ثلاثية طائر الفينيق.السوس

1819 Words
سكنت الصحفية سارية في ضاحية بحري، الي الغرب من فيلا عمر الإمام والد سماح وفي ذات شارع البلدية حيث تقف عمارة ابراهيم طلب في أحد طوابقها سكنت البنت الحديقة حبيبة كوارتي التي فقدها في رحلة بحثه عن سماح حيث ذهب ولم يعد وأخر سيرته أن عمي النيل بعثه خارج حدودها ليأمن عليه من الموت علي ايدي الرجال السوس وهو يعلم أن خروجه عن خارج حدودها موت لكنه ظنه موت أرحم، الموت موت، إن كان بمقصلة أو بحقنة مورفين أو بالبعد عن سماح... غرفة سارية واسعة في داخلية فخمة للبنات تطل علي الضفة الشرقية للروح، ملحقة بحمام خاص، لا تعرف عن مُساكناتها غير أسمائهن التي تغيب عنها دائما عند السلام علي إحداهن، غالبا ماتخرج بُعيد الفجر تجلس الي ضفة الروح تحادثه ويحادثها، هذة عادتها عندما تعود الي بورتسودان، تخرج من منزلهم في ذات المواعيد، تمشي حافية علي الرمال الناعمة الرطبة في الشاطئ تراقب شروق الشمس، ترتب تفاصيل يومها علي هذة الرمال تكتبها بأصابع واثقة من اهدافها، وفي كل يوم تكتب هدفها الأول ايجاد سماح، ثم تسلسل بقية التفاصيل حسب أولوياتها، قبل أيام لما قابلت أستاذة عواطف، في مكتب استاذ سامح بالجامعة، لم تربط بينه وسماح،عنفت نفسها لذلك، خففت من وأطة اللوم قائلة أنا لم أقابل سامح قط مع سماح ،كما أنني تعرفت عليه حديثاً، ولم نتبادل الكثير من التفاصيل، وأنني لما أبديت بعض أعجاب به تذمر حبيبي طاهر، ففضلت ان أحفظ مسافة مناسبة بيننا، إبتسمت إبتسامة صافية وصادقة ع**تها لها صفحة الماء التي تواجهها كمرآة، دائما تباغتها الإبتسامة عندما تتذكره لسانه الثغ يقلب السين ثاء، تحبه وتنسي العالم أمام ناظريه، هو كذلك يحب سمرتها وجنونها وقلادتها الزرقاء... ينظر اليها الكائن إ** في كتفها الأيسر اعلي القلب مباشرة، يحاول اختراقها الا ان الهالة الزرقاء تحيط بها تحميها منه ومن معاونيه، جدتها كانت تعلم أنها ستقابله لذلك أحاطتها منه ومن شروره ومن شرور معاونيه بتلك القلادة، نظرت الي صورتها في الماء الي ابتسامتها قلادتها غسلت وجهها ساعديها وقدميها لبست صندلها وطفقت راجعة لتبدأ تنفيذ مهامها اليومية بالترتيب الذي كتبته علي رمال شاطئ الروح... التنبؤ يعني توقع حصول حدث ما في المستقبل البعيد، وعادة مايرتبط بالاحداث الكبيرة، كموت الملوك بطريقة معينة أو في وقت معين، غير العادة المتعارف عليها، وقد يكون علي مستوي المواقف المفصلية في حياة الشخص كزواجه مثلاً، فشله في حياته أو نجاحه فيها... لا غيب في الحياة، إذ ان كل الذي يحدث لك في المستقبل أنت الذي خطط له في ماضيك وحاضرك، وحتي وإن خطط له شخص غيرك، فقد قبلت أنت تخطيطه لك وأثنيت عليه، كل تفاصيل الحياة صغيرها و اليومي فيها، الذي يتشكل ليكون كبيرها من النتائج، انت من رتبت لذلك، حتي موتك أن أردته أتاك، ليس لأنك خارق، لكن لأن الله عندما أنتهي من خلق الكون، زوده بمشغل ذاتي ليدير أموره، فلا نرجع إليه إلا في الأمور الكبيرة حين يفشل الكون في تدبرها، فيخر ساجداً لله يسأله الغوث والمعونة... كانت عند شاطئ الروح لما جاءها طلق مخاضها بنبؤتها، أتآها في **ر من الثانية، في غفلة من الكائن إ** الذي لاتفلت من مراقبته الدائمة لها، فلتت عندما كتبت مهامها اليومية علي شاطئ الروح، وأرفقت أن هدفها من الحياة،الحصول علي المعرفة وتسخيرها في للعثور علي سماح... المعرفة! رنت الكلمة في أذن الجني الحاخام، هنا وفي هذة اللحظة بالذات، تنبه الذي يسكن الروح وهو تابعته الجنية الملولة، أن هدفه تطابق مع هدف احد الإنسيين، وجده بعد طول بحث... هنا إنشق الماء كأنه قطعة قماش، بسيف من ضوء، ذات السيف شق سارية الي نصفين، رق السيف انسل من شفيره خيط ضوء غير مرئي ربط قلب الجني بقلب سارية وتوحد صارت تبصر بعين غير التي تري بها، وتسمع مالا يسمعه الأخرين ... صحا الكائن إ** من غفلته نظر الي سارية، حيث النقطة علي يسارها النقطة التي يمني نفسه بإختراقها، لم يجدها لأن الجني الحاخام دسها تحت القلادة الزرقاء التي ترتديها منذ أمد بعيد... مضي يومها عاديا في الصحيفة بين مؤانسة حبيبها وترتيب اوراقها، كان الحاخام يعينها في ان تكون هادئة، عادت باكراً الي غرفتها في الداخلية، دخلت دون ان تسلم علي رفيقات سكنها، كانت ساهمة، لأول مرة تفرست في تفاصيل اللوحات، التي رسمتها في أوقات متفرقة، كانت تفرغ حزنها وغضبها وحبها، بان تريق الحبر والألوان علي الورق او الكانفس، أو تنحت علي الخشب والجبص... درست دبلوم للفنون الجميلة في وقت مضي، بعد أن فارقت سماح ومجموعتها، اللوحة الأولي كانت للسودان بأمياله المليون، اللوحة الثانية لدوائر متداخلة مع بعضها، ذات مركز واحد، الثالثة لسماح بشعرها الممشط بوب وشفتاها القرنفليتان، نامت حال وصولها بعد أن استحمت بماء الروح البارد المندفع عبر صنبور الحمام، نامت كمن لم ينم من قبل... تداخلت في عينيها اللوحات الثلاث،إطار الخارطة المليونية، أصبح بشعر ممشط علي هيئة البوب، وشفتين قرنفليتين، الدوائر الثلاث تفرقن من مركزهن الموحد، ليصرن عينان وانف، توحدت هذة الملامح، تحت ظلال سمرة ألفتها، لم تكن غريبة عليها،خرير المياة يحيط بالصورة السابقة المنع**ة علي وجهه، يعزف أغنية يردد بين مقاطعها كلمات، كأنها نشيد كوني.. السِفر المكانُ وما يحويه متدثران بالسواد الطلسمُ عصيٌّ على التفسيرِ، فقرٌ تام في شعاع الضُوءِ المنع** على بؤرةِ العينِ. الشعاع شرطُ اكتمال الرؤية، ووضوح الصورة، التي يجب أن يتعرف عليها الدماغ، الصورةُ منغمسةُ في سوادِها، أو قد لا تكون هنالك صورة... العتمةٌ طاغية، المكانُ خاوٍ، الطلسمُ يحتاج إلى تفسيرِ، وإن انسكب الضوءِ، فهو لا يع**ُ شيئاً؛ غيرَ اللا شيء. ما يجري انعدام للرؤيا ما يجري تحديقٌ في الفراغِ... تسكنُ العتمةٌ القلبَ والعقل، تبحث الروح عن متنفس، ليكن ومضة، كوة، طاقة، أو نفاج.. إذن لنُكَون معاً ملامح صُورتِنا؛ نرسمُ مكوناتَ المكان، نقابل سواد العتمة؛ ببياضِ الورقةِ، نُمسِك بالقلم جميعاً وفي ذات اللحظةِ، يختار كلٌ مِنا لون الحُب الذي يُحب، يرسم بهِ ملامحَ لوحته التي تجب، يجب أن نرسمَ اللوحةَ، يجبُ علينا تفسير الطلسمِ وحل اللّغز، علينا أن نوجد للروح نفاجها. تعالوا معي افعلوا ما أفعل، ولنبدأ الآن، نحن قادرون على الرسمِ والفعلِ، أثناء سماعنا للموسيقى، الموسيقى الهادئةَ المنسابةَ تلك، أتسمعونها؟ إنها مقطوعتنا الخاصة، تعزِفُها موجاتُ الرُّوحِ مرحِّبةً بنا، عند التقاء قيشون بجيجونِ، عند المُقرَن، نرسم ونستمتع بالموسيقى وننفعل بها، نرقص... أنا أرقصُ، أدورُ في الهواءِ، أرفع يدي بمحازاةِ جسدي، أصلُبني، أسمو، أضحك بصوت عالٍ هاهاها، أتحرر... يرجع إليّ صدى صوتي، بعد أن يُعيدَ ترتيب المفردات وتعريف المعاني... أنا أرقصُ مع الأقدام الجميلة الشفافة، شفافيةُ اللّحمِ تُبينُ ما يلُفُّه من عظامٍ لَدنةٍ؛ لُدُونةَ بنتِ اللّيونِ، التي تستعصي على الوصف، الأقدام الأزلية راقصة، ماكثة وفاعلة، أرقصوا معي دوروا في الهواء، ارفعوا أيد*كم بمحازاة أجسادكم كصليب، دوروا، أسموا؛ اضحكوا بصوت عالٍ هاهاها تحرروا... سيرجع اليكم صدى أصواتكم، بعد أن يعيد ترتيب المفردات وتعريف المعاني... أنتم، أرقصوا مع الأقدام الجميلة الشفافة، شفافيةُ اللّحمِ، تُبينُ ما يلُفُّه من عظامٍ لَدنةٍ؛ لُدُونةَ بنتِ اللّيونِ، التي تستعصي على الوصف، الأقدام التي ستقودكم إليّ... الصوت، يبعث فينا إرادة السمو، لنتخفف منا، ونصل أعلى سنام ال ***ة، أرفعوا القلم من رقدته وسأرفعه، اجعلوه يستقيم على الورقة وسأجعله، حتي نحرر البياض السجين، الآن! وضعنا النقطة الأولى؛ في الخط الأول وبدأنا الرسم... نعم هكذا بشويش، أرايتم فعلناها... رسمنا الحرف الأول، وسنكمل الكلمة الأولى، ونستمر حتى نكتشف... لغة تخاطب نيوترونات الأرواح، اللغة الخفيفة، هي ليست كلغتنا اليومية المدركة، هي لغة الله، والحب، يمثل الحرف فيها ألف معنى، تسابيح وتراتيل وترانيم... نكتشفها، نتعلمها، نتشربها، نكونها، تسعى بين الناس، يكتشفونها، يتعلمونها، يتشربونها، يكونونها. الحب، جذوة الحياة الحب طاقة الحياة الحب فقط هو الذي سيوصلنا إلى مبتغانا الحب فقط هو الذي سيوصلنا إلى سماح رددت سارية النشيد، حملت الريحُ سِفرَ الإياب إلى المعراج، زلزلت أرضه؛ تحت قدمي المالعنو، ذلك الشرير، الذي ضحك ضحكة مخيفة هزت الكون... ضحك المالعنو بصوت مدوٍ وهو يقول: هذة تمنياتكم وتمنيات كاتبتكم الحالمة، لكن هذا مستحيل وسأحرقكم قبل حرق سفركم أيها السماحيون... ينعق قائلا: أنا سليل مُنزلكم من الجنة، فهل ستهزمونني بصوت يتردد في الحلم؟ سارية: الصوت يبعث فينا الإرادة لهزيمتك. يستشيط غضباً: أنا المالعنو لا يهزمني صوت يخرج من جب الحلم. تصاعدت الموسيقي، بانت الكلمات حفظتها سارية عن ظهر قلب، إنخفضت رويدا رويدا حتي تلاشت، شق صوت فخيم رتابة خرير الماء المحيط باللوحة، تدثري بالحب من زمهرير الغربة، ثم زوري منزل سماح، هناك ستجدين رأس الخيط إتبعيه... مضي الليل ثقيلاً كعادته شتاءاً، قتلت دقائقه وثوانيه؛ بأن علقت إطارا جديداً، مشدود عليه كانفس جاهز، أخرجت ألوني وفرشاتي من أدراج منضدة الكتابة بقرب الحاسوب المحمول، خططت للوحة جديدة كما رايتها في الحلم، رسمت الإطار المليوني، إستغرق ذلك وقتاً طويلاً، قبل ان أستسلم للنوم مرة أخري... إستيقظت مبكرة، صلت إحتست كوب الشاي، خرجت بهمة ونشاط الي الشاطئ كتبت مهامها اليومية علي رماله، عادت الي غرفتها أعدت نفسها للخروج، اول مهامها هي، زيارة منزل سماح كما رأت في حلمها المخترق من قبل الجني الحاخام... دوائر قالت الأستاذة عواطف لسارية: كانت سماح تلعب مع الفتيات الصغيرات أمام هذا الدكان، تحت مظلته ذات اللافتة الحديدية الصدئة،مكتوب عليها "دكان عبد الدائم"، مع وأمل وحنان وأخريات، يلعبن لعبة "سلوى"، بأن تجلس إحداهن القرفصاء، في منتصف دائرة، يصنعنها وهن واقفات، ثم يدرن حولها مرددات الأهزوجة: سلوى يا سلوى مالك بتبكي عايزه إيه؟ تجيبهن المتقرفصة: عايزة صديقتي. يسألنها: صديقتك مين؟ تجيب: صديقتي سماح. تأتي سماح بفستانها المزركش، متسع الدائرة، زاهي الألوان، أحمر وأصفر وأزرق، لتجلس في منتصف الدائرة، ثم تدور الدائرة من جديد، وتتكرر اللعبة. يدورون يدورن تخب سماح في دورانها وتسرع في إيقاعه، تلبي نداء النوبة بحلقة الذكر في حمد النيل، الدائرة حاضرةحول نار تقابة الذكر، في المسيد حيث خلاوى تحفيظ القرآن، وترديد الأذكار: حي قيوم حي قيوم حي قيوم حيقيوم حيقيوم حيقيوم توقد نار التقابة من الحطب، الذي يجمعه حفظة القرآن في الخلوة، يجلسون حولها كل ليلة، يقرأون على ضوئها، ما كتبوه في ألواحهم الخشبية.. النار عظيمة، متدرجة الألوان، ألوان الطيف السبعة، يتلوى لهبها كلسان "أصلة" تنقض على فريستها، يتلوى لهبها كأنثى قيد النشوى، تتدرج ألوانها من الأحمر إلى البرتقالي ثم الأصفر، الأخضر يتبعه الأزرق ينسل منه البنفسجي، ثم يبدو طرفها أبيض؛ يشف اللون يبدي مكونه، ينعدم؛ يدخل برزخ الدائرة اللا مرئية، يلتحم الكبار مع الصغار الفتيات والصبيان كلهم عبيد الله، يخف تأثير الذكر، يبقي من الصغار وحدهم في الدائرة الثالثة يلعبون الفات الفات في ايدينو سبعة لفات والجبة وقعت في البير وصاحبها واحد خنزير والصول ضرب التلفون عمي علي بياع الزيت ساق مرتو وداها البيت وفي البيت عامل زعلان وفي القهوة شارب فنجال وفي البنبر وقع اتفنقل... دائرة ثالثة: فتيان صغار وفتيات صغيرات؛ سماح، حسام، أمل، أشرف، حنان، محمد. سُمر ونحيلين؛ قلوبهم بيضاء ناصعة تتلألأ، خالية إلا من حبهم للحياة، التي أهدتهم ضحكاتهم، المنطلقة بعذوبة وبراءة، يتراشقون بالحصيات الصغيرة؛ يتقافزون كالغزلان، يمرحون بحب، كانوا يلعبون مساءً، أمام دكان الحي لصاحبه عبدالدئم... يلعبون "الفات الفات"، يجلسون في شكل دائري، يقف أحدهم خارج الدائرة، يحمل خرقة ويدور حولهم مهرولاً، ويردد الأهزوجة ويرمي خرقته عشوائياً، ومن تقع عليه الخرقة، يركض خلف صاحب الخرقة، الذي يغافله ويجلس في مكانه بحركة سريعة، يركضون خلف بعضهم فرحين، يتعبون، يعودون إلى بيوتهم قبيل الغروب، تستقبلهم أمهاتهم، ينظفنهم، ويهدينهم أكواب حليب أبيض بياض قلوبهم، ثم ينامون على حكايات جداتهم... دخلت سارية الي غرفة سماح،خرجت وهي تمسح ماعلق بوجهها من دموع، مرت تحت النيمة العتيقة، وهي تودع أستاذ أحمد عبد الرحمن وأستاذة عواطف، طرق الباب، فتحه والد سماح، وجد والدة حسام خطيب سماح ورهط من النساء، وقبل أن يرد عليهن التحية، تقدمت اليهن أستاذة عواطف أسمعيني أنا ختي بالك هنا ما تعملي لي فيها أستاذة، معلقة لي نضاراتك دي، متفلقصة كدي وما عايزة تتكلمي معاي... تتحدث، ترتجف أرنبة أنفها العريض، بينما تُغمض عيناً وتفتح الأُخرى بالتناوبِ، يتطايرُ الزبدَ من فمِها، ينحسر ثوبها عن رأسها، يكشف قحالة منتصفهِ من الشعرِ، تسرع لترفعه وتواصل شجارها: بتك ولا الما بتك الملقطة دي ودت ولدي وين؟ أثناء شجارهما سمعت صبياً ينادي: يا ناس الحلة البعاتي. كلمينا مشت وين؟ إن شاء اللة البعاتي دا، يجيك إنت وبتك. انخفض صوت صراخها قليلاً، تناغم مع صوتها السري... البعاتي وين ياربي؟
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD