الفصل الأول
يقال إن العشق والموت متشابهان ..
كلاهما ينقلك لعالم آخر !!!
' جحيم أو جنة '
الخيار أمامك !
لكن :'
عشقه كان كالجحيم المستعر
هوى فيه بقلب شيطان متربص
حتى قبض علي وردة من وسط النيران
ولم يكن قديساً في حبه !
فقد وضعها في سجن من قيود عشقه '
وصارت :''
" وردة في قبضة هاوي "
…
" شاهر .."
وقف دون أن يتحرك وهو لا زال يعطيها ظهره وارتفعت زاوية فمه فيما يشبه ابتسامة مستهزئة .. صوتها خافت .. خافت وناعم يستفزه .. في الحقيقة هي بكل ما تتعلق تستفزه ولا يعلم لأي سبب ؟؟
استدار بملامحه الغامضة :
" أجل "
نفخت في داخلها وهي تكاد تغلي من الشحة التي لا تفارق ل**نه.
تملل في وقفته الأنيقة الشامخة حينما أخبرته ..
" هناك قافلة طبية في إحدى المناطق الشعبية لتوعية الناس ببعض الأمراض أنا أرغب بالاشتراك بها "
لم تظهر ملامحه أي شيء بما يدور بداخله كعادته لا تستطيع أبداً قراءة ما يدور في رأسه ولكن كلمة واحده بصوت قاطع نطقها وهو يستدير :
" لا "
كلمة يتيمة جامدة كريهة مثله .. دون أسباب !! .. ذهبت خلفه بخطوات واسعة تلحق خطواته وهي تهتف بصوت حانق منفعل ..
" لماذا لا ؟؟؟ أنا أرغب بالاشتراك حقاً ..!! "
فتح الباب وهو يستدير لها نصف استدارة يتطلع لملابسها البسيطة فستان طويل بأكمام محتشم كعادتها .. شعرها الأ**د في ضفيرة طويلة مرتخية على كتفها بينما كل الغرق يكون ببحر عينيها الصافية ..
" وأنا أخبرتك أني غير موافق .. انتهى الأمر .."
وانتهى الأمر عند شاهر وهدان يعني لا جدال .!
انطلق بسيارته بينما هي تض*ب الأرض وهي تغلي .. ا****ة علي تلك الأحكام التعسفية ..
………………………………….
دخل إلي الشركة به***ة وسطوه رأس مرفوع نظرات ثاقبة لا تخلو من غموض مخيف ..
يستحق لقب - الملك الغامض - ..
" شاهر وهدان " ..
اسم إذا ذكر فعليك السمع والطاعة لست مؤهلاً لمجابهة أحد أفراد عائلة وهدان ماذا إن كان الملك الغاضب دوماً ولا يرحم ..!
جلس في مكتبه بخيلاء :
" نديم .. !! "
استدار إليه نديم وهدان الضلع الثاني من مثلث العائلة الغامض ..
نديم المعروف بأناقة جذابة في كل ما يخصه .. ملبسه .. حديثه ..
جاذبية تدعوك للاقتراب بدون خوف منه يشعرك بالأمان دوماً وأن كل الأمور بخير وتمام ..
الع** تماماً من شاهر الذي تحيطه هالة من الغموض مخيفة تعزز شعورك بالخطر وتجعلك ترغب بالفرار دائماً من محيطه حيث أن كارثة ما ستحل بوجوده ..
" شاهر سيبدأ الاجتماع بعد نصف ساعة وداغر لم يصل بعد .."
هتف بها نديم بينما تأفف شاهر وهو يقول :
" داغر ومن يعلم ما يدور برأسه الذي لا يهدأ، بالتأكيد في إحدى مغامراته العاصفة "
هتف نديم وهو يهم بالجلوس:
" لنبدأ الاجتماع بدونه .. لقد يئست حقاً من محاولة تقويمه .."
أومأ شاهر يقول بعملية :
" دارين ستبدأ العمل هنا منذ الغد ستعمل بمكتبتك وتحت تدريبك .."
ومنذ نطق اسمها والآخر غرق في واد مؤلم .. حتى هتف باعتراض :
" لماذا تحت إشرافي أنا !! لتعمل بمكتبك أو بمكتب داغر .. تعلم أننا لا نصفى في مكان واحد .."
هتف شاهر بصلابة:
" نديم العمل ليس له أي شأن بالعلاقات الشخصية أو الخلافات التي بينكما .. دارين ابنة عمنا ومن حقها العمل بالمؤسسة وهي رغم كل شيء بارعة وذكية ستلتقط منك أسرار العمل سريعاً .."
أخفي نديم شعوره بالغيظ والغضب ببراعة كعادته ثم استعاد واجهته الجذابة وهو يقول بتوعد بداخله :
" مرحباً بدارين بجحر وهدان …"
………………..
دارت عينه حول هذا المكان البسيط، مكان اكتشفه يجد فيه خلوته بعيد عن عالمه - بعيد عن عالم وهدان -.
ألا يستحق لقب الفهد ا***ذ عن عائلة وهدان حقاً ؟؟؟؟ مكان بسيط يطل علي بحيرة هادئة بموسيقي ليست بصاخبة كثيرا ولكن الصاخب حقا صوت هذا المغني المزعج الذي بدأ بالملل منه منذ ساعة فوق هذا المسرح الخشبي الصغير لم يكف عن استعراض صوته الخشن ..
" سيد داغر …!! "
كان يلعب بسلسال طويل يتعلق به نجمة لامعة .. لامعة جداً تجذب النظر مثلها تماماً كما كان يخصها هذا السلسال .
التفت بنظرات لعوب لهذا النادل الصغير الذي اقترب منه بنظرات مذهولة مثله تماماً ..
" سيد داغر وهدان ؟؟؟؟ فهد السباق في مكان بسيط كهذا !!!! .."
رفع جانب فمه في ابتسامة لا مبالية وهو يجيبه ببساطة ..
" أليس التغيير واجب ؟؟؟؟ "
سأله هذا النادل الصغير بإلحاح وقد لمعت عيناه بإعجاب،
' داغر وهدان' اسم لامع في تاريخ بطولات مسابقات السيارات السنوية..
" ألا تخاف أن يراك الناس في مكان بسيط كهذا .. ماذا سيقولون ؟؟؟؟ .."
ضحك الآخر بخفة وهو يرد باستهانة :
" سيقولون أن ابن وهدان في نزوة جديدة بأحد الأماكن الرخيصة .."
ابتسم الشاب الصغير بارتباك وهو يسأله بعيون لامعة :
" ماذا أحضر لك سيدي .. "
اقترب داغر منه بحركة مسرحية وهو يضيق عينيه ..:
" فقط أخدمني خدمة .. لا تكشف هويتي لأحد أريد الجلوس بمفردي قليلاً دون إزعاج "
هز النادل رأسه موافقاً وهو يعتبر نفسه يقوم بإنجاز كبير ..
" لا تقلق سيدي لن يعلم أحد عن وجودك "
…………..
أخرجت رأسها قليلاً من خلف السور القصير الذي تختبأ خلفه تمسح المكان بعينيها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة شديدة..
لا وجود لمخرج آخر ..!!!
" ا****ة "
اختبأت ثانية عن أعين أولئك الرجال الذين يلاحقونها ..
" اهدئي ليست المرة الأولي التي يلاحقونك فيها .. سيملون البحث عنك ولن يجدوك وستهربين كعادتك .."
في وسط الظلام الموحش والسكون الذي يحيطها كان هناك صوت ألحان أغنية ما يأتي من بعيد ..
لمعت عيناها وهي تلمح ذلك المقهى الشعبي المطل على الهواء الطلق وأنواره الساطعة ..
وأتي لها من بعيد لحن أغنيتها المفضلة .. فابتسمت باستمتاع متناسية أنها لحظات ومن الممكن أن تقع في قبضتهم ..
لكن الصوت !!!!!
الصوت نشــــــــاذ …
" من هذا الآثم الذي فعل بأغنيتي المفضلة هكذا ؟؟؟؟؟ بالله هذا جرم بحقي..! "
هتفت بها في حنق وغيظ شديد ..
تتلاعب بأصابعها وهي تحاول منع نفسها بصعوبة ..
" جوانه إياكِ وافتعال الحماقات دقائق وسيغادرون .. "
لكن في تلك اللحظة انتفضت علي الصوت ثانية وقد جعلها ترتعب للحظة وهو يطيل في إحدى المقامات معتقداً نفسه مغني حقاً ..التمعت عيناها بشر وهي تحدث نفسها ..
' لقد دمر أغنيتي المفضلة !!!! "
….
تأفف داغر وقد بدأ ينزعج حقاً من هذا المهووس الذي يعتقد أن صوته كتغريد البلبل، بينما أصابه صداع وقد تعكر مزاجه ..
نهض وهو يهم بالمغادرة عندما سمع صوت حانق يتخانق مع المغني وقد بدا أنها طفحت الكيل هي الأخرى وأخيراً وجد أحد يعترض
" أيها الأ**ق إياك وغناء تلك الأغنية ثانية .. هل تسمع ؟؟ !! "
" أنا أغني ما أريد أنا صاحب المكان "
" ليس من حقك تدمير أغنيتي المفضلة "
" إذن لتريني أيها البلبل المحلق صوتك المغرد "
تناول سترته وقد خربت خلوته بهؤلاء المزعجين .. لن يأتي الي ذلك المكان ثانية وسيضطر للبحث عن خلوة جديدة ..
خطوة .. والثانية ..
ثم توقف مكانه .. بل تصلب علي صوتها ..
كلحن يعزف للموسيقي وليست الموسيقي بعازفة له ..
استدار إليها .. تلك الفتاة التي كانت تتخانق مع المغني بملابسها البسيطة التي لا تمت للأ***ة بصلة ليست كمعاييره على الأقل حتي أنها ترتدي قبعة رجالية ..
وكأنها في واد آخر .. واد تغرق به بشجن صوتها ..
اقترب منها مغيباً صوتها كالمغناطيس يجذبه ..
عينيها اللامعتين ..
حركات يدها كانت حكاية أخري ترسم بها معزوفة أغنيتها .
وتلك الأغنية قريبه جداً من قلبه ..
ابتسامتها الصافية نقية وجذابة ..
تغني لنفسها فقط هكذا شعر بها وقد أراد أن لو لا تتوقف ..
أخذته بصوتها لرحلة بعيدة علي صفحة نهر راق وقت الغروب حيث الدفء اللذيذ يسري بحواسك ..
لم ينتبه إلا عندما توقفت فجأة وهي تلقي بالميكرفون هاربة !!!!!
استدار وهو يشاهد عدة أشخاص ضخام البنية يلاحقونها ..
لحقها بسرعة وقد اعتراه فضول جم .. لمحها تختبأ خلف إحدى السيارات بينما بدا هؤلاء الرجال غافلين عنها ..
" مرحباً ألم ترى تلك الفتاة التي كانت تغني منذ قليل ؟؟؟؟ "
استدار إليهم عندما سأله أحدهم بخشونة ..
في تلك اللحظة رفعت رأسها الصغير من فوق السيارة ووقعت عيناه في عينيها الماكرة ..
-
انتبه أحد الرجال علي تسلط نظراته وما ان استدار حتي قاطعه داغر بسرعه يلهيه ..
" تقصد تلك المغنية التي كانت تغني منذ قليل .. أجل اعتقد رأيتها تهرب من هذا الطريق الخلفي .."
اسرعوا الي تلك الجهة التي اشار لها داغر .. وما ان اختفوا حتي ذهب الي مكان اختفائها..
" مرحباً أيتها الهاربة .. "
رفعت رأسها بحدة الي ملامحه المستمتعة ..
راقب في الظلام عن قرب ملامحها وهو يشعر بلدغة لاذعة مؤلمة تقبض بقلبه يتذكر أخرى..
تشبهها لدرجة تؤلم..
بدت مختلفة لذيذة شقية جداً وهي تنهض بسرعة تلتفت حولها بحذر ثم همست له ..
" سأهرب من تلك الجهة .. ابقي راقب المكان حتي اهرب هل تفهم؟ .. "
لم يتوقع أبداً أن تأمره بذلك الجلف .. لقد توقع أن تكون خائفة .. مذعورة .. تشكره أو حتى تدعوه لمساعدتها ..أو ربما تكون معجبة به !!!!!
لكن تأمره وكأنها سيدته بدا حقاً مدمرا ً ..
" أنتِ أيتها الهاربة !!!! .."
استدارت تنظر له بملامح شيطانية وهي تعدل القبعة الرجالية …
" أجل "
" يمكنني مساعدتك .. "
غمزت له وهي تهتف بصوت مرتفع ..:
" يمكننك الاحتفاظ بتلك المساعدة مرة أخري .. سأحتاجها .."
لحظة واقتربت منهما دراجة نارية ركبت تلك الهاربة خلف الفتاة التي أشارت لها بسرعة لم يتبين ملامحها التي تخفيها خلف تلك الخوذة الكبيرة علي رأسها .. ولم تنسى تلك الأخرى الهاربة أن تغمز له وهي ترفع قبعتها لأعلي تحييه ..
على الدراجة النارية ..
" أين كنتِ جوانة ؟؟؟!!! أنا ادور حول المكان منذ ساعة .."
هتفت جوانة بضحكة صاخبة ..
" كنت أغني .. "
" لا فائدة منكِ … "
…………………...
" دارين .."
ألتفت لصوته بدلال وبملابس أنيقة فاخرة جداً وضيقة مما أصابه بالضيق ..
" دارين "
ف*نة تمشى علي قدمين تحدي فاز به بين أصدقائه .. تحدي له لتلبية رغبة مجنونة في امتلاكها.. مفتون بجمالها وغنجها منذ لقائهما الأول .. لطالما كانت دارين وهدان محط أنظار الجميع في طبقتهم الرفيعة هي سيدة أي مكان تذهب به بغنجها وجمالها الظاهر وابنة عائلة وهدان المعروفة بعراقتها في البلدة ..
وهو أيضاً ليس بالهين هو ' سامر الجندي ' ..
كان طعماً رماه لها وهو يمثل ببراعة أنه صعب المنال يظهر لها في كل مكان تتواجد به مظهراً جانبه الجذاب متفاخراً بسلطة عائلته وعراقتها ..
وهي تلقت الطعم بترحاب ليس لشخصه وإنما منجذبة لعائلته العريقة ومكانتها المرموقة .. وهذا ما يغري دارين وهدان مهووسة الطبقة المخملية فأما هو فمهووس بامتلاكها، ربما كلاهما مناسبين لبعضها بدرجة كبيرة في نفس الأهداف .
" سامر .. مرحباً .."
قبلها علي خدها بدت قبلة تلقائية خبيثة لكنها ارتبكت وهي تبتعد بتردد كعادتها.. هي جبانة عندما يتمادى وهو خبيث ..
" هل انتظرتِ كثيراً ؟؟!! "
" لا لقد أتيت منذ وقت قصير .. لم أخبرك عملي سيبدأ منذ الغد في مؤسسة وهدان .."
رد عليها بسعادة ..
" مبارك حبيبتي سعيد لأجلك .. أي محظوظ من أبناء وهدان ستعملين معه ؟؟"
ابتسمت بتحفز ولهفة وهي تجيبه بانطلاق :
" نديم وهدان الضلع الأنيق لعائلة وهدان ... بالطبع محظوظ بي هذا الثقيل .. سأمرح كثيراً بفقدانه لسيطرة الواجهة الأنيقة الجذابة لنديم .."
تغيرت ملامحه بتجهم وغضب فهو لا يشعر بالقلق إلا من ذلك الضلع الأنيق كما تقول .. لطالما يشعر به متحفز مستعد للهجوم وخطير جداً عندما يخص الأمر دارين دون أن تدري هي .. وهذا ما يقلقه فهو لا يشعر بالأمان أبداً ناحية نديم وهو يتلقى منه نظرات قاتلة في كل اجتماع به وكأنه غير راضي على تلك الزيجة ولا عنها ..
لكنه أخفى كل ذلك وهو يسألها بهدوء :
" لمَ ليس شاهر أو داغر ؟؟ اعتقد أنك علي خلاف دائم مع نديم .."
أجابته وهي تتن*د متذكرة تلك الخلافات التي لا تنتهي مع نديم .. فهو دائماً رقيق لطيف مع الجميع عداها هي لقد بات مزعجاً جداً لها وكأنه يتعمد احراجها دائماً ..
" داغر كما تعرف يوم في الشركة وعشرة لا .. وشاهر مشغول جداً بمسئوليات ضخمة .. لذا وقع الاختيار علي نديم الجذاب .."
نهرها :
" لا تدعيه بالجذاب.. "
ابتسمت بمرح وهي تسأله بدلال جعله يفغر فاهه :
" هل تغار علىّ يا سامر الجندي .."
غامت عيناه وهو يهتف ..:
" أنتِ جذابة جداً يا دارين وجميلة جداً جداً .. لا أطيق صبراً لإتمام زفافنا .."
أجابته بصوت ناعم :
" تعلم لا أستطيع الزواج إلا بعد عودة والدتي من الخارج .."
هتف باعتراض وهو يمسك يدها :
" سأتحمل لأجل عيونك .. أتحمل أي شيء لأجلك .."
سحبت يدها وهي تبتسم له بجاذبية .. بينما هو تطلع إليها بإصرار لعقد الزفاف في أقرب وقت ..
…………………...
كانت تجلس بغرفتها في الطابق العلوي مندمجة بقراءة أحد الكتب المتخصصة بالطب ..
" لِيلا حبيبتي .. "
التفت بابتسامة محبة لخالتها الجميلة :
" السيدة كاميليا " أو كاميليا فقط كما تطلب من الجميع أن يناديها ..
خالتها الرشيقة والتي لا تزال في نهاية الاربعينات .. تزوجت والد شاهر بعد وفاة زوجته الأخرى رغم فارق السن المهول إلا أن الشيء الوحيد الذي غفر لها عدم قدرتها على الإنجاب وحبها لوالد شاهر منذ عملها معه لا تنكر أن كاميليا استغلت الفرصة وألقت بشباكها لكنها تبقى خالتها التي تعشقها ..
تقدمت خالتها تحمل صينية بها كوب لبن ساخن .. تلك عادتها كل ليلة منذ قدومها إلي جحر عائلة وهدان ..
" تعالى خالتي كم أنا بحاجة إلى ذلك الكوب السحري .."
ابتسمت خالتها بامتنان من قلبها وهي تتطلع لها ربما حرمت من الإنجاب لكن عوضها الله بليلا..
تلك البريئة الصغيرة هاجس ذنبها الذي تحمله فوق عاتقها لا يفارق مخيلتها منذ تولت مهمة تربيتها بعد أن بقت ليلا وحيدة بعد وفاة والديها في نفس العام وبنفس المرض الخبيث ..
ولِيلا تحمل من البراءة والنقاء ما يكفي لغفرانها .. هي حتى لم تشتكي يوماً من أي شيء ..
لا تملك من القوة لتوقف شاهر عن حده لطالما يعاندها بكل شيء ويعلن حرباً عليها على أتفه الأسباب منذ قدومها لذلك البيت كزوجة أبيه .. الشيء الوحيد بحياته الذي قبله منها دون مناقشة أو عناد أو حتى أي رفض هو الزواج من " ليلا "..!
اعتقدت في بداية الأمر أنه يحمل بعض المشاعر ناحيتها لكن لا تعلم ما حدث بالضبط وحوله ..
فهو الآخر بجبروت تسلطه يتلذذ بعكر صفو حياة
تلك اليتيمة يحملها ذنبها الأعظم وكأنه ينفذ مخططه بالحصول على انتقامه منها من خلال ليلا ..
" كيف حال صغيرتي ؟؟ .."
" بخير كاميليا .. عدا أن شاهر رفض مشاركتي في القافلة وقد كنت متحمسة جداً للفكرة .."
أجابتها كاميليا وهي تمسح علي شعرها المسدل كعادتها تطيب خاطرها بالكلمات :
" بالتأكيد هو خائف عليك حبيبتي .. تعلمين شاهر لا يرفض أي شيء بصالحك ألم يتوسط لك بتلك المشفى الكبير ودعمك للعمل بها .."
أجابتها بسخط :
" أجل لكنه كان من الممكن أن يكون لطيفاً وهو يخبرني بأسباب رفضه .. وليس يجيبني بـ " لا " كريهة بغيضة .."
ابتسمت كاميليا وهي تأخذها بحضنها بحنان هي تحتاج هذا العاطفة أكثر من لِيلا ..
لا تنكر تلك الأنانية في الحصول علي الأمومة المتأخرة من لِيلا الصغيرة بعد فشلها من الحصول عليها طبيعياً ..
أما عن شاهر فهو المعضلة الكبرى بالعائلة بقسوته التي ورثها
من جده الذي أشبعه قسوة وصلابة يمهده لاستلام زمام عائلة وهدان من بعده كم كان فؤاد أبيه يشتكي منه كثيراً خاصة من بعد وفاة والدته..
لقد كان لديها بعض الأمل الصغير أن تستطيع ليلا ببراءتها ونعومتها **ر روح شاهر الشيطانية القاسية .. ولكن ما حدث هو الع** تماماً شاهر زاد عناداً وصلابة ..
شاهر وهدان العشق بالنسبة له محرم !!!
فكيف أن يضحي عاشقاً .. !!
بتسلطه هيمن علي لِيلا محكما سيطرته عليها ..
مسك زمام الأمور حتى لا يترك ثغرة توقعه في الحب ..
والضحية كانت لِيلا ..
( لكن لديها بعض الأمل فلِيلا لا تعلم أنها تمثل تهديد لمملكة شاهر وهدان وعرشه العتيد .. هي فقط من رأت ذلك بعينيها ذات مرة وإلا لم تكن لتصدق ولو أقسموا لها أغلظ الأيمان وهذا ما يعطيها بعض الامل للآن
لذا تن*دت بحيرة وهي تهمس لليلا :
" دعينا ننام سوياً ليلا و*دا نتصرف مع الملك الغامض شاهر وهدان .. "
………………….
صباحاً استعدت وهي ترتدي فستان طويل وفوقه سترة طويلة خريفية مميزة وأنيقة ثم تناولت حقيبتها وقبل أن تخرج ألقت على نفسها نظرة راضية أخيره …
نزلت علي الدرج خاطفة كل درجتين معاً وهي تلحن بمرح قبل أن يعكر صفو صباحها صوته المتهكم ..
" على مهلك المشفى لن تطير يا دكتورة ليلا.. طبيبة السلام .. "
لمَ تأخر اليوم أي حظ جعلها تقع بوجهه هذا الصباح !!
..
تأففت بداخلها وابتلعت كلماته السمجة وهي تستدير له بابتسامة مصطنعة :
" صباح الخير يا شاهر .."
ابتسامته لم تصل فمه وهو يرفع حاجباً :
" أرى مزاجك جيد اليوم .."
" أجل مزاجي جيد ولا أرغب لأحد أن يعكر صفوه .. أحد ما ربما رفض بدون أي مبررات اشتراكي في الانضمام لمساعدة الناس .."
نزل السلم بقوته وغروره وهو يجيبها ببرود :
" لا جدال في الأمر .. تعلمين أنني كنت سأرفض من الأساس من قبل حتى أن تعرضين الأمر .."
استشاطت غضباً وهي تشعر بعدم اهتمامه بما تريده هي .. هو فقط لا يبالي سوي بأوامره التي يجب أن تطاع وصورته التي يجب أن تبقي محفوظة شامخه وقوية .. وهي ما عليها سوى الطاعة ..!
لذلك هتفت بغيظ :
" يمكنني الذهاب بدون علمك .."
استدار بغتة وهو يهتف بقوة وحزم وقليل من الشراسة :
" لكن لِيلا الصغيرة لن تفعل فهي تدرك عواقب الأمر .."
بهتت ملامحها وهي تراقب ظله أجل تعلم عواقب عصيان أوامره .. وليست مستعدة أبداً لتجربة عقابه مرة ثانية .. ليست في موضع قوة لمجابهة غضب شاهر وهدان وقد جربته مرة بحياتها
أما ما خلف ذلك العقاب فلا تريد ان تتذكر تكفى الذكرى عند تلك النقطة. !
" لن أكون ليلا سلطان إذا لم أحرق شيطانك .. لكن فقط أحتاج شذوه نيران تساندني لمجابهتك .."
………………………….
همت بركوب سيارته عندما سمعت صوت مدلل آخر .. مال هذا الصباح التعيس الذي لا ينتهي .. وتلك المرة كانت المدللة دارين ..
" مرحباً لِيلا .. أو أقول دكتور لِيلا .."
ردت لِيلا من تحت أسنانها ..
" نادي مثلما شئتِ دارين .. لكن اتركيني اغادر لقد تأخرت اليوم كثيراً.."
سألتها دارين بخبث :
" ما هذا المزاج ؟؟؟ هل هو شاهر من أغضبك كعادته .. يمكنني التوسط لكِ عنده .."
أجابتها لِيلا بابتسامة سمجة :
" أشكر روحك الخدومة وسعة ص*رك .. فلتحتفظي بتلك الواسطة لنفسك.. بملابسك تلك أعتقد أنك أنتِ من بحاجة للمساعدة …"
ضحكت دارين وهي تهتف بتكبر :
" لِيلا ألا ترين أن جميع من بطبقتنا يرتدون تلك الملابس لا تفهمين في فخامة الملابس .. لم يعلق أي أحد سواكِ علي ملابسي بينما أنتِ بملابسك المتزمتة تلك تحرجين الجميع .. حتى شاهر يتعمد عدم اصطحابك معه إلي أي مكان ألم تفكري انه ربما بسبب ملابسك تلك !!.."
كتمت لِيلا جرحها الغائر بقوة وهي تخفي ألمها من ذكر نبذ شاهر لها وتعمده عدم الاختلاط بها في أي مناسبة عائلية ويتباعد عنها بصلف وغرور واضحين جداً لأعين الجميع ..
" إذا كان حجب مفاتني عن أعين و**ة تلتهمها بغير حقها تزمت فأجل أنا متزمتة حتى لو كان هذا لا يعجب طبقتك المخملية التي تتفاخرين بها .. وحتى لو لفظني شاهر كما تدعين فأنا لِيلا سلطان امرأة رجل واحد ولن أسمح لأي أحد آخر أن يتطلع إلي ولو كانت مجرد نظرة هكذا علمني أبي وهكذا يرتدون بنات السلاطين .."
القت قنبلتها وهي تعدل الوشاح الملتف على شعرها ثم غادرت بسيارتها الصغيرة بينما الأخرى وقفت جامده وهي تتذكر شخص أخر كان يكرر لها نفس الكلام مرارا وتكرار ..
إنها تشعر بوجود خطأ ما بحياتها ولكنها لا تدركه ..
……………………..
....................................
التقت هاتفها بمرح وهي تفتحه بحماس :
" مرحباً جميلتي .."
ردت الاخرى بسخط :
" جوانه أريد رؤيتك اليوم .."
" علي الرحب والسعة سوف انتظرك بالجهة الغربية كما نتلاقى .."
قاطعتها هاتفه :
" أريد أدوات الملاكمة احضريها معكِ .."
فردت الاخرى بمرح :
" اووووه الجميلة غاضبة !!! .. .."
……………………
كانت تقف علي إحدى الصخور المتراصة أمام شاطئ البحر
الهواء يحمل رائحة البحر يطير خصلاتها القصيرة بينما هي تصفر بانتعاش تبدو للناظر إليها من بعيد غير حاملة أي هم ومن يعلم بما يدور بالقلوب ..
" جوانة " ..
( بطلة الخديعة ).. هكذا يدعونها بطلة الخداع والمكر وهذا شيء لا يعيبها أبداً تلك الحياة أخدوعة كبيرة كي تعيش بها وحتي لا تُدعس يجب أن تكون مخادعة كبيرة .. وفي الحقيقة لا أفضل منها في ذلك ..
جوانة **رت إحدى قواعدها المتينة وسمحت لأحدهم أن يخترق حياتها صديقتها الوحيدة منذ زمن ولى على آخر مرة جربت أن تصادق أحدهم والنتيجة كانت مخزيه مؤلمة بل ب*عة جداً عدلتها عن فكرة اتخاذ صديقة بعد ذلك ..
لكن ..!!
' فتاة الدراجة البخارية ' والموجودة دائماً في
الوقت المناسب لإنقاذها اخترقت قواعدها تشعر دائماً أن كل منهما تحتاج للأخرى بطريقة ما حتى لو لم يعترفا بذلك فكل منهما تسد للآخر مكان أصبح فارغ برحيل أحدهم ..
كل منهما وجد طريقه للآخر وكأن القدر حمل لها هدية مشاغبة ومثيرة .. تذكرت بمكر أنها الوحيدة التي تعرف شخصية صديقتها الحقيقية الوحيدة التي استطاعت التسلل إلى دواخلها .. لتكشف الوجه الحقيقي المشاغب الذي تخفيه عن الجميع خلف وجهها الهادئ المسالم لتمارس معها اخطر المغامرات المسلية ..
ضحكت بصوت مرتفع عندما كبلها احدهم من الخلف ..
" لِيلاج سلطان ' ابنة السلاطين ' ووردة عائلة وهدان .. "
ضحكت الأخرى وهي تحذرها ..:
" جوانة لقد حذرتك من استخدام هذا الاسم يا فتاة …"
" لماذا ليلاجي اسمك يشبهك كثيراً كالثلج الذائب .. "
تن*دت ليلاج وهي تخبرها :
" لا أحد يناديني به سواك .."
أخبرتها جوانة بمرح :
" تلك الليلة في لقائنا الأول عندما سألتك عن اسمك جاوبتني بدون تردد ليلاج سلطان .. "
ابتسمت ليلاج وهي تتذكر أول لقاء بينهما كان عاصف بمعنى الكلمة ..
فجوانة كعادتها كانت مطاردة من قبل رجال ضخام البينة .. وجدتها نازفة في أحد الشوارع الجانبية تحاول الهروب في إحدى الليالي حالكة الظلام والمؤلمة جداً لها كانت هي الأخرى تهرب من ذكرى مؤلمة ..
لم تتردد أبداً بمساعدتها وهي تنقلها لبيت الأخيرة وهناك ضمدت جراحها ومنذ ذلك الحين ونشأت علاقة متينة تفوق الصداقة بكثير ..
كلاهما وجد المرسى عند الآخر هي تظهر طبيعتها وشخصيتها الحقيقية أمام جوانة .. وجوانة تحتاج إنسان حقيقي بعالهما بعيداً عن عالم المطاردة والخداع الذي تعيشه ..
" أين ذهبتِ ليلاجي ؟؟؟ هيا يا حلوتي حلبة المصارعة جاهزة …"
ماذا لو علم يوماً شاهر وهدان حقيقة الوردة البريئة التي يكبلها بقبضته ؟؟؟
..
………………………...
في جزيرة بعيدة جداً عن المدينة وبالأخص بمنزل كبير يقبع على تل تلك الجزيرة ..
( جزيرة السلاطين )
داخل ذلك المنزل تقبع أحكام وأعراف ومثل كل بلد يحكمها حاكم كان لتلك الجزيرة كبير السلاطين من بيته تتوالى العادات والتقاليد ..
جلس بهيبته العتيقة في مجلس الرجال ونظر بعين ثاقبة لم تفلح تلك التجاعيد في الثني من هيبته بل زادته حكمة ومظهراً سلطاني ..
ض*ب الأرض بعصاته فنظرت له عيون جميع الجالسين ..
" ' ليلاج سلطان ' اصبحت طبيبة كبيرة وتعمل في مشفى كبير بالمدينة ..تلك ابنة صدقي سلطان يا أبي .. "
ض*ب الأرض بعصاه مرة أخرى ونطق اسم واحد جعل الجميع يتحفز بغضب ..
" شاهر وهدان ..! "
أكمل ذلك الرجل بشرارة ..
" لازالت تعيش مع كاميليا أخت والدتها في منزله .. ما وصل إلينا أنه يكمن حصاره حولها دون حتى أن تدري رأينا في بعض المرات رجاله حولها في أكثر من مكان .. "
رفع رأسه هاتفاً بقسوة ..
" لا زال ابن وهدان كما هو منذ آخر لقاء لنا .. ابنة صدقي سلطان وابنة السلاطين بسببه هو لا تعرف شيء عن عشيرتها ولم تأكل حتى من خبزهم .. "
نهض مستقيماً على عصاه ..
" حان الوقت لتعلم ابنة السلاطين أن خلفها تكمن سطوة قوم .. حمدان بني ستذهب منذ الغد للمدينة واحضر لي تلك الفتاة .. "
نهض حمدان واقفاً باحترام ..
" أمرك يا كبير السلاطين .. "
غامت الذكرى البعيدة لابنه صدقي بعينيه هتف بداخله ..
( وشاح السلاطين جاهز لألبسه إياك يا ابنة السلاطين .. )