وِزر الاشتياقِ وَمعصية الرؤية
" الفصل التاسع "
بعدِ مُرورِ شهرين..
ـ مباركٌ لك يا عريس
هتف عمر بتلك الجملة وهو يعانق خالد بالحديقة المتلألئة بأنوارها وزينتها المُقام بها حفل الزفاف،ابتسم خالد بإرهاقٍ وهو يبادله العناق هاتفاً :
ـ لن تخدعني بمباركاتك حتى أراك عريس المستقبل
ضحك عمر وهو يرفع راحتيه للسماء مردداً :
ـ أدع الله لييسر لي الحال يا رفيقي، أنا على وشك خوض تلك المعركة
ارتفع حاجبي الآخر بدهشة وهو يُردد بابتسامة غير مصدقاً :
ـ ماذا تعني !! هل تعني بأنك بالفعل قررت ذلك !؟
ردد الآخر من وسط ابتسامته بحماس :
ـ نعم و لكن لم أتخذ أي مبادرة لذلك، أنا متُردد و لكن سيتطلب الأمر مني بعض الوقت لكي أحقق ما أريد ..... أدع يا رجل ؟
مط الآخر شفتيه وهو يضحك :
ـ أعانك الله أيها الطبيب
هتف الآخر بابتسامة :
ـ آمين .... أين عروس رفيقي ؟ لما تأخرت ؟
حدق خالد بساعة يده وهو يهز رأسه بالنفي مُجيباً :
ـ لا أعلم ... لما كل ذلك التأخير ؟
قاطعهما رنين هاتفه النقال ليحدق به، أجاب بهدوءٍ بينما عمر يحدق بمن حوله باستمتاع :
ـ أين أصبحتم ؟ حسناً أنا قادمٌ إليكم ....
أغلق الهاتف ليتحدث متحركاً :
ـ لقد أتت ساره
ابتسم عمر ليتبعه ليبدأ الجميع بالانتباه ما إن وصلهم الخبر بقدوم العروس ليتأهب الكل في انتظار ولوجُها.
ترجلت ساره بفستان الزفاف من السيارة لتعاونها رفيقاتها اللآتي كن بصُحبتها وبالخلف صديقاتها تُطلق الزغاريد، تحركت نحو المدخل بفستانها الأبيض الضخم مُتأبطةً ذراع عمها الذي سيرافقها لزوجها ....
لقد عانت وبشدة، منذُ فقدانِ والدتها وقد باتت جامدة، لقد انطفأت.. لم يعد لها سوى خالد..
شهرينِ وهي تشعر بروحها تتمزق على إثر فقدانِ أعز ما تملك، إلا أنّ خالد لم يتركها.. تساءلت في قرارةِ نفسها ما الذي كان سيحدث لو لم يكن هو بحياتها؟؟
تجمعت العبرات بعينيها وقد اختنقت بالبكاءِ لتجد عمها يقوم بالربتِ على يديها وهو يمسح عبراتها التي علقت بجفنيها هامساً:
ـ هونِ عليكِ يا ابنتي..
تساقط العبرات وهي تهمس بنبرة مختنقة بالبكاء:
ـ أفتقد أمي كثيراً.. ليتها كانت برفقتي اليوم
أردف وهو يسيرُ بها نحو المدخل:
ـ اذكري الله واعلمي بأننا جميعاً فانون وسنلحق بها يوماً.. لقد عوضكِ الله بزوجٍ كخالد لا يساويهِ شئ، حافظي عليهِ ولا تتركيهِ أبداً سيكون لكِ عوناً
أومأت برأسها وهي تحاول أن تتماسك هامسةً:
ـ إنا للهِ وإنا إليهِ راجعون.. حسناً
سكونٌ قاتل لا يخلو من بعض الهمسات من المدعوين الذي كانوا مُحدقين بالمدخل الذي ستدلف منه العروس، كان يقف بجوار رفاقه في انتظارها بابتسامة باهتةٍ غابت لمعتها منذ ذلك اليوم
منذ وقتها وقد شعر بأن جزءاً بداخله قد بات مُعتماً وبدون روح، لا ينفك المشهد يُعاد أمام ناظريه وكأنه فيلماً يُعرض ليحكي عن معاناتها في تلك اللحظة، أقحم نفسه بالكثير من العمل الشاق لتغيب عن ذاكرته إلا أن ذلك لم يحدث ... ما الذي يفكر به الآن ؟؟ الليلة ليلة زفافه ما هذا الجنون ؟؟
دقائق معدودةٍ من الانتظار من الجميع لتتسع بعدها حدقتيه وقد افترقت شفتيه ما إن وقعت عينيه على تلك الحوريةِ التي تتهادى في فستانها الأحمر وهي تدلف برفقة فتاةٍ ما، تنوعت نظرات المدعوين ما بين الاستغراب والاستنكار متسائلين عن أي عروسٍ قد ترتدي فستاناً أحمر في ليلة زفافها ؟؟
لا يدري ما الذي يجب عليهِ فعلهُ الآن؟؟ لماذا؟ لماذا الآن عاودت الظهور بحياتهِ؟؟ لقد اتخذ قراراً في المُضيّ قُدماً إلا أنّها لم تُعطهِ الفرصة بالفوز وها هي الآن أمامهُ تُعلن عن هزيمتهُ وبجدارة..
شوقٌ قاتل.. وللغاية، هذا كل ما يتملك جسدهُ وروحهُ الآن.. لانت عينيهِ قهراً وهو يهمس بصوتٍ لا يُسمع:
ـ لا هناء.. هذا ليس عادلاً
ليس من العدل ما تقوم بفعلهِ الآن بداخله، ليس عادلاً هذهِ الحرب التي قد أضرمت على إثر رؤيتها!!
تجمد أرضاً وهو يدور بمقلتيه السوداء عليها بدءاً من خصلات شعرها الأ**د التي قامت برفعها لأعلى في تصفيفةٍ رقيقةٍ لتهبط عينيه على وجهها الملائكي والذي ساهمت القليل من مستحضرات التجميل من زيادة فتنته لفستانها الأحمر الذي جذب الأنظار إليه ليصل لمسامعه همساً من أحد رفاقه للآخر :
ـ من تلك الشعلةِ الناريةِ يا رجل ؟
كلماتٌ جعلت غرائزهُ تشتعل دونَ إرادة وهو يلتفت بغضبٍ شديد نحو مَن يتحدث رامياً له بنظراتٍ نارية ليُعاود التحديق بحاجبين مقطبين نحو من تتقدم ببطءٍ وهي تستند على زوجة شقيقها التي رمشت بعينيها بتوترٍ وارتباكٍ من تلك الأعين التي تُحدق بهما، مالت على أذنيّ هناء لتهمس بخجل :
ـ هناء لما الكُل يحدق نحونا بتلك الطريقة ؟؟ والأغرب أنهم مُتفاجئون بشدة ؟؟
ضحكت الأخرى مُفصحةً عن نواجذها لتجذب انتباهه نحوها ليشعر بأن عقله على وشك الذهاب بعيداً، همس بأعين مُشتاقة:
ـشهرين وثلاثُ أيام وخمسُ ساعاتٍ لم أرى هذهِ الابتسامة.. ألهذا الحدُ قسوتُ على قلبي!!
رمش بعينيه قليلاً وهو يحاول إفاقة نفسه من بوادر تلك الحالة هامساً لنفسه:
ـ أعنّي يا إلهي.. لا يجبُ عليا الشعورُ بذلك والآن!!
حدق بها ليقطب بين حاجبيه بحدةٍ وهو يهم بالتقدم نحوها إلا أنه تفاجئ بذهاب رفيقه نحوهما وهو يبتسم ابتسامة واسعة هاتفاً :
ـ هناء !؟ مرحباً ؟؟
توقف بمكانه يراقب ما يحدث أمام ناظريه ليجد رفيقه قد وقف يتحدث معهما و يتسامر بكل أريحية، نيرانٌ مُستعرة.. كانت تلتهمه وهو يرى ما يحدث أمامهُ، لا يستطيع .. لا يستطيع التحمل، لم يكن لها لتأتي الليلة.. قطب بين حاجبيهِ بحدة وحزن وهو يهمس لنفسهِ:
ـ حسناً قدومكِ يعني رضاؤك عن كل ما سأقوم بهِ حتى وإن كان مُحرماً..
تغلف بقناعِ الجمودِ ليتحرك نحوهم .... وصل لهم ليهتف ببرود :
ـ مساءُ الخير ؟
ما إن استمعت لصوته وقد انهارت كُلياً، ودونِ شعورٍ منها كانت قدميها هُلاماً لتُسارع فرح بتقويتها والشد على يديها هامسةً:
ـ تماسكِ
رفعت عينيها نحو مص*رِ الصوت، لتحاول الحفاظ على رباطةِ جأشها وهي بداخلها تُريدُ الصراخ، ألهذهِ الدرجة هو وغد.. يا إلهي كيف له بأن يكون بهذا الهدوء والسكينة؟؟
شهرين وفؤادها يتمزق بحسرة على حالها، حاولت التحدث ببرودٍ شديدٍ وهي تُبادله التحية إلا أنّ أنفاسها خانتها وهي تخرج مُتقطعة:
ـ مساءُ.. مساءُ الخير
كان على وشك التحدث إلا أن قاطعهم ولُوج زوجته ليكز على أسنانه غيظاً وهو يبتعد هاتفاً :
ـ أتت زوجتي
تحرك لينصرف ليهتف عمر بابتسامة:
ـ هيا سيبدأ الحفل لنذهب
أومأت فرح بابتسامتها لتتحرك وهي تجذب من بيدها والتي شعرت بقبضةٍ جليدية قد اعتصرت قلبها حينما وقع على أذنيها لقب " زوجتي "، تبعتهم بجمودٍ شديد وكل خطوةٍ تخطوها وكأنها تُساق إلى مِنصة الذبح، حاولت استعادة ثباتها وهي تأخذ شهيقاً عالياً .... انتبهت لها فرح لتشعر بها، قبضت على يديها تساندها وهي تُربت عليها لتحرك هناء رأسها نحوها وهي تبتسم بخفوتٍ هامسةً:
ـ أنا بخير
بدأت مراسم الترحيب بالعروسين لتتحدث هناء بجمودٍ لفرح :
ـ أريد الجلوس الليلة على ما يبدو ستكون طويلة، هيا صفِ لي الحفل ...
كانت كلتاهما على وشك التحرك ليقاطعهم مجيء عمر نحوهما وهو يهتف بابتسامته:
ـ هل تسمحن لي بمرافقتكن يا جميلات ؟
ضحكت كلتاهما لتهتف فرح مُستغلةً الموقف :
ـ وبناءاً عليه قف مع هناء قليلاً أريد إحضار بعض العصائر والحلوى
ضحك عمر بتهكم وهو يُردد بسُخرية :
ـ أعانك الله على ابتلائك يا زياد
ابتسمت هناء ملئ بحزنٍ شديد بينما وكزته فرح بكتفه وهي تهتف بغيظ :
ـ إصمت و لا تتدخل هو يحبني رغم كل شئ، لا تزعج نفسك
رفع حاجباً وهو يُردد بحالمية :
ـ نعم، قصة عشق زياد وفرح ومَن لا يعرفها، حسناً اذهبي واحضري لي عصير ليمون
هتفت بعنادٍ وهي تبتعد مازحة :
ـ تزوج يا طبيب لتخدمك حرمك المصون
ابتعدت عنهما وسط ضحك الجميع ليقف عمر بجوار هناء وهو يُردد بابتسامة متسائلاً باهتمام :
ـ كيف حالكِ اليوم هناء ؟
صمتت للحظة بما تُجيبه ؟ إلا أنها ابتسمت ببرودٍ وهي تُجيب :
ـ رائعة
أنهت كلمتها لتضحك بقهرٍ بينما هو قطّب بين حاجبيه لوهلة ثم ما لبث أن تغاضى عن ذلك لتتسع ابتسامته وهو يحدق بالعروسين هاتفاً :
ـ هذا جيد ..... يليق كل واحدٍ منهما بالآخر
احتل الجمود معالمها وهي تتحدث مؤكدةً :
ـ على الرغم من كوني لا أرى إلا أنني أوافقك، أشعر بذلك من أعماق قلبي .... روميو و جوليت
أنهت حديثها لتقهقه بعد أن نطقت بالاسمَين، بادلها الضحك دون أن ينتبه لنبرة السُخرية بضحكاتها ....
بينما على الجانب الآخر وأثناء رقصه مع زوجته وقعت عينيه عليهما ليحدق بهم بصمت، دون أن يشعر اشتدت قبضته على خصر زوجته لتهتف بحاجبين مقطبين بألم :
ـ خالد أنت تؤلمني ؟
لم ينتبه لها لتعاود الهتاف مرة أُخرى :
ـ خالد هل تسمعني ؟ أنا أحدثك ؟؟
انتبه لها أخيراً ليُردد بتساؤل بحاجبيه المُقطبين :
ـ ماذا هناك ؟
هتفت بضيق وهي تتلوى بين راحتيه :
ـ قبضتيك تؤلماني
رمش بعينيه قليلاً ليستوعب ما تقصده ومن ثَمَّ خففهما وهو يُردد معتذراً :
ـ أسف
أومأت الأخرى بغيظٍ هاتفةً :
ـ لا عليك
عاود هو التحديق بزوج الكناريا اللذين يقفان بأحد الجوانب يتسامران لتحتد نظراته وهو يُردد بداخله :
ـ أتمنى أن أكون مُخطئاً بما أُفكر
بعد مرور بعض الوقت كان الجميع يجلس ليتنعموا بالقليل من الراحة، هتفت هناء لفرح :
ـ لنبارك لكلاهما ثم ننصرف هيا بنا
أومأت فرح برأسها لتنهض لتعاون الأخرى، انتبه لهما عمر الذي كان يجلس بصحبتهما ليتساءل :
ـ ماذا هل ستذهبان ؟
هتفت هناء بابتسامة مُجاملة وهي تتحرك بواسطة فرح :
ـ يجب علينا المغادرةُ الآن، إلى اللقاء ...
هتف عمر معترضاً :
ـ حسناً، و لكن كما ترون لن أسمح لكم بالذهاب بمفردكم أنتم تمزحون
تحدثت فرح وهي تبتسم :
ـ لا داعي عمر، الساعة لا تزال العاشرة ... وزياد سيأتي ليُقلنا بعد أن أهاتفه
اعترض الآخر بجدية قائلاً :
ـ توقفي عن ذلك فرح، وكأنني بغريب! ... هيا لنذهب
تن*دت كلتاهما باستسلام لتتحدث فرح بهدوءٍ :
ـ حسناً، انتظرنا بسيارتك بينما نبارك للعروسين
أومأ هو برأسه وهو ينصرف :
ـ حسناً لا تتأخروا
انصرف لتهتف هناء بجمودٍ :
ـ هيا فرح لم أعد أُطيق التواجد هنا
تحركت بها فرح قائلةً :
ـ حسناً عزيزتي هيا ....
توجهت كلتاهما تحت أنظار الجميع التي تحدق بهم و خاصةً سوداوتيه اللتين كانتا تتأملانها بدون أن يحيد بهما عنها، تعلقت عينيه بوقع خطواتها الهادئة التي تقترب منه أكثر فأكثر .... و دون إرادةٍ هامت مقلتيه بعد أن شرد بجمال تفاصيلها المُنمقة، عقد حاجبيه بغضبٍ وحزن:
ـ كيف تمكن مِن فعل هذا بنفسهِ؟؟
أغمض عينيه بقوةٍ وهو يكز على أسنانه غيظاً وهو يهمس لنفسه بصوتٍ خفيض :
ـ بحفل زفافك وبجوار زوجتك!!؟؟ أفق لقد فات الأوانَ على هذا
فتح جفنيه ليراها أمامه هي و زوجة شقيقها ليقف برزانةٍ تجاوره زوجته التي حدقت بكلتاهما بحاجبٍ مرفوع، هتفت فرح بابتسامة صفراء :
ـ مباركٌ لكما
رفعت ساره ذقنها بكبرياء وهي تُردد :
ـ شكراً
شعرت فرح بالقليل من الحرج وكذلك هناء التي لم تخطئ أذنيها تلك النبرة المُتعالية لتكز على أسنانها غيظاً وهي تكبح شعورها بالانقضاض على تلك المتفاخرة وتمزيق خصلاتها .
شعر خالد بالتوتر الذي يسيطر على الجميع ليهتف بابتسامة مُجاملة :
ـ شكراً لكِ سيدتي
أومأت فرح بابتسامة صفراء بينما حدقتيها تُحدقان كُرهاً نحو تلك الحَيّة التي تقف في ثوب زفافها، تحركت عينيه نحو من تقف أمامه في حالةٍ من الصمت الإلهي حدق بها لثوانٍ لتشعر بنظراته الأشبه بالأسهم تخترق جسدها لتلوي جانب فمها بتهكم وهي ترفع عينيها نحوه ليطلق تنهيدة عميقة بدون صوت وهو يتمعن بتلك الأعين اللامعة ....
هتفت بابتسامة زائفة بينما بداخلها تحارب الألم الذي يتغلغل بداخل أعماقها :
ـ مباركٌ أيها الطبيب، جئت بدون دعوة .... ربما لأنني لست مجرد شخصٍ عابر تفهم ما أعنيه ... أقصد أشهراً وأنت تعالجني أليس كذلك ؟
اختفت التعابير من وجهه ليحدق بها بوجهٍ كالتمثال بينما يشعر بتلك البرودة تملئ كل ما يحيط به :
ـ بالتأكيد آنستي
عضت شفتيها من داخل فمها مُردفةً بابتسامتها المُصطنعة :
ـ أتمنى لكما حياةً سعيدة، عمر بانتظارنا فرح لنذهب
وجهت جملتها الأخيرة لفرح لتتحرك بها تحت أنظاره التي لمعت بها نظرة الغضب لتتلاشى من فورها وهو يتصنع البرود ليجلس بجوار زوجته بينما أنظاره لا تزال مُثبته على من تبتعد عنه لينتبه لأعين بعض المدعوين قد تعلقت بها بشكلٍ غير لائق .....
ابتسمت فرح وهي تشد أزرها متحدثة :
ـ أحسنتِ عزيزتي كنتِ قوية
فقط تسير بصمت ليخرج صوتها مهزوزاً :
ـ علامَ تُهنئيني فرح ؟ لم يبدأ الألم بعد، لحظة الفراق يكون بها الشخص قوياً أوانه يحاول إقناع نفسه بذلك حتى لا يُظهر ضعفه وما إن تمر تلك الدقائق ليبدأ بعدها قناع القوة بالتصدع ليظهر الجانب الحقيقي من المعاناة، لن يكون باليسير ولكن لن أخضع له ... لن أعود كالسابق، إن كنت أؤمن سابقاً بالحب فبعد أن أحببت أصبحت لا أؤمن بالرجال ....
عارضتها الأخرى وهي توضح لها مفهومها الخاطئ :
ـ بالتأكيد ليس الجميع متشابه هناء، انظري لزياد هل ترينه مثلهم ؟
ردت الأخرى بانفعال :
ـ لا تُقارني ذلك المحتال بشقيقي
أومأت الأخرى لتُساير الموقف بابتسامتها :
ـ حسناً عزيزتي لنا حديثٌ في ذلك الموضوع، هناء سأذهب للحمام لدقائق لن أتأخر هل تنتظرينني هنا أم تُرافقيني ؟
هزت الأخرى رأسها بالنفي :
ـ لا أريد الوقوف بالهواء لأرتاح قليلاً
ابتسمت الأخرى وهي تربت على كتفها مُرددة :
ـ حسناً عزيزتي لن أتأخر
انصرفت وما إن شعرت الأُخرى بابتعادها وان المكان أصبح خالياً من حولها إلا وقد أطلقت الحرية لعبراتها التي ظلت حبيسة ذلك الوقت لتتساقط من عينيها بهدوءٍ وقد تغضنت تعابير وجهها ألماً لتبكي بصمت ....
أغمضت عينيها بقوة ليهتز كتفيها من النشيج الذي لا يص*ر منه صوت هامسةً لنفسها :
ـ ليس لد*ك الحق لتفعل بي هذا محبتي لك لا تعطيك الحق في تحطيمي
ـ ومن الذي يتجرأ لفعل ذلك بهذا الملاك ؟
هتف بذلك السؤال شخصاً يكاد يناهز الثلاثين من العمر وهو يقترب منها برفقة اثنين من رفاقه، شعرت بالتوتر الشديد لتهم بالالتفات مُدّعيه القوة دون أن تُعيرهم اهتماماً إلا أن محاولاتها باءت بالفشل حينما شعرت بتوقف أحدهم أمامها كالحائل ...
هتف ذلك الرجل مرة أخرى :
ـ لم العجلةُ يا حُلوة ؟
ضحك رفيقه الآخر وهو يتساءل :
ـ لم تُجيبي من حطمكِ أيتها الجميلة ؟ بالواقع لا يهمني من هو أعطيني الفرصة لأكون دوائكِ
هتفت بحدة وانفعال وهي تتراجع بخطواتٍ متعثرة للخلف :
ـ ابتعد أيها الو*د
أثناء رجعوها اصطدم ظهرها بواحدٍ آخر وهو يضحك لتنتفض للأمام بقوةٍ كمن لمسها تياراً كهربائياً ليهتف بسُخرية :
ـ لا تجزعي عزيزتي
صرخت بحدة:
ـ ابتعد يا حقير
لم تشعر بعدها سوى بقبضةٍ من حديد تمسك بمعصمها لتجذبها بقوةٍ لتسقط أرضاً وكل ما وصل لمسامعها في تلك اللحظة هو صوت سُبابه وبعض اللكمات :
ـ أقسم بأنني لن أرحم أحدكم، أيها الحقير كيف تتجرأ وتلمسها ؟؟ لن يُنجدك أحداً مني ....
بعد أن باركت له ولزوجته وقد تنبه لتلك الأعين التي تترصد أقرب فرصةٍ للانقضاض على فريستها، اشتعلت نيران الغضب بداخله وقد بدأت معالمه تتشنج بحدة وقدميه تهتز بعصبية بينما عقله يؤدي وظيفَته برسمِ أبشع المُخيلات التي قد تحدث لها
ما إن سنحت له الفرصة وأثناء ارتياح الجميع وقد استغل فرصة التهاني ليبتعد نحو الخارج بحثاً عنها في سبيل الاطمئنان أنها بخير ورحلت دون عناء إلا أن آماله قد خابت حينما وقعت أعينه على ذلك المشهد الذي أخرج شيطانه ليندفع كالصاروخ مُنقضاً على ثلاثتهم وقد اشتبك بقوة معهم، كل من تطاله يده لم يسلم منه لتتعالى صيحاتهم وأصواتهم العالية التي جذبت الأنظار نحوهم ....
حاولت النهوض وهي تشعر بجسدها يرتجف بينما أنفاسها تتسارع وشهقاتها تخرج من وسط بكائها هاتفة :
ـ فرح ؟؟ فرح أين أنتي ؟؟
كان عمر يستقر بسيارته في انتظارهم إلا أن بعض الجلبةِ قد لفتت انتباهه ليترجل من السيارةِ وهو يتبع مص*ر الصوت بينما يتساءل بداخله :
ـ ما الذي يحدث ؟؟
وصل لمص*ر الصوت لتقع عينيه على خالد الذي يقبع فوق أحدهم أرضاً ويُكيل له اللكمات بينما خمساً من الأشخاص قد تجمعوا حولهم في محاولةً لفضِ الاشتباك، التقطت عيناه حالة هناء التي يُرثى لها وهي بين يديّ فرح التي تُحاول تهدئتها ليترجم عقله كل ما يحدث وانّ المشكلة تخصها ...
اندفع مسرعاً نحو الآخر الذي لا يستطيع أحد إيقافه ليكبله من الخلف وهو يهتف عالياً :
ـ يكفي خالد سوف تقتله .
تلوى الآخر بعنفٍ بين يديه وهو يزمجر بحدة بأعينه التي تفتك بهؤلاء الشباب المستهتر:
ـ اتركني عمر، سأقتل ذلك الدنيء ... دعني قبل أن تلحق به
جملته خرجت بتهديد وهو يحاول التحرر من بين ذراعي الآخر الذي صاح بعصبية :
ـ قلت توقف لا يستحق ما تفعله
جحظت أعين الآخر بغضبٍ مُخيف وهو يزأر بمن تسيل الدماء من وجهه :
ـ كيف تجرأ على الاقتراب منها يا قذر ؟؟
ضاقت عينيّ عمر بحدة وهي تتنقل بين هناء وما إن ترجم عقله كل ما يحدث وقد أفلت عُقال الآخر ليندفع كالبرق نحوهم وهو يطيح بقبضته في وجه الشاب :
ـ قذر،هل تعلم ما عقوبة من يجرؤ على الاقتراب مما يخص عمر البحيري ؟؟
كان هو على وشك التقدم نحو رفيقه ليوقفه إلا أن كل ما بجسده قد تسَمّر مكانه وهو يستمع لصياحِه مُعلناً تلك الجملة التي جعلت كل ما حوله يتوقف ...
تنقلت مُقلتيه بشكلٍ سريع بينه وبين من هدأت قليلاً ولكن يبدو عليها أنها في حالةٍ من اللاوعي، لم تغفل فرح عن تلك الجملة التي جعلتها تفغر شفتيها بغير استيعاب بينما صداها يتُردد بأذنيها لتفيق حينما التقت عينيها المصدومة بعيني خالد الذي لم يكن بأقل حالاً منها.. لقد كانت مقلتيهِ على وشك الخروجِ مِن محجرها
عاد الجميع بأنظارهم نحو عمر ليجدوه قد تقدم ليقف أمام هناء مُتسائلاً بقلق يخالطه الحدة :
ـ هل مسكِ أحدهم بأذى ؟
هزت هي رأسها بالنفي وهي على حالها من التشتت :
ـ لا، أنا بخير ... أريد الرحيل
أومأ هو برأسه وهو يتحرك أمامهم متحدثاً بصرامة :
ـ هيا بنا
تحركوا مبتعدين عن الجمع الغفير الذي كان يتابع ما يحدث باهتمام وخاصةً وان العريس هو من يتعارك، كان يحدق في إثرهم وهو يشعر بأن هناك أنفاساً تُسلب منه شيئاً فشيئاً بينما شفتيه تُرددان سؤالاً واحداً :
ـ " ما يخص عمر البحيري " ماذا يقصد ؟
أيقظه من غفوته زوجته التي خرجت بعد أن وصلتها الأنباء بالمُشاجرة التي قام بها زوجها ليتبعها الأقارب :
ـ خالد ماذا حدث ؟
هتفت والدته بجزع وهي تحدق به بخوفٍ مُتفحصةً إياه بأعين قلقة :
ـ بُني ؟؟ ماذا حدث !! و لم تشاجرت ؟؟؟
حدق بهم قليلاً ليهز رأسه بالنفي وهو يرمش بعينيه مُطمئناً لهم :
ـ لا شئ أنا بخير، لنعد للداخل
همت ساره بالتساؤل بإلحاحها :
ـ ولكن ....
قاطعها بنبرة لا تقبل النقاش :
ـ لا أريد التحدث بالموضوع لنعد للداخل
تأففت بضيقٍ وهي تتحرك ليتبعه الجميع نحو الداخل، حانت منه التفاته نحو الطريق الذي انصرفت منه سيارة عمر التي تُقلهم ليهمس بألم :
ـ وداعاً جوهرتي الثمينة
*************************************