمساعد و إلتفت يطالع كومة الهدايا و باقات الزهور التي جلبها معجبيه، فتش بنظراته عن باقة معينة و هو يخاطب المساعد :
-الورد بتاع كل مرة ماجاش و لا إيه يا مأمون ؟
رد "مأمون" بإندفاع محبوراً :
-يآااه ده أنا نسيت أقول لحضرتك. إزاي أنسى حاجة زي دي.. المرة دي البوكيه عليه إسم و رقم تليفون !!
-بـجد !.. صاح "سفيان" غير مصدقاً
كان قد إستدار نحوه في أقل من ثانية، أمسك بكتفيه و أخذ يهزه قائلاً بإلحاح :
-هو فين يا مأمون فـين ؟؟!!
أشار "مأمون" بسبابته نحو باقة مخصوصة وضعت فوق طاولة الزينة... لم يكذب "سفيان" خبراً و إنطلق مسرعاً صوبها، إلتقط الكارت من بين رؤوس الزهور الناضجة
وضعه نصب عينيه و قرأ بتمتمة خفيضة ما كُتب فيه : "كنت هايل الليلة. صوتك دايماً بياخدني لعالم تاني. أنا من أشد المعجبين بيك... إذا حبيت تسمعني حاجة مخصوصة هاكون شاكرة أوي"
و مضت بأول حرفين فقط من إسمها !
عقد حاجبيه و هو يستل هاتفهه من جيبه الخلفي بأصابع مرتعشة، بالكاد إستطاع أن يض*ب الأرقام من شدة إضطرابه و لهفته في آن
أصرف "مأمون" أولاً، فخرج الأخير بعد أن رشقه بنظرة خبيثة، فهو تقريباً على مشارف مغامرة جديدة من مغامراته النسائية الساخنة !!
ألقى "سفيان" بنفسه فوق الآريكة الصغيرة، ضغط زر الإتصال، ثم وضع الهاتف فوق أذنه و بقى في إنتظار الرد دون أن يكف قلبه عن الخفقان بعنف شديد ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
ولجت "ميرا" مرة أخرى إلى قاعة الجلوس الفخمة، مشت بخيلاء و جلال كبيرين نحو تلك الفتاة اليافعة، كانت صغيرة نوعاً ما و على قدر من الجمال، و كانت تجلس في هدوء و **ت، حتى أنها لم تحاول أن ترفع وجهها لملاقاة نظرات سيدة المنزل
جلست "ميرا" أمامها واضعة ساقاً فوق ساق، بقيت صامتة لبعض الوقت، فقط تشملها بنظرات فاحصة لا تخلو من البرود... ثم إستهلت حديثها البارد :
-بقالكوا أد إيه مع بعض ؟
تطلعت الفتاة إلى "ميرا" و قالت متلعثمة :
-حـ حضرتك عارفة إننا كنا قريبين أوي من بعض من وقت طويل و آ ا ...
-أنا طبعاً عارفة كل حاجة ! .. قاطعتها "ميرا" بحدة شديدة
-أنا أعرف كل حاجة تخص إبني يا حلوة. مافيش شاردة و لا واردة في حياته ماعنديش علم بيها. و سؤالي ليكي كان محدد ..
إزدردت الفتاة ريقها بتوتر و قالت :
-إحنا مع بعض بقالنا 3 شهور تقريباً !
أومأت "ميرا" قائلة :
-هممم.. يعني ممكن نقول إنك حامل في شهرين مثلاً ؟ واو. أسرع علاقة دي و لا إيه ؟ سيفو حبيبي مابيضيعش وقت. عرفك في شهر و إتصاحبتوا و هووب. في الشهر التاني كنتي حامل علطول !
الفتاة بإرتباك: آ أنا جيت أقول لحضرتك إللي حصل. إنتي مامته قبل أي حاجة و هو بيتهرب مني اليومين دو آ ...
-خلاص يا حبيبتي فهمتك .. قاطعتها للمرة الثانية
رمقتها بنظرة مزدرية و قربت منها الطاولة المحاذية، فتحت صندوقاً صغيراً فوقها و أخرجت دفتر الإئتمان، فتحته و أمسكت بالقلم قائلة دون أن تنظر إليها :
-500 ألف كويس ؟ و مش عايزة أسمع عنك تاني أبداً
لمعت أعين الفتاة للحظة، قبل أن تقول بإباء متكلف :
-حضرتك فهمتيني غلط. أنا ما آ ...
-مش هانقعد نتكلم في صح و غلط ! .. و هكذا أخرستها بلهجتها العنيفة
حدجتها بنظرات مخيفة و هي تقول بصرامة :
-مليون جنية. تاخديهم و تبعدي عن طريقه نهائي. و لو سمعت بس إنك حاولتي تظهري في حياته مرة تانية. صدقيني هازعل. و أنا زعلي وحش بجد !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
حل ضيق شديد على مزاج "سفيان".. هذا الرقم الذي تركته له مجهولته الجميلة، قام بمخابرته لأكثر من عشرون مرة و لم يحصل على أي رد
أوقف سيارته أمام باحة منزله المنيف، ثم نزل و إتجه نحو الدرج المفضي للباب مهرولاً...
إصطدم في طريقه بصديقته السابقة، رمقها بنظرات مستغربة، إرتبكت الأخيرة عندما رأته و لم تطيل وقوفها، غادرت مسرعة، بينما إندفع "سفيان" للداخل
وجد أمه تقف بمنتصف الرواق، و كأنها تنتظر حضوره ...
-ماما. البنت دي كانت هنا ليه ؟ كانت عايزة إيه ؟!
كتفت "ميرا" ذراعيها أمام ص*رها و قالت :
-و الله المفروض أنا إللي أحقق معاك كده يا أستاذ. ثم ماتنساش إنها صاحبتك !
سفيان بغلظة: لأ مانستش. كنت مصاحبها فعلاً. فترة قصيرة و خلاص. دلوقتي ماليش علاقة بيها
-إزاي بقى يا حبيبي ؟ إزاي مالكش علاقة بيها ؟ دي بتقول إنها حامل !
صاح "سفيان" مستنكراً :
-إيه إيه إيه ! مين دي إللي حامل ؟ و من مين ؟!!!
ميرا بهدوء: قالت منك يا حبيبي
سفيان بحدة: الكلام ده ماحصلش. أنا مالمستهاش أصلاً. إنتي أي حد يقولك حاجة تصدقيه ؟!
-و هي هاتكدب ليه ؟ و بعدين فيها إيه يعني ؟ ما إنت راجل يا حبيبي و لازم يكونلك تجارب. إوعى تكون فاكرني زعلانة
سفيان منفعلاً: تاني بتقوليلي كده ؟ قولتلك ماحصلش. لو حصل كنت قولتلك هخاف منك يعني !!
إبتسمت "ميرا" بوداعة قائلة :
-و ماله لو مثلت مثلاً إنك خايف مني ؟ مش أنا أمك بردو ؟!
تآفف "سفيان" بضيق شديد و هو يشيح بوجهه عنها ...
تن*دت "ميرا" و لا زالت إبتسامتها كما هي، مشت صوبه بتمهل، وضعت كفها فوق ص*ره، و مسحت بالكف الآخر على شعره الأ**د الأملس و هي تقول بلطف :
-سفيان.. حبيبي. نفسي تفهم إنك أغلى حاجة في حياتي. و تعرف إني مش ممكن أتسبب لك في أي مضايقة. و إللي يحاول يآذيك أكله بسناني. و بعدين أمسحه مسح من على وش الأرض. أنا مش بحاسبك يا قلبي. أنا بس كنت عايزة أطمنك. مافيش أي مشاكل ممكن تواجهك طول ما أنا موجودة. أنا عيني عليك دايماً يا حبيبي
أغمض عينيه بشدة و هو يقول من بين أسنانه :
-البنت دي بتكدب عليكي. و إنتي لازم تصدقي إللي قولته. ماحصلش حاجة بيني و بينها. و أكيد كانت جاية تستفيد منك زي إللي قبلها
-حتى لو جاية تستفيد. أنا ماعنديش أغلى منك زي ما قولتلك
فتح عينيه و نظر لها بغضب قائلاً :
-أي منطق بيقول كده ؟ إنتي عندك إستعداد يتنصب عليكي عادي ؟ إحنا مش قليلين زي ما إنتي عارفة
وافقته مبتسمة: و هو كده بالظبط. مش عايزاك تقلق من حاجة. أنا بعرف أتصرف كويس
رمقها بنظرات مذهولة، لكنه قال بغير إكتراث :
-براحتك !
و هنا شعر بإهتزاز هاتفهه، قبل أن يسمع صوت النغمة المدو ...
سحبه من جيب سترته و نظر في الشاشة الساطعة، إتسعت حدقتاه إثارةً مما إسترعى فضول "ميرا"، لكنها لم تشأ التدخل في شؤونه... فقط قالت حين وجدته يندفع نحو الأعلى :
-باباك راجع بكره من لندن. إعمل حسابك لو وراك أي حاجة تتـCancel
رد عليها ملوحاً بيده :
-أوكي. Goodnight !
ميرا بإبتسامة حب :
-Goodnight يا قلبي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صفق "سفيان" باب غرفته خلفه، ولج إلى شرفته مسرعاً و هو يرد على الإتصال قبل أن ينقطع بلحظة :
-ألـووو !.. كانت اللهفة واضحة بصوته
-هاي يا سفيان ! .. و أخيراً إستمع إلى صوتها
-Sorry ماردتش على إتصالاتك علطول
لسا واصلة البيت !
-إنتي مــين ؟؟؟ .. خرج السؤال دون تحضير
-مش شايف إنه بدري شوية على السؤال ده ؟ ده لو كنت عايزنا نتعرف و نبقى صحاب يعني !
-أكيد عايز. أكيد عايز أعرفك
-و إيه إللي مخليك م**م على كده أوي ؟
أجفل بتوتر للحظات، ثم قال بشئ من الإضطراب :
-بقالي 3 سنين بشوفك. و الورد إللي كنتي بتبعتيه. كنت حاسس إنه منك إنتي.. أظن إنتي كمان عايزانا نتعرف !
هدرت ضحكتها الرقيقة عبر سماعة الهاتف، فدغدغت حاسته السمعية، لتكمل بعد برهة بصوتها الرقيق :
-يبقى أنا ماكدبتش لما قلت عليك إحساسك عالي أوي. بس خلي بالك. أنا خلاص مش هاحضرلك أي حفلات تاني
سفيان بوجوم شديد :
-ليه كده ؟ حصل حاجة ضايقتك الليلة ؟!
-لأ بس أنا و إنت بنتكلم. و لا إنت مش عايز تكلمني ؟
-لأ طبعاً عايز !.. و ندم قليلاً على هذا التسرع، فقال :
-طيب أنا ممكن أقابلك ؟
-تؤتؤتؤ يا نجم. مش ممكن نتقابل دلوقتي خالص
-ليه ؟
-لازم نتعرف الأول على الأقل
-ما ده ممكن يحصل لما نشوف بعض و هايكون أحسن
-تؤ. ده شرطي. و آسفة مش هقدر أطول معاك معاد نومي جه و عندي شغل الصبح بدري
قال بإسراع: إستني طيب قبل ما تقفلي. ممكن سؤال ؟!
-إتفضل !
-إسمك إيه ؟؟
ساد **ت لما يقرب الدقيقة، قبل أن تقول بهمس مغرٍ :
-إسمي يارا !!!....................
كانت "ميرا" في إستقبال زوجها، عندما عاد من سفره صباح باكر... أمرت الخدم بنقل حقائبه لأعلى، ثم إلتفتت لتعانقه قائلة برقة :
-عمرو ! حمدلله على سلامتك يا حبيبي. وحشتني أوي
رد "عمرو" بفتور و هو يحاوط خصرها النحيل بذراعه :
-الله يسلمك يا حبيبتي. إنتي وحشتيني أكتر !
كان كلاهما يعلم أن تلك الكلمات يتبادلاها على سبيل المجاملة فقط، لم يشعر طرفٍ منهما تجاه الآخر بأي شيء خلال سنوات زواجهما على الإطلاق، لم يكن هناك سوى البرود و الجفاف في هذه العلاقة، و مع ذلك لم يجسرا على إنهائها.. فالأمر لا يتعلق بهما فقط، هناك أمور يدركا مدى أهمية الإبقاء عليها، هذا هو التفاهم الوحيد بينهما !!
-طنط و أنكل كويسين ؟ .. سألته و هي ترتد عنه قليلاً لتتمكن من النظر إليه
إبتسم بتكلف و هو يرد بكلمات مقتضبة :
-كويسين الحمدلله و بيسلموا عليكي أوي
-I hope تكون رحلتك تمت زي ما إنت عايز !
-Everything is fine ماتقلقيش
و الشغل كله مشي تمام
-طيب Good. دي أخبار هايلة !
ثم تطرقت بتردد للسؤال المترقب :
-المهم قولي.. قابلته ؟
أومأ "عمرو" قائلاً :
-أيوه يا حبيبتي. قابلته طبعاً !
إزدردت ل**بها قبل أن تقول بتوتر :
-طيب.. هو عامل إيه ؟ كويس ؟ ما سألش عليا ؟!!!
-أولاً هو تمام و صحته زي الفل. ثانياً إنتي أول حاجة بيبدأ بيها أي كلام معايا. تقريباً مابيتكلمش غير عنك
أفلتت ضحكة صغيرة من بين شفاهها و سرعان ما تجمعت الدموع بعينيها الرماديتين، تتهدت و هي تضم قبضتها إلى ص*رها متمتمة بحنين :
-وحشني أوي. نفسي أشوفه !
-الصبر يا حبيبتي. و بعدين إنتي كنتي لسا معاه من سنة. مش مدة طويلة دي. مش عايزين Junior ( الإبن ) سفيان.. يحس بأي حاجة. أكيد إنتي فاكرة الـRules ( التعليمات ) !
وافقته بإيماءة قصيرة و دموعها تسيل ببطء فوق خديها ...
إبتسم "عمرو" لها، وضع يده فوق مؤخرة رأسها، قربها منه و طبع قبلة فوق جبهتها، ثم ضمها إلى ص*ره قائلاً بصوته الهادئ :
-هو عارف مصلحتنا. و عارف بيتصرف إزاي. إطمني يا حبيبتي.. أكيد هايجي يوم و ينتهي الفراق ده. ده كان وعده !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
قامت "يارا" من فراشها ساعة الظهيرة، لم تذهب إلى العمل كما إدّعت أمس و هي تهاتف هدفها الساذج، نعم هو هكذا تماماً في نظرها.. مجرد ولد، ساذج !
سارت بتكاسل للخارج، إصطدمت بإبنتها الصغرى ذات الستة عشر سنة... "يسرا" الأكثر جمالاً و دلالاً عندها
إبتسمت "يارا" مرفرفة بأجفانها الناعسة و هي تقول :
-يسرا مش معقول ! إيه إللي قومك من سريرك يا حبيبتي ؟ ده إنتي يومك يادوب بيبدأ بعد العصر يا قلبي !!
عبست "يسرا" من دعابة أمها المزعجة، لكنها ما لبثت أن إبتسمت هي الأخرى، ثم قالت برقتها المتكلفة :
-مامي. أنا علطول بصحى بدري على فكرة
قهقهت "يارا" قائلة :
-طبعاً يا حبيبتي. إنتي هاتقوليلي. معلش أنا ساعات بظلمك.. و أكملت بتساؤل :
-أومال أختك فين ؟ دي بقى إللي تخصص صحيان بدري. الفالحة الوحيدة في البيت ده
زمت "يسرا" شفتاها و قالت مغالبة ضيقها :
-يمنى مش هنا يا مامي. خرجت من شوية
يارا بإهتمام : راحت فين ؟!
-راحت لتيتة ميرڤت
-إشمعنا ! مش كانت عندها من يومين ؟
-ما أصل إنهاردة ذكرى وفاة بابي الخامسة. إنتي عارفة إن هما الإتنين متعودين يروحوا يزروه
و هنا **ا الوجوم وجه "يارا"... لم تعلق على كلام إبنتها بعد ذلك، إنما قالت و هي تتجاوزها لتهبط الدرج :
-طيب أنا هانزل ألف شوية في الـPool.. خلي هيلجا تعملي القهوة بتاعتي و تجبهالي على هناك
-أوكي يا مامي !.. تمتمت "يسرا" بلهجة هامسة
و ظلت واقفة كما هي تراقب ذهاب "يارا"، لم تستغرب ردة فعلها هذه المرة، فقد ألفتها أريعة مرات من قبل، ريما يخالجها بعض الشعور بالذنب إزاء تلك المسألة الحساسة
لكن في الحقيقة هي نفسها لا تهتم، فمهما سمعت عن والدها أو تذكرت بضعة مواقف مرت جمعتها به، في النهاية لا تنتمي إلا لوالدتها، ولائها و حبها لها وحدها !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
جلس "سفيان" جلسته الصباحية المعتادة بغرفة نومه، هنا فوق آريكته الصغيرة.. حمل جيتاره الثمين و أخذ يداعب الأوتار بأصابع ماهرة
رغم شروده و نظره الذي لم يفارق الهاتف الساكن أمامه فوق الطاولة، كانت النغمات الجميلة تتصاعد و تنتشر في كافة أنحاء الغرفة... و لكن ياللبؤس !
هل سيظل جالساً هكذا طيلة النهار ؟ تلك الحورية الفاتنة التي تعرف عليها أخيراً، لقد نبهت عليه بألا يتصل قبل أن تغلق معه ليلة الأمس، لكنها أيضاً وعدته بأنها سوف تهاتفه في الصباح، و ها هي ساعات الصباح تمضي دون أن تفي بوعدها !!!
تآفف "سفيان" بضيق و دفع بالجيتار بعيداً، كاد يقوم من مكانه ليبدل ملابسه أو يشغل نفسه بأي شيء ريثما يأتي إتصالها.. إلا إنه سمع نقرتين على باب غرفته، عرف فوراً لمن تلك الأنامل المميزة
صاح و هو يستقر مجدداً بمكانه :
-إدخل !
صدق حدسه و ولجت "ميرا" في اللحظة التالية، يا لها من إمرأة جميلة هي الأخرى.. كم عمرها الآن ؟ لقد تجاوزت عامها الثامن و الثلاثون منذ أشهر قليلة، و لا تزال كالزهرة الربيعية الناضجة... إنها رائعة دائماً، لولا هذا العبوس الذي لا يزول عن وجهها إلا لماماً !!
-صباح الخير يا حبيبي ! .. قالتها "ميرا" بلهجة ناعمة لم تخدعه
سفيان بإبتسامة : صباح النور يا ماما. أكيد جاية تتأكدي إني قاعد ماخرجتش.. ماتقلقيش أنا سمعتك كويس إمبارح
ميرا و قد إحتدت نبراتها الآن :
-طيب لما إنت سمعتني مانزلتش ليه على الفطار ؟ أنا مش قولتلك باباك راجع إنهاردة ؟!
سفيان ببراءة : قولتيلي بس ماقولتيش راجع إمتى بالظبط !
ميرا بحزم : طيب قوم خد شاور من فضلك و حصلني. مش معقول تبقى بالبرود ده و باباك غايب بقاله شهر.. عايزاك تكون قدامي في 5 Minutes سامعني ؟
أدار عيناه قائلاً بضجر :
-أوك. و في أقل من كده كمان. أنا تحت أمرك
لم تطيل "ميرا" معه أكثر و سرعان ما تركته و ولّت خارجة ...
قام "سفيان" بعد أن أغلقت الباب خلفها، مضى صوب خزانته و شرع بإخراج بعض الملابس، حين دق هاتفه فجأة
قفز عائداً إليه، تناوله مسرعاً و رد بتلهف واضح :
-ألـو ! .. و كان يعلم أنها هي، قبل حتى أن ترد
-ده إيه السرعة دي ؟ إنت لسا قاعد زي ما إنت من إمبارح و لا إيه ؟!
و دغدغت أذنه بضحكتها المغناجة مرةً أخرى ...
-على فكرة كده مش نافع ! .. قالها "سفيان" بصوت أجش
ردت بنعومة خبيثة :
-هو إيه ده إللي مش نافع ؟!!
سفيان بغضب : ماتلعبيش بأعصابي لو سمحتي. أنا عايز أشوفك. و لازم أشوفك. و إلا تبعدي عني نهائي. إنما شغل الأفلام ده مابحبوش
-يعني إنت لما تشوفني هاتعمل إيه ؟
-إيه إللي هاعمل إيه ؟ هاتعرف عليكي أكتر طبعاً
-و بعدين !
عبس حائراً و قال :
-مش فاهم. عايزة توصلي لإيه ؟ على فكرة إنتي إللي بتطارديني. بقالك 3 سنين ورايا في كل حتة. إنتي مين ؟؟!!
**ت قصير... ثم قالت بهدوء :
-إنهاردة في مطعم ".......".. هاكون هناك الساعة 8. ما تتأخرش !
و أغلقت
جمد "سفيان" عن الحركة للحظات، نظر في شاشة الهاتف المضاءة بعدم تصديق... و فجأة علت إبتسامته و تمتم :
-هاقا**ها إنهاردة ! ......... !!!!!!!!!
يتبـــع ....