
حلّ سكون الليل، ونزلت معه ظلمة قاتمة لا يكاد يُرى فيها المكان، وارتفع في أرجاء غابة "سوليوس" صوت عربة حمراء تحركها أحصنة سوداء تركض بسرعة غير عادية، وكأنها تحس بشرّ المكان. أزاحت "ألوكا" الستار عن النافذة لتنظر إلى الخارج مستغربة من اسوداد المكان، لتنظر إلى الأعلى وتجد سماءً فارغة لا قمر ولا نجوم إلا ما استطاعت رؤيته صدفة. نعم إنها لا تبدو ليلة عادية، وهو وقت خاطئ للانتقال عبر هذه الغابة، ولكن ليس لديهم خيار آخر.وبينما هي سارحة في تفكيرها، فجأة لمحت ظلاً يتحرك فوق الأشجار وكأنه شخص يرتدي رداءً يطوف فوق الغابة يحدق في العربة، ثم بعد ثوانٍ عديدة ظهرت ظلال أخرى حتى غطت الغابة. نظرت "ألوكا" إلى هذا المنظر واقشعر بدنها من رعبه! استمر ظهور الظلال ثم إحمرّت السماء وظهر قرص مشع ملولب أعمى بصرها، فأنزلت الستار وتراجعت إلى الوراء وأمسكت قلبها النابض بقوة، وانقفلت حنجرتها دون صوت. وعندها هاجت الأحصنة وزادت سرعتها، وعلا صوت سوط الحارس يحاول زيادة سرعتها، ولكن لم يُسمع صوته وكأن ما يحصل أمر اعتيادي.بعد لحظات خفت الضوء، وأعادت "ألوكا" النظر إلى الخارج فرأت الظلال تختفي واحداً بعد واحد إلا ظلاً واحداً... أول ظل رأته في البداية؛ كان يقترب ببطء من العربة بعينين حمراوين متوهجتان. وبعد لحظات وصل إلى النافذة وصارت "ألوكا" وجهاً لوجه معه... ثم اختفى.شعرت "ألوكا" بالدوار وأُغمي عليها، ووجدت نفسها داخل أرض واسعة تبدو كأنها قلعة في السماء، ذات جدران عالية وبيضاء بزخارف ذهبية ملكية. مشت داخلها تنظر بدهشة لضخامة المكان وفخامته، ثم نظرت إلى الأمام لتجد تمثالاً لم تستطع تحديد تفاصيله ، وفجأة استيقظت على صوت يناديها باسمها:"آنسة ألوكا... آنسة ألوكا! استيقظي آنستي، لقد اقتربنا من قصر السيد روكسون، نحن في أرضه... سنصل إليها بعد دقائق."شعرت "ألوكا" بدوار شديد عند استيقاظها، ونظرت من النافذة لترى القصر في الأفق... تلك القلعة التي عاشت فيها أجمل لحظات طفولتها. وبينما هي سارحة في خيالها جاءتها لحظة إدراك: لقد نامت ليوم كامل! أسرعت تبحث عن المرآة ونظرت فيها لتجد شعرها مجعداً وملابسها غير مرتبة وآثار اللعاب من النوم لا تزال على وجهها. لا تستطيع إيقاف العربة للاغتسال لأنهم سيرون ذلك من نوافذ القصر، فأسرعت بتبليل قطعة قماش وتنظيف وجهها، ثم قامت بتسريح شعرها وتبديل ملابسها المبللة تستعد لمقابلتهم.وصلت العربة إلى قصر خالها السيد روكسون، لتجد طاقم القصر في الخارج في انتظارها ومعهم خالها السيد ريتشارد وزوجته فلورينس. نزلت من العربة وركضت بسرعة لتحتضن خالها وزوجته، وتستطيع أن ترى في عينيهما الاشتياق لها، فكيف لا وقد أحباها وعاملاها كابنة لهما!قالت السيدة فلورينس:"لقد تأخرتِ في الرجوع إلينا!"فقال السيد ريتشارد:"لا تعاتبيها يا فلورينس، اتركيها ترتاح أولاً فقد كانت الطريق طويلة عليها."فقالت "ألوكا":"المعذرة على ذلك، لم تكن الأوضاع مناسبة في المنزل..."فقاطعها خالها قائلاً:"تبدين مرهقة من الطريق. سيريكِ كبير الخدم فريدريك الطريق إلى غرفتكِ، وستساعدكِ إيريال على تبديل ملابسكِ والاغتسال، وانضمي إلينا مساءً في الحديقة لشرب الشاي."عندئذ قرقرت بطن "ألوكا" من الجوع، فضحكت السيدة فلورينس قائلة:"أظن أن أول طريق يجب أن يريها إياه هو طريق قاعة الطعام!"ضحك خالها ثم قال:"إذن يا فريدريك، خذ الآنسة إلى غرفة الطعام واحرص على أن تحصل على وجبة متكاملة."ذهبت "ألوكا" إلى غرفة الطعام حيث ملأوا الطاولة بمختلف أنواع الوجبات. ولما خرج فريدريك انهالت على الطعام تأكل بشراهة؛ إذ لم تتناول الطعام منذ يومين. تنهدت "ألوكا" بعمق بعد أن أنهت الأكل وسرحت في تفكيرها، وبدأت تحاول استرجاع ما حصل في الطريق: ماذا حصل؟ ومن هؤلاء؟ وما كان ذلك الضوء؟ وذلك الشيء الذي كان ينظر إليها... من يكون؟لم تمر دقائق حتى دق فريدريك الباب:"هل أنهيتِ تناول الطعام آنستي الصغيرة؟ سأريكِ غرفتكِ الآن."هزت "ألوكا" رأسها وذهبت مع فريدريك إلى غرفتها. دخلت إليها ،لم تتغير منذ آخر مرة كانت فيها ، لم تكد تسرح في ذكرياتها حتى قاطعتها إيريال قائلة:"لقد سخنتُ الحمام لكِ لتستحمي."نزعت "ألوكا" ملابسها ودخلت في حوض الاستحمام تستمتع بالماء الدافئ، ثم بدأت تفكر في ما حدث؛ ذلك الشيء الذي كان يحدق فيها: (ماذا كان يريد؟ ماذا حدث ؟ ربما سأسأل خالي لاحقاً فالغابة ليست بعيدة عن قصره. لا أعلم كيف استطاع "ماركوس" تمالك أعصابه في الطريق ولم يفقد الوعي! لطالما علمت أنه شخص قوي، فكيف لا وقد اختاره والدي ليكون مرافقي وحارسي؟ وما رأيته في الحلم يبدو أن له صلة بالموضوع، ربما يكون له تفسير في مكتبة القصر، وعلى ذكر المكتبة أين يا ترى يكون الآن؟....)خرجت "ألوكا" من الحمام وارتدت ملابسها التي حضرتها لها إيريال، وقامت بتصفيف شعرها، وخرجت إلى الحديقة حيث كانت السيدة فلورينس مع الجدة كاترين في انتظار مجيئها.احتضنت الجدة "ألوكا" بحرارة قائلة:"أووو صغيرتي الجميلة، لقد كبرتِ بسرعة وازدَدْتِ جمالاً! لماذا تأخرتِ عن المجيء عندي؟ لقد اشتقتُ لكِ وأنا غاضبة منكِ الآن!"فقالت لها "ألوكا":"المعذرة يا جدة، لقد اشتقتُ لكِ أيضاً. الآن سأبقى معكِ وقتاً أطول هذه المرة."قالت لها الجدة:"بالطبع يا صغيرتي، لا تهتمي بالمشاكل التي تحصل في بيتكِ، هنا لن يزعجكِ أحد وستستريحين بوجودكِ معنا هنا."حصلت مشاكل في قصر عائلة "ألوكا" سببها أعداء العائلة، ورأى والداها أن من الأفضل لها أن تعيش مع خالها بعيداً لتتفادى أي خطر.بعد بعض الوقت وصلت إبنة خالها الآنسة "سيسيليا"، ألقت التحية عليهن واحتضنت "ألوكا"، ولم يستمر لقاؤهما طويلاً إذ وجب على الآنسة "سيسيليا" العودة قبل غروب الشمس.صعدت "ألوكا" إلى غرفتها تنظر إلى حديقة القصر ، سارحة في تفكيرها: (كم تبدو ساحرة مع تلك الأضواء التي تضيئها في الليل! لقد مر نهار ولا يوجد أثر له... أين يا ترى يكون؟ أيعقل أنه غادر القصر؟)وفجأة.... رأت شخصاً يجلس في الحديقة. أيعقل أنه هو ؟

