🌸 " طَيفُها " 🌸

3535 Words
وِزر الاشتياق ومعصية الرؤية "الفصل الثامن" ما إن وصل كلاهما للمنزل أمس بعد انتهاء الزفاف وقد كان في عالماً موازياً، فقط كل ما يدور بخُلدهِ هو ما حدث أمامهُ بالحفل.. حتى بالسيارة حينما كانت تُحادثهُ كان لا يُجيب إلا بالكاد، ما إن دلف وقام برمي سترتهِ أرضاً دون أن ينتبه لها لم يفق إلا على صوت هتافها بهِ: ـ خالد.. خالد هل تسمعني؟؟ انتبه لها ليقطب بين حاجبيهِ وهو يُجيب مُبتلعاً رمقه: ـ نعم.. نعم سارة؟ تن*دت بضيق وهي تتحدث: ـ ماذا بك خالد؟ ألا ترى بأنها ليلة زفافنا وأنت لم تُعيرني أي اهتمام.. ما هذا الذي تفعله؟؟ زفر بعمق وهو يبتسم ابتسامةً باهتة ليقترب منها واقفاً أمامها وهو يعتذر: ـ أعتذر، أنتِ مُحقة.. أشاحت بوجهها جانباً وهي تعقد يديها أمام ص*رها في إشارةٍ للاعتراض ليغمض عينيهِ مُحثاً لها على التوقف: ـ هيا سارة أرجوكِ لا تفعلِ هذا.. حدقت به لتنفخ باستسلام وهي تتحرك نحو دورة المياه: ـ حسناً سأدلف لأستحم وأغير الفستان.. أومأ برأسهِ دون أن يُكلف نفسهُ عناء إيقافها ليتوجه نحو الشرفة وهو يقوم بإخراج لفافةَ تبغٍ ليقوم بإشعالها وهو يجلس على مقعدٍ وثير متواجد أمام الزجاج مُحدقاً بالخارج... فقط كل ما يُرسم أمام عينيهِ هو فستانها الأحمر وخصلاتها السوداء تُلفح وجهه بينما ابتسامتها تُنير عُتمة ليلهِ.. كيف تمكن مِن الصمودِ والابتعاد، لقد حطم القاعدة ووقع في غرام المريض، ضحكت بخفوتٍ كالمجنون وهو يتمدد على المقعد للخلف بينما فمهُ لا يتوقف عن إخراج الدخان السام بما يعتلي ص*رهُ مِن حُرقة بينما شفتيه لا تتوقفانِ عن الهمس: ـ رأيتها اليوم.. وليتني لم أراها.. ابتسم بسخرية ليُردف بغضبٍ ضاحك: ـ كل ما يخص عُمر البحيري؟؟.. يخصه؟؟!! زادت ضحكاتهُ ليرفع قبضته وهو يقوم بالضرب على يد المقعد عدة مرات ليبتسم هامساً: ـ هنيئاً لك عمر.. هنيئاً لك بهناء.. ما أنت قد نلت الهناء بالفعل... ألقى باللفافة بعد انتهى منها ليضع رأسه بين يديهِ وهو يُطأطئ أرضاً بينما بداخلهُ على وشكِ الانفجار وهو يحاول السيطرة عليهِ بكل ما يُمكن ليوقفهُ عن هذا هتاف زوجتهُ وهو تتلمس كتفيهِ: ـ خالد!! انتفض فزعاً وهو يحدق بها بغرابة لتُبادلهُ النظرات بتعجب ودهشة: ـ ما بك؟ هل أنت بخير؟؟ أخرج أنفاسهُ مُتقطعة وهو يحاول استعادة وعيه ناهضاً أمامها: ـ أجل.. أجل أنا بخير، متى انتهيتِ؟؟ ابتسمت بنعومة وهي تلتصق بهِ لتتلمس أناملها ص*رهُ هامسةً: ـ الآن فقط، أغلبك الشوقُ أم ماذا؟؟ حدق بها بصمتٍ دون أن يتفوه بكلمة واحدة لترفع نفسها على أمشاط قدميها لتُقبله بنعومة وهي تبتعد دون أن يتحرك ولو قيد نملة أغمض عينيهِ لثوانٍ ليُعاود فتحها مُجدداً ليجدها أمامهُ تبتعد عنه مُحدقةً به، فقط كل ما يراهُ الآن هو شوقهُ... ترتدي ثوباً حريرياً أبيض وخصلاتها الكثة السوداء تنساب على كتفيها بينما ابتسامتها تفترش ثغرها.. ابتسم بأعين هائمة قائلاً: ـ أنتِ هنا؟ اقتربت منهُ وهي تهمس له: ـ أجل طبيبي.. وأنا أريدك.. لا تبتعد، أريد أن أقضي ليلتي بين أحضانك، لا تتوقف عن بثِّ حُبكَ لي يا خالد.. أريد أن أشعر بكل ما بداخلك لم يكن واعياً بأن المتحدث هي سارة إلا أن عينيهِ لا ترى سواها، وحدها جوهرته الغالية.. وبكل رحابةِ ص*رٍ سيُلبي طلبها .. وبسخاء!! لم تشعر الأُخرى سوى بوجهها حبيس قبضتيهِ بينما هو يلتهم شفتيها في قُبلةٍ ضارية وشوقٍ قاتل لتتفاجأ بشدة مِن هذا الجانب الذي تراهُ بهِ هكذا.. أيشتاقها إلى هذا الحد؟!! لم تُعطي نفسها الفرصة للتفكير بل كل ما يهم الآن أن تستمتع بهذا الشغف.. كان يلتهمها ليوزع قبلاتهِ على وجهها ومن ثم نحرها الطويل بينما أنامله تعبث بجسدها لتُطلق همساتها المُتسارعة كالمُغيبة: ـ خالد.. أحبك شعرت بيديهِ التي تتسلل نحو رباط ثوبها وهو يقوم بنزعهِ بعنفٍ هاتفاً بهمسٍ مبحوح مِن فرط العاطفة: ـ وأنا أعشقكِ جوهرتي.. ابتسمت باتساع وهي تعتقد بأنها المنشودة مِن لقبهُ لتُبعد عنقها عن شفتيهِ لتُمسك بوجههِ وهي تقوم بإعادتها نحو ثغرها لتتفجر بداخلهِ نيرانٌ افترستها فلم تعي لشئ سوى أنه قد توجه بها للفراش ليطرحها فوقهُ وهو يعتليها ليكمل ما قد بدأهُ أصبحت الساعة الرابعة فجراً وهو يجلس على الفراش بينما هي نائمة بعمق بعد أن أرهقا، كان يتجرع لفافةِ التبغ بشراهة بينما بداخلهُ يسب ويلعن بقوة وقلبهُ يتآكله الغضب.. لم يشعر بما حدث، لما يشعر بنفسهِ وهو يفقد السيطرة، ما إن أتى طيفها أمام عينيهِ وقد عُميت الأبصار وغاب عقله.. ما الذي يجب عليهِ فعله؟ بما يُصنف نفسهُ الآن؟؟ ولمن هو خائن؟؟ لزوجتهِ لأنه لا يحبها ولا يستطيع تركها أم لعشقٍ قد ظهر في وقتٍ خاطئ وقد أخذ أيمانا على نفسهِ بأنهُ لن يمس امرأة غيرها وها قد حنث بقسمه.. همست شفتيه بخفوت: ـ بل أنا و*د، أنا حقير ووغد.. نهض مِن فراشهِ وهو يتوجه لدورة المياه ليستعد للصلاة بينما بداخلهُ يدعو الله بأن تنتهي هذهِ الدوامة ويستطيع اتخاذ قرارٍ قطعي... على الجانب الآخر كانت صامتة لا يص*ر عنها سوى الجمود، كانت على قدرِ الإمكان تحاول التخفيف عن روحها إلا أن مُحاولاتها باءت بالفشل.. كل ليلة كانت المشارك الوحيد لعبراتها هي وسادتها فقط، وبالنهار أمام الجميع هي كالجبل الذي لا تهزهُ ريح.. بالليل وحينما يأتي الاختلاء بحالها فقط لا يُسمع بحجرتها سوى همساتها الباكية: ـ أهنتُ عليكَ إلى هذا الحد يا خالد؟؟ كيف تمكنت مِن فعل كل هذا بي!! كيف قسوت بهذهِ الطريقة؟؟ أتلمسها الآن؟؟!! ازداد بكائها وهي تُردف : ـ أتسمح لها بعناقك!! بتقبيلك وأخذ كل ما حرمتهُ عليّ؟؟ ا****ة عليك خالد ا****ة عليك.. هتفت بكلماتها الأخيرة بقسوة وقهر لتستمر وصلة نحيبها بصمت، وهكذا روتينها اليومي كل ليلة منذ حفل الزفاف، منذ هذهِ الليلة التي لن تتمكن مِن نسيانها طوال حياتها.. ليلة كانت تزف بها حبيبها لأُخرى، لم يكن بمقدورها فعل شئ هو وحدهُ كان يستطيع الاختيار هو الوحيد الذي كان يملك القرار ولكن ما الذي فعله؟؟ لم يفعل شئ .. تركها، وبكل بساطة لم يعاود النظر نحوها، كل ما يمكن القيام بهِ الآن هو البكاء علّ هذهِ العبرات تجف وكل ما يعتمر ص*رها يخرج وتتخلص منه بالكامل.. بعد مرورِ أسبوع.. تململ في فراشه ليُفتح جِفنيه ببطءٍ وقد اتضحت عليه آثار النعاس، اعتدل بجزعه لتقع عينيه على الطرف الآخر خاوياً، تثاءب وهو ينهض متجهاً نحو الحمام في اعتقاد بأن زوجته تقوم بتحضير الفطور... تحرك بخُطى مُترنحة ليغلق الباب خلفه وهو يحدق بالمرآة، شردت مقلتيه بليلة زفافه و ما حدث بها، أسبوعٍ كامل.... منذ تلك الليلة وكأنها كانت ليلة الوداع لم يصل إليه أي خبرٍ عنها سوى رفيقه عمر الذي أنبأه بأنها بخير حينما جاء ليبارك له . كان يجلس أمام رفيقه يحدق به بنظراته الجامدة التي التقطت لمعة عينيه كلما أتى على ذكرها، بتلك اللحظة كل ما استطاع القيام به هو النهوض من أمامه متعللاً بقيامه بأمرٍ هام لن يستغرق منه بضعة دقائق وسيعود سريعاً .... ما إن اختلى بنفسه وقد قام بضرب الحائط بقبضته عدة مرات وقد فارت الدماء بجسده ليُردد من بين أسنانه : ـ ا****ة على ما يحدث، لا يمكن أن يحدث هذا حدق بمرآة حجرته وهو يُردد بأعينه المشتعلة التي تجمعت بها غشاوةً مِن العبرات: ـ لا، لا يمكن أن يحدث هذا؟؟ لا تستطيع أن تقترب منها!!.. لااا تقترررب منها يا عمر!!! جسد له عقله صورةً لها تقف خلفه لتهتف بابتسامة مُتهكمة : ـ و لما لا ؟ حدق بها من المِرآة وهو يهز رأسه بالنفي : ـ هذه مُزحة ... أعلم ذلك تغضنت تعابير صورتها الوهمية بابتسامة تحمل القهر، ليهز رأسه بالنفي بقوة وهو يصرخ بعصبيةٍ شديدة : ـ أخبريني بأن هذه مُزحة ليس إلا ؟ تلاشت صورتها ببطءٍ وهو يحدق بها بأنفاسه التي تخرج بحدة، أفاق من شروده على صوت طرقاتٍ على باب الحمام و هُتاف زوجته من الخارج : ـ عزيزي هل أنت بالداخل ؟ هتف بهدوءٍ وهو يقوم بغسل وجهه : ـ أجل، دقائق واخرج بعد مرور بعض الوقت حاول التماسك، خرج وهو يجفف وجهه بالمنشفة لتقع عينيه على زوجته وهي ترتدي ثيابها المُنمقة ويجاورها حقيبة السفر الكبيرة، اقترب حاجبيه ببطءٍ من بعضهما وهو يتساءل مُقترباً منها : ـ ماذا هناك ؟ و لمَ هذه الحقيبة هنا ؟ ابتسمت بهدوءٍ وهي تُجيب ببساطة : ـ سأسافر لألمانيا ... بعد ثلاث ساعات ستُقلع طائرتي رمش بعينيه بغير فهم قائلاً : ـ أعتذر لم أفهم ؟ تن*دت بعُمقٍ وهي تهتف بابتسامتها : ـ حبيبي، لدي مؤتمرٌ عالمي سوف يُعقد بدءاً من الليلة في تمام الثامنة مساءاً، لم أستطع إبلاغك بالأمر كنا مُنشغلين بالزفاف .... لقد أرسلوا إلي للحضور كممثله لبلدي أما بخصوص رسالتي سوف أنهيها هناك كما اتفاقنا مُسبقاً، لقد تم حجز تذكرتي وميعاد الإقلاع بعد ثلاث ساعات مع كل كلمة كانت تتفوه بها كان حاجبيه يرتفعان ببلاهة وكأنّ الأمر عادي !!، ألقى بالمنشفة على سريره وهو يقترب منها بخطواتٍ بطيئة بثت بها القليل من الخوف إلا أنها لم تدع ذلك يؤثر عليها : ـ أستميحكِ عذراً، أطربيني بما قُلته الآن يا سيدتي ؟ طأطأت برأسها أرضاً وهي تتهرب من نظراته التي تُهدد بالإنفجار بينما عاودت حديثها بشجاعةٍ زائفة : ـ هناك مؤتمر وأنا يجب عليا ..... شهقت عالياً وهي تشعر بأظافره التي تقبض على ذراعيها تفتكان بلحمها بينما صوته قد صم أذنيها : ـ هل تمزحين ؟؟ هل أنتِ مجنونه أم ماذا ؟!! كيف لكِ أن تتخذي هكذا قراراً بمفردكِ وبكل بساطة تتوقعين مني الموافقة عليه ؟؟ تلاشى خوفها لتحتد نظراتها وهي تحدق به هاتفةً : ـ ولما ستعارضني ؟ هل تريد أن تهدم كل ما بنيته أنا بتلك السنوات ؟؟ هل تريد تحطيم حلمي ؟ ازدادت قبضتيه عليها لتطلق تأوهاً بينما هو لم يتوانى عن صياحه بوجهها : ـ أيتها الغ*ية، هل تعتقدين بأنني سأقوم بذلك ؟؟ لم أكن لأفعل ذلك ... ماذا تظنين ؟ أنني أنانيٌّ مثلكِ ؟؟ لا أفكر سوى بنفسي ؟ ألهذا السبب لم تُخبريني في خشيةٍ بأنني قد لا أوافق ؟؟ بادلته بعصبية وهي تحاول التملص من بين يديه : ـ هل تراني أنانية ؟؟ أنا أفكر بنفسي فقط ؟ دفعها للتراجع للخلف وهو على حاله : ـ وماذا تُسمين ذلك ؟؟ تتخذين قراراتٍ مصيرية دون مشورتي، إن كنتِ ترينني بهذه التفاهة لما قبلتي بالزواج مني وأنت تعلمين بأنني لن أقبل مطلقاً بأن يفرض عليّ أحدهم أمراً واقعاً ؟؟ أُحتقن وجهها بالدماء وهي تجيبه : ـ كنت أعتقد بأنك تثق بي ولن تُعارضني بشئ، أفق خالد لست طفلاً ولا شاباً مستهتر ... أنت طبيبٌ ناضج وعقلك لن يقف على تلك التفاهات يجب أن تكون أكثر تحضراً من ذلك ... اتسعت عينيه بشكلٍ مخيف وهو ينقض عليها ممسكاً بذراعها : ـ أي تفاهاتٍ يا سيدة ؟!! أتسمين احترامكِ لي تفاهات ؟؟ هل بات خوفي عليكِ وحمايتي لكِ تفاهات ؟؟ هل ترين بأن التقليل من شأني أمام الجميع حينما يسألني أحدهم أين زوجتك ولا أعرف بما أُجيب تكون تفاهات ؟ أخبرهم بأنني كنت نائماً واستقيظت لأرى زوجتي تستعد للسفر دون علمي ؟ أجيبي ؟؟ جذبت ذراعها بعنفٍ منه وهي تهتف بحدة وتصميم : ـ لا يهمني الناس وما سيتفوهون به،ا****ة عليهم جميعاً، لن يوقفني أحد عن الوصول لمُبتغاي أياً يكن ... أياً يكن كررت كلمتها عن قصد ليقف مشدوهاً ممن تقف أمامه بشخصيةٍ لم يراها سابقاً، هتف بغير تصديق مردداً : ـ من أنتِ !! أنا لا أعرفك !! تحدثت بجمودٍ وهي تُمسك بحقيبة سفرها : ـ سأنتظرك خالد لا تتأخر تحركت بحقيبتها ليوقفها صوته الذي خرج بدون حياة : ـ إن خرجتِ لن يعود كل شئٍ كما كان زفرت بحدة لتعاود جذب حقيبتها وهي تهتف دون مبالاة : ـ سأنتظرك ************************************* أسبوعاً .... والثاني والثالث ليمر شهراً حاربت بهم الألم الذي كان يستبيح روحها، القوة الزائفة التي كانت تتصنعها باحترافية أمام الجميع كانت تذهب أدراج الرياح ما إن يُغلق عليها باب حجرتها. لم تكن تدرك بأن الأمر عسيرٌ لتلك الدرجة، حسناً هذه ليست أول علاقة ... عوضاً عن خطيبها السابق إلا أنها اكتشفت وببساطة بأنها كانت تعيش وهماً باسم الحب، الواقع هو الطبيب ... الحقيقة هي الطبيب كانت تقف وسط المياه الدافئة التي وصلت لركبتيها وحيدة بعد أن تركتها فرح بناءاً على رغبتها، لا صوت يحيط بها سوى صوت الأمواج التي تصطدم بقدميها، الطقس بارد .... لن يشكل فارقاً إن كانت حياتها الآن قائمة على أساسٍ واحد وهو الجفاء والبرودة. كل ما جال بخاطرها الآن هي كلماته القاتلة وعلى رأسها " متزوج " كلمة وقعُها أصاب في مقتل قالها لتشعر بنصلِ السكين البارد يسلبُ روحها ببطءٍ مستلذاً برؤيتها تعاني من سكراتِ الموت ... كل ما حولها الآن يدور ببطءٍ، كل ما يطرق أذنيها هو صوت ضربات خافقها والتي كانت تتباطأ تدريجياً بينما تشعر بالاختناق وأنفاسها التي تكاد تختفي .... شهيقاً عالياً ملئت به رئتيها لترفع رأسها للسماء لتستنشق أنفها رائحة المطر، لم تُخطئ حينما لامست أول قطرةٍ وجنتيها لتتشنج معالمها حسرة وهي تصرخ عالياً بحدة : ـ أنا لست بخير .... هل تسمعني طبيبي ؟ لست بخير ولكنني لا أحتاجك بجانبي، لطالما عشقت الوحدة، أحب أن أختارها بنفسي ... لا أريد لأحدهم أن يفرضها عليّ، لذلك سأقوم بمَحيكِ من عقلي .... وبكل سهولةٍ.... أتعلم لماذا ؟؟ لأنك لم تتواجد سوى بمكانه لا تكاد تُذكر، أسمعت ؟؟؟ كانت الأمطار تنهمر بغزارةٍ عليها بينما هي على حالها وسط المياه، نزعت عصابتها بعنف من على عينيها وهي تقوم بإلقائها بعيداً : ـ ا****ة على كل ما يُذكرني بك، " لا تنزعيها سوى بالوقت المناسب " أليس كذلك ؟؟ هل كنت على علمٍ بما ستفعله بي أيها الو*د ؟؟ أنا أكرهك ... توقفت عن الصراخ ليص*ر الرعد صوتاً قوياً يبث الجزع بمن يستمع إليه إلا أنها لم تكن لتنتبه لكل ذلك في خِضام حالة العنف التي تسيطر عليها، كانت تلهث بقوة وقد احمرت شُعيرات عينيها من الغضب لتُفاجئ بصوتٍ من الخلف : ـ هناء ؟ التفتت ببطءٍ نحو مص*ر الصوت ليعاود الهتاف وهو يقترب منها : ـ هيا لنعد للداخل، سوف تمرضين . تحدثت بهدوءٍ شديد يُنافي حالة الإعصار التي كانت بها منذ لحظات : ـ لا تقلق عمر أنا بخير ابتسم ابتسامة أفصحت عن نواجذه موافقاً : ـ أنا أعلم ذلك، أنتِ قوية هناء لطالما رأيت بكِ الروح التي لا تُلقي بالاً لما قد يحدث من حولها لا تدع شيئاً يؤثر عليها رفعت جانب فمها بسُخرية وهي تُردد : ـ ليتني لم أُخيب ظنك ؟ أردف بهدوءٍ دون أن تُمحى ابتسامته : ـ دعينا نتحدث بالداخل، أيمكن ؟ تحركت في صمت وهو يجاورها تاركين تلك العصابة السوداء تحملها أمواج المياه بعيداً نحو الأعماق ************************************* عيناه قد أحاطت بهما الهالات السوداء، لحيته قد ازدادت كثافة ووِجنتيه غائرتين .... لم تعبأ به ورحلت ومنذ وقتها وكبرياءه يرفض وبشده أي محاولة للتواصل معها،توسلته والدته أن يُعيدها إلا أن إجابته كانت واحدة : ـ لقد خرجت عن طوع زوجها وان لم تعد في غضون الأسبوع فذمتي بريئة منها كانت والدتهُ تشعر بالشفقةِ الشديدة عليها لكونها يتيمة لم يعد لديها أحد وهي صبية ولازال بها بعض الطيش لتحاول معه عدة مرات إلى أن نجحت بإقناعه بمنحها فرصه أُخرى ولا يتعجل بقراره .. والآن هو يقبع بمقعده على الطائرةِ المتوجهةِ نحو برلين وبداخله براكين تهدد بالانفجار ... فقط ليصل ولن يستطيع أحد ردعه عما سيفعله بها قاطع حبل أفكاره هتاف المُضيفة التي كانت تعاون فتاةً كفيفة بالجلوس بجواره : ـ فقط خطوتين يا آنسة، أجل ؟ تحركت الفتاة ببطءٍ لتتعركل بقدم خالد لتهتف بلكنتها الإنجليزية : ـ أعتذر أومأ برأسه وهو يتنحى جانباً لتجلس بمساعدة المضيفة : ـ لا عليكِ بعد أن جلست الفتاة ورحلت المضيفة جاورها هو في مقعده وهو يحدق بها لتتدفق ذكرياته المُحملة بضحكاتها الرنانة.... بريق عينيها ... لسانها السليط .... خصلاتها الناعمة وعصبيتها المفرطة، كل شئٍ بها كان كالمغناطيس يجذب بلا هوان .... خمس أسابيع ويومان، كيف مر كل ذلك دون أن يراها ولو لمرة واحدة ؟ مسح على وجهه بقوة وهو يزفر بحرقة .... حدق بالنافذة التي بجواره لتلين معالمه حزن وهو يشعر بغصة مريرة بحلقه، همس بألم لنفسه : ـ أفتقدكِ بجنون جوهرتي لن يستطيع الإنكار أكثر من ذلك، طوال تلك المدة وهو يحاول أن يُفسر كل ما آلت إليه حاله، لطالما توصل إلى نتيجة واحدة إلا أن عقله رفض تصديقها وهو يهتف قائلاً " شوقها وزر .... ورؤيتها معصية " إلا أن كل ما يحدث فاق قدرته على التحمل ليهتف بالحقيقة التي رضخ لها وهي ..... " هل تحبها لتلك الدرجة ؟ " لم يكن مص*ر هذا السؤال الذي قطع أفكاره سوى تلك الكفيفة التي تجاوره، حينما وصل لمسامعها همسه الخافت لم تستطع منع فضولها القاتل من سؤاله . تعجب من فهمها العربية ليتساءل بالإنجليزية : ـ تتحدثين العربية ؟ ابتسمت الأخرى مُجيبة بلكنتها : ـ القليل، إن لم يكن لد*ك مانع ؟ لست مضطراً للإجابة ولكني فضولية . مر بعض الوقت في صمت ليتن*د بينما ارتسم الألم على محياة متحدثاً بالإنجليزية بطلاقه : ـ ربما لم أرى منها سوى القليل فقد كانت تعاني إلا أنني كنتُ كالأبله ولم أكن على علم بأن هذا القليل كان كل ما تملكه هي، فقدتها ... وعدتني بذلك حينما أخبرتني يومها " ستفتقدني كثيراً طبيبي ... أعدك بذلك " عقدت الفتاة جبينها قائلةً : ـ ماذا حدث ؟ هل أصابها مكروه ؟ هز رأسه بالنفي مُجيباً : ـ لا، لكنني لا أعلم عنها شيئاً بعد أن رحلت .... ابتسم من وسط حزنه ليردف قائلاً : ـ أخبرتني ذات مرة بأن السعادة هي أن تجد شخصاً يشبه روحك وأنني أشبهها وسعادتها بجواري، كنت أنانياً حينما أشعر بالاختناق لم أكن أريد فعل شئ سوى التواجد معها ... رؤيتها ... التحديق بمعالمها البريئة التي كانت تشعرني بمدى طيبة قلبها، ويا ويلي حينما يتَردد صدى ضحكاتها بأذاني.... ضحك بخفوتٍ لتضحك الفتاة هي الأُخرى ليُكمل بعدها : ـ لا أشعر بنفسي سوى وأنا أحدق بها مُبتسماً ببلاهة وبأنني اكتفيت من كل شئ إلا منها، روحي ترتاح لروحها ... ائنس بها واكتمل بوجودها أفاق من حالة اللاوعي التي كان بها ليرمش بجفنيه قليلاً وهو يحدق بالفتاة من طرف عينه، أغمض جفنيه وهو يتساءل بتلعثم : ـ أنا ... أا أنا أُح ... أُحبها أليس كذلك ؟؟ تحرك بناظريه نحو الفتاة ليجدها تضحك هاتفةً باستنكار : ـ تحبها ؟؟!! هل استمعت لنبرة صوتك وأنت تتحدث ؟ عاد بحدقتيه نحو الأمام وقد تقارب حاجبيه بحزن، لحظاتٍ من الصمت لتتساءل : ـ افترقتما ؟ خرج صوته مهزوز : ـ أنا من .... تخليتُ عنها أخرجت الفتاة نفسياً عميقاً وهي تعتدل مُرددة : ـ لطالما أخبرت نفسي بأن الأصعب من الشعور هو التعبير عن تلك المشاعر ولم أكن مخطئة حينما وجدتك مثالاً لذلك، ربما قد تكون هناك فرصةٌ دائماً ما يكون الجُرح هو الشق الذي يلج منه النور فقط كل ما يتطلبه الأمر أن تسعى لالتئامه ولكن .... كل ذلك يعتمد على رغبتك بالعودة إليها قالت جملتها الأخيرة بتشديد ليحدق بها لثوانٍ ثم ما لبث أن هتف بجمود وهو يعاود التحديق بالنافذة : ـ أنا متزوج وكأنه إقراراً منه بأنه لا توجد فرصة للعودة، إعتلت الصدمة معالمها لثوانٍ ثم ما لبثت أن حدقت بالأمام وهي تُردد : ـ سُعدتُ بلقائك أومأ برأسه بصمت ليستمر مُحدقاً بالنافذة، لن يتخلى عن زوجته ولن يستطيع أن يحبها ... بعد أن أدرك تلك الحقيقة وان ما قضاه من السنين سابقاً ما هو سوى حلمٌ زائف أيقظته منه تلك العنيدة لم يعد هناك مجال للعودة، ربما كانت لديه الفرصة قُبيل الزفاف بأيامٍ معدودةٍ إلا أنه لم يكن يعي لماهية ما بداخله اتجاهها .... شئٌ مختلف عما كان يحمله اتجاه زوجته ما ص*ر منه مجرد تهديد لها بالخضوع إلا أن زوجته لابد لها من بعض التهذيب وهو الآن في سبيله للقيام بهذا، لن يستطيع تقديم قلبه لها ولكن لن يتوانى للحظه عن منحها الاحترام والمعاملةِ الطيبة وبالمقابل يتمنى أن ترضخ له ولو قليلاً ..... ********************************* ـ مباركٌ زياد هذه نتائج الفحوصات، تستطيع هناء الخضوع لجراحةٍ بعينيها ونسبة الشفاء تتعدى التسعون بالمائة هتف عمر ببشارته لرفيقه الذي اتسعت ابتسامته بالتزامن مع عبراته التي تعلقت بمقلتيه مُردداً الحمد .... ربت عمر على كتفه مُردفاً : ـ وفر تلك العبرات لنجاح العملية،والآن أريدك أن تدعها لي الأيام المُقبلة منذ الآن فصاعداً أنا سأتولى مسؤليتها أومأ الآخر برأسه موافقاً إلا أنه ردد بتوجس : ـ ولكن لا أعلم ما الذي أصابها مرة أخرى لقد كانت تتعافى بشكلٍ سريع طمأنه الآخر قائلاً : ـ لا عليك دعها لي يجب أن أُهيأها قبل الجراحة على الأقل شهرين، خلالهم يجب أن تلتزم ببعض العقاقير وفحوصاتٍ مستمرة وبإذن الله بعد الجراحة سيكتب الله لها الشفاء ابتسم زياد بسعادة وهو يعانق صديقه بود : ـ شكراً لك عمر، شكراً على كل شئ ضحك الآخر ممازحاً وهو يوكزه في كتفه : ـ أيها الأبله وهل تراني قد بدأت بشئ لازلنا بالبداية تحدث زياد بفرحه وهو يُخرج هاتفه ليُهاتف والدته : ـ لابد لي من الاتصال بأمي لأوصل لها البشارة كانت تجلس مع فرح التي تحاول أن تتسامر معها وقد نفذ صبرها لتهتف بضيق : ـ ما بكِ يا فتاة،ابتسم لن يتوقف العالم على حزنك حركت هناء رأسها نحوها وهي تهتف بحدة : ـ فرح، أنا لا أُطيق التحدث مع أحدٍ الآن اتركيني وشأني نفخت الأخرى بعصبية وهي تسارع بالنهوض إلا أنّ نداء هناء أوقفها : ـ إنتظري ؟ توقفت فرح مكانها وهي تهز رأسها يئساً منها وخاصةً وهي تعلم بأن تلك النبرة الخفيضة من صوتها تحمل في جُعبتها سؤالاً واحداً فقط : ـ هل هو بخير ؟ أغمضت فرح عينيها بقلةِ حيلة وهي تستدير نحوها مرددةً : ـ بخيرٍ هناء، سافر الأمس لألمانيا انتبهت فرح لتعابير هناء التي إكتساها الألم لثانيتين ومن ثَمَّ قتلها الجمود لتتحدث : ـ تباً لاشتياقي إليه، ذلك الحنين الذي أشعر به يُعيد إليّ ذكرياتٍ أحاول دفنها إلّا أنني لا أنفك أشعر بأنني أحيا على هذه الذكرى عاودت فرح الجلوس بجوارها وهي تربت على كتفيها بحُنو مواسية : ـ عليكِ أن تتجاوزي ذلك هناء، أعلم بأنكِ تحاولين منذ وقتٍ طويل ولكن لا تيأسي أومأت الأُخرى بصمت ليقاطعهم ولوج فاطمه بجلبتها وهي تطلق الزغاريد، توجهت نحو ابنتها لتعانقها وهي تبكي سعادة : ـ الحمدلله، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ... الحمد لله تساءلت فرح بابتسامة صغيرة : ـ ماذا بكِ أمي ؟ ابتعدت فاطمه عن ابنتها لتغرق وجهها بالقبلات وهي تهتف : ـ زياد هاتفني ليخبرني بأن الله إن شاء سيعيد النور لعيني ابنتي من خلال جراحة ناجحة إفترقت شفتي هناء وقد لمعت عينيها بغير تصديق بينما صرخت فرح بسعادة وهي تقفز لتعانق كلتاهما : ـ الشكر لله،وأخيراً ستعود الأمور لطبيعتها ... الحمد لله كانت هناء لا تزال في طَوْر صدمتها إلا أنها أفاقت منه أخيراً لترتسم ابتسامة واسعة على شفتيها للحظات لتتلاشى بعدها ببطءٍ وهي تعض على شفتيها للداخل، كم كانت تتمنى لو كان متواجداً الآن بجوارها ليشاركها الفرحة ؟؟ كم ودت لو كان هو من يسوق إليها تلك البشارة لتزداد سعادتها وحبها له .... أغمضت جفنيها لتتساقط عبرةً منها لم تنتبه لها فاطمه ولا فرح اللتين تتحادثان بفرحه، عبرةً خرجت مُحملةً بما يعتمله ص*رها من حزن وفراق ... إرتشحت وهي تقوم بفتحهما لتهمس لنفسها : ـ بداية الأمل، أهم ما قد يتعلمه المرء لا يكون إلا بالألم ... ************************************
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD