الجـــزء الأول
المقدمة
****
أحبها فى **ت، **ت دام لسنوات طويلة ليفيق فجأة على عشق ابنة العمة الصغيرة لأبن خالها الآخر ويصبح دوره لهما بمثابة الأخ الأكبر
تَقبل قدره وقرر إسعاد والديه بالزواج من عروس من اختيارهم لتُزهر حياته ويحيى فؤاده من جديد بنبع حنانها وعطائها الذى لا ينضب أبداً
***************
صباح يوم جديد يُضئ السماء بشمسه الذهبية ودفئها المحبب المصاحب لنسمات الصبح الندية لتستيقظ العيون وتلهج الألسن بحمد وشكر الله على يوم جديد
فى منزل عائلى مكون من خمس طوابق يضم بين جنباته شقق لثلاث أشقاء يعيشون فى ترابط أسرى متناغم وقد أنشأ كلاً منهم عائلته الخاصة ليكبر الأبناء والبنات كأخوة قبل أن يكونوا أبناء عمومه
يشغل الطابقين الأول والثانى الش*يق الأوسط والش*يقة الصغرى بينما يقطن فى الطابق الثالث الحاج إبراهيم أكبر الأشقاء وتاجر الغلال الكبير الذى توارث مهنة آباءه وأجداده عبر الزمان وقام بتوسيع نشاطها بجهده وكفاحه حتى شب ولده البكرى وصار رجل يفتخر به وأنضم إليه فى العمل بعد أن أنهى دراسته الجامعية ليكون سند وعون لوالده، وذراعه الأيمن فى السوق أما الابن الأصغر أخر العنقود طارق فقد أختار طريق الوظيفة وسعى ليعمل فى وظيفة محاسب بإحدى البنوك حتى حصل عليها بعد عدد كبير من الإخفاقات وكثير من الدعوات وبعض العلاقات الاجتماعية ليصل أخيراً إلى مبتغاه ولكنه رغم ذلك لم يتبرأ من مهنة والده ولا يتوانى عن تلبية نداء الواجب وأوامر والده إذا احتاج إلى خدماته فى أى وقت
******************
تجمعت أسرة الحاج إبراهيم فى الصباح حول مائدة الإفطار التى أعدتها ربة المنزل بحب وعطاء أم مصرية أصيلة وكالعادة كانت آخر المنضمين إلى الطاولة بجوار زوجها الحاج إبراهيم
ابتلع الحاج إبراهيم بضع لقيمات صغيرة ونظراته تتفحص ابنه البكرى صالح الرافض للزواج والقابع بجانبه يتناول طعامه فى **ت
تن*د الحاج إبراهيم أخيراً و بدأ بالحديث متوجهاً لأبنه بالحديث
:- مش ربنا يهد*ك يا بنى وتفكر فى الجواز أنت بقالك 6 سنين متخرج من الجامعة وخلصت الجيش وبتشتغل ومش ناقصك حاجه ... مش فاهم إيه اللى معطلك عن الجواز كل ده
مضغ صالح طعامه الذى كاد يختنق به من أثر كلمات والده، فها هى أسطوانة الزواج تبدأ من جديد و قبل أن يجيب والده كانت الحاجة إحسان والدته تدخلت في الحديث بحماس
:- ياريت يا صالح ده يوم المنى يا حبيبى لما أشوفك عريس .... أنت تنوى بس وأنا أختارلك ست البنات
رسم ابتسامة مجاملة فى وجه والدته وتمتم بخفوت
:- إن شاء الله ... لما يجى الوقت المناسب
تن*د الأب بنفاد صبر على حال إبنه الهارب من الزواج بدون سبب واضح وهتف بشئ من الحدة
:- وأمتى الوقت المناسب ده ... شوف يا ابنى لو حاطط عينك على واحدة معينة قول وأحنا نطلبهالك بس ما ينفعش تقعد من غير جواز كده
توقف طارق عن التهام طعامه فجأة وتحفز فى جلسته مستغلاً الفرصة ليفاتح أسرته فى رغبته فى الزواج بزميلته فى العمل هاتفاً بحماس
:- أنا حاطط عينيا الاتنين ومستعد أتجوز من النهاردة يا حاج
صفعة على كتفه أصابته من يد والدته ألجمته مع كلماتها الزاجرة
:- نفرح بأخوك الكبير الأول وبعدين نبص للعيال اللى زيك
حرك يديه فى الهواء معترضاً وهتف مدافعاً
:- هو أحنا بنات ولا فى أنهى عصر .... عشان الكبير لازم يتجوز قبل الصغير الكلام ده كان زمان يا حاجة
ثم مال على أذن والدته وهمس مشا**اً
:- ده أنا أخر العنقود حبيبك يا قمر... خليكى فى صفى وأنا اللى هفرحك
ضحكت الأم على دعابته و رمقته بمكر ثم أجابت بحسم وهى تشير بأصبعها رافضة ومغيظه له :- برضو الكبير الأول ... ده أول فرحتى
هز الحاج إبراهيم رأسه وابتسامة تزين ثغره على مشاغبات الابن الصغير الملهوف على الزواج ع** أخوه الصامت الشارد الآن فى عالم آخر، لو يعلم فقط فيما يفكر لكان ساعده فى حل مشكلته أو أيا كان السبب الذى يمنعه عن الزواج
تن*د الأب بقوه وربت على كف صالح المسترخية على الطاولة وقال بحنان أبوى
:- نفسى أشوف ولادك يا ابنى ... ده أنت البكرى ودراعى اليمين
آفاق صالح من شروده على كف والده الحانية ورفع رأسه نحوه يتابع كلماته ب**ت ثم أومأ برأسه وقال بخفوت :- هفكر يا بابا
ابتسم الحاج إبراهيم برضا وقال بهدوء مقترحاً
:- طيب إيه رأيك فى صافيناز بنت الحاج محمد البكرى .... الراجل شريكنا و نعرفه من سنين وربى بناته أحسن تربية
هتفت الأم بحماس مؤكده :- يا ريت يا صالح .... ديه صافى زى القمر وست بيت شاطرة وأخلاقها ما شاء الله عليها
حرك صالح ناظريه بين والده ووالدته يتأمل نظرات الحماس والأمل على وجهيهما أملاً فى قرب الفرح ثم وعدهم بالتفكير بالأمر قبل أن ينهض هارباً من هذا الحصار بحجة عدة زيارات خاصة بالعمل يجب أن ينجزها
***********************
هرعت مليكة لمغادرة شقتها بالطابق الثانى سريعاً بعد رسالة قصيرة وصلت إلى هاتفها النقال، مليكة الفتاة ذات الثامنة عشر ربيعاً والتى سلبت لب ابن خالها (صالح) دون أن تدرى وكانت السبب الرئيسي فى عزوفة عن الزواج رغم عدم مصارحتها بمشاعره الدفينة وكأنه ينتظرها حتى تكبر أو تنضم إلى الجامعة فيصبح قادرعلى طلب يدها رسمياً للزواج
ولكن ما لم يكن فى حسبان صالح ومالم يلتفت له هو مشاعر مليكة نفسها التى كادت تطير فرحاً حين وصلتها رسالة بسيطة لا تحتوى سوى على كلمتين فقط "أنا هنا "
هرعت بعدها تهبط درجات السلم فى سرعة قطار سريع لا يتوقف بالمحطات حتى التقت بمن سلب لبها هى.
أنس ابن الخال العائد فى أجازة قصيرة لعدة أيام من وحدته العسكرية بالجيش حيث يقضى فترة تجنيده وبمجرد وصوله إلى المنزل الذى يضم عائلاتهم أسرع لإرسال رسالة قصيرة على هاتف معشوقته الصغيرة التى أشتاق إلى محياها طوال فترة تواجده بالمعسكر
توقفت قدميها تلقائياً بمجرد أن وقعت مقلتيها التى تشع ببريق الشوق واللهفة على وجهه الأسمر والذى ازداد سمرة أثناء فترة تجنيده أما هو فكان فى انتظارها بساحة المنزل بالطابق الأرضى
وبمجرد أن رأها أقترب بلهفة وأنتزع كفها القابضة على سور السلم ليلثمها بشوق وحب ثم ضم كفها بجانب قلبه ورفع مقلتيه إلى وجهها يتشرب من محياها الحبيب هامساً بلهفة
:- وحشتينى أوى يا حبيبتى ... أوى فوق ما تتصورى
أخفضت طرفها فى حياء تُخفى وجهها الذى أشتعل بلهيب شوقها ودفء كلماته النابعة من روحه العاشقة
مد أنامله يلمس طرف ذقنها ويرفع وجهها لتواجهه مقلتيها اللوزيتين الخجولة وهمس بدفء
:- أرفعى راسك ... عاوز أشبع من ملامحك وأحفرها جوايا... ديه هى سلوتى الوحيدة فى أيام البعد الأجبارى اللى أنا عايشها ديه
خرج صوتها خافت مرتعش بخجل تحاول أن تواسيه
:- هانت كلها كام شهر وفترة تجنيدك تنتهى وترجع بالسلامة
جذب كفها التى مازالت أسيرة كفه وسحبها خلفه ليتخذوا من درجات السلم مقعد لهما وجلسوا متجاورين متشابكى النظرات قبل الأيدى فى حوار خاص لا يتم ألا من خلال لغة العيون
تن*د أنس بقوة وهتف بتأكيد وحماس :- أنا أخلص الجيش وأنتى تخلصى ثانوية عامة ونتخطب على طول مش هستنى ولا لحظة بعد كده
أحنت رأسها فى خجل وتمتمت بخفوت :- إن شاء الله
رفع كفها يلثمها بقبلة دافئة مره أخرى ثم ترك كفها لتمتد يده إلى جيب قميصه المموهة وأخرج أسورة من الفضة محفور عليها اسمها بين قلبين صغيرين ووضعه حول مع**ها بعناية قائلاً بحب نابع من قلبه :- كل عيد حب وأنتِ طيبة
أشرق وجهها بابتسامة سعادة وهى تتأمل أناملة التى تحاول قفل الأسورة حول مع**ها وهتفت بدهشة
:- كل عيد حب وأنت معايا ... تأملت محاولاته فى قفل الأسورة وسألته بدهشة :- جبته أمتى وأزاى وأنت فى الجيش طول الوقت؟
ضحك بمرح على دهشتها ثم أجابها بتفاخر
:- عملت حسابى من الأجازة اللى فاتت وفضل فى جيبى جنب قلبى طول المدة ديه (غمز بعينه بمشا**ة قبل أن يُردف) أنا مقدرش أتأخر عن حبيبتى أبداً .... ده أنا كنت ماشى على الصراط المستقيم فى المعسكر عشان الظابط يرضى عنى ويوافق أنزل يوم عيد الحب اجازة ... يعنى ينفع يكون فى حب وأنا بعيد عن حبيبى
ابتسمت برقة على تغزله بها ومرحه وهى تقلب الأسورة الفضية حول مع**ها، تتأملها بدقه وقالت بسعادة غامرة
حلوه أوى يا أنس .... ذوقك يجنن متشكرة أوى -:
قرب رأسه منها هامساً :- عقبال الشبكة
توردت وجنتيها بلون التفاح لتثير فى نفسه رغبه مُلحة لتذوق هذا التفاح الشهى الذى خُلق خصيصاً له
إلا أن صوت خطوات هابطة درجات السلم منعته من تنفيذ رغبته ودفعته ليقف سريعاً جاذباً كفها لتقف بدورها ثم أبتعد قليلاً عنها
فهو لا يرغب فى إثارة الشبهات حول حبيبته خاصة وأن المنزل يضم أفراد العائلة وقد يتسرب الكلام سريعاً إلى والده أو والدها قبل أن يتخذ أنس استعداده ليكون الزوج الجدير بها ويطلب الزواج منها بطريقة لائقة
ظهر بأعلى الدرج صالح بوجه جامد الملامح شاحب اللون بعد أن استمع لهمسات العاش*ين و اكتشف حقيقة مشاعر الفتاة التى طالما حلم بوصالها والزواج منها فى يوم من الأيام
بادره صوت أنس حين تبين شخصيه الهابط من فوق الدرج و هتف بترحاب
:- أهلاً بابن عمى وأخويا الكبير وحشتنى يا أبو الصلح
ثم اندفع يعانق ابن عمه بود كبير و استطرد معللاً كيف التقى بمليكة حتى يبعد عنهما الشبهات
:- ده أنا حظى حلو أوى النهاردة أقابل مليكة وصالح أول ما أوصل البيت
لوى صالح جانب ثغره بنصف ابتسامة متفهماً محاولة أنس فى التغطية على لقائه بمليكة ثم مد كفه يربت على كتف ابن عمه بود مُرحباً
:- حمدلله على السلامه يا أنس ... ليك وحشة والله
ابتسم أنس بعفوية وبدأ فى السؤال و الاطمئنان على أفراد العائلة فرداً فرداً حتى أنتهى من كلام الترحيب والمجاملات
فالتفت صالح إلى مليكة التى تقف فى **ت تتأمل ملامح حبيبها بوله سبب ألماً موجعاً فى ص*ر صالح دون أن تدرى، حاول تصنع الجدية ليُخفى ألمه و سألها بروتينية
:- أنتى كنتي رايحه فين يا مليكة ... مفيش مدرسة النهاردة
تنحنحت مليكة بخفوت تدارى شرودها فى ملامح حبيبها وقالت بتلعثم وهى تشير بيدها نحو بوابة المنزل الحديدية المغلقة والأسورة الفضية تتدلى من مع**ها بإنسيابية
:- لا مفيش مدرسة .... بس عندى درس فى السنتر اللى جنبنا
تمالكت نفسها أكثر وهى تُردف بجدية
:- هتيجى تذاكر معايا عربى النهاردة مش كده يا صالح
شرد صالح لثوانى فقد أعتاد على شرح اللغة العربية التى يتقنها لها وكانت هذه الدروس حجة ليتقرب منها ويجالسها، الأن لا يصح أن يتخلى عنها بعد أكتشاف مشاعرها نحو ابن عمه فلا ذنب لها فى خيبته الكبيرة فى حبها فهو من فضل ال**ت والانتظار حتى ضاعت من بين يديه
أومأ برأسه إيجاباً مؤكداً وهو يشير أمامه :- إن شاء الله ... تعالى أوصلك السنتر فى طريقى
ثم التفت نحو أنس الذى يعلم صداقته الكبيرة مع ش*يقه الأصغر قائلاً :- وأنت يا أنس أطلع استريح شوية ... أكيد هتقضى السهرة مع طارق الليلة
التقط أنس حقيبته الملقاة أرضاً ووضعها على كتفه صائحاً بمرح
أكيد طبعاً السهرة صباحى لازم أعوض أيام الجيش :-
ثم استطرد بلهجة أكثر هدوءاً :- اتفضلوا أنتم ... هتوحشونى لغاية ما أشوفكم تانى
بالطبع الجزء الأخير من الجملة غير موجه إلى صالح تماماً ولكنه موجه إلى الساكنة بجواره تتأمل أنس بعيون تفضح عشقها له وابتسامة سعادة تزين ثغرها
لذا تجهم وجه صالح وهو يحث مليكة على التحرك أمامه فلا تسمح كرامته أن يكون فى الوسط بينهم بهذا الشكل
***********************
فى وكالة الحاج إبراهيم جلس صالح داخل مكتبه شارد الذهن يلوم قلبه وعقله على حبه الضائع، يُعيد ويكرر مشهد مليكة وأنس وهمساتهم العاشقة مراراً وتكراراً، وكأنه يجلد نفسه بهذه الذكرى ويوبخ نفسه على أوهامه التى عاش بها لسنوات طويلة وهو يراقبها تكبر أمام ناظريه عام تلو الأخر ويكبر معها حبها بقلبه حتى صارت فتاة جميلة يستمتع بصحبتها وضحكاتها الرقيقة كلما رأها حتى أنه تبرع بتدريسها اللغة العربية التى يتقنها لتكون السبيل للتقرب منها والتشبع من وجهها وروحها المرحة
ولكنه لم يُقدم أبداً على إظهار مشاعره لها احتراماً لأسرتهم وانتظار للوقت المناسب، حاول أن يتذكر أى لمحة حب أو إعجاب قامت بها تجاهه وجعلته يغرق فى وهم هذا الحب ولكنه لم يجد غير الاحترام والتقدير والحب الأخوى التى تكنه مليكة نحوه، فهى دائماً تعتبره بمثابة الأخ الأكبر لها ولم تُظهر إلا مشاعر الأخوة
أوهام : خرجت الكلمة من بين شفتيه بقوة وغضب فى محاولة لانتشال نفسه من دوامة العذاب التى ابتلعته
اتكأ بمرفقيه على المكتب وشبك أصابعه ليدفن رأسه بينهما فى سكون ظاهر لا يع** العاصفة التى تعبث وتهد أركانه داخلياً
دلف الحاج إبراهيم إلى المكتب ولاحظ حالة الشرود التى يغرق فيها ابنه وملامح الحزن التى لطخت وجهه، أقترب منه فى تعاطف يربت على كتفه بحنو مردداً :- اللى واخد عقلك يا صالح .. ماهو لو تريحني وتريح نفسك وتفضفض عن اللى فى قلبك ... أخطبلك اللى أنت عاوزها ولو كانت بنت مين برضو أخطبهوالك
انحنى الحاج إبراهيم قليلاً مردفاً بحنو وتأكيد :- أنا يهمنى راحتك وسعادتك يا ابنى
ارتبك صالح من نظرات والده وكلماته المتعاطفة التى زادت من همه وتوبيخه لنفسه "وكيف أطلب الزواج ممن تهوى غيرى؟ كيف يا أبى أسعد وابنة العمة تهيم حباً وعشقاً بابن العم؟ بينما أنا أسير حبها وعذابها ولكن الخطأ خطأه هو ... فهو يكبرها بما يقرب العشر سنوات وهى دائماً تعتبره الأخ الأكبر والمُعلم وتكن له كل الاحترام والتقدير .... نعم الاحترام والتقدير فقط أما الحب فلا ..... فقلبها مشغول بغيره"
زفر بقوة راغباً أن يلفظ قلبه الواهم من داخل ص*ره، أن يمحو الأفكار التى تطوف فى عقله لتزيد من عذابه، يجب أن يفيق من وهمه ويعود إلى الحياة، يسير فى ركبها وصدق أحسان عبد القدوس حين قال "في حياة كل منا وهم كبير اسمه الحب الأول"
التفت نحو والده و قرر أن يُسعد قلب هذا الأب المكافح المناضل مادام غير قادر على إسعاد نفسه فعلى الأقل يُسعد أسرته
التقط كف أبيه وانحنى يقبلها بحب وإجلال ثم هتف بتلقائية
:- سعادتى فى رضاك عليا يا حاج
همهم الحاج بالدعاء لابنه براحة البال والسعادة، رفع صالح وجهه ليواجه والده قائلاً ببطء
:- أنا موافق على الجواز من صافيناز يا حاج ... بعد إذن حضرتك تكلم والدها فى الموضوع
قطب الحاج إبراهيم ما بين حاجبيه بتعجب ما الذى بدل حال ولده فى خلال ساعات قليلة، يخشى أن يكون مجبر على الزواج فقط لإرضاءه فيظلم نفسه ويظلم بنت الناس
مد الحاج إبراهيم كفه يضغط على كتف صالح برفق وقال بتأكيد
:- اسمع يا ابنى .... أنا صحيح عاوز أفرح بك النهارده قبل بكره وأشيل ولادك بس لو أنت حابب تستنى شويه تفكر أكتر ... بنات الناس مش لعبة ومراتك هتبقى أمانه فى رقابتك تراعى ربنا فى كل تعاملك معاها والجواز مسئولية وعشرة ومودة
تن*د صالح وأومأ برأسه متفهماً قائلاً بثقة :- إن شاء الله أكون عند حسن ظنك يا حاج
***********************
صافيناز ... صافى
أقتحمت والدة صافيناز غرفتها تحثها على الانتهاء من إرتداء ملابسها وزينتها فلقد أوشك العريس وعائلته على الحضور
توقفت الأم تتطلع إلى ابنتها بعيون تروى أجمل وأصدق قصص الحب و الدموع تترقرق بمقلتيها بينما قدميها يسوقانها لتحتضن هذه الفتاة التى شبت وأصبحت عروس جميلة وحان الوقت لتبدأ حياتها بعيداً عن عشها التى نشأت فيه
طال احتضانهم لبعض بقوة وتشبث وكأن العريس سيقوم با****فها الأن ولن يعيدها أبداً، ربتت الأم بحنان على ظهر طفلتها التى صارت عروس وأبعدتها قليلاً تتأملها عن قرب وتُتمتم بالمعوذات والدعاء ليحفظ الله ابنتها من كل شر وييسر أمرها ويمنحها السعادة والتوفيق فى حياتها
صوت تنحنح عالى ومصطنع قاطعهم ليصدح صوت ياسمين أخر العنقود بمشاغبة :- بالراحة شوية يا ماما ... أومال هتعملى إيه لما أنا أتجوز
التفتت الأم نحوها وأجابتها بحنق مصطنع :- لما أنت تتجوزى هدعى لجوزك ربنا يصبره على لماضتك
أنطلقت الضحكات بمرح بينهم ثم بدأت الأم فى سلسلة من التوجيهات والقواعد التى يجب الألتزام بها فى المقابلة، التحدث بهدوء، تسلسل تقديم المشروبات، الحذر حتى لا تسكب محتويات الكوؤس على العريس، إلى آخره من التوجيهات وكأنهم أول مرة يحظوا فيها بضيوف
مسحت صافيناز على ساعدى والدتها بلطف قائلة بهدوء ومرح
:- أهدى يا ماما ... أنا اللى المفروض أتوتر مش حضرتك وبعدين عمى الحاج إبراهيم وعيلته مش أغراب عننا
أرتاحت ملامح الأم قليلاً وعادت تستحثها على الانتهاء والاستعداد لاستقبال العريس ولم يُوقف حديثها إلا رنات جرس الباب التى زادت من توترالعروس بينما هرعت الأم إلى الخارج لاستقبال أهل العريس
************************
تجمعت الأسرتان فى غرفة استقبال الضيوف فى منزل الحاج محمد البكرى وتبادلوا كلمات الترحاب والسلامات والاطمئنان على الأحوال حتى قطع حديثهم دخول العروس حاملة صينية المشروبات وبجانبها ش*يقتها ياسمين تحمل صينية أخرى عليها بعض الأطباق التى تحتوى على الحلوى
وضعت ياسمين الصينية على الطاولة بالمنتصف بينما بدأت صافيناز فى توزيع المشروبات على الضيوف أولاً، بدءاً بالحاج إبراهيم ثم زوجته وأخيراً العريس تصاحبها كلمات الاستحسان والمديح فى جمالها وأخلاقها من الحاج إبراهيم وزوجته وبعد انتهاءها اتخذت مكانها بجانب والدتها بعد أن تفجر وجهها بألوان الطيف من فرط حيائها خاصة وهى تُقدم العصير إلى صالح الذى رفع عينيه فجأة لتلتقى بعينيها المسترقة النظر نحوه فبالرغم من معرفتهما القديمة إلا أنها أبداً لم تكن بذلك القرب منه ولكنه قبض على عينيها المتلصصة إلى ملامحه الرجولية الجذابة
بعد وقت قصير تبادلت فيه العائلتين الأحاديث ماعدا العروسان الصامتان طوال الوقت، العروس بحيائها والعريس بجموده
عرض والد العروس أن يجلس الشابان سوياً لبعض الوقت حتى يتثنى لهما التعارف والتفاهم
************************
نهضت صافيناز وتقدمت الخطى نحو بهو الشقة حتى يتثنى لهما بعض الخصوصية فى الحديث وفى نفس الوقت يظلوا تحت أنظار العائلتين وخلفها تحرك صالح ببرود شديد، جلست على طرف المقعد وحانت منها التفاتة نحو والدتها وكأنها تستشيرها فى مكان وطريقة جلوسها
ابتسمت الأم لها برضا وهزة رأس خفيفة أما هو فاتخذ مكانه على الأريكة بأريحية يتأمل البهو بنظرات خاوية وكأنه يهرب بعينيه منها أو يحاول السيطرة على مشاعره الملولة
طال ال**ت ومقلتيه تدوران فى كل مكان إلا مكان جلوسها ثم زفر ببطء فلا مفر من أن يبدأ هو الحديث، التفت نحوها يتأملها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها بجلستها الخجولة ووجهها المتورد بحمرة محببة
هى حقاً فتاة رقيقة الملامح والطباع، يعرفها جيداً برغم عدم تعامله المباشر معها، ولكنها حقاً فتاة جيدة ومناسبة لولا قلبه الواهم الذى أختار أخرى .... أختار من أختارت غيره
زفر بقوة دفعتها لترفع بصرها نحوه بدهشة، وأخيراً قرر أن يقطع ال**ت فحرك ثغره بشبه ابتسامة وسألها بلامبالاة سؤال تقليدى
أنتِ خريجة إيه يا أنسة صافيناز؟ -:
"يبدو أنه لا يعلم عنها شئ" هكذا فكرت قبل أن تجيب بهدوء
:- أنا اتخرجت السنة اللى فاتت من كلية الحقوق
بادرها بسؤال آخر بنفس الامبالاة فهدفه الوحيد ملء الوقت ببعض الحديث فقط :- ولسه مش بتشتغلى؟
هزت رأسها بالنفى مواكباً مع أجابتها الواثقة
:- أنا مش عاوزه اشتغل
التوى طرف ثغره بنصف ابتسامة متهكمة محدثاً نفسه "فتاة تافهة بغير طموح ولا هدف غير الزواج أما مليكة فهى تسعى للتفوق وأثبات نفسها والعمل بمركز مرموق" وبخ نفسه للمقارنة بينها وبين مليكة فلقد أنتهى من هذه الصفحة وقلبها بغير رجعة ولكن هل يستطيع بآمر بسيط من عقله إلى قلبه أن يُنهى حب سنوات فى ثوانى، عاد من شروده ليعلق على كلامها ببرود مُحمل بالسخرية
:- وأخدتى شهادة ليه مادام مش عاوزه تشتغلى؟ .... وما عندكيش هدف غير الجواز
أمتقع وجهها من هجومه الساخر عليها للحظات ولكنها تنفست ببطء قبل أن تجيب بجدية وقد استقام ظهرها بثقة فى النفس
:- أخدت شهادة عشان أكمل تعليمى و يكون عندى شهادة جامعية تنفعنى فى أى وقت .... لكن أنا مش محتاجة الشغل مادياً يبقى الأفضل أسيب مكانى لحد محتاجة
هزة رأس خفيفة مع التواء فى شفتيه ونظره تحمل السخرية هو كل رد فعله على كلامها بينما استرسلت قائلة بهدوء
:- مش عيب أن يكون هدف الإنسان هو تكوين أسرة وخاصة بالنسبة لتفكير البنات و ربنا قال فى كتابه العزيز "وخلقناكم أزواجاً"
نظره فاحصة جرت على وجهها وهو يتأملها فى **ت وقد جذبه هدوئها وثقتها بنفسها بينما أردفت بهدوء تُحسد عليه
:- وعلى أى حال الجواز مش هدفى ... ده قسمة ونصيب وأنا متوكلة على الله فى الموضوع ده ... أما بقى هدفى أو النشاط اللى بيسعدنى فهو العمل التطوعى وده الدور اللى أنا بقوم بيه فى جمعية خيرية ودار أيتام
تبدلت نظرته المستهزءة إلى نظره حرج ممزوجة بالإعجاب من ثقة هذه الفتاة بنفسها وهدوئها وحديثها الراقى، يبدو أن هذا الجسد النحيل يحوى عقل كبير يعلم هدفه فى الحياة على ع**ه بعد أن تحطمت آمال فؤاده وتفتت أحلامه
تنحنح بخفوت وغير وضع جلسته ليعطى مظهر جدية ثم سألها باهتمام لأول مرة منذ بداية الحوار :- تحبى تسألينى عن أى حاجة؟
ابتسامة رقيقة زارت شفتيها وأحنت رأسها بحياء مجيبة
:- أنا أعرف أن حضرتك شخصية محترمة وقادر على تحمل المسئولية ومن بيت طيب وده يكفينى
ثم رفعت طرفها قليلاً تنظر إلى وجهه لتُردف بتأكيد :- كل اللى أتمناه أنى استمر فى عملى التطوعى لو حصل نصيب بينا
أومأ برأسه متفهماً ونظراته تتفرسها بدقة وإعجاب لشخصها لم يستطع أن يخفيه ثم أشار بيده نحو غرفة الضيوف بابتسامة خفيفة لينضموا مرة أخرى إلى الجلسة العائلة الدافئة
بمجرد أن دلفوا إلى غرفة الصالون تعلقت مقلتى الحاج إبراهيم بابنه ينتظر منه إشارة قبول، إيماءة خفيفة من صالح بجفنيه كانت أشارة علامة القبول على الزواج
ولذلك بدأ الحاج إبراهيم بقلب منشرح وابتسامة عريضة طلب يد الفتاة لابنه البكرى بينما ابتسامة خجلة طلت على ملامح صافيناز التى أسرعت لخفض وجهها أرضاً خجلاً وفرحاً وهى تعتصر أناملها فى خجل وحياء بينما تعالت زغاريد الفرح من الأمهات تشق أسماعهم بسعادة
*****************
يتبـــــــــــــــــع