بينما في تلك اللحظة نجده بغرفة مكتبه جالسا بشموخ ، يطالع عدة أوراق بيده ، شعر بوخز بقلبه ، بدأ يعلو وجيبه ويزداد فجاه ، كأنه قد استشعر وجودهم هنا الان
من سوف تعطيه و تسلبه الحياة ، يعلن له عن تمرده وعصيانه القادم له ، شعر بالاختناق وانتفض من موضعه، توجه لشرفة مكتبه ، كأن لجسده رغبة ان يتشارك معهم أول أنفاسهم هنا بقربه ، تن*د محاولاً أخذ نفسا عميق ، لعله يشعر بالراحة مما أصابه ، ما هي إلا عدة دقائق ، حتى تصاعد رنين هاتفه أجاب هو -
- خير يا زفت قول مصيبة إيه اللي هتقولي عليها!
ما أنا عارف ما بسمع صوتك أو شوف وشك إلا و انت بتحكي عن مصيبه أو مشكله ...
أجابه عوض برهبه :-
- اسف إني بزعج حضرتك دلوقت لكن دكتور زياد هنا و معاه حرمتين شكلهم صغير اوى و قال إيه بيقول عليهم دكاترة و أن حضرتك عندك خبر بوصولهم ، كان لازم أبلغك و أتأكد من كلامه .
بينما هو قد تركزت حواسه على صوت أنثوي غاضب بجانبه ، أستمع لها تقول لعوض ::-
- ايه (,حرمتين دي ما تتلم و بعدين ، إيه بيقول عليهم دكاترة دي) مش عجبين حضرتك إحنا و لا إيه هو مش هنخلص من الحوار ده ،أنا زهقت منك ، هو هستني كتير على ما حضرتك تأخذ الأذن من الشيطان و لا الجحيم بتاعكم ده .
أجاب هو والغضب قد تمكن منه : مين دي اللي بتتكلم يا عوض
عوض : : دي وحده منهم حضرتك مع أنها شبر و نص بس ل**نها شكله أطول منها
تفاقم غضب حور : مين دي اللي شبر و نص واللي ل**نها أطول منها احترم نفسك و اوعي تفكر إني هخاف من السلاح اللي في ايد*ك دا و لا باسم الشيطان اللي ترددوا كل شويه و فرحان بيه كأننا عيال صغيره و نترعب ، بص أنا خلاص صبري كله عليك خلص، واخلص بقى الليلة دي ، عشان عايزه امشي من قدامك ، لأنى مش هقدر اتحكم في أعصابي و أمسك نفسي عنك أكثر من كده انا من ساعة ما شفتك و انا مش عارفه ليه مش مرتحلك ، أنجز في يومك دا
قال زياد لها قلقاً من ذاك المستمع لحديثها خلف سماعة الهاتف : اهدي يا دكتوره بلاش مشاكل هو بينفذ الأوامر ،، ثواني و هنمشي ، قوله يا عوض اني عاوز أكلمه ...
بينما كان هو على الجهة الاخرى يستمع بغضب لحديث لتلك الفتاة وشراستها
و تهديدها، و قولها أنها لا تخاف أحد، حتى انتبه
لعوض يقول له:-
_ دكتور زياد عايز يكلمك
أمره بإعطائه الهاتف
اخذ زياد الهاتف وقال له :-
- آسفين حضرتك على الازعاج
لكن عوض رفض يسمح للدكاترة اللي
كنت تكلمت معاك بخصوصهم ، هما المفروض
كانوا يوصلوا بدري لكن القطار أتأخر ممكن تسمح لهم بالدخول .
لم يستمع له جيداً ، كانت حواسه مع صوتها هى ، يستمع لها تتحدث بتهكم وسخرية::-
- كمان استأذن منه إذا كان ينفع نتنفس هنا و لا لا ؟ دا شكل الوقت اللي هنقضيه في البلد هنا هشوف فيه العجائب .
تجاهل حديثها حالياً بملامح مقتضبه متوعده ، ثم وجه حديثه لزيادة قائلاً ::-
- اه فعلا صحيح يا دكتور زياد نسيت اقول لعوض ، خلاص أنا هفهمه يا دكتور و عرفهم بقواعدنا هنا و ضرورة الالتزام بيها..
ثم تابع قائلاً ::-
- كمان بلغ الدكتورة اني ليا مقا**ه معاها عن قريب
زياد بقلق لحديثة الاخير :-
- تمام شكرا لحضرتك عوض معاك أهو
اعطى تلهاتف لعوض، اخذه سريعاً واجاب
استمع له يقول :-
- خليهم يدخلوا يا عوض و ابعت الرجالة بعربيه وراهم لحد ما يوصلوا المضيفة ، كمان خلي حد من الرجالة اللي هناك يأخذ باله منهم عشان هما ستات لوحدهم ..
ثم أغلق الهاتف و الغضب قد اعتراه، وتمكن منه ولج مجددا إلى مكتبه، يتابع عمله متوعدا لتلك الشرسة ...
بينما عوض أمر أحد الرجال ان يساعدوا في حمل الحقائب إلى سيارة دكتور زياد ،
رمقته حور شزرا حينما كانت تذهب من امامه ، حتى صعدوا إلى السيارة ، كاد أن ينطلق بها إلى أن أوقفه عوض قائلا :: هبعت معكم عربيه فيها رجاله تحرسكم على ما توصلوا المضيفة ، دي أوامر البيه أنا قولتلك عشان ما تقلق
زياد : تمام يا عوض ..
من ثم انطلق بسيارته ، نظرت بضيق من نافذتها متابعه الطريق المظلم و هذه البلدة الساكنة و الغارقة في ظلامها، و جهلها ، كأنها مدينة خالية بلا حياه ، لا أثر لامرأة واحدة فى المكان محتجزات في بيوتهم كالسجناء دون اعتراض خوفا من بطش من لقب نفسه عليهم زعيما ، شردت متحدثة :: -
- الناس هنا اذاي متحملا كدا و الستات ازاي ساكته، و راضيه بالظلم دا!، أنهم يتحبسوا كده من المغرب و يناموا ذي الفراخ ..
زياد :مفيش حد هنا في البلد يقدر يخالف اوامره ابدا الكل بيخافوا منه و يحترموا
و كل كبيره و صغيره هنا في البلد بيكون على علم بيها ، غير ان هو معندوش تفاهم
اللي يعصي أوامره يتعاقب بأشد عقاب بساحة السوق ليكون عبره للكل
تحدثت حور والدهشة تعتريها :للدرجة دي !!!
زياد : طول ما انتم تتبعوا قوانين البلد هنا ما فيش مشكله بس في حالة الأنسة حور و أعصابها
ياريت تبتعدوا عنه لأنه مش بيفرق في ال*قاب ما بين ست او رجل ، كلهم عنده واحد في الذنب و عقابه
شعرت حوريه بالقلق وتحدثت لأول مره، قائله بخفوت ::- يا ساتر يا رب ربنا يكفينا شره ، احنا ما لناش دعوه بيه و لا عايزين نشوفه مش عايزين أي مشاكل
طالعها زياد بابتسامه و رمقها بنظرة إعجاب واضحه لهذا الملاك قائلاً ::,هو مش وحش اوى كده هو بيعمل كده عشان يحميهم من مطاريد الجبل و ما يطلعوا وحده منهم عشان كده البلد محاوطة بالرجال المسلحة متوقعين أي محاولة هجوم منهم على البلد لكن الشيطان وقف لهم بالمرصاد و قادر يحمي البلد بس مانعا لأي مشاكل منع الستات من الخروج بليل عشان حصلت حالة اختفاء كذا مره و بسببها حصل مشادة بينا و بين المطاريد فكان دا القرار المناسب وقتها لحمايتهم ..
تحدثت حوريه بقلق ودون انتباه تفوهت :: سواء وحش أو حلو مش حابين نشوفه ، احنا جاين في مهمة نقضيها و نمشي.
زياد متسائلاً :: مهمة إيه
رمقتها حور بنظرة تحذيرية وقالت ::- قصدها التدريب هنا في المشفى
زياد :اه تمام بس للأسف يا آنسة حور شكلك استفزتيه بكلامك مع عوض
و قال أعرفك أنه هيقبلك عن قريب
تحدثت حور بحده وشجاعة : مش فهما دا بيهددني يعني يا أهلاً وسهلاً يشرف مش أنا اللي أخاف من حد...
أجابها زياد محذراً، فهو اعلم الناس به :ــ
ــ أنصحك يا دكتوره تتحكمي في غضبك و عصابيتك قدامه و بلاش استفزاز ليه لأنه لا هيرحم و لا هيفرق إذا كنتي ست او رجل .
وجهت حورية حديثها بقلق ظاهر ، فهي تدرك طبيعة أختها وأنها قد تفتعل مشاكل معه ::-
- حور ارجوكي تجنبي خالص انا ماليش غيرك و أسلوب العناد و التمرد لو قابلك انسيه و انك تسيريه مش غلط و لا هيقلل منك بلاش تقفي قصاده عشان خاطري .
قالت حور بضيق من حديثهم : ايه المحاضرة دي كلها يا حوريه انتي هتخافي انتي كمان منه و لا إيه!!
قال زياد : انصحك كمان انك تخافي يا أنسه
حور بغضب : ما تعلمتش أني اخاف من حد
بابا الله يرحمه علمني أكون قوية و أخد حقي و أني مش لازم أخاف أبدا
حوريه بتأثر : الله يرحمه بابا كان مفيش منه
زياد : الله يرحمه..
ثم يضيف محاولاً تغيير الأجواء ::- هو صحيح مين فيكم الأكبر اللي تولدت الاول ..
من ثم ينظر بابتسامة لحوريه ::- أنتى اكيد الأخت الكبيرة .
نظرت له حوريه بابتسامة فخر : اه أنا أكبر بخمس دقايق
زياد بأندهاش :: إللي يشوفك لا ممكن يصدق انكم تؤم !! أنتم مش شبه بعض خالص !!
حور بابتسامه : فعلا لا شكل و لا شخصيه كمان ، إحنا مختلفين جدا
كان زياد يطالع حوريه من المرآة بإعجاب ، قائلاً بينما هو هائم بجمالها ::-
- اه ما أنا فعلا لحظت كده انتي ع** الأنسة حوريه خالص ، مش انسه برده ?
تداركت حور نظراته المعجبة بش*يقتها، فأجابت قائله بدلا عنها ::-
- أيوه هي أنسه
ارتسمت الابتسامة على ثغر زياد،
واعترتها الفرحة بذلك ، تابع القيادة و هو يقول: أحنا الأول هنروح للبيت عندنا
لأن بابا في انتظاركم مشتاق لكم جدا بيقول
أن مر أكثر من شهر على اخر مره شافكم و كمان عشان ماما متشوقة
تتعرف عليكم و نتعشى سوا ...
أجابت عليه حور بأرهاق شديد معتذرة :ـ
أسفة مش هنقدر والله أحنا تعبانين جدا و هنموت و ننام
إن شاء الله بكره نتعرف علي طنط و نطمأن علي جدو
زياد :لا طبعا ما ينفعش بابا و ماما بانتظاركم .
اجابت هي هذه المرة حوريه بعيون ناعسه ::-
و الله فعلا مش هنقدر انا بجد هموت وانام و كمان احنا أكلنا في القطار سندوتشات و عصير
ابتسمت حور قائلة بنبرة مازحة :ـ
ـ حوريه عايزه تنام و هي بتتحول وقتها بلاش أول لقاء يكون في حالتها دي أحسن و بعدين يا دكتور احنا هنا و الايام جاية كتير و اكيد هنيجي لحد ما تزهقوا مننا ..
تحدث زياد و هو مازال يطالع حوريه بمرآة السيارة وعينا لا تحيد عنها ::- أنتم تنورونا اكيد و ابدا ابدا عمرنا ما نزهق منكم ..
ابتسمت حور داخليا على هذا المعجب الولهان بأختها من أول نظره متمنيا لها السعادة ، أنتهي الحديث بموافقة زياد مجبرا على إيصاله لهم إلى المضيفة ، متمنيا عدم انتهاء هذا الطريق ، مستمتعا بمتابعة ملاكه من مرآة السيارة ، لكن للأسف انتهى الطريق و وصلا إلى المضيفة سريعا ، ترجل من السيارة و حمل هو حقائبهم و ادخلها ومن ثم قال
زياد ::- أنا أمرت هانم تنظفها و تجهطكطزها قبل ما توصلوا يعني متقلقيش يا أنسة حورية تقدري تدخلي تنامي على طول .
نظرت له حوريه بابتسامه ، ثم دلفت دون وداعه ، أرتمت على الفراش بملابسها دون تغيرهم ، أو حتى نزع حجابها ، نظر هو على إثرها متفاجئا ، تحدثت حور مبرره غباء أختها ::-
مش قولتلك عند النوم و حوريه بتنسي كل حاجه اسفه بجد عنها وشكرا بجد يا دكتور زياد
تحدث زياد متفهماً ::- على ايه احنا خلاص بقينا أهل و اكيد انتي ذي اختي الصغيرة .
أجابت عليه حور بنظرة لؤم ::- اكيد انا و حوريه نحب يكون عندنا أخ كبير ذي حضرتك ،
أمتعض وجه زياد قائلاً سريعا ::- اه طبعا عن اذنك لازم أمشي
قهقهت حور مستمتعة بمضايقته ، دلفت إلى المنزل المكون من غرفة نوم واحدة مكونة من سريرين صغيرين و غرفة استقبال صغيرة و حمام و مطبخ ..
قامت بوضع حقيبتها بإهمال على فراشها و فتحتها ، أخرجت بيجامة مريحه بيضاء اللون ، دلفت إلى المرحاض لتنعم بحمام ساخن يريحها من تعب السفر ، ما إن خرجت حتى تمددت على فراشها تفكر في مستقبلهم وهذا السر الذي خبئه عنهم والديها لأعوام ، الذي غير مجرى حياتهم كليا، شارده كيف اكتشفته و من ثم تستسلم أخيرا للنوم متعبة من كثرة التفكير .
على الجانب الآخر نجده قد خرج من مكتبه ممد على الفراش يجاهد ان يغفو دون جدوى، فقد سيطرت عليه ذكريات الماضي و اوجاعه، مثل كل ليلة ، انتفض من الفراش مهرولا إلى غرفة السباحة الخاصة بهذا القصر الضخم
و نزع عنه ثيابه باستثناء شورت اسود وغطس بالماء لعدة دقائق، كأنه يحارب أشباح الماضي ثم رفع رأسه اخيرا لهاثا للحصول على الهواء
كرر فعلتها عدت مرات، من ثم يصعد وجفف ذاته ، توجه إلى غرفته و بد ثيابه لبنطال قطني و بقى عاري الص*ر وتسطح على سريره إلى أن غفا أخيرا و أستسلم للنوم.
.............
تقودنا الحياة دون إرادتنا
تتجه بنا نحو اقدارنا
مجبرين على تقبلها
فلا نملك حرية الاختيار
و لكننا فقط حينها نلجأ
للتمني بحسن الأقدار
و إن لا نضيع في متاهة
الحياه بلا هوادة ف*نهار